أسماء الله الحسنى

   
 


 

 

الصفحة الرئيسية

أسئلة ومراسلة لسماحة الشيخ

الامام علي بن أبي طالب

Guestbookتعليق الزوار

القرآن الكريم

تأملات قرآنية

العقائد

عباد الرحمن

العرب قبل الاسلام

قرأت لك كشكول

أسماء الله الحسنى

الأئمة الاثنى عشر

الأمام الحسن عليه السلام

الامام الحسين عليه السلام

الامام زين العابدين ع.س

الامام محمد الباقر ع.س

الامام جعفر الصادق ع.س

الامام موسئ الكاظم ع.س

الامام علي الرضا ع.س

الامام الجواد عليه السلام

الامام الهادي عليه السلام

الامام الحسن العسكري ع.س

الامام المهدي عجل الله فرجه

صور من وحي الاسلام

توقعات عن الامام المهدي

 


     
 

هو الله الذي لا إلاه إلاّ هو:

 

الرحمن- الرحيم- الملك- القدوس- السلام- المؤمن- المهيمن- العزيز- الجبار- المتكبر- الخالق- البارئ- المصور- الغفار- القهار- الوهاب- الرزاق- الفتاح- العليم- القابض- الباسط- الخافض- الرافع- المعز- المذل- السميع- البصير- الحكم- العدل- اللطيف- الخبير- الحليم- العظيم- الغفور- الشكور- العلي- الكبير- الحفيظ- المقيت- الحسيب- الجليل- الكريم- الرقيب- المجيب- الواسع- الحكيم- الودود- المجيد- الباعث- الشهيد- الحق- الوكيل- القوي- المتين- الولي- الحميد- المحصي- المبدئ- المعيد- المحي- المميت- الحي- القيوم- الواجد- الماجد- الواحد- الصمد- القادر- المقتدر- المقدم-المؤخر- الأول- الآخر- الظاهر- الباطن- الولي- المتعال- البر- التواب- المنتقم- الغفور- الرؤوف- مالك الملك- ذو الجلال والإكرام- المقسط- الجامع- الغني- المغني- المانع- الضار- النافع- النور- الهادي- الباقي- الوارث- الرشيد- الصبور-

 

 

 

 

 

هو الله الذي لا إلاه إلاّ هو:

 

الرحمن- الرحيم- الملك- القدوس- السلام- المؤمن- المهيمن- العزيز- الجبار- المتكبر- الخالق- البارئ- المصور- الغفار- القهار- الوهاب- الرزاق- الفتاح- العليم- القابض- الباسط- الخافض- الرافع- المعز- المذل- السميع- البصير- الحكم- العدل- اللطيف- الخبير- الحليم- العظيم- الغفور- الشكور- العلي- الكبير- الحفيظ- المقيت- الحسيب- الجليل- الكريم- الرقيب- المجيب- الواسع- الحكيم- الودود- المجيد- الباعث- الشهيد- الحق- الوكيل- القوي- المتين- الولي- الحميد- المحصي- المبدئ- المعيد- المحي- المميت- الحي- القيوم- الواجد- الماجد- الواحد- الصمد- القادر- المقتدر- المقدم-المؤخر- الأول- الآخر- الظاهر- الباطن- الولي- المتعال- البر- التواب- المنتقم- الغفور- الرؤوف- مالك الملك- ذو الجلال والإكرام- المقسط- الجامع- الغني- المغني- المانع- الضار- النافع- النور- الهادي- الباقي- الوارث- الرشيد- الصبور-

 

الفصل الأول

شرح الأسماء الحسنى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     

الله

 

 

لفظ الله كأسم يعتبر من أشمل أسماء رب العالمين الذي يدل عليه دلالة لا يشاركه به أحد على الإطلاق بخلاف بعض الأسماء (الصفات) التي يمكن أن يتصف بها بعض الناس بقرينة أو بدونها وهذا الأسم يحيط بجميع صفات الله دون بقية الصفات التي تشير إلى جانب معين من صفات الله كالخالق والرزاق والمحي والمميت.

 

وبتعبير آخر فإن لفظ الله بنفسه يحيط بجميع الصفات الجلالية والكمالية بعكس بقية الأسماء فإنها تشير إلى جانب من الصفات لا إلى كل الصفات ولأجل ذلك فإن لفظ الله يمكن أن يوصف ويخبر عنه بإحدى الصفات أو بكلها كما جاء في سورة الحشر في قوله تعالى:

"هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم")1)  

 

وكدليل على أن لفظ الله يجمع كل الصفات إن إعلان توحيد الله لا يتم إلا به كقولنا لا إله إلا الله ولا يفي قولنا لا إله إلا الرزاق مثلاً في تحقيق مقصودنا في الدلالة على التوحيد

 

ولفظ الله علمٌ للذات الإلهية المقدسة أطلق عليها بالغلبة ذلك أنه مأخوذ من كلمة الإله أي المعبود أو المحير الذي تتحير به العقول. قال السيد الطبطبائي قده : "وأما لفظ الجلالة ، فالله أصله الإله، حذفت الهمزة لكثرة الإستعمال، وإله الرجل يأله بمعنى عبد، أو من أله الرجل أو وله الرجل أي تحير ... سمي إلهاً لأنه معبود أو لأنه مما تحيرت في ذاته العقول والظاهر أنه علم بالغلبة"(2) أي من كثرة الإستعمال تعين هذا اللفظ كأسم للذات الإلهية. ومما يؤكد علمية لفظ الله أنه يوصف ببقية الصفات ولا يوصف به.

 

وكونه مأخوذا من أسم مشتق أي صفة (الإله أي المعبود) لا يضر بعلميته ذلك أن الصفة المنقولة إلى العلمية تتجرد تلقائياً من معناها السابق وتصبح بمثابة لفظ جديد، له معنى مغاير للمعنى السابق نظير كلمة بحر الدالة على المكان المستوعب للمياه المعروفة فإذا ما أسميت ولدي بالبحر فيصبح هذا اللفظ له معنى جديد مختلفاً تماماً عن المعنى السابق.

 

 

 

1. سورة الحشر آية 22-23-24

2. تفسير الميزان الجزء الأول ص18

وقد وقع كلام بين العلماء في أن لفظ الله أسم للذات المقدسة بجريان النعوت عليه أو أنه أسم للذات المقدسة مع جملة الصفات الإلهية.

قال صاحب مصباح الكفعمي: "الله أسم علم مفرد موضوع على ذات واجب الوجود تعالى شانه" (1)

وقال الغزالي: "الله أسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي فإن كل موجود سواه مستحق للوجود بذاته وإنما إستفاد الوجود منه تعالى" (2)

وقال الشهيد: "الله أسم للذات بجريان النعوت عليه. وقيل هو أسم للذات مع جملة الصفات الإلهية فإذا قلنا الله تعالى فمعناه الذات الموصوفة بالصفات الخاصة وهي صفات الكمال ونعوت الجلال" (3)

يبقى أن نشير إلى مسألة مهمة وهي: إن الله وصف نفسه بأنه "ليس كمثله شيء" ومع ذلك عندما يحدثنا الله عن نفسه فإنه يحدث عن نفسه بصيغة المذكر. فهل الله مذكر؟!

 

من الطبيعي والبديهي أنه ليس كذلك للأدلة العقلية والنقلية خاصة وأن آية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" تستصخرنا بذلك وتقطع كل طريق أمام وهمنا الباطل.

 

ولكن لو عدنا إلى كتب النحو وطرقنا ابوابها لزال الوهم وبانت الحقيقة كأجلى ما يمكن أن يكون الجلاء ففي باب الممنوع من الصرف يقول النحاة أن الممنوع من الصرف هو ما إجتمعت فيه علتان فرعيتان من علل تسع أو واحدة تقوم مقامهما

 

وقد جمع أبن النحاس هذه العلل الفرعية في بيت من الشعر

إجمع وزن عادلاً أنث بمعرفة                      ركب وزد عجمة فالوصف قد كملا

ولتوضيح الأمر نقول : الواضح في اللغة عندما يريد احدناأن يعبر عن موضوع معين أول ما يعبر فإنه يعبر عنه بالمفرد. فالأصل أن يعبر عن الشيء بالمفرد. ثم تقتضي الحاجة أن يعبر عن شيئين فبدل أن يقول مثلاً جاء رجل ورجل فيقول رجلان وبدل أن يقول كتاب وكتاب وكتاب يقول كتب فالمثنى والجمع فرع عن المفرد هو الأصل.

وهكذا فإن الواضع أول ما يضع فإنه يضع الشيء نكرة ثم تقتضي الحاجة أن يعبر عنه بالمعرفة فأول ما يضع يقول : كتاب ثم يقول كتابي كتابه كتابك. فالنكرة هي الأصل والمعرفة فرع عن النكرة.

والواضع أول ما يضع للمذكر ثم يضع لأنثى ذلك الذكر، فالمذكر هو الأصل والمؤنث هو الفرع.

ولما كانت الذات الإلهية معنى من المعاني التي يريد الإنسان أن يعبر عنها فمن الطبيعي أنه يعبر عنها بالتذكير على الأصل لا بالتأنيث على الفرع وإلا فإن الذات الإلهية ليست ذكراً ولا أنثى وهذا أوضح من أن يخفى .

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 364 الطبعة الجديدة بيروت

2-3. نفس المصدر

ومن لطيف ما قيل عن لفظ الله "أن هذا الأسم المقدس أربعة أحرف  فإذا وقفت على الأشياء عرفت أنها منه وبه وإليه وعنه. فإذا أخذ منها الالف  بقي لله ولله كل شيء. فإذا أخذ اللام وترك الالف بقي إله وهو إله كل شيء، فإن أخذ الالف من إله بقي له وله كل شيء. فإن أخذ من له اللام بقي هاء مضمومة وهي هو فهو وحده لا شريك له وهو لفظ يوصل إلى ينبوع العزة ولفظ هو مركب من حرفين والهاء أصل الواو فهو حرف واحد يدل على الواحد الحق والهاء أول المخارج والواو آخرها هو الأول والآخر والظاهر والباطن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منشأ الصفات

                                              

 

مما لا شك فيه أن منشأ الصفات هوكتاب الله. وقد وردت جملة من الصفات أطلقت بصراحة على الله عز وجل كالرحمن والرحيم والغفور والسلام والمؤمن والجبار والمتكبر والبارىء والمصور والملك والقدوس وعالم الغيب والشهادة. فمثل هذه الصفات التي وردت في الكتاب ولا شيء منها يوهم نقصاً في الذات الإلهية يجوز إطلاقها علىالله تعالى.

 

ولا يضر أن نشتق الصفة من فعل أطلقه الله على نفسه فنشتق منه صفه له مثل اطلاق كلمة الناصر مثلاً من قوله تعالى: " أن تنصروا الله ينصركم "فلا يشترط في الصفة المطلقة على الله عز وجل أن تكون مذكورة بصراحة في القرآن.

 

وبدوا قد يظن الأنسان أنه يمكن أن يطلق على الله صفة يستقرب أن يكون متصفاً بها كالعاقل والفطن والذكي ولكن مثل هذه الصفات التي لم يرد به السمع من القرآن والأحاديث يمتنع أن نطلقها على الله لأنها تشعر وتوهم بنقص فيه عز وجل إذ مثلاً صفة الداري توهم تقدم الشك وهكذا صفة الذكي توهم بعجز أو مشكلة تواجهه ثم بذكائه يمكن أن يتخلص من تلك المشكلة.

 

وهناك صفات قد وردت في القرآن ولكن اطلاقها في غير المورد التي يذكرها الله في كتابه يوهم النقص والانتقاص منه عز وجل كأن تخاطب الله: يا ماكر يا مستهزىء أو تقسم بالمستهزىء والماكر، فمثل هذه الصفات لا يمكن إطلاقها على الله عز وجل.

 

وهناك صفات يمكن أن يستوحيها العقل مما يليق ويناسب كماله وحضرته الشريفة ولا نقص فيه ولا انتقاص ولكن مثل هذه لا تطلق عليه إما منعاً أو تأدباً.

قال الشهيد: الأولى التوقف عما لم يثبت به التسمية به وإن جاز أن يطلق معناه عليه (1) وقال الشيخ نصير الدين الطوسي: " كل أسم يليق بجلاله ويناسب كماله مما لم يرد به اذن يجوز اطلاقه عليه تعالى إلا أنه ليس من الأدب لجواز أن لا يناسبه تعالى من وجه آخر" (2)

 

وقال الشيخ علي بن يوسف بن عبد الجليل في كتابه منتهى السؤال : لا يجوز أن يطلق على الواجب تعالى صفة لم يرد في الشرع المطهر اطلاقها عليه وأن صح اتصافها بها معنى كالجوهر مثلاً بمعنى القائم بذاته لجواز ان يكون في ذلك مفسدة خفيه لا نعلمها فإنه لا يكفي في اطلاق الصفة على الموصوف ثبوت

 

 

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 392

2. نفس المصدر

معناها له فإن لفظتي عز وجل لا يجوز اطلاقهما على النبي(ص) وان كان عزيزاً جليلا في قومه لأنهما يختصان بالله تعالى(1).

 

ولأن الصفات بعضها مذكور بصراحة وبعضها مشتق من أفعال نسبها الله إليه فان القوم اختلفوا في عد هذه الصفات فبعضهم يدخل صفة وبعضهم لا يعتبرها ويدخل صفة أخرى رغم وجود رواية مرويه عن الإمام الرضا(ع)

ففي كتاب العدة للشيخ أبي العباس أحمد بن فهد يروي أن الإمام الرضا(ع) روى من أبيه عن آبائه عن علي(ع) أن لله تسعة وتسعين أسماً من دعا بها استجيب له ومن أحصاها دخل الجنة وهي:

الله ، الواحد ، الأحد ، الصمد ، الأول ، الآخر ، السميع ، البصير ، القدير ، القاهر ، العلي ، الأعلى ، الباقي ، البديع ، البارىء ، الأكرم ، الظاهر ، الباطن ، الحي ، الحكيم ، العليم ، الحفيظ ، الحق ، الحسيب، الحميد ، الخفيّ ، الرب ، الرحمن ، الرحيم ، الذارىء ، الرزاق ، الرقيب ، الرؤوف ، الرائي ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، السيد ، السّبوح ، الشهيد ، الصادق ، الصانع ، الطاهر ، العدل ، العفو ، الغفور ، الغني ، الغياث ، الفاطر ، الفرد ، الفتاح ، الفالف ، القديم ، الملك ،القدوس ، القوي، القريب ، القيوم ، القابض ، الباسط ، القاضي ، المجيد ، الولي ، المنان ، المحيط ، المبين ، المقيت ، المصور ، الكريم ، الكبير ، الكافي ، كاشف الضر ، الوتر ، النور ، الوهاب ، الناصر ، الواسع ، الودود ، الهادي ، الوفي ، الوكيل ، الوارث ، البر ، الباعث ، التواب ، الجليل ، الجواد ، الخبير ، الخالق، خير الناصرين ، الديان ، الشكور ، العظيم ، اللطيف ، الشافي.

ومن الطبيعي أن المقصود من قول الإمام " ومن أحصاها " ليس الإحصاء العددي الذي لا ينعكس على شخصية الانسان المسلم بأي شيء خير بل المقصود والله الأعلم أن من يحاول أن ينبشها من مداركها هو الإنسان المهتم الذي يعيش بكيانه حضور الله ومن كان الله حاضراً في نفسه فإنه يعيش تماماً حق المعرفة بصفات الله التي تنعكس على روحه أجمل الانعكاس فتقربه من الله وتبعده عن معاصيه وبالتالي يدخل الجنة ومن كان من أهل الجنة حاشا الله أن يخيب دعاءه وهذا مصداق كلام الأمام الرضا(ع) من دعا بها استجيب له ومن احصاها دخل الجنة".

الشهيد مقايسة مع رواية الإمام الرضا(ع) نراه ينقص بعض الصفات مثل القاهر والأعلى والعليم والحسيب والخفي والرائي والرب والذارىء والرائي .

ولعل منشأ النقص وزيادة بعض الصفات لما ذكرناه سابقاً من أن كل صفة مذكورة في القرآن مما لا توهم نقصاً فيه عز وجل يجوز اطلاقه عليه ولكن تحديد الإمام(ع) بـ من دعا بها استجيب له ومن احصاها دخل الجنة يعطي الخصوصية لهذه الأسماء دون غيرها فهذه دون غيرها هي التي ندعو بها وان كان جائزاً ان تطلق تلك الصفات على الله ولكن من دون أثر في استجابة الدعاء .    

 

 

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 392

الرحمن - الرحيم

 

 

 

ورد أسم الرحمن صريحاً في القرآن ثمانية وخمسون مرة وورد أسم الرحيم صريحاً مئة وعشرون مرة ووردت صفة الرحمة مئة وثلاث وخمسون مرة فيكون مجموع صفة الرحمة في القرآن ثلاثمائة وواحد وثلاثين مرة (1).

وقع كلام بين العلماء في اشتقاق الرحمن الرحيم في أنهما هل هما من الصيغ المبالغ فيها أولا. فالكفعمي مثلا في كتاب الرسالة الواضحة يرى أنهما من ابنيه المبالغة إلا أن فعلان ابلغ من فعيل ثم هذه المبالغة قد توجد تارة بإعتبار الكمية وأخرى بإعتبار الكيفية فعلى الأول: قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص الرحمة بالمؤمنين لقوله تعالى "وكان بالمؤمنين رحيماً".

وعلى الثاني: قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الآخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة.

 

وكذلك نرى أن الشهيد الأول يرى أنهما أسمان المبالغة من رحم والمتأخرون من المفسرين يرون "أن الرحمن صيغة مبالغة تدل على الكثرة والرحيم صفة مشبه تدل على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن أن يدل على الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر وهو الرحمة العامة قال تعالى "الرحمن على العرش استوى"(2) وقال: "قل من كان الضلالة فليمدد له الرحمن مدأ" (3) إلى غير ذلك ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدل على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تفاض على المؤمن كما قال تعالى: "وكان بالمؤمنين رحيما"(4) وقال تعالى: "أنه بهم رؤوف رحيم" (5) إلى غير ذلك. ولذلك قيل: أن الرحمن عام للمؤمن والكافر والرحيم خاص بالمؤمن(6)

 

    وفي هذا المجال يقول الصادق): "والله إله كل شيء الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة(7) ومما يؤكد هذا الأمر أن كلمة الرحمن ذكرت في القرآن بصورة مطلقة مما يدل على عموميتها لكن صفة الرحيم ذكرت أحياناً مقيدة لدلالتها الخاصة كقوله تعالى "وكان بالمؤمنين رحيماً".

 

ثم أن أسم الرحمن من السماء الخاصة بالله ولا تستعمل لغيره بينما الرحيم صفة تنسب لله ولعباده فنرى أن القرآن الكريم يصف بها رسوله الأكرم حيث قال: "عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" (التوبة 128). وإلى هذا الأمر أشار الإمام الصادق(ع) فيما يرى عنه " الرحمن أسم خاص بصفة عامة والرحيم أسم عام بصفة خاصة " (8).

 

 

1. راجع المعجم المفهرس                                4. الأحزاب 43                                          7. الكافي

2. طه 5                                                 5. التوبة 177                                           8. مجمع البيان ج1 ص21

3. مريم 75                                              6. تفسير الميزان ج1 ص 118

يبقى أن نشير إلى أن كلمة الرحيم قد تستعمل أحياناً كوصف عام وهذا يعني أن التمييز المذكور بين الكلمتين لا يخلو من استثناء كقول الإمام الحسين(ع) " يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما " دعاء عرفة .

* إجتماع الصفتين: وردت صفة الرحمن والرحيم مجتمعتين في 6 آيات في القرآن الكريم وفي كل مرة تكون صفة الرحمن متقدمة على الرحيم والوجه في ذلك كما عن الطبرسي أنه " إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن بمنزلة أسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى ولهذا جمع سبحانه بينهما في قوله " قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن " (الاسراء 110) .

* وجه حصر الصفتين في البسملة دون غيرهما من الصفات:

 

قد يتساءل البعض عن اختصاص هاتين الصفتين بالبسملة دون غيرهما من الصفات مع وجود صفات محببة للإنسان كالرزاق والغفور والكريم ونحوها. والجواب يتضح لو عرفنا أن كل عمل ينبغي أن يبدأ بالاستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل جميع الموجودات وتنقذ جميع المستغيثين في اللحظات الحساسة.  وهذه حقيقة يوضحها القرآن إذ يقول: "ورحمتي وسعت كل شيء" (الأعراف 156)

 

ويقول على لسان حمله العرش "ربنا وسعت كل شيء رحمة" والذي يعزز هذا الجانب أن الأنبياء بعظمتهم كانوا يناجون الله برحمته وقد أدبوا اتباعهم على ذلك فلذلك ينقل الله عنهم " ونجنا برحمتك " (يونس 86) وعندما كان الله ينجي القوم يخبر "فانجيناه والذين معه برحمة منا" (الأعراف 72)

 

ثم أن هناك شيئاً مهماً في المقام ينبغي الإلتفات إليه وهو يجب أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء فلا يعقل إذا غضبت على قوم أن تدعو الله عليهم بصفة الرحمن الرحيم ولا يعقل أنك اذا كنت مقصراً مع الله وأردت استنزال الرزق عليك تدعو الله بصفة أنه عادل بل ينبغي أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء وفي هذا المجال يخبرنا الله تعالى حكاية عن عيسى(ع) حينما طلب منه الحواريون المائدة من السماء قال: "اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ... وارزقنا وأنت خير الرازقين " (المائدة 114) .

ويخبرنا أيضاً حكاية عن زكريا حينما تفجرت فيه إحساس الأبوة " رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين " (الأنبياء 89).

 

فإذا عرفنا ذلك نقول: إذا أردنا أن نبدأ بعمل فإننا بذلك نريد له خاتمة وإلا لما بدأنا به أصلاً ولكي نضمن الاستمرارية فأي صفة أفضل من الرحمن الرحيم التي تفيد الاستمرار خاصة وأننا نعلم بحكم الله على نفسه "كتب على نفسه الرحمة" والرحمة لغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والاحسان وهذا يضمن لنا بقرينه كتب على نفسه الرحمة أن يستمر بالتفضل والاحسان. أضف إلى أن في صفة الرحمة نوعاً من كسر الحاجز بين العبد وربه فعندما يشعر العبد بأن المعبود الذي يعبده ليس قاسياً بل يحنو على العبد ويرحمه ويفتح أمامه كل الأبواب نحوه مثل هذا الشعور يجذب القلوب نحو الله.

انفراد صفة الرحمن:

لعل الصفة الوحيدة التي يتكلم بها الإنسان ليعبر عن الله هي صفة الرحمن كقوله تعالى: "إني نذرت للرحمن صوما" (مريم 26) وكقوله: "يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا" (مريم 42) وكقوله: "يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن" (مريم 40)

وقد تحدث الله عن نفسه بصفة الرحمن بشكل ملفت للنظر دون غيرها من الصفات

كقوله تعالى: " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً " (مريم 75)

وكقوله: " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذعند الرحمن عهداً " (مريم 87)

وكقوله: " قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا " (الملك 29)

وكقوله: " الرحمن، علم القرآن " الرحمن 1 ونحو ذلك من اآيات.

ولعل منشأ التركيز على هذه الصفة أمران تتمحور حولهما الآيات التي تذكر فيهما هذه الصفة .

 

* الأمر الأول: وفيه يردّ الله على الكافرين الذين يعترضون على ذكر هذه الصفة فقد ورد أنه في صلح الحديبية عندما أراد علي أن يكتب معاهدة الصلح قال النبي(ص) لعلي أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم " قال سهيل بن عمرو ومعه المشركون نحن لا نعرف الرحمان: وإنما هناك رحمان واحد في اليمامة وكان قصدهم مسيلمة الكذاب بل أكتب باسمك اللهم كما كانوا يكتبونه في الجاهلية ... فنزلت هذه الآية: " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي اوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن. قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب" (الرعد 30). ونظير هذا الأمر قوله تعالى: "اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن" (الفرقان60) . فمثل هذه الآيات تؤكد على أن كفار قريش لم يوافقوا على وصف الله بالرحمن وبما أن ذلك لم يكن سائداً بينهم فإنهم كانوا يستهزئون به فلذلك نرى أن الله يركز على هذه الصفة بالذات دون غيرها في الخطاب عن نفسه فنراه يواجه الأمر بكل حزم كما في قوله تعالى: " قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن" (الإسراء 110)

 

* الأمر الثاني: وهو ما ذكرناه سابقاً من أن الرحمن بمنزلة أسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى فصار الخطاب بالرحمن تماماً كما هو الخطاب بالله .

 

* إنفراد صفة الرحيم عن الرحمن:

وردت صفة الرحيم منفردة عن صفة الرحمن أما لوحدها كما في قوله تعالى "وكان الله بالمؤمنين رحيما" (الأحزاب 43) وكقوله "أنه كان بكم رحيما" (الإسراء 66) وأما مع صفة التواب كما في قوله تعالى "فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه هو التواب الرحيم" (البقرة 37) أو مع صفة الرؤوف كما في قوله تعالى "ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (الحشر 10) أو مع صفة الغفور كما في قوله تعالى: "واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيما" (النساء 106) أو مع صفة الودود كما في قوله "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود" هود 90 أو مع صفة عزيز كما في قوله تعالى: "وتوكل على العزيز الرحيم " (الشعراء 217) أو مع صفة الرب كما في قوله تعالى " سلام قولا من رب رحيم " يس 58 وسواء أتت منفردة أو مجتمعة فإن معنى الرحيم ظاهرة في ثبوت الرحمة كصفة الزم الله نفسه بها يوم القيامة للمؤمنين .

 

* لطيفة في استعمال الرحمن:

هناك لفتة قرآنية رائعة بمعانيها العميقة وردت في سورة مريم الآية 45 في قوله تعالى "يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا" فإن استعمال أسم الرحمن هنا وان كان بمنزلة أسم العلم ولكنه لا يكون علماً بالمطلق بل يبقى فيه معنى الصفاتية أي الرحمانية وهنا يكمن الخطر لأن مس العذاب من الرحمن يستكشف منه أن هذا الإنسان قد استحوذ عليه الشيطان إلى درجة عظيمه جداً بحيث يحجب نفسه عن وصول الرحمة من الرحمن الذي ينشر رحمته بشكل حتى أن أعناق أبليس تشرئب لها ومع ذلك فقد أضاع نفسه بملذاتها وشهواتها وعنادها ومجهودها.

 

وحال هذا الإنسان مع ربه حال إنسان مع غني كريم النفس يعطي بلا حساب حتى ألد أعدائه ومسامح إلى ابعد الحدود ومتجرد عن أي حساسية مع ذلك لا يعطي فلانا سائلا ، فبلا أشكال نقطع أن هذا السائل قد ارتكب شيئا هائلا لا يمكن ان يتصوره عاقل اطلاقا حتى منع من عطاء هذا الانسان بمواصفاته الكريمة.

 

وكذلك الأمر بالنسبة لمقامنا فعندما يحل العذاب من الرحمن على شخص فمعنى ذلك أن هذا الإنسان قد ارتكب شيئاً هائلا بحق نفسه أمام الله بحيث أن هذا الذنب بقبحه الشديد قد حجب رحمة الله الذي نشرها لجميع عباده وخلقه كما تحجب الغيوم السوداء نور الشمس ودفئها .

 

 

 

 

 

 

 

 

الملك

 

 

 

 

ترد لفظة الملك بعدة صيغ لفظية تختلف في معانيها اختلافا كبيراً.

فالملك (بكسر الميم) وهو أن يتصرف في شيء أي تصرف كيف شاء وهو على قسمين:

- اولاً: منها ما هو حقيقي وهو كون شيء كالانسان مثلاً بحيث يصح له أن يتصرف في شيءأي تصرف أمكن بحسب التكوين والوجود مثل أن يتصرف الإنسان في عينه فله أن ينظر بها وله أن لا ينظر بها بأي نحو شاء وأراد وكذا الأمر بالنسبة ليده فله أن يقبضها فلا يمسك بها شيء وله أن يمسك بها أي شيء يريده.

ومن هذا القبيل ملكه تعالى للعالم ولجميع أجزائه وشؤونه على الاطلاق، فله أن يتصرف فيما شاء وكيفما شاء.

 

- ثانياً: ومن الملك ما هو اعتباري وضعي وهو كون الشيء كالانسان بحيث يصح أن يتصرف في شيء كيف شاء بحسب الرابطة التي اعتبرها العقلاء من أهل الاجتماع من أجل غرض معين.

والملك: (بضم الميم) وهو ما يملكه جماعة الناس من أي شيء.

والملك: (بفتح الميم) وهو المليك وهو الله. والمليك مالك لما يملكه رعاياه وله أن يتصرف فيما يملكونه من غير أن يعارض تصرفهم تصرفه ولا أن يزاحم مشيئتهم مشيئته فهو في الحقيقة ملك على ملك. والله سبحانه مالك كل شيء ملكاً مطلقاً.

 

أما أنه مالك لكل شيء على الاطلاق فلأن له الربوبية المطلقة والقيمومه المطلقة على كل شيء فإنه خالق كل شيء وإله كل شيء قال تعالى " ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو " (المؤمن 62) وقال تعالى "له ما في السموات وما في الأرض" (البقرة 255) وقوله "الذي له ملك السموات والآرض ولم يتخذ ولدا" (الفرقان 2) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل ما يسمى شيئاً فهو قائم الذات به إي بالله مفتقر إليه لا يستقل دونه وهذا هو الملك.

 

وأما أنه مليك على الاطلاق فهو لازم اطلاقه كونه مالكاً للموجودات فإن الموجودات أنفسها تملك بعضها بعضاً كالانسان يملك اعضاءه وقواه الفعالة من سمع وبصر وغير ذلك وهي تملك أفعالها وإذ كان الله سبحانه يملك كل شيء فهو يملك كل من يملك منها شيئاً ويملك ما يملكه قال الله تعالى: "وله الملك وله الحمد" التغابن وقال تعالى: "عند مليك مقتدر" (القمر 55) .

 

وحتى في الاعتباريات فإن الله هو المالك لأنه هو المعطي لكل من يملك شيئاً من المال ولو لم يكن

الله هو المالك الحقيقي لم يصح منه الاعطاء ولكان معطياً لما لا يملك لمن لا يملك قال تعالى: " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم".

 

ومن هنا نعرف طالما أن الله هو المليك وهو المالك الحقيقي فللمالك الحقيقي أن يتصرف في ملكه كيفما شاء لا بنحو العبثية لآنه تعالى عن ذلك علوا كبيراً وانما يتصرف في ملكه كيفما شاء بحجة ومصلحة ومن ذلك ما فرضه الله من أحكام الزكاة والخمس فالانسان مع كل ما يتعب ويشقى فإن الله مثلاً يفرض عليه بعد فاضل   مؤنته الخمس، إذ طالما أنه هو المالك الحقيقي والانسان يملكه بإرادة الله واعتباره الذي ينزله الله منزلة المستخلف فيه لا انه مالك حقيقي، ويفرض بقاء هذا الاستخلاف مشروطاً بإعطاء الفقراء خمس مازاد عن مؤنته وهذا لا يضر بملكية الانسان للمال نظير ما لو اسكن فلان فلاناً بيته لمدة مثلاً وصار يتصرف في هذا المسكن فلو جاء المالك وباع المسكن مثلاً فلا يوجد تعارض بين تصرف المالك وتصرف الساكن في البيت.

 

فإذن المالكية أي المالك أو المليك توحي بالسيطرة التامة والهيمنة المستكمة على كل شيء. وملكية الله ملكية حقيقية لا ملكية اعتبارية نظير ملكيتنا نحن للاشياء في هذا العالم كما أوضحناه سابقا. إذ ملكيتنا هذه عقد يبرم بموجب تعامل ووثائق وينفسخ بموجب تعامل آخر ووثائق أخرى. لكن ملكية الله لعالم الكون ملكية حقيقية تتمثل في ارتباط الموجودات ارتباطاً خاصاً بالله ولو انقطع هذا الارتباط لحظة لزالت الموجودات تماماً مثل زوال النور من المصابيح الكهربائية حين ينقطع،  وبعبارة أخرى مالكية الله نتيجة خالقيته وربوبيته، فالذي خلق الموجودات ورعاها ورباها وأفاض عليها الوجود لحظة بلحظة هو المالك الحقيقي للموجودات ونستطيع أن نرى نموذجاً مصغراً للمالكية الحقيقية في مالكيتنا لاعضاء  بدننا، فنحن نملك ما في جسدنا من عين وقلب وأذن واعصاب لا بالمعنى الاعتباري للملكية بل بنوع من المعنى الحقيقي القائم على أساس الارتباط والاحاطة.

 

وإذا عرفنا ذلك كله فإننا نعرف أن استعمال اسم (الملك) كصفة وأسم من اسماء الله الحسنى يأتي دائماً ليبين أنه "الملك الجامع لاصناف المعلومات أو المتصرف بالامر والنهي في المامورين أو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاج إليه كل موجود في ذاته وصفاته"(1) ولينزه الله نفسه عن كل نقص وعدم قدرة ومن مصاديق هذا الاستعمال رد الله على اليهود حينما منعوا النسخ مطلقاً في التشريع والتكوين .

 

وقد استدلوا على ذلك بوجوه مذكورة في الكتب الاصولية من أن النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة وكلا الامرين مستحيل في حقه سبحانه وذلك لان رفع الحكم الثابت لموضوعه أما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه به وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلقاً.

1. مصباح الكفعمي ج1 ص 368                                              

وأما أن يكون من جهة البداء وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين العرفية وهو يستلزم الجهل منه تعالى وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لآنه يستلزم المحال(2) .

 

ولنفي شبهة البداء في التشريعات فليراجع في الكتب العقائدية. وأما البداء في التكوينيات فإن الله سبحانه يرد عليهم في امكان النسخ في مجال التكوين في الآية التالية إذ يقول: " ألم تعلم أن الله له ملك السموات والآرض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير" (البقرة 107) ومفادها أن ملك السماوات والارض لله فله أن يتصرف فيها كيف يشاء وليس لغيره شيء من الملك حتى يوجب ذلك انسداد باب من أبواب تصرفه سبحانه أو يكون مانعا عن تصرف من تصرفاته فلا يملك أي شيء شيئا من قبال مالكيته فله أن يتصرف فيكم وفي ما عندكم ما شاء واراد من أنواع التصرف . وفي هذا المجال كان رد ابراهيم(ع) على النمرود حينما ادعى الالوهية وتجبر وما حاججه ابراهيم(ع) في القدرة التكوينية التي هي اعظم قدرة من خلق الانسان " ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال ابراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين" (البقرة 258)

 

ومقتضى الاستدلال بهذه الآية أن المالك للشيء يكون مسيطرا ومهيمنا على ملكه يخضعه لارادته كيفما شاء في الوقت الذي شاء والا لا يكون مالكاً له، فحينما حاول النمرود أن يلعب على الالفاظ أو يميع التحدي بإبقاء انسان وقتل آخر وادعاؤه بأن ذلك احياء واماتة مع العلم ان التحدي هو بإيجاد الخلق واحياؤه من العدم لا باستمرار الحياة التي استمدها الانسان من الله فحينما تحولت المسألة إلى التمييع انتقل ابراهيم في تحديه إلى الولاية التكوينية فقال "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب" وهنا بهت الذي كفر لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه اعجز من أن يحرك ساكنا في هذا المجال.

 

وتطبيق هذه الصفة أكثر من أن يحصى ذلك أن كل فعل وكل حركة وكل علم وكل" ملك وما إلى هنالك مترشح على ملكه في الدنيا والآخرة. قال الله ولله ملك السموات والارض ومابينهما واليد المصير" (المائدة 18). وقال تعالى "مالك يوم الدين " (الفاتحة 4) فبين ملك الله للسموات والارض وما بينهما" ومالك يوم الدين يكتمل محور المبدأ والمعاد الذي يعتبر اساس كل اصلاح اخلاقي واجتماعي وفي وجود الانسان .

وتعبير " مالك " يوحي بسيطرة الله التامة وهيمنته المستحكمة على كل شيء في ذلك اليوم.

 

وقد يتساءل لماذا يصف الله نفسه بأنه " مالك يوم الدين " بينما هو مالك الكون كله والجواب: أن الله مالك لعالم الدنيا والآخرة ولكن مالكيته ليوم القيامة أبرز وأظهر لان الارتباطات المادية والملكيات الاعتبارية تنفسخ كلها في ذلك اليوم وحتى الشفاعة لا تتم يومئذ الا بأمر الله " يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله" (الانفطار 19).

والتركيز على مالكية الله ليوم القيامة يقارع معتقدات المشركين ومنكري المعاد لان الايمان بالله عقيدة فطرية عامة حتى لدى مشركي العصر الجاهلي. وهذا ما يوضحه القرآن الكريم إذ يقول: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله" (لقمان 25) بينما الايمان بالمعاد ليس كذلك فهؤلاء المشركون كانوا يواجهون مسألة المعاد بعناد واستهزاء ولجاج" وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق انكم لفي خلق جديد افترى على الله كذبا أم به جنه" .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القدوس

 

 

 

 

وهو الطاهر من العيوب المنزه عن الاضداد. والتقديس معناه التطهير ومنه قوله تعالى عن الملائكة "ونقدس لك" أي ننسبك إلى الطهارة وسمي بيت المقدس بذلك لآنه المكان الذي يطهر من الذنوب، وقيل للجنة حظيرة القدس لأنها موضع الطهارة من الادناس والآفات التي تكون في الدنيا(1). فالدنيا بما فيها من عيوب ونقائض وتناقضات تجعل الحياة فيها غير مستمرة فهي موضع العذابات التي يتعذب فيها الكثير من الناس وموضع الابتلاء الذي يبتلي فيها الناس والموضع الذي يعصى فيه الله فهي بالتالي موضع العيوب والنقائض وفي مقابلها الحياة الآخرة في الجنة حيث الكمال والتنزيه عن مثل هذه الامور فلا غل ولا حقد ولا تنابذ ولا تخاصم ولا ابتلاء فهي موضع كامل منزه عن مثل الامور الموجودة في الحياة الدنيا.

 

وقد وردت هذه الصفة بصريح اللفظ في موردين في القرآن الكريم المورد الأول في الآية 23 من سورة الحشر في قوله تعالى: "هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس". والمورد الثاني في سورة الجمعة في الآية الأولى: "يسبح لله ما في السماوات والارض الملك القدوس العزيز الحكيم " وورد مورد واحد مشتق من القدوس في سورة البقرة آية 30 في قوله: "ونحن نسبح لك ونقدس لك" .

 

والقداسة التي يتصف بها الله موضع تسبيح كل ما في السماوات والارض. فالتسبيح تنزيه الشيء ونسبته إلى الطهارة والنزاهة من العيوب والنقائص والتعبير بالمضارع في قوله تعالى: " يسبح لله ... " للدلالة على الاستمرار والقدوس مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة .

 

والله تعالى القدوس تسبحه وتنزهه الموجودات السماوية والارضية بما عندهم من نقائص الذي هو متممها مما فيها من نقيصه ولا حاجة الا والله مرجو في اتمامها وقضائها فهو المسبح المنزه من كل نقص وحاجة فله أن يحكم في نظام التكوين بين خلقه بما شاء وفي نظام التشريع في عبارة بما اراد .

 

وإذا حكم وشرّع بينهم دينا لم يكن ذلك منه لحاجة إلى تعبيدهم ونقص فيه يتممه بعبادتهم لانه قدوس منزه عن كل نقص وحاجة. ولمكانة التقديس الذي يتصف به الله والذي تفهمه الملائكة جيدا جاء استفسار واستهجان الملائكة حينما اخبرهم الله عن ارادته بخلق خليفة له على الارض.

 

فعندما رأت الملائكة أن هذا الخليفة يتصف بحرية الاختيار بين الخير والشر وعنده قابلية الشر وسفك الدماء جاء استهجان الملائكة واستغرابها.

 

 

1. مصباح الكفعمي ج1 ص368

إذ الخلافة وهي قيام شيء مقام آخر لا تتم الا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره واحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجود مسمى بالاسماء الحسنى متصف بالصفات العليا من أوصاف الجمال والكمال، منزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته والخليفة الآدمي بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود الالهي المقدس المنزه عن جميع النقائص.

 

فملخص  قول الملائكة أن جعل الخلافة انما هو لاجل أن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجود والترابية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد والشر والغاية من هذا الجعل وهي التسبيح والتقديس كما يفعله الملائكة. فنحن خلفاؤك أو فاجعلنا خلفاء لك، وبالتالي فما فائدة جعل هذه الخلافة الارضية لك؟ فرد الله سبحانه عليهم بقوله : اني اعلم ما لا تعلمون، اذ ان هذا الخليفة فيه من المقدرات والاهلية لان يقدس الله ما لم يقدسه ملك ويعبد الله عباده لا يطيقها ملك مقرب وبالتالي فإن الغاية من خلقه تتحقق بلا اشكال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السلام

 

 

 

 

الأصل في معنى السلام على ما ذكره الراغب في المفردات هو التعري عن الآفات الظاهرة والباطنة واليه يرجع معناه في جميع مشتقاته. والسلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة. والظاهر أن السلام والامن متقاربان معنى، وانما الفارق ان السلام هو الامن مأخوذا في نفسه، والامن هو السلام مضافا إلى ما يسلم منه يقال : هو في السلام ، وهو في أمن من كذا وكذا.

 

والسلام من أسمائه تعالى لان ذاته المتعالية نفس الخير الذي لا شر فيه، وتسمى الجنة دار السلام حيث لا شر فيها ولا ضرر على ساكنها. وقيل : انما سميت دار السلام لانها دار الله الذي هو السلام.والمآل   واحد في الحقيقة لانه تعالى انما سمي سلاما لبراءته من كل شر وسوء. ودار السلام، هناك حيث لا وجود ولا خبرعن مطاحنات واعتداءات مغيّري الحياة المادية ولا عن مضايقات المدخرين للثروات الجاهلين بالله الحمقاء، ولا حرب ولا اراقة دماء ولا استعمار ولا استثمار وكل هذه المفاهيم جمعت في كلمة دار السلام.

 

ولان الله هو السلام فهو يهدي إلى دار السلام قال الله تعالى: " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" ولان الله السلام عار عن الآفات الظاهرة والباطنة وهو الذي يعطي الامن الامان ولان على الانسان ان يتخلق باخلاق الله فان الله يهدي إلى سبل السلامة التي تشمل سلامة الفرد والمجتمع والروح والجسد والعائلة والسلامة الاخلاقية ، وكل هذه الآمور تدخل في الجانب العملي من العقيدة. ويهدي الله إلى نعمة النجاة من ظلمات الكفر والالحاد ويهدي إلى النور.

 

وبديهي أن هذه النعم لا يحظى بها الا من أسلم وجهه لله وخضع للحق بالعبودية والطاعة وكان مصداقا للعبارة القرآنية القائلة "من اتبع رضوانه" بينما لا يحظى المنافقون والمعاندون واعداء الحق بأي فائدة مطلقا كما تشير إلى ذلك آيات قرآنية عديدة.

 

وقد ورد عن الامام الباقر(ع) في رواية: سمعت أبا جعفر(ع) يقول في قول الله عز وجل "والله يدعو إلى دار السلام" فقال: ان السلام هو الله عز وجل وداره التي خلقها لاوليائه الجنة. ومن المعلوم ان صفة السلام وردت صريحا مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة الحشر في قوله: " لااله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن"

 

وتتميز هذه الصفة عن بقية الصفات انها مورد المراسلة بين رب العزة وأوليائه الصالحين من الانبياء وغيرهم من المعصومين. وفي هذا المجال نماذج كثيرة نكتفي بذكر مورد واحد مع سيدة نساء العالمين بعد وفاة الرسول(ص). "قال أبو جعفر(ع): ولما اراد الله تعالى ان ينزل عليها جبرائيل وميكائيل واسرافيل ان يحملوه(1) فينزل به عليها وذلك يوم الجمعة من الثلث الثاني من الليل فهبطوا به وهي قائمة تصلي فما زالوا قياما حتى قعدت. ولما فرغت من صلاتها سلموا عليها وقالوا" السلام يقرئك السلام ووضعوا المصحف في حجرها فقالت: لله السلام ومنه السلام واليه السلام وعليكم يارسل الله السلام ثم عرجوا الى السماء فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى اتت على آخره(2) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1.       مصحف فاطمة

2.       الطبري، دلائل الإمامة ص 29-30

المؤمن

 

 

 

 

اختلفت الاقوال في المراد من معنى هذا الاسم الكريم واهمها : أن المؤمن هو

1.     انه يصدق عباده وعده ويفي بما ضمنه لهم.

2.     انه يصدق ظنون عباده المؤمنين ولا يخيب آمالهم.

3.     أن المؤمن هو المصدق لرسله باظهار معجزاته على ايديهم

4.     عن الامام الصادق): سمي سبحانه مؤمنا لانه يؤمن عذابه من اطاعة

5.     في الصحاح : الله مؤمن لانه أمن عباده ظلمه

 

الا ان منطلق هذه الاقوال كلها ما في مادة هذا الاسم الكريم من معنى الايمان والامان . فالايمان في اللغة مصدر من فعلين احدهما من التصديق . قال تعالى: "وما انت بمؤمن لنا" (يوسف 17). أي بمصدق لنا.

والثاني: الامان الذي ضد الاضافة . قال الله تعالى: "وآمنهم من خوف" قريش 1 ومن المحققين في اللغة من قال: الايمان اصله في اللغة هذا المعنى الثاني. وأما التصديق فانما سمي ايمانا لان المتكلم يخاف ان يكذبه السامع، فاذا صدقه فقد ازال ذلك الخوف عنه.

 

فان فسرنا كونه تعالى مؤمنا بكونه مصدقا ففيه وجوه:

الاول: أنه اخبر عن وحدانية نفسه حيث قال: " شهد الله أنه لا اله الا هو" فكان هو الاخبار ، وهذا التصديق ايمانا.

الثاني: أنه صدق انبياءه باظهار المعجزعلى ايديهم ، فاظهار المعجزه من صفات الفعل ، ولكنه دل على أنه صدق الرسل بكلامه في ادعاء الرسل ولذلك قال: "محمد رسول الله " فكان هذا الاخبار والتصديق ايمانا.

الثالث: يصدق عباده ما وعدهم من الثواب في الآخرة والرزق في الدنيا. قال في الثواب "جزاؤهم عند ربهم جنات" (البينة . قال في الرزق " وما من دابة في الارض الا على الله رزقها" (هود 6)

الرابع: أنه قال في صفة المؤمنين " لا يحزنهم الفزع الاكبر" (الانبياء 103) فهو تعالى يصدق هذه الاخبار.

الخامس: أنه تعالى قال: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون" (الحجر 9) فهو يصدق هذا الوعد.

أما اذا حملنا كونه تعالى مؤمنا على انه تعالى يجعل عباده آمنين من المكروهات فهذا يمكن حمله على احوال الدنيا وعلى احوال الآخرة.

 

أما الدنيا، فان ازالة الخوف لا يعقل الا حيث حصل هناك خوف ، ولا خوف الا عند امكان العدم، ولا مزيل للعدم الا الله، فلا مزيل للخوف الا هو، ولا مؤمن الا هو. وبيانه ان الاعمى يخاف ان يناله الهلاك من حيث لا يرى، فعينه الباصرة تفيد الامن من الهلاك، والاقطع يخاف مالا يدفع الا باليد، فاليد السليمة أمان له وهكذا جميع الحواس والاطراف ، فخالق هذه الاعضاء والآلات هو الذي ازال الخوف عن الانسان بواسطة اعضاء هذه الاعضاء . والعبد الضعيف في أصل فطرته وهو عرضة للآفات ومنزل المخافات تارة من الآفات المتولدة في باطنه كالجوع والعطش وتارة خارجة كالحريق والغرق والاسر. فالذي خلق له الاغذية اللذيذة والادوية النافعة والالات الجالبة للمنافع والاعضاء الدافعة للمتاعب لا شك أنه هو الذي آمنه من هذه الآفات.

 

وأما أحوال الآخرة فهو الذي نصب الدلائل وقوى العقل وهدى الخاطر إلى معرفة توحيده وجعل هذه المعرفة حصنا حصينا وجنة واقية عن اصناف العذاب كما أخبر الرسول عن رب العزة أنه قال: " لا اله الا الله حصني، من دخل حصني أمن من عذابي " فقد ثبت يهذا التقدير أنه لا أمن في العالم الا من الله ، ولا راحة الا من الله فهو المؤمن المطلق حقا (1)

 

وهذه الاحتمالات الواردة في معنى المؤمن كلها واردة وتعطي انطباعا لا مثيل له وانطباعا رائعا للعبد لان علاقة العبد مع ربه علاقة المسحوق ارادته، ولا ارادة له امام ربه فلا يستطيع امامه امرا ولا يستطيع ان يغير شيئا امام ارادة الله، فمثل هذا الشعور ان لم يكن في عرضه شعور بالامان يستشعر معه الانسان الامن والصدق لما يعده الرب فسوف يعيش الانسان حالة القلق الغريب الذي يفقد فيه لذة العبادة والعشق لمربوبه.

 

اما مع هذه الصفة فان الانسان يعيش معه حالة التوازن بين الخوف والرجاء التي هي مطلوبة بقوة في علاقتنا مع الله. حتى ان العبد ان لم يتصف بهذا الامر ينتفي عنه صفة الايمان كليا ، ولعل هذا هو تماما مضمون ما روى عن الامام الصادق(ع): " لا تكون مؤمنا حتى تكون خائفا راجيا . ولا تكون خائفا راجيا حتى تكون عاملا لما تخاف وترجو"                                                                    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الله تبارك وتعالى

 

المهيمن

 

 

 

وردت صفة المهيمن في القرآن مرتين.

·        الأولى في سورة الحشر: لا اله الا هو الملك القدوس السلام المهيمن

·        الثانية في سورة المائدة في قوله تعالى: " وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه … "                              

 

والمهيمن: هو القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وارزاقهم(1) وقيل معنى المهيمن هو الشاهد، ومنه قوله تعالى "ومهيمنا عليه" أي شاهدا فهو تعالى الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل(2) وقيل هو الرقيب على الشيء والحافظ له. وقيل هو الامين. وذكر السيد الطبطبائي أنه الفائق المسيطر على شيء. وكلمة مهيمن تطلق في الاصل على كل شيء يحفظ ويراقب أو يؤتمن على شيء آخر ويصونه.

 

ولما كان القرآن الكريم يشرف في الحفاظ على الكتب السماوية السابقة وصيانتها من التحريف اشرافا كاملا ويكمل تلك الكتب لذلك اطلق عليه لفظ المهيمن حيث تقول الآية " وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه". فالقرآن بالاضافة إلى تصديقه الكتب السماوية السابقة اشتمل ايضا على دلائل تتطابق مع ما ورد في تلك الكتب فكان بذلك حافظا وصائنا لها.

 

ان الكتب السماوية جاءت كلها متناسقة في المبادىء والهدف الواحد الذي تبيى تربية الانسان والسمو به الى مراتب الكمال المعنوي والمادي على الرغم من الفوارق الموجودة بين هذه الكتب والتي تنبع من مقتضى التكامل التدريجي للانسان حيث ان كل شرعة جديدة ترتقي بالانسان الى مرحلة اسمى من مراحل الرقي والكمال الانساني وتشتمل على خطط وبرامج اكثر شمولا وتطورا والاتيان بعبارة "ومهيمنا عليه" بعد جملة "مصدقا لما بين يديه" يدل على هذه الحقيقة اي أن القرآن الكريم في الوقت الذي يصدق الكتب السابقة  في نفس الوقت ببرامج وخطط اكثر شمولا للحياة(3). فإذن المهيمن هو كون الله مسلطا على الشيء في الحفظ والمراقبة وأنواع التصرف.

 

ولما كان القرآن الكريم هو كلام الله فيكون حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كل شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية: يحفظ منها الاصول الثابته غير المتغيرة وينسخ منها ما ينبغي ان ينسخ من الفروع التي يمكن ان يتطرق اليها التغير والتبدل حتى يناسب حال الانسان بحسب سلوكه صراط الترقي

 

 

1.       مصباح الكعفمي ج1 ط369

2.       العدة والجواهري

3.       الأمثل ج4

والتكامل بمرور الزمن قال الله تعالى "ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" وقال "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها". فجملة "مهيمنا عليه" متممه لقوله "ومصدقا لما بين يديه من الكتاب" تتميم ايضاح اذ لولاها لامكن ان يتوهم من تصديق القرآن للتوراة والانجيل انه يصدق ما فيها من الشراءع والاحكام تصديق ابقاء من غير تعديل وتغيير لكن توصيفه بالهيمنة يبين ان تصديقه لها تصديق انها معارف وشرائع حقة من عند الله ولله ان يتصرف فيها بما يشاء وبالنسخ والتكميل كما يشير اليها قوله "ولو شاء الله لجعلكم امه واحدة ولكن ليبلوكم فيما اتاكم" .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العزيز

 

 

 

 

وهو القاهر المنيع الذي لا يغلب. ومنه قوله تعالى: "وعزني في الخطاب" اي غلبني في محاورة الكلام. وقولهم : من عز بز أي من غلب سلب. والعزيز ايضا الذي لا يعادله شيء والذي لا مثيل له ولا نظير(1).

 

وقال الامام الطبرسي: العزيز لغة الشديد. والعزيز من صفاته تعالى معناه الممتنع القادر الذي لا يتعذر عليه ما يريده والعزة امتناع الشيء بما لا يتعذر معه ما يحاول منه وهو على ثلاثة أوجه : امتناع الشيء بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة والثلاثة غير ممتنع عليه تعالى.

 

وقد وردت هذه الصفة في القرآن الكريم حوالي 94 مرة وتستعمل عادة لاظهار غنى الله وغلبته ولرفع التوهم الحاصل عند الجبارين والمعاندين. كما في قوله تعالى مثلا: " فان زللتم من بعدما جاءتكم البينات، والزلة هي العثرة والمعنى فان لم تدخلوا في السلم كافة وزللتم واتبعتم خطوات الشيطان فاعلموا ان الله عزيز غير مغلوب في أمره حكيم لا يتعدى عما تقتضي حكمته من القضاء في شأنكم فيقتضي فيكم ما تقتضي حكمته ويجريه فيكم من غير ان يمنع عنه مانع.

 

وكما في قوله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم".

فعلى الرجال ان يتذكروا دائما بأن الدرجة التي فضل الرجل بها على المرأة ناشئة من الميزة التي خلقها الله في الرجل من جهة أنه اليق في تحمل مسؤولية العائلة ولكن هذا ليس مدعاة لان يتسلط الرجل على زوجته أو على بناته لان المسؤولية تكليف وليست تشريفا حتى يفعل ما يشاء فاذا ما اساء التطبيق فليتذكر الرجل ان الله عزيز لا يغلبه مثل هذه التصرفات وليس عاجزا من ان ينتقم للمرأة بمقتضى حكمته ليأخذ حقها المقهور.

وكمصداق ثالث واخير لهذه الصفة ما ورد في سورة آل عمران في الآية الرابعة " ان الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام".

 

فالعزيز هو الذي يقهر ولا يقهر وحيثما وصف الله بهذه الصفة فهي بهذا المعنى اي لا يغلبه أحد وكل ارادة محكومة بارادته. ولكي يعرف الكفار ان هذا التهديد جاد تذكرهم الآية بان الله عزيز اي قاهر وما من احد يستطيع ان يقف بوجه تنفيذ تهديداته . انه في الوقت الذي يكون فيه غفورا رحيما ، فهو نحو الذين لا يستحقون الرحمة شديد العقاب. ان الانتقام غالبا في مفهومنا اليوم يعني لجوء شخص لا يستطيع ان يسامح الآخرين ويغفرلهم اخطاءهم إلى عمل مقابل قد يكون عنيفا لا يأخذ حتى مصلحته الخاصة بنظر الاعتبار. بديهي ان هذه الصفة مذمومة.

1. مصباح الكعفمي ج1 ط369

اذ ان على الانسان في كثير من الحالات ان يعفو ويغفر بدلا من ان ينتقم. غير ان الانتقام في اللغة ليس بهذا المعنى بل يعني انزال العقاب بالمجرم. ولا شك ان معاقبة المجرمين العصاة فضلا عن كونها ليست من الامور المذمومة فانه لا يجوز التهاون فيها لان هذا التهاون يمنع العدالة من تحقيق اهدافها.

 

وكما في قوله تعالى في سورة الحشر "يسبح لله ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم" أي الغالب غير المغلوب الذي فعله متقن لا مجازفة فيه فلا يعجزه فيما شرعه ودعا اليه معصية العاصين ولا مشاقة المعاندين ولا يضيع عنده طاعة المطيعين واجر المحسنين. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجبار

 

 

 

 

الجبار وهو العظيم الملك والسلطان فلا يوصف به على الاطلاق, اي من دون قرينة الا الله تعالى ، فان وصف به انسان كان ذما وان وصف به البارىء كان مدحا لان الجبر طلب علو المنزلة بما ليس له غاية في الوصف، والجبار هو من يذل من دونه ولا تناله يد. والجبار هو الذي يجبر الناس ويقهرهم والجبار هو المتسلط . ومنه " وما انت عليهم بجبار".

 

والجبار بمعنى المتكبر ومنه قوله تعالى "ولم يجعلني جبارا شقيا" والجبار القتال: ومنه "واذا بطشتم بطشتم جبارين". والجبار الطويل من النخل الذي لا تتناوله الايدي. وقد وردت هذه الصفة عشر مرات في القرآن الكريم منها مورد واحد يتصف به الله عز وجل في سورة الحشر " لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر"

 

وبقية الموارد وردت في صفة الناس واذا ما وصفت اناسا فكما ذكرنا فهي للذم اذا كان الانسان غير مؤمن أو لرفع ذم المؤمن.

فالمورد الاول مثل قوله تعالى: " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار"

والمورد الثاني كقوله تعالى عيسى) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا".

واذا اردنا ان نوازن بين صفة الجبار التي يتصف بها المولى عز وجل والجبار من الناس فلنأخذ آية الحشر مع الآية 58 من سورة هود في قوله تعالى: "وتلك عاد جحدوا بأيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا امر كل جبار عنيد".

 

فأي ذنب اعظم من هذه الذنوب: ترك الايات ومخالفة الانبياء وجعل الرقاب تحت طاعة كل جبار عنيد. والجبار هنا تطلق على من يضرب ويقتل ويدمر من منطلق الغضب ولا يتبع امر العقل. وبتعبير آخر هو من يجبر سواه على اتباعه ويريد ان يغطي نقصه بادعاء العظمة والتكبر الظاهري. والعنيد هو من يخالف الحق والحقيقة اكثر مما ينبغي ولا يرضخ للحق ابدا.

 

وهاتان الصفتان صفتان بارزتان في الطواغيت والمستكبرين في كل عصر وزمان ، الذين لا تكون آذانهم صاغية لكلام الحق ابدا، واي شخص خالفهم عذبوه وعاملوه بقساوة وشدة وبلا رحمة ودمروه وابادوه.

وهنا يرد سؤال وهو: اذا كان الجبار معناه كذلك فلماذا ذكرت هذه الصفة لله كما في سورة الحشر.

 

والجواب: ان " الجبار" جذره اللغوي في الاصل مشتق من الجبر ومعناه ازالة النقص ولكن الجبار سواء كان بالمعنى الأول أو الثاني فهو يستعمل بشكليه ، وقد يراد به الذم اذا كان الانسان يحاول تجاوز النقص الذي فيه باستعلائه على الغير وتكبره وبالادعاءات الخاطئة أو انه يحاول ان يجبر غيره على أن يكون تحت طاعته ورغبته فيكون الاخير ذليلا لامره.

 

ولكن قد تأتي كلمة " الجبار" من هذين الجذرين " الجبر " والجبران، وهي بمعنى المدح وتطلق على من يسد حاجات الناس ويرفع نقصانهم ويربط العظام المتكسرة أو ان تكون له قدره وافرة بحيث يكون الغير خاضعا لقدرته دون أن يظلم احدا أو ان يستغل قدرته ليسيء الاستفادة منها، ولذلك حين تكون كلمة الجبار بهذا المعنى فقد تقترن بصفات مدح اخرى كما نقرأ في سورة الحشر "لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار" وواضح ان الصفات كالقدوس والسلام والمؤمن المهيمن مثلا لا تنسجم مع الجبار بمعنى الظالم أو المتكبر بمعنى من يرى نفسه اكبر من غيره. وهذا التعبير يدل على أن المعنى المراد هنا من الجبار هو المعنى الثاني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المتكبر

 

 

 

 

من مادة تكبر وجاءت بمعنيين

الأول: استعملت صفة المدح وقد اطلقت على لفظ الجلالة وهو اتصافه بالعلو والعظمة والسمات الحسنة بصورة عامة.

والثاني: استعملت صفة الذم وهو ما يوصف به غير الله عزوجل حيث تطلق على الاشخاص صغار الشأن وقليلي الأهمية الذين يدّعون الشأن والمقام العالي وينعتون انفسهم بصفات غير موجودة فيهم.

 

ولان العظمة وصفات العلو والعزة لا تكون لائقة لغير مقام الله سبحانه لذا استعمل هذه المصطلح هنا بمعناه الايجابي حول الله سبحانه. ولان الله هو الكمال المطلق ولا يرتقي اليه احد كان من حقه ان يتصف بالمتكبر الذي لا يرقى لمقامه احد ولا يصل لعظمته مخلوق ومع ان الكل مفتقر اليه فلا يضن على احد فنشر رحمته على الجميع حتى ان اعناق ابليس تشرئب اليها وجاد على الجميع فاعطى الكافر والمؤمن، من هنا كان التكبر من صفاته الحميدة التي لم يمارس فيها الظلم والقهر رغم هيمنته على الجميع لانه انما يحتاج الى الظلم الضعيف.

 

وأما المتكبر اذا ما اسند الى الانسان فان الندم وارد عليه لا محالة ويكون مورد طلب الاستفادة من الله كما في قوله تعالى: " وقال موسى اني عزت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" . فيستفاد من قول موسى عليه السلام ان من تحل فيه صفتا التكبر وعدم الايمان بيوم الحساب فهو انسان خطر علينا ان نستعيذ بالله من شره وكيده اذ التكبر يصبح سببا لان لا يرى الانسان سوى نفسه وسوى افكاره فهو يعتبر كما في حال فرعون الآيات والمعجزات الالهية سحرا ويعتبر المصلحين مفسدين ، ونصيحة الاصدقاء والمقربين ضعفا في النفس.

 

وأما عدم الايمان بيوم الحساب فيجعل الانسان حرا طليقا في اعماله وبرامجه لا يفكر بالعواقب ولا يرى لنفسه حدودا يقف عندها وهو سيقوم بسبب انعدام الضوابط وفقدان الرقابة بمواجهة كل دعوة صالحة ويحارب الانبياء ولان هؤلاء يحاولون ان يرتدوا رداء الله بالباطل ويمارسون عقدهم النفسية على الاخرين بالظلم والقهر فيفسدون في الارض ويعيثون في الارض فسادا ويمارسون بسبب عقدهم الطغيان لانهم كذلك فقد توعدهم الله بالعقاب الاليم كما في قوله تعالى في سورة الزمر من الآية 60 " اليس في جهنم مثوى المتكبرين وفي الآية 72 من السورة نفسها قال الله تعالى: " قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين". 

 

الخالق- البارئ - المصور

 

 

 

 

وقع كلام بين المفسرين في ان هذه الصفات الثلاث هل هي الفاظ مترادفة لمعنى واحد وهو الخالق أو ان لكل صفة لحاظا معينا تختلف عن الصفة الثانية. ولقرب المعاني لبعضها فقد وقع لبس عند البعض في تحديد المعنى فمثلا حينما يفسر البعض " فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم" يفسر البارىء بالخالق اي توبوا الى خالقكم لان هذا الامر الالهي بالتوبة الشديدة على هذا النحو اي قتل الانفس فهذا الامر صادر عمن خلقكم وعمن هو اعرف بما يضركم وينفعكم.

 

ولكن في الواقع انه لا يعقل ان تكون هذه الالفاظ مترادفة خاصة وانها وردت في آية واحدة في سورة الحشر "هو الله الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى". فذكرها بالتتالي يظهر منه ان كل صفة لها لحاظ مختلف عن الصفة الاخرى.

 

فالبارىء من مادة (برأ) على وزن ( فعل) وهي في الاصل بمعنى التحرر والتحسن في الامور غير الحسنة. ولذا يقال (بارىء) للشخص الذي يوجد شيئا غير ناقص وموزون بصورة تامة. واخذه البعض- ايضا- من مادة (برى) على وزن (نفى) قط الخشب، حيث ينجز هذا العمل بقصد الموزونية. وصرح البعض من ائمة اللغة ايضا بان البارىء هو الذي يبدأ شيئا لم يكن له نظير في السابق.

 

وقال الغزالي وقد احسن في ذلك – قد يظن ان الخالق والبارىء والمصور الفاظ مترادفة وان الكل يرجع الى الخلق والاختراع وليس كذلك ، بل كل ما يخرج من العدم الى الوجود مفتقر الى تقديره اولا والى ايجاده على وقف التقدير ثانيا والى التصوير بعد الايجاد ثالثا، فالله تعالى خالق من حيث انه مقدر وبارىء من حيث انه مخترع موجد، ومصور من حيث انه مرتب صور المخترعات احسن ترتيب.

 

وهذا كالبناء مثلا فانه يحتاج الى مقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن ومساحة الارض وعدد الابنية وطولها وعرضها وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره ثم يحتاج الى بناء يتولى الاعمال التي عندها تحدث اصول الابنية ثم يحتاج الى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء. هذه هي العادة في التقدير في البناء والتصوير وليس في افعاله تعالى، بل هو المقدر والموجد والصانع فهو الخالق والبارىء والمصور

 فاذن الخالق هو الموجد للاشياء عن تقدير والبارىء المنشىء للاشياء ممتازا بعضها من بعض.

 

والمصور هو المعطي لها صورا يمتاز بها بعضها من بعض والاسماء الثلاثة تتضمن معنى الايجاد باعتبارات مختلفة وبينها ترتب فالتصوير فرع البرء والبرء فرع الخلق.

ولعله لاجل هذا التمايز في المعنى عبر الله تعالى في الآية السابقة بالبارىء دون الخالق فقال " فتوبوا الى بارئكم" ولم يقل فتوبوا الى خالقكم" لان البارىء قريب المعنى من الخالق والموجد، فالبارىء من برأ يبرأ براءا اذا فصل، لانه يفصل الخلق من العدم، أو الانسان من الارض فكأنه تعالى يقول: هذه التوبة وقتلكم انفسكم وان كان اشق ما يكون من الاوامر لكن الله الذي امركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الذي برأكم، فالذي احب وجودكم وهو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم، وكيف لا يحب خيركم وقد برأكم. فاختيار لفظ البارىء باضافة اليهم في قوله: "الى بارئكم"، وقوله" عند بارئكم" الاشعار بالاختصاص لاثاره المحبه(1)

 

والملفت للنظر ان الآيات 22، 23، 24 من سورة الحشر قد جمعت ستة عشر صفة والملفت ايضا ان الله عز وجل قد صدر الآية 22 و 23 بقوله "الذي لا اله الا هو" فقال: "هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الحيم" * هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون" بينما في الآية 23 لم يصدرها " بالذي لا اله الا هو" بل قال مباشرة "هو الله الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى".

 

لان الاسماء الكريمة المذكورة في الآيتين السابقتين وهي احد عشر اسما من لوازم الربوبية ومالكية التدبير التي تتفرغ عليها الالوهية والممعبودية وهي على نحو الاصالة والاستقلال لله سبحانه وحده لا شريك له في ذلك، فاتصافه تعالى وحده بها يستوجب اختصاص الالوهية واستحقاق المعبودية به تعالى ولذلك صدر الآيتين بقوله "هو الله الذي لا اله الا هو" . فهذه الاسماء بمنزلة التعليل والشهادة هو الرحمن الرحيم، ولذا ذيل هذه الاسماء بقوله ثناء عليه " سبحان الله عما يشركون" ردا على القول بالشركاء كما بقوله المشركون.

 

ولكن في الآية 24 لم يصدرها "بالذي لا اله الا هو" بل قال مباشرة "هو الله الخالق البارىء المصور" لان هذه الاسماء تفيذ معنى الخلق والايجاد واختصاص ذلك به تعالى لا يستوجب اختصاص الالوهية به كما يدل عليه ان الوثنيين قائلون باختصاص الخلق والايجاد به تعالى وهم مع ذلك يدعون من دونه اربابا وآلهة ويثبتون له شركاء.

 

 

 

 

 

 

 

1. الميزان ج 1 – ص 189

الغفار - الغفور

 

 

 

 

وهما لغة من ابنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عبارة المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم يقال: اللهم اغفر لنا مغفرة وغفرا وغفرانا وانك انت الغفور الغفار يا أهل المغفرة. واصل الغفر التغطية والستر فغفر الله ذنوبه اي سترها(1) ومعناهما الذي تكثر منه المغفرة اي يغفر الذنوب ويتجاوز عن العقوبة.

 

وهاتان الصفتان تعنيان في الاصل لبس الانسان لشيء بقية من التلوث وعندما تستعملان بشأن البارىء عز وجل فانها تعني ستره لعيوب وذنوب عبارة النادمين وحفظهم من عذابه وجزائه. وهاتان من صفات الرحمة التي كتب الله على نفسه "كتب الله على نفسه الرحمة" وهذه من الامور التي تجعل الانسان ينجذب نحو الله بصفته الغفور الغفار الذي مهما فعل الانسان من ذنوب خاصة وان ابن آدم خطاء وكثيرا ما يقع الانسان فريسة لوساوس الشيطان الذي  يتربص به الدوائر بقوله: " رب بما اغويتني لازيتن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين الاعبادك منهم المخلصين" " لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين" "وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم" " كمثل الشيطان ان قال للانسان اكفر فلما كفرقال اني برىء منك اني اخاف الله رب العالمين"

 

امام هذا الامر فان الانسان لقابليته للخير والشر اللذين اودعهما الله في الانسان وابتلاه بهما ليشكر او يكفر فان الانسان كثيرا ما يقع في الذنوب فلو كان الله لا يغفر ذنوب عباده فان اليأس سيصيب الانسان ويجعله في احضان ابليس ليكون من جنوده واعوانه ولكن الله فتح باب المغفرة بشرط ان يعود الانسان عن غيه وضلاله ويتوب ويعمل صالحا ويهتدي عندها سيغفر الله ذنوبه . ولان الانسان عندما يستغفر الله ويتوب ثم يعود الى الذنب من جديد فسيشعر بان مثل هذا الامر يحرمه من غفران الله فيعبر الله عن نفسه بصفة الغفار والغفور اي المبالغة في الغفران أي انه كثير الغفران فكلما اذنب العبد وتاب توبة نصوحة فانه سيجد الله غفورا غفارا لذنوبه، المهم ان لا يستسلم ليأسه لانه لا ييأس من رحمة الله الا القوم الكافرون.

 

وهذا المبدأ اي مبدأ الذنب الذي مقتضاه الرجاء   يجب ان يقابل بمبدأ الخوف ليكون هناك التوازن في شخصية الانسان حتى لا يطغى وهذا ما تخبرنا عنه الآية الكريمة " كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي، ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى*

 

 

1. لسان العرب ج5 – ص3273

 

واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى". فعندما يحل غضب الله على شخص فمعناه الخسران المهين والهوي في الاصل بمعنى السقوط من المكان المرتفع والذي تكون نتيجته الهلاك عادة ، اضافة الى انه هنا اشارة الى السقوط الرتبي والبعد عن قرب الله والطرد من رحمته.

 

ولما كان ينبغي ان يقترن التحذير والتهديد بالترغيب والبشارة، لتتساوى كفتا الخوف والرجاء واللتان تشكلان العامل الاساسي في تكامل الانسان ، ولتفتح ابواب التوبة والرجوع بوجه التائبين فقد قالت الآية التالية " واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى" فهناك كلمة واني لغفار توحي بأن الله سبحانه لا يقبل هؤلاء التائبين ويشملهم برحمته مرة واحدة فقط بل سيعمهم عفوه ورحمته مرات ومرات ولكن بشروط ذكرها الله وهي التوبة والايمان والعمل الصالح ان يواظب على خط الهدى والتقوى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القهار

 

 

 

 

وهو من ابنية المبالغة وهو الذي قهر الجبابرة وقهر كل مخلوقاته بالموت والفناء وقهرهم بما يريد من سنة سنها في خلقهم ليجروا تحت ارادته ففي الامور التكوينية يخضع جميع المخلوقات لارادته وليس لهم اي ارادة امام ارادته " انما أمره ان يقول للشيء كن فيكون" واما في الامور التشريعية فلم يقهر عباده على شيء انما قد هدى الانسان النجدين اما شاكرا واما كفورا وقد بين هذه الحقيقة بقوله "لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال الله تعالى : " قل انما انا منذر وما من اله الا الله الواحد القهار* رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار".

 

فصحيح ان رسول الله(ص) بشير للعالمين وأن القرآن الكريم ينطبق بالمعنيين اي الانذار والبشرى، ولان البشرى تخص المؤمنين فان الانذار يخص المشركين والمفسدين. والحديث هنا في هذه الآية يخص المجموعة الاخيرة واعتمد فيه على الانذار فلذلك يعقب الله بعد قوله " قل انما انا نذير" يعقب بـ" وما من اله الا الله الواحد القهار" فكلمة القهار وردت في هذه العبارة كي لا يغتر احد بلطف الله ويظن انه يعيش في مأمن من قهر الله ولكي لا يغرق في مستنقع الكفر وارتكاب الذنب. ويضيف الله " رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار"

 

وفي الواقع هناك ثلاث صفات من صفات الباري عز وجل ذكرت في هذه الآية وكل واحدة منها جاءت لاثبات مفهوم ما.

-         الاول قضية ربوبيته لعالم الوجود، مالكيته لكل هذا العالم، المالك المدبر لشؤون عالم الوجود فهو الوحيد الذي يستحق العبارة وان الاصنام لا تمتلك من زمام امورها شيئا ولو بمقدار ذرة.

 

-         والصفة الثانية: (عزته) وكما هو المعروف فان كلمة العزيز تطلق في اللغة على من لا يغلب، وعلى من كان بامكانه فعل ما يشاء وبعبارة اخرى الغالب الذي لا يمكن لاحد التغلب عليه. فمن يمتلك مثل هذه القدرة كيف يمكن القرار من قبض قدرته؟ وكيف يمكن النجاة من عذاه.

 

-         الصفة الثالثة هي (غفار) وكثير الرحمة بحيث ان ابواب رحمته مفتوحة امام المذنبين وسحب رحمته تنزل الرحمة عليهم كي لا يتصوروا ان كلمتي (القهار والعزيز) تعطيان مفهوم غلق ابواب الرحمة والتوبة امام عباده، اذ ان احداهما جاءت لبيان الخوف والثانية لبيان الرجاء وانعدام حالة التوازن بين الحالتين السابقتين اي الخوف والرجاء يؤدي الى عدم تكامل الانسان وابتلائه بالضرورة والغفلة اذا ما استحضر في نفسه دائما                                                                                                                                                 

 

ان الله غفور كريم فيقع في التساهل والتسامح ويصل به الامر الى ان يصبح انسانا عديم المسؤوليه مستهتر يستحل حرم الله ممنيا نفسه برحمة الله وغفران واذا ما استحضر في نفسه بان الله قهار عزيز وانه شديد العقاب فسيصيبه اليأس من رحمة الله والقنوت من غفرانه وبالتالي يغرق في دوامة اليأس وفقدان الامل.

 

وبعبارة اخرى فان وصف الباري عز وجل بـ ( العزيز ) و(الغفار) لهو دليل آخر على توحده تعالى في الالوهية لانه الوحيد الذي يستحق العبادة والطاعة واضافة الى ربوبيته فانه يمتلك القدرة على المعاقبة واضافة الى امتلاكه القدرة على المعاقبة فان ابواب رحمته ومغفرته مفتوحة للجميع.

 

وبالتالي فان الله عز وجل (غفار) في اوج عزته وقدرته وهو (قهار) في اوج رحمته وغفرانه. والهدف من ذكر هاتين الصفتين هو ايجاد حالة من الخوف والرجاء عند العباد وهما عاملان رئيسيان وراء كل تحرك نحو الكمال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوهاب

 

 

 

 

ذكر ابن منظور في لسان العربان الهبة هي العطية الخالية من الاعواض والاغراض فاذا كثرت سمي صاحبها وهابا وهو من ابنية المبالغة. غيره: الوهاب من صفات الله المنعم على العباد ، والله تعالى الوهاب الواهب. وذكر صاحب كتاب العدة ان الوهاب الكثير الهبة والمفضال في العطية.

 

وذكر صاحب كتاب القواعد ان الوهاب المعطي كل ما يحتاج اليه لكل من يحتاج اليد والوهب من شؤون الخالق الرزاق لانه بعد ان خلق الخلق والمخلوقات مفتقرة اليه في كل شيء بلا استثناء، وجودها مفتقرة اليه، رزقها مفتقرة اليه تدبير امورها مفتقرة اليه، حركاتها وسكناتها مفتقرة اليه ومتى لم يهبها الله ذلك فانها الى فناء واندثار لذلك فان الوهب حاجة المخلوق الى خالقه والله الغني الذي لا يضن على عباده شيئا مما فيه صلاح امورهم وحاجتهم التي يحتاجونها ليمارسوا دورهم في الحياة التي رسمها الله لهم، لذلك ترى الله يفيض في عطاياه للمؤمن والفاسق والكافر والملحد، للعاقل وغير العاقل فهو يعطي ويهب بلا حساب وبلا مقابل ومن يعطي العطايا من غير منة ولا عوض ولا غرض له من العطية فهو الوهاب.

 

ولا يعني في المقام ان الهبة من الله مكرمة لنا ورضا من الله علينا شأن الانسان الذي يهب لك هبة لحب، فعادة من يهب لك هبة انما يهبها لعلاقة حميمة بينك وبينه يترجم هذه العلاقة الحميمة بهدية أو هبة لتتكرس هذه العلاقة وتمتن.

 

أما عطايا الله فلا تفسر كذلك لما ذكرنا من ان عطايا الله انما تكون لمصلحة المخلوق في استمرار حياته وممارسة دورة، فقد تكون نتيجة الاعطاء وبالا كما في قوله تعالى ردا على من يظن بان الظالمين مفضلون في العطاء عند الله وبالتالي فهم المكرمون "ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين" وقد تكون نتيجة العطاء قمة في الخير كما في الانبياء "ووهبنا اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب" ولذلك فلا يجب ان تغرنا عطايا الله ووهبته بل يجب علينا ان نتوجه الى الله لنطلب منه خير الهبة كما في قوله تعالى "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب".

 

وقد استنكر الله على الذين يتدخلون في شؤون الخلق ويضنون عليهم في التسليم بالامر الذي قسمه الله لعباده. كما في قوله تعالى "اءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري، بل يذوقوا عذاب* ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب". حيث قد تحدثت الآيات السابقة عن هاتين الآيتين عن المواقف السلبية التي اتخذها المعارضون لنهج التوحيد ولرسالة الرسول الاكرم(ص) وهنا يواصل الله الحديث عن مشركي قريش، فبعدما احس المشركون ان مصالحهم اللامشروعة باتت في خطر واثر تزايد اشتعال نيران الحسد والحقد في قلوبهم ومن اجل خداع الناس واقناع انفسهم عمدوا الى مختلف الادعاءات بمنطق زائف لمحاربة رسول الله(ص) ومنها سؤالهم بتعجب وانكار "انزل عليه الذكر من بيننا" فقد حاولواان يضنوا ويرفضوا التسليم بهبة الله لنبوة محمد بقولهم الم يجد الله شخصا آخر لينزل عليه قرآنه وغير محمد اليتيم خاصة وان فينا الكثير من الشيبة وكبار السن الاثرياء المعروفين.

 

هذا المنطق لم يكن منحصرا بذلك الزمن فقط وانما يتعداه، الى كل عصر وزمان، فان تولى شخص مسؤولية مهمة طفحت قلوب الاخرين بالغيظ والحسد. ولذلك يضيف القرآن الكريم في الرد عليهم أهم يمتلكون خزائن رحمة ربك القادر الوهاب؟  كي يهبوا لمن يرغبون فيه لكي يتصدى لامر النبوة ويمنعونها عمن لا يرغبون فيه؟  "ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب".

 

فالله سبحانه بمقتض كونه(رب) هذا الكون ومالكه وبارىء عالم الوجود وعالم الانسانية ينتخب لتحمل رسالته شخصا يستطيع قيادة الامه الى طريق التكامل والتربية وبمقتض كونه (عزيزا) فانه لايقع تحت تأثير اي احد كي يسلم مقام الرسالة الى اشخاص غير لائقين بتسلمها، فمقام النبوة عظيم والله سبحانه وتعالى هو الوحيد صاحب القرار في منحه ولكونه ( الوهاب) الحكيم فانه ينفذ اي شيء يريده ويمنح مقان النبوة لكل من يرى فيه القدرة على تحمله وبالتالي ليس عند المشركين شيء من خزائن رحمة الله لانه عزيز منيع جانبه لا يداخل احد في امره ولا لهم ان يصرفوا رحمته عن احد لانه وهاب كثير الهبات.

 

ولاجل هذا الاستنكار من الله على المشركين الذين لا يسلّمون بوهب الله ويضنون فيه على الاخرين مع انهم لا يملكون هذه العطايا فكيف اذا كانوا يملكونهم فانهم سيضنون بالهواء. لاجل ذلك فان المؤمن لا يضن ولا يعترض ولا يحسد ولايبخل في هذه الامور.

 

وهنا يطرح في المقام سؤال حول قول الله عز وجل حكاية عن سليمان(ع): " قال رب اغفرلي وهب لي ملكا لا يبنغي لاحد من بعدي انك انت الوهاب". والسؤال هو: "هل يستشف البخل من طلب سليمان(ع) ؟.

والجواب الذي يبدو اكثر تناسبا ومنطقية هو ان سليمان طلب من الباري عز وجل ان يهب له ملكا مع معجزات خاصة كي يتميز ملكه عن بقية الممالك لاننا نعرف ان لكل نبي معجزة خاصة به، فموسى(ع) معجزته الخاصة العصا واليد البيضاء وابراهيم(ع) معجزته برد النار التي القي فيها وانطفاؤها ومعجزة صالح(ع) الناقة الخاصة به ومعجزة عيسى ابراء الاكمة واحياء الموتى باذن الله ومعجزة نبينا(ص) القرآن الكريم وسليمان كان ملكه مقترنا بالمعجزات الالهية كتسخير الرياح والشياطين له مع مميزات اخرى.

 

وهذا الامر لا يعد عيبا او نقصا بالنسبة للأنبياء الذين يطلبون من الله ان يؤيدهم بمعجزة خاصة ، كي يبرهنوا للناس على صدق نبوتهم ، ولهذا فلا يوجد اي مانع في ان يطلب الاخرون ملكا اوسع واكبر من ملك سليمان ولكن لا تتوفر فيه الخصائص التي اعطيت لسيمان.

 

ومن هنا يتضح الجواب ايضا عن السؤال الثاني وهو: هل ملك المهدي اعظم او لا؟ فمن المعلوم ان ملك الامام الحجة(عج) سيكون ملكا عظيما وبالنتيجة سيكون اوسع من ملك سليمان لان ملك المهدي(عج) مع سعته وخصائصه التي تميزه عن بقية الممالك فانه يبقى من حيث الخصائص مختلفا من ملك سليمان وملك سليمان يبقى خاصا به.

 

وخلاصة الكلام ان الحديث لم يختص بزيادة ونقصان وتوسعة ملكه وطلب الاختصاص به وانما اختص الحديث بكمال النبوة والذي يتم بوجود معجزات خصوصية لتميزه عن نبوة الانبياء الاخرين وسليمان كان طلبه منحصرا في هذا المجال.وقد لخص السيد الطبطبائي في ميزانه الجواب عن هذا السؤال بقوله " وربما استشكل في قوله : " وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي" ان فيه ضنا وبخلا، فان فيه اشتراط ان لا يؤتى مثل ما اوتيه من الملك لاحد من العالمين غيره.

 

ويدفعه ان فيه سؤال ملك يختص به لا سؤال ان يمنع غيره عن مثل ما اتاه ويحرمه ، ففرق بين ان يسأل ملكا اختصاصيا وان يسأل الاختصاص بملك اوتيه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرزاق

 

 

 

 

نفس ما يقال في صفة الوهاب يقال هنا من ان الرزق من شؤون الخالق لان المخلوقات مفتقرة اليه في وجودها غاية الامر ان صفة الوهاب اشمل من صفة الرزاق لان الوهب يكون في كل شيء والرزق عادة يكون في الامور المعيشية من طعام وشراب وحاجيات تتعلق في بقاء النفس على قيد الحياة. ولعل معظم او كل الآيات الواردة حول الرزق بهذا المعنى كما في قوله تعالى " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه الانباتكما  بتأويله"(1)           

" كلوا واشربوا من رزق الله"(2) " فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه" (3) "وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم" (4) "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (5)

 

والرزاق صفة مبالغة من الرازق وهو الذي يرزق كثيرا وكثيرا جدا من غير حساب للكافر والمؤمن فهو الذي يرزق ولا يرزق لكونه غنيا ولذلك يصرح الله في كتابه "وما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون ان الله هو الرزاق" فهذه الآية تشير وتصرخ بقوة الى غنى الله عن كل احد وعن كل شيء واذا ما دعا العباد الى عبادته فليس ذلك ليستفيد منهم بل يريد ان يجود عليهم، وهذا على العكس من العبودية بين الناس لانهم ينتخبون الرق والعبيد ليحصلوا بهم الرزق او المعاش او ان يخدموهم في البيت فيقدموا لهم الطعام والشراب وفي كلتا الحالتين فانما يعود نفعهم على مالكيهم، وهذا الامر ناشىء عن احتياج الانسان الا ان جميع هذه المسائل لا معنى لها في شان الله اذ ليس غنيا عن عباده فحسب بل هو يضمن لعباده الرزق بلطفه وكرمه ورزق الجميع على الله ولا فائدة ولا هدف من الله يعود اليه من خلقه ورزقه للانسان انما الهدف والاستفاده تعود على نفس الانسان بتكامله ورقيه.

 

وليس معنى ان الله رزاق كثير الرزق ان يعطي كل الناس بسواسيه لان في ذلك مخالفة للحكمة والله تعالى حكيم في افعاله يجري الطبيعة بتوازن عجيب ليبقى الكون على الجادة الوسطى لا انحراف فيه ويعبر الله عن هذه الحقيقة الرائعة بقوله "والارض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شيء موزون  وجعلنا لكم فيها من معايش ومن لستم له برازقين وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم" فما اجمل كلمة موزون وابلغها فانها تشير بذلك الى الحساب الدقيق والنظام العجيب والتناسق في التقدير في جميع شؤون النباتات، وكل اجزائها تخضع لحساب معين لا يقبل التخلخل من الساق، الغصن، الورقة، الوردة، وحتى الثمرة.

 

 

1. يوسف 37                     3. الكهف 19                                5. البقرة 233

2. البقرة 60                      4. البقرة 22

يتنوع على وجه الارض مئات الالاف من النباتات، وكل تحمل خواصا معينا ولها من الاثار ما يميزها عن غيرها. وقد ذهب  البعض الى المقصود من الانبات ايضا هو المعادن اذ قد وردت في بعض الروايات بهذا المعنى ففي رواية عن الامام الباقرع) عندما سئل عن هذه الآية قال: " ان الله تبارك وتعالى انبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر ... وسائر الفلذات".

 

وهناك من ذهب الى ان المقصود من الانبات في الآية ما هو اوسع ليشمل جميع المخلوقات على هذه الارض، كما يشير الى ذلك نوح) "والله انبتكم من الارض نباتا" وبما ان وسائل وعوامل حياة الانسان غير منحصرة بالنبات والمعادن فقط تشير الآية الى جميع المواهب بقوله " وجعلنا لكم فيها معايش" ليس لكم فقط بل لجميع الكائنات الحية حتى الخارجة عن مسؤوليتكم "ومن لستم له برازقين" .

 

وآخر الآية تشير الى سؤال طالما تردد على اذهان كثير من الناس وهو: " لماذا لم تهيأ النعم والارزاق بما لا يحتاج الى سعي وكدح" . فتنطق الحكمة الالهية جوابا " وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم" فليست قدرتنا محددة حتى نخاف نفاد ما نملك وانما منبع ومخزن واصل كل شيء تحت ايدينا وليس من الصعب علينا خلق اي شيء وباي وقت ولكن الحكمة اقتضت ان يكون كل شيء في هذا الوجود خاضعا لحساب دقيق حتى الارزاق انما تنزل اليكم بقدر والى ذلك تشير الآية الكريمة "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء".

 

ان السعي والكدح في صراع الحياة يضفي على حركة الانسان الحيوية والنشاط وهو بقدر ما يعتبر وسيلة سليمة ومشروعة لتشغيل العقول وتحريك الابدان، فانه يطرد الكسل ويمنع العجز ويحي القلب للتحرك بين الاخرين واذا ما جعلت الارزاق تحت اختيار الانسان بما يرغب هو لا حسب التقدير الرباني فهل يستطيع احد ان يتمكن بما سيؤول اليه مصير البشرية؟

 

اذ يكفي لحفنة ضئيلة من العاطلين، ذوي البطون المنتفخة، وبدون اي وازع انضباطي، يكفيهم لان يعيثوا في الارض الفساد لان الناس ليسوا كالملائكة بل هناك الاهواء التي تلعب بالقلوب والمغريات التي تؤدي الى الانحراف. لقد اقتضت الحكمة الربانية ان يكون الانسان حاملا لجميع الصفات الحسنة والسيئة ويمتحن على هذه الارض بما يحمل، وبماذا يعمل، وعن ماذا يتجاوز؟ والسعي والحركة لما هو مشروع، المجال الامثل للامتحان.

 

والفقر والغنى من البلاء الذي يدخل ضمن مخطط التمحيص والامتحان، فكما ان الفقر والعوز قد يجران الانسان نحو هاوية السقوط في مهالك الانحراف فكذلك الغنى في كثير من حالاته يكون منشأ للفساد والطغيان.

على انه لو بسط الله الرزق لعباده لتعطلت دورة الحياة فالجميع يصبحون اغنياء فيتأفف البعض ان يعمل في عمل معين فيتعطل هذه العمل ويتأفف البعض الاخر عن عمل آخر فيتعطل ذلك العمل وهكذا فتتعطل دورة الحياة ويعيث الناس في الارض الفساد. فلذلك مقتضى كون الله الرازق حكيما ان ينزل بقدر ما يشاء حتى تسير الامور بشكل منتظم ولذلك قال الله " وان من شيء الا عندنا خزائنه "فهو ليس فقيرا او عاجزا ولكن وما تنزله الا بقدر معلوم".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفتاح

 

 

 

 

لفظة الفتح كما يشير الراغب في مفرداته ازالة الاغلاق والاشكال. وذلك ضربان:

-         احدهما يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه وكفتح القفل والغلق والمتاع.

-         والثاني يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهوازالة الغم وذلك ضروب:

-         احدهما في الامور الدنيوية كغم يفرج وفقر يزال باعطاء المال ونحوه

-         وثانيها فتح المستغلق من العلوم ... الى ان يقول : وفتح القضية فتاحا فصل الامر فيها وازال الاغلاق "

 

والفتاح صيغة مبالغة من الفتح اي انه كثير الفتح هو الفصل في الامور فالله تعالى هو الذي يفصل بين الحق والباطل كما في قوله تعالى: " قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم". فبعد ان يبين الله ووينبه في الآيات السابقة على هذه الآية الى ان احد الفريقين على الحق والاخر على الباطل والى ان كلا منهما مسؤول عن أعماله ينتقل الله الى توضيح كيفية التحقق من وضع الجميع والتفريق بين الحق والباطل ومجازاة كل فريق طبق مسؤوليته فيقول "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق" فاذا كنتم ترون انكم مخلوطون بعضكم ببعض وكلا يدعي بانه على الحق وبانه من اهل النجاة فان هذا الوضع لن يدوم الى الابد ولا بد ان ياتي يوم التفريق بين الصفوف، فربوبية الله اقتضت فصل الطيب من الخبيث والخالص من المشوب والحق عن الباطل في النهاية. ويستقر كل منهما في مكانه اللائق.

 

ثم يعقب الله بقوله: "وهوالفتاح العليم" وهذان الاسمان احدهما يشير الى قدرة الله تعالى على فصل الصفوف والاخرى كلمة اللامتناهي . اذ ان عملية التفريق بين صفوف الحق والباطل لا يمكن تحققها بدون هاتين الصفتين واستخدام كلمة الرب في الآية اعلاه اشارة الى ان الله هو المالك للجميع وذلك مما يقتضي ان يكون برنامج مثل ذلك اليوم معدا وفي الحقيقة هي اشارة لطيفة الى احدى احدى دلائل المعاد. والفتح بشارة الله لعباده المؤمنين سواء كان في الحياة الدنيا ليفصل بين المؤمنين واعدائهم ام في الاخرة ليعطي المؤمنين حقوقهم من الذين اغتصبوها او من الذين ظلموهم.

 

وكمصداق للبشارة في الحياة الدنيا قوله تعالى: "انا فتحنا لك فتحا بينا فهذه الآية تبشر الرسول(ص) ببشرى عظيمة هي عند الرسول طبقا لبعض الروايات احب اليه من الدنيا وما فيها. فهو فتح تظهر آثاره في حياة المسلمين في فترة وجيزة وفي فترة مديده وذلك في انتشار الاسلام، فتحا يقل نظيره او ينعدم نظيره في طول تاريخ الاسلام وعلى امتداده.

واكثر المفسرين يرون ان هذه البشارة كان المقصود منها صلح الحديبية، ذلك ان صلح الحديبية كان مقدمة لفتح مكة وسائر الفتوحات الاخرى. وكمصداق للفتح الاخروي دعاء شعيب(ع) " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين"(1) اي يارب احكم بيننا وبين هؤلاء بالحق وارفع المشاكل التي بيننا وبينهم وافتح علينا ابواب رحمتك فانت خير الفاتحين.

 

وكما يكون الفتح بشرى للمؤمنين يكون ايضا عطاءا بغير حساب معروف بالحكمة التي لا تنفك عن افعال الله قال الله تعالى "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم"

 

والخلاصة ان تمام خزائن الرحمة عنده وهو يشمل بها كل من يراه اهلا لها ويفتح ابوابها حيثما اقتضت الحكمة ولن يستطيع الناس ان يغلقوا ما فتح ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا او ان يفتحوا بابا اغلقه سبحانه وتعالى.

 

واستعمال صفتي العزيز والحكيم لتوضيح قدرة الله سبحانه وتعالى على ارسال وامساك الرحمة ، وفي عين الحال هو اشارة الى ان الفتح والاغلاق في اي وقت شاء تعالى انما هو على اساس الحكمة لان قدرة الباري وحكمته ممتزجان فالله بمقتضى كونه عزيزا يفعل مايشاء من دون ان يؤثر عليه احد ولا يخاف من احد وبمقتضى كونه حكيما لاتأخذه السلطة بظلم  بل انما يفعل ما يشاء بحكمة عالية وفق قوانين قد سنها الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الأعراف 89

العليم - العلام

 

 

 

 

العالم بالسرائر والخفيات وتفاصيل المعلومات قبل حدوثها وبعد وجودها. والعليم والعلام صيغة مبالغة من العالم، وعلى هذا فانها تفيد بانه كثير العلم يحيط بالمعلوم باشمل الاحاطة فلا يعزب عنه شيء الا ويعلمة بادق التفاصيل ذلك ان الله تعالى هو الذي خلق المخلوقات كلها، فخلق السماوات والارض وما فيها وما بينها، ومن يخلق شيئا فهو به محيط، يدرك كل تفاصيله ويدرك ما ينفعه وما يضره، يدرك المصلحة والمفسدة فيه، فلذلك له وحده الامر وهو صاحب الحق في تقرير مصير الاشياء لانه عندما يحكم على الشيء يحكم عليه بالحكم الواقعي الذي ليس فيه خطأ ولا نسيان ولا مصلحة له في الاشياء ليتهم عليها.

 

وعلى هذا فان الانسان في مسيرته مع الله ليس للآخرين ان يقرروا مصيره سواء في البرلمانات ام في الفرضيات الفلسفية لانها ناتجة عن قصور في الرؤية التي كثيرا ما تكون خاضعة لرغبات ونزوات ومصالح من يشرع القوانين.

 

ثم ان من يخترع مثلا التلفزيون فانه اقدر على تشخيص ما ينفعه وما يضره وعلى جهاز السلامة فيه ونحو ذلك فلذلك نراه يعطي التعليمات التي تتلاءم مع طبيعة التلفزيون مثلا، وهذا الامر بتمامه يجري مع الله فالله عز وجل يدري ما ينفع الانسان واقعا وما يضره واقعا. ومن منطلق هذا العلم فانه يشرع له القوانين والاحكام الشرعية التي يلزمه او يحرم عليه لمصلحة نفس الانسان، ومن نفس المنطلق فان الله عزوجل يسن السنن الكونية التي تتلاءم مع مصلحة الكون ويضع لها قوانين ثابته غير متغيرة لانها تنطلق من نظرته الشمولية فهو يدري سرها الكامل ولا يغيب عن علمه شيء فلذلك يعطيها حكما ثابتا وهو المعبر عنها بالسنن الالهية التي لن يجد لها تبديلا ولا تحويلا " ولن تجد لسنه الله تحويلا" (1) " ولن تجد لسنة الله تبديلا"(2) ومن هذه النظرة الشمولية علم الله بالماضي والحاضر والمستقبل فعندما ننسب اليه مثل ذلك الامر لا ينبغي ان يكون مستغربا ذلك ان الله هو خالق الزمن فهو فوق الزمن ولا يحيطه الزمن فهو لا يّزمن بزمن ولا يؤطر بمكان لانه هو خالق الازمان والمكان وانما يكون الماضي والحاضر والمستقبل للمخلوق الذي لا يخلو من احد هذه الامور.

 

وكتوضيح لعلم الله بالازمنة: لو كان هناك انسان جالس امام شرفة بيته فاذا مر من امامه شخص فطالما الشخص منظور له فزمانه حالي اي زمن حاضر، فاذا ما غاب عنه يصبح الزمن ماضيا واما الانسان الذي لم يمر بعد فهو مستقبل له. فمثل هذا الشخص الذي يعيش التغيرات يكون الزمن له حاضرا وماضيا ومستقبلا.

 

 

1. فاطر 35                      2. الأحزاب 62

واما لو فرضنا انسانا في نفس اللحظة التي كان يمر فيها ذلك الشخص كان جالسا في مكان يشرف على الجميع فان الزمن له بالنسبة لمن مر ولمن يمر ولمن لم يمر هو زمن حالي اي حاضر. مثل هذا الانسان لا يقال عنده ماض ومستقبل بل الزمن الذي يراهم فيه زمن حاضر. وكذلك الامر بالنسبة الى الله فالزمن بالنسبة اليه عندما يطلع على عباده زمن حالي اي حاضر ومن يكون الزمن حاضرا عنده فهو يحيط به تمام الاحاطة .

 

وعلم الله بالاشياء علم حضوري لا علم تصوري كما هو الامر عند الانسان. فالانسان عندما يعلم بالشيء تحضر صورة ذلك الشيء في ذهنه لا انه يحضر نفس الشيء عنده فعندما اعلم بان النار محرقة لا تحضر نفس النار في ذهني والا لاحترقت بل تحضر صورة النار وخصائصها في ذهني. اما علم الله فانه علم حضوري تماما مثل عندما يعلم الانسان بانه جائع فان نفس الجوع حاضر عند الانسان لا صورته وكذلك كل شيء بالنسبة الى الله فانه يحضر بذاته عند الله لا بصورته ومن يحضر بذاته عند الله فانه يكون معلوما بالتفصيل بل بأدق التفاصيل عند العالم به.

 

والواقع ان علم الله بحقائق الاشياء هو الذي يضفي الطمأنينة، لان الشيء الذي يحصل ويعلم به الله لا يضيع اثره، ولذلك نجد الله عز وجل في كتابه الكريم يركز جدا في ذيل الآيات عندما يتحدث عن الظالمين وعن المؤمنين والمنافقين والمنفقين وكثير من الامور يركز على أنه عليم بما يفعل الانسان وكمصداق على ذلك مثلا قول الله "فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم"(1)

 

فحيث ان خلق السماوات اعظم بكثير بل ليس هناك نسبة بينها وبين خلق الانسان، وبما ان السماوات بعدد نجومها والافلاك الموجودة فيها لا عد لها ولا حصر بل لا يمكن لانسان مهما بلغ من العلم ان يحصي عددها وبما انها تخضع لقوانين معقدة جدا فقد يتصور الانسان انه ليس هناك من مجال لا يضبط الامر فيها فياتي الجواب من الله انه عليم اي كثير العلم فيها وانها محاطة بعلمه لا يعزب عنه شيء منها وبالتالي فانها تحت سيطرته تسير وفق ما خططه الله لها كما في قوله تعالى "لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" بل اكثر من ذلك فان كل شيء في الكون يسبح الله وينزهه عن كل نقص وجهل. "يسبح لله ما في السماوات وما في الارض الملك القدوس العزيز الحكيم"

وعندما يتحدث الله عن الظالمين يقول: " ولا يتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم والله عليم بالظالمين"

* ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة " ان الله بكل شيء عليم" (2) .

 

فهنا يطمئن الله المظلومين بانه عليم يعلم بأدق التفاصيل ما كان يعمله الظالمون في الحياة الدنيا "كل شيء احصيناه في امام مبين" كان يحصي عليهم حتى زفراتهم التي كانوا يتنفسونها غاية الامر ان الله قد

 

 

2. البقرة 29

تركهم ليوم الحساب ولم يكن يجازيهم في الحياة الدنيا لانها دار العمل لا دار الحساب، اما يوم القيامة فسوف ينبئهم بما كانوا يعملون وان كذبوا وانكروا فعلتهم فان ايديهم وارجلهم والسنتهم وجوارحهم ستتكلم

 لتشهد عليهم وكل ذلك يجري بعلم الله.

 

واذا اراد الله ان يحذر الناس من الانحراف والضياع والانجرار نحو شهواتهم وملذاتهم فيحذرهم الله نفسه بقوله "واتقوا الله واعلموا ان الله بكل شيء عليم" يعلم سركم وظاهركم حتى الحديث الذي يخطر ببالكم ولم تتفوهوا به يعلمه الله واذا كان الله يعلم كل ذلك فاتقوه واحذروه لانه مالك يوم الدين الذي يحاسب فيه عباده ويجزيهم اسوأ الذي كانوا يعملون فاحذروه لانه يعلم كل شيء عنكم ومن كان كله علم ولا جهل فيه فانه لا يضل ولا ينسى ومن كان لا يضل ولا ينسى فان كل ملفاتكم عنده قد جهزها ليفضحكم يوم الحساب على رؤوس الاشهاد فلذلك احذروه واتقوه واجتنبوا غضبه.

 

وذا اراد ان يثبت الرجاء في قلوب المؤمنين ويشجعهم على فعل الخير بقول لهم "ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم" يعلم ما قد استقرضتم فيه الله من قرض حسن مهما كان صغيرا أو كبيرا ولئن كان يفصلكم بين موتكم وحسابكم زمن كبير فان الله كثير العلم لا يضل ولا ينسى وهو يشكر لكم فعلكم والله خير الشاكرين الذي يعطي جزاءا لما تفعلون من خير اضعافا مضاعفة.

 

وعندما يخبر الله عن القضاء بين الناس بقول "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" لان القضاء بين الناس لا يكون صحيحا وعادلا لا يتم الا اذا كان القاضي يعلم حيثيات القضية وتفاصيلها والله عليم بما يفعلون فلذلك يكون قضاؤه عادلا لا لبس فيه. وهكذا وردت الآيات التي تتحدث عن هذه الصفة بصراحة حوالي 170 مرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القابض - الباسط

 

 

 

 

وهو الذي يوسع الرزق ويقدره بحسب الحكمة. ويحسن الجمع بين هاتين الصفتين ونظائرهما كالخافض والرفع، والمعز والمذل، والنافع والضار، والمبتدىء والمعيد، والمحي والمميت، والمقدم والاخر، والاول والاخر والظاهر والباطن، لان ذلك انبأ عن القدرة وادل على الحكمة.

 

قال الله تعالى: " والله يقبض ويبسط" فاذا ذكرت القابض لوحده مفردا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت الصفة على المنع والحرمان، واذا وصلت احدهما بالاخر فقد جمعت بين الصفتين فالاولى والافضل لمقام الأدب مع الله عز وجل ان يجمع الصفتين خاصة وان الله قد ادبنا وذكر ذلك في القرآن الكريم جامعا للصفتين فلا نفرق نحن.

 

والله تعالى يوضح من خلال هاتين الصفتين انه وحده الذي يوسع على عباده بالعطاء ويقدر عليهم اي يمنعهم من العطاء كل ذلك لحكمة اقتضاها لمصلحة عباده الذين يجهلون هذه الحكمة تحت تأثير حاجتهم اذا كانوا فقراء او طغيانهم اذا كانوا اغنياء . ولا يعني بالضرورة ان بسط الرزق علامة على رضا الله علينا او حرمانه لنا علامة على نقمة الله علينا لان الله قد يختبر الانسان بواسطة البسط في رزقه واحيانا يمتحن صبره ومقاومته عن طريق التضييق بالمعيشة عليه. كل ذلك من اجل ان يصار الى تربية الانسان.

 

ان الثروة الكبيرة قد تكون احيانا سببا لعذاب اهلها وتعبهم وسلب استقرارهم وراحتهم النفسية ، حيث يقول القرآن في سورة التوبة " فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون" وايضا في سورة المؤمنين " ايحسبون انما يمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون".

 

وايضا قد يقدر الله على العباد ليمتحنهم، بل اكثر من ذلك قد يكون قدره وحرمانه لهم من باب الرحمة عليهم كما يخبر عن ذلك الله في سورة الشورى " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض".

 

ولكن ينبغي ان لا يغيب عن اذهاننا ان تحديد الرزق لا يتعارض مع بذل الجهود، ذلك ان الآيات التي تتحدث عن قدر الرزق وتضييقه لا يتنافى مع سعي الانسان في مجال تحصيله للرزق وينبغي ان لا يكون الامر مبعثا للخمول والكسل والهروب من تحمل المسؤوليات اذ هناك ما يؤكد على اهمية وقيمة السعي الانساني.

ان الهدف هو ان ندرك اننا سعينا وعملنا وان هناك يدا خفية تقوم احيانا بحجب نتائج هذه الجهود لحكمة ومصلحة وتقوم في بعض الاحيان بعكس ذلك حتى لا ينسى الناس في حياتهم الاجتماعية الطويلة ان ثمة قدرة اخرى هي قدرة مسبب الاسباب وهي التي تدبر شؤون العالم.

 

وهنا يواجهنا سؤال يطرح نفسه : هل ان ايجاد التفاوت والاختلاف في الارزاق بين الناس ينسجم مع عدالة الله عزوجل ومساواته بين خلقه التي ينبغي ان تحكم نظام المجتمع الانساني؟

 

ولاجل الاجابة عن هذا السؤال ينبغي الالتفات الى الملاحظتين التاليتين:

اولا: ان الاختلاف الموجود بين البشر في جانب الموارد المادية يرتبط بالتباين الناشىء بين الناس جراء اختلاف استعداداتهم وقابليتهم من واحد لآخر. والتفاوت في الاستعدادين الجسمي والروحي يستلزم الاختلاف في مقدار ونوعية الفعالية الاقتصادية للآفراد مما يؤدي الى زيادة وارد البعض وقلة وارد البعض الآخر.

ثانيا: لو افترضنا ان كل البشر على شكل واحد وذوق واحد وفكر واحد وميول واحد ويحبون ان يعملون عملا واحد هل نستطيع ان نضمن ان حياة هؤلاء ستكون جيدة؟

 

طبعا لا، لان الجميع سيحترق بنار التشابه المفرط والرتيب الكئيب لان الكل يتحرك في جهة واحدة ومن البديهي ستكون الحياة كهذه سريعة الانقراض، ولو افترض لها الدوام فانها ستكون متعبة ورتيبة وفاقدة لكل روح. وبعبارة اخرى سوف لا يبعدها عن الموت بون شاسع.

 

وعلى هذا فحكمة وجود التفاوت في الاستعدادات المستتبعة لهذا التفاوت قد الزمها ضرورة حفظ النظام الاجتماعي وليكون التفاوت في الاستعدادات دافعا لتربية وانماء الاستعدادات المختلفة للافراد.

وينبغي ان لا يكون وجود التفاوت والاختلاف في الاستعدادات وفي الدخل اليومي للافراد دافعا لسوء الاستفادة عبر تشكيل مجتمع طبيعي بل ان الاستعدادت ينبغي ان توظف لخدمة مسيرة البناء ، كعمل اختلاف طبيعة اعضاء بدن الانسان او اجزاء الوردة، فمع تفاوتها الا انها ليست متزاحمة بل ان البعض يعاضد البعض الآخر وصولا للعمل التام على اكمل وجه.

 

وعلى الرغم مما ذكر بخصوص التفاوت من حيث الاستعداد والمواهب عند الناس الا ان اساس النجاح يكمن في السعي والمثابرة والجد، فالاكثر سعيا اكثر نجاحا في الحياة والعكس صحيح.

 

ولهذا فقد جعل القرآن الكريم ارتباطا بين ما يحصل عليه الانسان وبين سعيه فقال بوضوح تام " وان ليس للانسان الا ما سعى" النجم 39. ولكن الايات القرآنية وبعض الروايات تؤكد على ان الرزق بيد الله وذم السعي فيه. فكيف يتم تفسير ذلك.

 

الواقع اننا لو دققنا النظر والتحقق في المصادر الاسلامية فانه يتوضح لنا ان الايات او الروايات التي يبدو التضاد في ظاهر الفاظها انما ينتج عن النظرة البسيطة والسطحية، لان حقيقة تناولها لموضوع ما انما يشمل جوانب متعددة من الموضوع، فكل آية او رواية انما تنظر الى بعد معين من ابعاد الموضوع فيتوهم البعض غير المتابع بوجود التضاد.

 

فحيث يسعى الانسان بولع وحرص نحو الدنيا وزخرف الحياة المادية ويقومون بارتكاب كل منكر للوصول الى ما يريدونه تأتي الآيات أو الروايات لتوضح لهم تفاهة الدنيا والعمل  لها وعدم اهمية المال والنعمة الحاصلة منه.

 

واذا ترك الناس السعي في طلب الرزق بحجة الزهد تأتيهم الآيات والروايات لتبين لهم اهمية السعي وضرورته كما يروي عن الامام الصادق(ع)  " لا تكسلوا في طلب معايشكم ، فان اباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها" وروى عنه ايضا "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله". والقائد الناجح والمرشد الرشيد هو الذي يتمكن من منع حالتي الافراط والتفريط في مجتمعه.

 

فغاية الآيات والروايات التي تؤكد ان الرزق بيد الله انما هي لغلق ابواب الحرص والشره وحب الدنيا والسعي بلا ضوابط شرعية، وليس هدفها اطفاء شعلة الحيوية والنشاط في الاعمال والاكتساب وصولا لحياة كريمة ومستقلة. وخلاصة القول ان الله قابض للرزق وباسط له بحسب السنن الالهية فمن يعمل يكسب ومن لا يعمل لا يكسب.

 

وقد يقول البعض: اننا نعمل ونكد ونتعب ولكن الله يقدر علينا رزقنا وهذا مخالف للسنة الالهية. والجواب من السنة الالهية بحسب العوامل والاسباب التي تمنع الرزق هو الذنب فكثيرا ما يمنع الذنب الرزق كما عن علي(ع) " توقوا الذنوب فما من بلية ولا نقص رزق الا بذنب".

 

ومن العوامل ايضا العامل الغيبي فان الانسان قد لا يكون مذنبا وقد سعى بكل الاسباب الطبيعية ومع ذلك قد يقدر الله عليه رزقه لكرامة من الله له حيث قد يتدخل الله لمنعه من الرزق الذي قد يوقعه في ذنب أو طغيان وهذه كرامة من الله له حيث انه برحمته نتيجة لعبادته ولصدقه مع الله فان الله يجازيه بذلك احسن الجزاء الذي في ظاهره نقمة وفي باطنه رحمة من الله له.

 

 

 

 

 

الخافض - الرافع

 

 

 

 

وهوالذي يخفض الكفار بالاشقاء ويرفع المؤمنين بالاسعاد(1) وهذا المعنى ناظر من زاوية المصير الاخروي. واما المعنى الاعم لهاتين الصفتين فانه يشمل كل خفض ورفع منسوب الى الله تعالى في هذه الحياة الدنيا، فقد يخفض الله الحاكم الظالم ويجعله طريدا في دولته ويرفع المغمور بين الناس فيجعله سلطانا. وقد عبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير"(2)

 

والرفعة والذلة الخافضة لا تعبر بالضرورة عن مقام عند الله تعالى لهذا الانسان، فقد يكون عظيما عند الله ويخفضه في الدنيا رحمة من الله له وقد يخفضه اذلالا وانتقاما فيما لو كان عبدا ظالما مسيئا. وقد يرفع الله العبد ليختبره فيسقط في البلاء فيخفضه في الاخرة والعكس صحيح.

 

وفي التاريخ شواهد كثيرة اكثر من ان تحصى، ويكفي في المقام ان نذكر مثال فرعون الذي يذكر انه كان قبل ان يتسلم مقاليد السلطنة انسانا مغمورا اتى من بلاد بعيدة لا يملك قوت يومه الى ان بلغ ما بلغ ورفعه الله مكانا عليا في الدنيا حتى ادعى الالوهية فتسلط على العباد وطغى في الارض وعمل القتل في رقاب بني اسرائيل فقتل رجالهم واستحي نساءهم وشاء الله ان يخفضه على يد ولي من اوليائه لا يملك من الدنيا الا عصاه فجاءه متحديا له مظهرا حجمه الطبيعي عند الله وبدأ الصراع بينهما لتكون النتيجة خفضا لفرعون وملكه وزوالا له حتى ان جسده بقي من دون دفن ليكون آية لمن لا يعتبر.

 

ثم ان قوم موسى الذين نصرهم الله على عدوهم لم يحفظوا هذه النعمة فتكبروا وحجدوا وعاثوا في الارض فسادا فسلط عليهم انسانا مغمورا (نبوخذ نصر) فسباهم واعمل القتل في رقابهم فخفضهم بعد ان كان رفعهم وما ذلك الا انتقاما منهم ومن افعالهم.

 

ويبقى ان المصداق الامثل للخافض والافع هو المصير الاخروي، حيث هناك في ذلك العالم يتجلى الخفض الحقيقي والرفعة الحقيقية، كما تتجلى صفة الرفعة من الله بمعناها الاخص في الحياة الدنيا لاولياء الله تعالى تعبيرا عن مقامهم المحمود الذي تفضل به الله تعالى عليهم للانقياد الذي وللطاعة والعبادة التي التزموا بها حتى ان الله تعالى فاضل بها عباده.  وفيما يلي بعض الايات التي تعبر عن هذه الحقيقة:

- فاضل الله بين انبيائه بحسب مكانتهم لديه فكلهم اولياء الله واحباؤه ولكن البعض ارتقى فكان له حالات مع الله لم يصل اليها غيره فلذلك قربه الله منه ورفع درجته وارفع نبي درجة عند الله هو النبي محمد(ص).

 

 

1. مصباح الكفعمي ج 1 – ص 272

" تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ، منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات... " (1)

- وليس هذا الامر حكرا على الانبياء بل وان هذا حاصل بين الناس عامة.

" ورفع بعضكم فوق بعض درجات" (2)

- ويبقى افضل مقياس للرفعة عند الله صفة الايمان والعلم اللذين بهما يعبد الله حقا.

" يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات" (3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1.البقرة 253

2.الانعام 165

3. المجادلة 11

المعز - المذل

 

 

 

 

الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء او الذي اعز بالطاعة اولياءه واذل بالمعصية اعداءه. وقيل يعز المؤمن بتعظيمه والثناء عليه ويذل الكافر بالجزية والسبي وهو سبحانه وان افقر اولياءه وابتلاهم في الدنيا فان ذلك ليس على سبيل الاذلال بل ليكرمهم بذلك في الاخرة ويحلهم غاية الاعزاز والاجلال(1) "والعز كون الشيء بحيث يصعب مناله، ولذا يقال للشيء النادر الوجود انه عزيز الوجود اي صعب المنال،

 

ويقال عزيز القوم لمن يصعب قهره، والغلبة عليه من بينهم فهو صعب المنال بالقهر والغلبة، وصعب المنال من حيث مقامه فيهم ووجدانه كل مالهم من غير عكس ثم استعمل في كل صعوبة كما يقال: يعز علي كذا. قال الله تعالى: "عزيز عليه ما عنتم"(2) اي صعب عليه، واستعمل في كل غلبة كما يقال: "من عزيز اي من غلب سلب؟. قال تعالى: "وعزني في الخطاب" اي غلبني.

 

ويقابله الذل وهو سهولة المنال بقهر او مفروض قال تعالى "ضربت عليهم الذلة والمسكنة"(3) وقال تعالى "واخفض لهما جناح الذل"(4) وقال تعالى "اذله على المؤمنين" (5) والعزة من لوازم الملك على الاطلاق، وكل من سواه اذا سواه اذا تملك شيئا فهو تعالى خوله ذلك وملكه،وان ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى محضا وما عنده غيره منها هو بإيتائه وافضاله. قال تعالى: "ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا"(6). وقال تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين"(7). وهذه هي العزة الحقيقية. واما غيرها فانما هي ذل في صورة عز.

 

قال تعالى" بل الذين كفروا في عزه وشقاق"(8) ولذا اردفه بقوله "كم اهلكنا من قبلكم من قرن فنادوا ولات حين مناص"(9) وللذل بالمقابله ما يقابل العز من الحكم فكل شيء غيره تعالى ذليل في نفسه الا من اعزه الله تعالى(10)

 

وبعد هذا كله نقول: ان الله تعالى وصف نفسه بالمعز والمذل فهو معز لانه سبحانه صعب المنال لا يقهر وهو الذي يعطي ويفيض العزة على من يشاء وهو المذل الذي يقهر من دونه بالغلبة فلا قوة تقف امام قوته. والله تعالى يعز من يعز نفسه ويذل من يذل نفسه بطريقة مباشرة او غير مباشرة ويظل الانسان هو الذي يصنع مصيره من خلال اختياره للاسباب وسوء اختياره لها. وكل المسألة تنطلق في خط ارادة الانسان من خلال ممارسته للمقدمات التي توصل الى تلك النتائج.

 

 

1. مصباح الكعفمي ج 1 – ص 273                    4. الإسلااء 24                   7. المنافقين 8         10. الميزان ج 3 – ص 132

2. التوبة 128                                           5. المائدة 54                     8. ص 2

3. البقرة 61                                             6. النساء 139                   9. ص 3 

وقد جاءت الاحاديث الواردة عن اهل البيت في موضوع العز والذل في مدلولها الروحي والمادي ورجوعهما الى سوء اختيار الانسان وحسن اختياره فقد ورد في بعض الكلمات المأثورة "من اراد عزا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ذل معصية الله الى عز طاعته".

 

وفي بعض الاحاديث عن الامام جعفر الصادق): ان الله فوض الى المؤمن اموره كلها ولم يفوض اليه ان يذل نفسه قيل وكيف يذل نفسه قال: يتعرض لما يضيق... او يدخل فيما يعتذر منه. ولاهمية صفة العز حيث قرن الله عزته بعزة المؤمنين نورد فيما يلي بعضا من موجبات العز على لسان الائمة الاطهار: : ولله العزة ولرسوله للمؤمنين

فعن رسول الله: "ان الله يقول كل يوم: انا ربكم العزيز، فمن اراد عز الدارين فليطع العزيز" وعن امير المؤمنين: "من اراد الغنى بلا مال والعز بلا عشيرة والطاعة بلا سلطان فليخرج من ذل معصية الله الى عز طاعته، فانه واجد ذلك كله" وعنه ايضا: "اذ طلبت العز فاطلبه بالطاعة"، وعن الامام الصادق(ع): " لا يزال العز قلقا حتى يأتي دارا قد استشعر اهلها اليأس مما في ايدي الناس فيوطنها".

 

ومن وصايا لقمان لابنه: "ان اردت ان تجمع عز الدنيا فاقطع طمعك مما في ايدي الناس فانما بلغ الانبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم"، وعن الامام الباقر(ع): "طلب الحوائج الى الناس استلاب للعز ومذهبه للحياء واليأس مما في ايدي الناس عز المؤمن في دينه"

 

وعن رسول الله: "من عفا عن مظلمة ابدله الله عزا في الدنيا والاخرة"، وعنه ايضا:" ثلاثة لا يزيد الله بهن الاخيرا: التواضع لا يزيد الله به الا ارتفاعا، وذل الغنى لا يزيد الله به الاعزا، والتعفف لا يزيد الله به الا غنى" وعن الامام الباقر: " الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فاذا وصلا الى مكان التوكل اقطناه" وعنه ايضا:" من صبر على مصيبة زاده الله عز وجل عزا على عزة وادخله جنته مع محمد واهل بيته"

 

* وفيما يلي بعض مما يوجب المذلة:

عن رسول الله: اذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتباينوا بالعينة وتبعوا اذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله ادخل الله عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم. وعن الامام الباقر(ع): " لا ذل كذل الطمع" وعن الامام علي:" رضي بالذل من كشف عن ضره" وعنه:" من اعتز بغير الله لا يؤيده الدين مذلة"   

وقد جسد الامام الحسين(ع) عنفوان العز انقيادا لله وطاعة ومرضاة له بقوله(ع) في كربلاء حينما عبأ عمر بن سعد اصحابه لمحاربة الحسين(ع) واحاطوا به من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة: فقام الحسين(ع) ثم قال: "الا وان الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك وسوله وجدود طابت وحجور طهرت وانوف حمية ونفوس ابية لا نؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام".

السميع - البصير

 

 

 

 

اختلف في حقيقة هذين الاسمين على اقوال ابرزها:

أ‌.        ان سمعه وبصره سبحانه ليسا وصفين يغايران وصف العلم الذي وصف نفسه به، بل هما من شعب علمه بالمسموعات والمبصرات، فلأجل علمه بهما صار يطلق عليه انه سميع بصير.

ب‌.   انهما وصفان حسيان، وادراكان نظير الموجود في الانسان

ج. ان السمع والبصر يغايران مطلق العلم مفهوما، ولكنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق من دون تكثر في الذات ومن دون ان يستلزم ذلك التوصيف تجسما وما هذا الا حضور الهويات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه . فشهود المسموعات سمع وشهود المبصرات بصر، وهو غير علمه بالاشياء العامة غير المسموعة والمبصرة.

 

اذا تعرفت على الاقوال نذكر مقدمة وهي: ان السماع في الانسان يتحقق باجهزة وادوات طبيعية وذلك بوصول الامواج الصوتية الى الصماخ ومنها الى الدماغ المادي ثم تدركه النفس. غير انه يجب التركيز على نكتة وهي: ان وجود هذه الادوات المادية هل هو من لوازم تحقق الابصار والسماع في مرتبة خاصة كالحيوان والانسان، او انه دخيل في حقيقيتها بصورة عامة؟ لا شك ان هذه الآلات والادوات التي شرحها العلم بشرائطه انما هي من خصوصيات الانسان المادي الذي لا يمكنه ان يقوم بعملية الاستماع والابصار بدونها فلو فرض لموجود ان يصل الى ما يصل اليه الانسان من دون هذه الادوات فهو اولى بأن يكون سميعا بصيرا، لان الغاية المتوخاة من السماع والابصار هي حضور الامواج والصور عند النفس المدركة، فلو كانت الامواج والصور حاضرة عند موجود بلا اعمال عمل فيزيائي او كيميائي فهو سميع بصير ايضا لتحقق الغاية بنحو اتم.

 

وقد ثبت عند البحث عن مراتب علمه ان جميع العوالم الامكانية حاضرة عنده سبحانه فالاشياء على الاطلاق، والمسموعات والمبصرات خصوصا، افعاله سبحانه، وفي الوقت نفسه علمه تعالى، فالعالم بجواهره واعراضه حاضرة عند ذاته، وعلى هذا فعلمه بالمسموع كاف في توصيفه بأنه سميع كما ان علمه بالمبصر كاف في توصيفه بانه بصير(1) واهم ما في هاتين الصفتين شعور العبد برقابة الله له دائما، فهو يشعر ان ربه سميع يسمع ما يتلفظه من كلام، بصير يرى كل عمل يصدر منه فيحاسبه يوما حسب ما سمعه ورآه ويستشعر بكرامة الله تحيط به.

 

 

1. الأهواق ج 1 – ص 160

- فهذا رسول الله(ص) يستشعر كرامة الله يوم اسرى الله به الى المسجد الاقصى واراه من آياته الكبرى، فبعد ان ذكر الله سبحانه قصة الاسراء بقوله "سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا الكبرى" يختم الله بقوله "انه هو السميع البصير"(1) وهذه اشارة الى ان الله تبارك وتعالى لم يختر رسوله(ص) ولم يصطفه لشرف الاسراء والعراج الا بعد ان اختبر استعداده (ص) لهذا الشرف ولباقته لهذا المقام، فالله تبارك وتعالى سمع قول رسوله(ص) وراى عمله وسلوكه فاصطفاه للمقام السامي الذي اختاره في الاسراء والمعراج. واحتمل بعضهم ان يكون ذكر هاتين الصفتين تهديدا لمنكري هذا الاعجاز وان الله تبارك وتعالى محيط بما يقولون وبما يفعلون وبما يمكرون.

 

- وفي سياق آخر يتحدث الله سبحانه وتعالى عن نصرة عباده بقوله " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب بمثل. ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ان الله لعفو غفور* ذلك بان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وان الله سميه بصير(2) فيما ان الوعد بالنصر يقوي القلب لهذا تستعرض الآية قدرة الله في عالم الوجود التي لا تنتهي فتنهي الآية "بان الله سميع بصير" لان الله يلبي حاجة المؤمنين ويطلع على حالهم واعمالهم ويعينهم برحمته عند اللزوم مثلما يطلع على اعمال ومقاصد اعداء الحق.

 

- وفي سياق آخر ايضا يحدثنا الله سبحانه وتعالى حكاية عن انكار البعض لمسألة المعاد بقوله " ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحد ان الله سميع بصير"(3)

 

ذكر بعض المفسرين ان جمعا من كفار قريش كانوا يقولون من باب التعجب والاستبعاد لمسألة المعاد: ان الله خلقنا بأشكال مختلفة، وعلى مراحل مختلفة، فكنا يوما نطفة وبعدها صرنا علقة وبعدها صرنا مضغة ثم اصبحنا تدريجيا على هيئات مختلفة فكيف يخلقنا الله جميعا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟

 

واذا كان تعجب كفار قريش من انه كيف يمكن فصل الاجساد عن بعضها وارجاع كل منها الى محله بعد ان كانت الطبايع مختلفة والاشكال متغايرة والشخصيات متنوعة وذلك بعد ان تحول بدن الانسان الى تراب وتطايرت ذرات ذلك التراب؟! فان علم الله اللامتناهي وقدرته اللا محدودة تجيبهم عن سؤالهم، فانه قد جعل بين الموجودات روابط وعلاقات بحيث ان الواحد منها كالمجموعة والمجموعة كالواحد.

 

ان انسجام وترابط هذا العالم في حالة ترجع فيها كل كثرة فيه الى الوحدة وخلقة مجموعة البشر تتبع تلك الاصول، وانها تتبع خلقة انسان واحد. واذا كان تعجب هؤلاء من قصر الزمان بانه كيف يمكن ان تطوى المراحل التي يطويها الانسان خلال سنين طوال نطفة الى مرحلة الشباب، في لحظات قصيرة؟!

 

 

1. الإسراء 1                                 2. الحج 60 – 61                           3. لقمان 28

فان قدرة الله تجيب على هذا التساؤل ايضا، فاننا نرى في عالم الاحياء ان اطفال الانسان يحتاجون لمدة طويلة ليتعلموا المشي بصورة جيدة، او يصبحوا قادرين على الاستفادة من كل انواع الاغذية، في حين اننا نرى الفراخ بمجرد ان تخرج راسها من فانها تنهض وتسير وتأكل دونما حاجة حتى للام، وهذه تبين ان مثل هذه المسائل لا تأثير لها امام قدرة الله عز وجل.

 

ان ذكر كون الله سميعا بصيرا في نهاية الآية يمكن ان يكون جوابا عن اشكال آخر من جانب المشركين، وهو على فرض ان جميع البشر على اختلاف خلقتهم وبكل خصوصياتهم يبعثون ويحيون في ساعة واحدة. لكن كيف ستخضع اعمالهم وكلامهم للحساب ، فان الاعمال والاقوال امور تغني بعد الوجود؟!

 

فيجيب القرآن بان الله سميع بصير، قد سمع كل كلامهم ورأى كل اعمالهم، علاوة على ان الفناء المطلق لا معنى ولا وجود له في هذا العالم، بل ان اعمالهم واقوالهم ستكون موجودة دائما. واذا تجاوزنا ذلك فان الجملة اعلاه تهديد لهؤلاء المتعذرين بان الله سبحانه مطلع على اقوالكم وبثكم للسموم في الافكار العامة، بل وحتى على ما في قلوبكم وضمائركم ولم تجروه على السنتكم(1).

 

ولتحديد شمولية دلالة هاتين الصفتين على رقابة الله على عباده يذكر الله في سورة غافر " وانذرهم يوم الا اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين. ماللظالمين من حميم ولا شفيع يطاع* يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور * والله يفضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ان الله هو السميع البصير". فهذه الآيات تحدد سبع صفات او خصوصيات ليوم القيامة يقع بعضها على شكل حوادث تدهش الانسان وتدفع المؤمن نحو التفكير المتأمل بالحياة والمصير.

 

* الوصف الاول: الازفة في اللغة بمعنى قريب، حيث اطلق سبحانه على يوم القيامة يوم الازفة كي لا يظن من يظن من المنكرين والمشككين بان هناك فترة طويلة تفصلهم عن ذلك اليوم فلا ينبغي والحال هذه ان ينشغل المرء بالتفكير به. واذا تأملنا جيدا بدلالة هذا اللفظ فسنجد ان عمر الدنيا باجمعه لا يعادل سوى لحظة قصيرة جدا زائلة حيال يوم القيامة. ولان الله تبارك وتعالى لم يذكر اي تاريخ لهذا اليوم المهول حتى الانبياء(ع) لذا يجب الاستعداد دائما لاستقبال ذلك اليوم.

 

* الوصف الثاني: " اذ القلوب لدى الحناجر". من شدة الخوف فعندما تواجه الانسان الصعوبات يشعر وكأن قلبه يكاد يفر من مكانه وكأنه يريد ان يخرج من حنجرته. ان هول الخوف من الحساب الالهي الرباني الدقيق والخشية من الافتضاح وانكشاف الستر والحجب امام جميع الخلائق يلقي الرعب والحرج الشديد في القلوب ويتمنى لحظتها ان لو كان ترابا.

 

 

 

1. الأمثل تفسير الآية

* الوصف الثالث: " كاظمين" اي ان الهم والغم سيشمل كل وجودهم الا انهم لا يستطيعون اظهار ذلك او ابداءه ، فقد يستطيع الانسان المغموم المحزون ان يهدأ او يستريح بالصراخ، لكن المصيبة الواقعة تحل حينما لا يستطيع هذا الانسان حتى الصراخ...  ولكن ماذا ينفع الصراخ في محضر الخالق جل وعلا وفي ساحة عدله عندما تنكشف جميع الاسرار المخفية؟!

 

* الوصف الرابع: " ما للظالمين من حميم" ان تلك المجموعة من الاصدقاء الكذابين التي تحيط بالشخص كذبا وتملقا كما يحيط الذباب بالحلويات طمعا في مقامه وقدرته وجاهه وماله. ان هؤلاء في هذا اليوم مشغولون بانفسهم لا ينفعون احدا .. هو يوم لا ينفع فيه لا صداقة ولا خلة.

 

* الوصف الخامس: " ولا شفيع يطاع" ذلك ان شفاعة الشفعاء الحقيقين كالانبياء والاولياء انما تكون باذن الله تعالى ،وعلى هذا الاساس لا مجال لتلك التصورات السقيمة لعبدة الاصنام الذين كانوا يعتقدون في الحياة الدنيا ان اصنامهم ستشفع لهم في حضرة الذات الالهية.

 

* الوصف السادس: " يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور" ان الله التبارك وتعالى يعلم الحركات السرية للعين وما تخفيه الصدور من الاسرار وسيقوم تعالى بالحكم والقضاء العادل عليهم وهو بعلمه سيجعل صباح المظلمين المذنبين مظلما وعندما سئل الامام الصادق(ع) عن معنى الآية اجاب" الم تر الى الرجل ينظر الى الشيء وكانه لا ينظر اليه فذلك خائنة الاعين".

 

وفي قصص الوعظ والارشاد في مجالس العلماء، يقال ان احد كبار عندما انهى دراسته في النجف طلب من استاذه عندما اراد الرجوع الى بلاده ان يعظه ويرشده فال له الاستاذ: بعد كل هذا التعب وتحمل مشاق الدراسة والتحصيل من غربة وسهر وتعب فان آخر نصحتي لك هي ان لا تنسى ابدا قوله تعالى : " الم يعلم بان الله يرى".

 

* الوصف السابع: " والله يقضي بالحق" اما غيره " والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء" في ذلك اليوم يختص الله وحده بالقضاء وهو سبحانه وتعالى لا يقضي الا بالحق ، لان القضاء بغير الحق انما يعود الى الجهل والظلم والله تعالى محيط بكل شيء حتى بما يموج في الضمائر وما تكنه السرائر او انه يكون نتيجة للعجز والاحتياج وهذه صفات ابعد ما تكون عن ذات الله جل جلاله.

 

ان هذا التعبير يحمل في مؤداه دليلا كبيرا على التوحيد، لان من يكون له حق القضاء في النهاية يستحق مقام الربوبية والعبودية ، اما الاصنام وما يشرك به من دون الله فلا هو ينفع في يوم القيامة ولا هو يستحق ان يكون في مشاهدها مرجعا للقضاء والحكم.

 

واهم صفة للحاكم والقاضي في مشهد يوم القيامة ان يكون مطلقا على كل شاردة وواردة ولا يعزب عن علمة مثقال ذرة وان يكون الحاكم هو الشاهد وهذا لا يكون متحققا الا في الله تعالى فهو السميع البصير بكل معنى الكلمة اذ ان كل المسموعات والمبصرات حاضرة عنده وتختص بذاته وهذا دليل على احاطته وعلمه بكل شيء وقضاؤه بالحق ، اذ ما لم يكن الشخص سميعا بصيرا مطلقا فهو لا يستطيع ان يقضي بالحق، لذلك ختمت الآية بقولها: " ان الله سميع بصير"

 

وفي سياق آخر يعطي الله الطمأنينة لعباده المؤمنين من خلال هاتين الصفتين من خلال قوله تعالى: " ان الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ان في صدورهم الا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله انه هوالسميع البصير".

 

فهؤلاء هدفهم ان يروا انفسهم كبارا يفاخرون بذلك ويفتخرون على غيرهم لكنهم لن يحصدوا سوى الذلة والخسران، بشرط ان يتوجه المؤمن الى ربه ليستعيذ به ويطلب النصرة ممن يسمع احاديثهم الباطلة الواهية وينظر الى مؤامراتهم واعمالهم القبيحة وخططهم الشريرة، ذلك ان الاستعاذة انما تجب على السائرين في طريق الحق عندما تتعاظم الحوادث ويستعر الصدام مع المتكبرين عديمي المنطق.

 

لذلك نرى يوسف(ع) عندما واجهته زليخا بشهوتها يستعيذ بربه " معاذ الله انه ربي احسن مثواي" ونرى موسى ايضا يستعيذ بقوله " اني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الأمثل ج 15 – ص 269

 

الحكم

 

 

 

 

الحاكم الذي سلم له الحكم، وسمي الحاكم حاكما لمنعه الناس من التظالم. ومن ذلك اخذ معنى   الحكمة لانه يمنع من الجهل، وحكمه الدابة ما احاط بالحنك وسميت بذلك لمنعها من الجماح، وحكمت السفية واحكمته اذا اخذت على يده ومنعته من ماله، وحكمت الرجل منعته مما اراد، وحكمته ايضا فوضت اليه الحكم. وفي حديث النخعي احكم اليتيم كما تحكم ولدك، اي امنعه من الفساد وقيل اي حكمه في ماله اذا صلح لذلك. وفي الحديث ان الشعر لحكمة، اي كلاما نافعا يمنع عن الجهل والسفه وينهي عنهما، والحكم الحكمة، ومنه قوله تعالى " فآتيناه الحكم صبيا" وكذا قوله " فوهب لي ربي حكمه والمحاكمة المخاصمة الى الحاكم" (1).

 

قال الغزالي: الحكم وهو الحاكم المحكم والقاضي المنتقم الذي لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. ومن حكمه في حق العباد " ان ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى، وان الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم." ومعنى حكمه للبر والفاجر بالسعادة والشقاوة ان جعل البر والفجور سببا يسوق صاحبهما الى السعادة والشقاوة كما جعل الادوية والسموم اسبابا تسوق متناوليها الى الشفاء والهلاك(2)

 

وذكر القرطبي "أن الحكم أبلغ من الحاكم إذ لا يستحق التسمية إلا من يحكم بالحق لأنها صفة تعظيم في مدح، والحاكم أبلغ صفة جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق". وقيل "الحكم الذي لا يقع في وعده ريب ولا في فعله عيب، فهو الذي يفصل بين الحق والباطل ويبين لكل نفس ما عملت من خير أو شر وهو المنتصف للمظلوم من الظالم".

 

وقد ادب الله عباده المؤمنين واراد لهم ارادة تشريعية ان يكونوا ملتزمين قولا وعملا بما يحكم الله في الدنيا قال سبحانه "ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون"(3) ثم نفى الله سبحانه صفة الايمان عمن لا يلتزم بالاحكام الصادرة عن حكم النبي باعتباره "لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى" حيث قال سبحانه" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"(4) هذا في الحياة الدنيا، فللمكلف ان يلتزم بهذه الارادة التشريعية وله ان يعصي، ولكنه ليس بمعزل عن سوء اختياره لانه مطالب بذلك يوم القيامة  "ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره".

 

وفي يوم القيامة ارادة اخرى وهي الارادة التكوينية فهناك هو الحاكم بأمره والكل منقاد لحكمه وليس لهم ان يقولوا شيئا، ولكن حكمه لا عن تسلط جائر بل عن عدل كامل " واتبع ما يوحي اليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين" (5)

 

 

1. مصباح الكفعمي ج 1 ص 373                 3. يوسف 67                     5. يونس 109

2. المصد الأسنى ص 89                          4. النساء 65

فاذا كانت عقيدتنا بالله الحكم الحاكم كذلك، فان التزاما كبيرا يفرض علينا وهو: لا يجوز لنا الترافع الى اي حاكم لا يعمل بما انزل الله. لماذا؟ لانه لا بد من ان يكون المشرع الذي يشرع ويحكم من خلاله الحاكم متجردا عن اهوائه ومصالحه وان يكون مخلضا فيما يضعه من القوانين والمبادىء العامة التي يقصد منها حماية المجتمع من طغيان القوي الجامح وممن يتربص بالامة الدوائر لحساب انانيته وطموحه الشخصي او العائلي او القلبي او نحو ذلك من الامور التي تأباها الانسانية في مسيرتها الطويلة والصعبة. ومن غير الله، الذي يعلم الظاهر والباطن والسر والعلن ويعلم مصالح العمل ومفسدته في ذاته، اولى بمهمة هذا التشريع الذي يلحظ حقائق الامور في نفسها التي لا تتبدل ولا تتغير، ولان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد فان هذه الاحكام لا تتبدل ولا تتغير على مدى الازمان وهذا ما عبرت عنه الاحاديث الشريفة " حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة".

 

ولان الانسان حيوان اجتماعي مدني بطبعه لا يحصل على حاجاته وطلباته الا في ظل الاجتماع والتعاون ولولا ذلك لما استطاع ان يستمر في البقاء اذ لا يمكن ان يكون نجارا وبناءا ومهندسا وطبيبا وجنديا وعاملا وتاجراونحو ذلك من اساليب العيش في آن واحد، كثيرا ما تعرض له قضايا عامة ومشاكل تمس مصلحته، وبالتالي تبعا لذلك تمس مصلحة المجتمع ويطلب منها قرارا ورأيا يجمع القاطعية وقابلية التنفيذ والقدرة عليه، ولا يحصل ذلك الا تحت لواء حكومة قاطعة ولذلك نرى ان الدين لا يجزىء النظرة بين الدين والنظام ، بل يعتبر ان الدين عنده هو دين يدين الانسان به امام ربه، ونظام كامل متكامل في علاقة الانسان مع بعضه البعض الذي كثيرا ما تستلزم العلاقة بينهم التزاحم والتضارب في الافكار والاهواء والمصالح والخصومات ويستعقب ذلك الجدال والصراع، لا محالة تقع الحاجة الى قوانين ومقررات التي تبقي حبرا على ورق فيما اذا لم يكن الانسان ملتزما طوعا بتطبيق القوانين والاحكام مما يستدعي ان يكون هناك قوة منفذة لها وهي ما يعبر عنه بالحكومة او السلطة.

 

ومن الوسائل التي تعتمدها الحكومة في فض نزاعات القوم القضاء، معتمدة في ذلك على خلفية الانتماء الى النظام بالاضافة الى القوة المهيمنة على الارض حتى يكون حكم القاضي نافذا على المحكوم عليه. وهنا يتبادر سؤال: هل يجوز للمسلم ان يتقاضى امام القاضي الذي تعينه الحكومات الجائرة التي تتبع الاحكام والشرائع الوضعية؟

 

الواقع، ومما تقدم، نعلم انه لا يجوز ذلك على خلفية ان الاحكام الوضعية كثيرا ما يعتريها الشوائب ومراعاة الظالمين اكثر من مراعاة مصالح الناس ومراعاة مصالح الحكام اكثر من مراعاة الرعية، وقد اكد الله سبحانه هذا الحكم بقوله "وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم" وكذا قوله تعالى " ان الحكم الا لله امر الا تعبدوا الا اياه" (1)

 

 

1. يوسف  40

ثم يزيد اله في ذم المتقاضين الى غير القاضي الشرعي ويعتبرهم كاذبين في ادعائهم ويستبطنون النفاق والكفر في عملهم هذا، ذلك انهم يعتبرون انفسهم مسلمين وداخلين في حركة المجتمع الاسلامي ولكنهم لا يمارسون هذا الاعتقاد عبر التسليم لامر الله، بل يتحاكمون عند من يحفظ مصالحهم الذاتية البعيدة عن رضا الله، وهذا ما يصوره الله سبحانه في قوله " الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالا بعيدا* واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول رايت المنافقين يصدون عنك صدودا"(1)

 

وليس المراد من الطاغوت الا الذي تجاوز حكم الله واعرض عبر الاعتقاد بالاحكام الوضعية التي يسنها الانسان من قبل نفسه، ومن يسلم نفسه الى مثل هذا الحاكم ينفى عنه صفة الايمان مطلقا قال الله "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"(2).

 

واكثر من ذلك فقد ربى الاسلام اتباعه على ان المسلم بعدما آمن بالله ربا الذي هو أرأف بالمؤمنين من انفسهم وانه لا يظلمهم في ساحته، فان اثر هذا الاعتقاد يجب ان يظهر جليا على تصرفات العبد المسلم حينما يقضي عليه بحكم ما، فلا يجوز له ان يعترض على حكم الله ورسوله بالخلل في الحكم او يشكك به، وهذا الامر خطير جدا على عقيدة المسلم لذلك ياتي الجواب شافيا من الله عز وجل: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا(3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. النساء 60 -61

2. النساء 65

3. الأحزاب 36

 

العدل

 

 

 

 

لكلمة العدل في اللغة اكثر من مدلول، واستعملت في القرآن الكريم في اكثر من مدلول ايضا. ومن اهمها المدلولان التاليان وهما:

1.     العدل بمعنى الاستقامة في الفصل بوضع الشيء في مواضعه اي التوازن والتعادل، فلا ظلم ولا جور. وهذا المعنى هو المهيمن على عالم الخليقة برمته على المنظومة الشمسية، على الذرة، على بناء كيان الانسان وجميع الخلق،وهذا هو المعنى الذي ورد في الحديث النبوي الشريف "بالعدل قامت السماوات والارض". فمثلا، لو اختل تعادل القوتين الجاذبة والدافعة في الكرة الارضية وزادت احداهما على الاخرى لا نجذبت الارض نحو الشمس واحترقت وتلاشت او لخرجت عن مدارها وتلاشت في الفضاء الفسيح. والعدالة هي انك ان سقيت شجيرة الورد واشجار الاثمار فقد سكبت الماء في موضعه، وهذا هو العدل بعينه، وانك ان سقيت الاشواك والطفيليات فقد ارقت الماء في غير موضعه وهو الظلم بعينه.

 

2.     وعرف العدل بانه خلاف الظلم وهو مراعاة حقوق الناس ويقابله الاستئثار بحقوق الاخرين، او انتزاع حق شخص واعطائه لاخر  لاحق له فيه اي المحاباة ، اي اعطاء بعض حقهم ومنعه عن بعض آخرين. ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني قوله تعالى: " واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل" النساء 58. وكذا قوله: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" الانعام 115. وقوله: "ومن قوم موسى امه يهدون بالحق وبه يعدلون" الاعراف 159. ومن الحديث الشريف " كلمة العدل في الرضا والسخط". وبديهي ان المعنى الثاني خاص والمعنى الاول عام وان كلا المعنيين العدل يصدقان بحق الله تعالى، غير ان المعنى الثاني هو المقصود في بحثنا هذا في اغلبه.

 

3.     العدل بمعنى الانصاف الذي ياتي وسطا بين الظلم والتفضل (الاحسان). ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بانقاص الحق ولا تفضل بالزيادة عليه. ومنه قوله تعالى: "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حقه وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي" النحل 92. ومن كلام الشيخ الصدوق(قده) هنا مانصه " ان الله أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، ذلك انه تعالى يقول " من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون".

 

4.     العدل: هو ان يثيب على الحسنة الحسنة ويعاقب على السيئة السيئة.

 

5.     العدل: اسم من اسماء الله الحسنى، وهو مصدر اقيم مقام اسم الفاعل عادل بمعنى ذي عدل. وهو انه تعالى لا يظلم ولا يجور ولا يجحف في حق ذي حق. وعرفه الفاضل المقداد بانه " تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب". فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفه من صفات الله تعالى. وهو المطلوب هنا.

 

والعدل من صفات الفعل كما هو واضح من التعاريف وهو ايضا من الصفات الثبوتية لانه وصف وجودي، ومما يتطلبه الكمال المطلق للذات الالهية. ومعنى "عدل الله" هو انه لا يسلب احدا حقه، ولا يأخذه من بعض ليعطيه لاخر ولا يحابي بين الاشخاص.

 

ومعنى عدل الله انه لا يعاقب من يعمل الصالحات، ولا يثيب المسيء. ولا يأخذ احدا بذنب احد " تلك امة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون؟!؟  فاذا كان جميع افراد مجتمع ما مذنبين سوى شخص واحد فان الله يفصل حساب هذا الشخص عن الاخرين ولا يضعه في العقاب في مصاف المذنبين. والدليل على وجوب اتصافه بالعدل:

-         انه لو لم يكن عادلا لكان ناقصا، والنقص منتف بالضرورة.

-         لو جاز عليه فعل القبيح لجاز عليه الكذب فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده وترفع الاحكام الشرعية وينتقض الغرض المقصود من بعث الانبياء والرسل كما جاء في كتاب النكت الاعتقادية.

-         وقرره الشيخ المظفر(قده) بالنحو التالي في كتابه عقائد الامامية:

-         لو كان الله يفعل الظلم والقبح فان الامر في ذلك لا يخلو عن اربع صور:

1.     ان يكون جاهلا بالامر فلا يدري انه قبيح

2.     ان يكون عالما به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه

3.     ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج الى فعله

4.     ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في ان يكون فعله له تشهيا وعبثا ولهوا.

وكل هذه الصور محال على الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا وتستلزم النقص فيه، وهو محض كمال، فيجب ان يحكم انه منزه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.

 

- العدل في الذكر الحكيم:

تضافرت الآيات الكريمة مركزة على قيامة بالقسط. نورد فيما يلي بعضا منها: قال سبحانه في سورة آل عمران 18 : " شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط" والقسط هو العدل.

وكما شهد على نفسه بالقيام بالقسط، عرف الغاية من بعثه الانبياء باقامة القسط بين الناس : قال تعالى في سورة الحديد 25 " ولقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".

 

كما وصرح بان القسط هو الركن الاساسي في محاسبة العباد يوم القيامة ، اذ يقول سبحانه في سورة الانبياء 47 " ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا". وما في هذه الآيات وغيرها ارشادات الى ما يدركه العقل من صميم ذاته، بان العدل كمال لكل موجود حي قدرك مختار ، وانه يجب ان يتصف الله تعالى به في افعاله في الدنيا والاخرة ويجب ان يقوم سفراؤه به.

 

- العدل في التشريع الاسلامي:

وهذه المكانة التي يحتلها العدل التي عرفت انه لولاه لارتفع الوثوق بوعده ووعيده وانخرم الكثير من العقائد الاسلامية هي جعلته سبحانه يعرف احكامه ويصف تشريعاته بالعدل، وانه لا يشرع الا ما كان مطابقا للعدل: يقول سبحانه في سورة المؤمنون 62 " ولا نكلف نفسا الا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون" فالجزء الاول من الآية ناظر الى عدله سبحانه بين العباد في التشريع للاحكام كما ان الجزء الثاني ناظر الى عدله يوم الجزاء في مكافآته. وان شعار الذكر الحكيم هو " وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون" وهو يكشف عن عدالته سبحانه في التشريع والجزاء.

 

- العدل في روايات ائمة اهل البيت:

سئل الامام علي(ع) عن التوحيد والعدل فقال: " التوحيد ان لا تتوهمه والعدل ان لا تتهمه". قال ابن ابي الحديد في شرحه لهذا الحديث: ومعنى ان لا تتوهمه لا نتوهمه جسما او صورة او في جهة مخصوصة او مالئا لكل الجهات كما ذهب اليه قوم، او من الانوار، او قوة سارية في جميع العالم كما قاله قوم، او الاعراض التي تحل الحال او تحل المحل وليس بعرض، كما قاله النصارى، او تحله المعاني والاعراض فمتى توهم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد.

 

واما الركن الثاني فهو " ان لا تتهمه" اي لا تتهمه في انه اجبرك على القبيح ويعاقبك عليه ولا تتهمه في انه مكن الكذابين من المعجزات فأضل بهم الناس، ولا تتهمه في انه كلفك مالا تطيقه وغير ذلك من مسائل العدل التي يذكرها اصحابنا مفصلة في كتبهم كالعوض عن الالم فانه لا بد منه، والثواب على فعل الواجب فانه لا بد منه ، وصدق وعده ووعيده فانه لا بد منه.

 

وفي هذا المعنى ايضا روى الصدوق عن الامام تالصادق(ع) ان رجلا قال له "ان اساس الدين التوحيد والعدل وعلمه كثير ولا بد لعاقل منه فاذكر مايسهل الوقوف عليه ويتهيأ حفظه فقال(ع): " اما التوحيد فان لا تجوّز على ربك ما جاز عليك، واما العدل فان لا تنسب الى خالقك ما لامك عليه" الالهيات ج1 ص291.

 

 

 

 

 

- اثر عقيدتنا بعدل الله:

في التصور الإسلامي العدل ينعكس على تكليفه وشريعته كما ينعكس على تقديره وقضائه في خلقه، كما ينعكس ثالثا على أجزائه ومحاسبته للناس

- الله عادل في تكليفه وشريعته، فهو لا يكلف عباده باكثر مما يطيقون ولا يقسو عليهم في التشريع، ومن هذا المنطلق فإنه لا يوجد في التشريع الالهي اي احراج للناس واي ظلم ، بل ان شريعة الله رحمة للعالمين.

- ان الله عادل في تقديره وقضائه، في خلقه للعباد، وطريقة توزيع الثروة عليهم او مقدار حظهم من الصحة والسلامة والعافية.

 

واذا كنا نلاحظ فوارق كبيرة بين العباد في مستوى معيشتهم او حجم قابلياتهم وامكانياتهم، او حظهم من العافية والسلامة، او مقدار ذكائهم وفطنتهم، فان هذه الفوارق لا تعتبر ظلما ولا تفريقا بين العباد. فجميع هذه الفوراق في اقتضاها له لحكمة من اختبار العبد وبالتالي لن يضيع حسابها في ميزان الاخرة والعدل محفوظ في حساب الله يوم الحساب، فهناك الحساب العادل الذي لا يضيع شيئا من الحقوق او المؤاخذات.

 

ان عقيدتنا بالله العادل العدل تعطينا من الامل والتفاؤل والاطمئنان شيئا كثيرا انها تحول جحيم هذه الحياة الى سعادة، انها تزيح عن النفس ظلام اليأس القاتل والتشاؤم الخانق. والاعتقاد بعدل الله واعتبارها اصلا من الاصول في الفكر الاسلامي له دلالات اخرى .

 

- الاعتقاد بعدل الله يدفعنا دائما نحو رفض الظلم والخروج على الظالمين وعدم الخضوع لهم.

- الظلم هو الخلق الذميم الذي يرفضه الله، ويرفضه الاسلام، والذين يعتقدون بعدل الله ويأبون له ان يكون ظالما، هؤلاء يجب ان يعتادوا على العدل والعدالة ورفض الظلم واقتلاع جذوره.

- والاعتقاد بعدل الله يعني بمعنى من المعاني عدالة الحكم الاسلامي. فليست المنفعة ولا المصلحة السياسية هي التي تحدو منهج الحكم في الاسلام وانما العدالة وحدها مع العدو والصديق.

وفي  ذات الوقت ، فان تعاملنا مع الناس يجب ان يقوم على هذا الاساس ايضا. والا فمن يظلم الناس لا ينتظر من الله ان يرحمه ويرفق بحاله على حساب الناس.

 

ان النقطة المهمة التي لا بد من الاشارة اليها هي ما يجري احيانا من الخلط بين المساواة والعدالة، على ان  اعتبار ان العدالة هي تطبيق المساواة ولذلك سينبري المدافعون جهلا او كذبا عن حقوق المرأة ويطالبون بالمساواة بين الرجل والمرأة لان عدم المساواة بينهما ظلم لا يمكن بعد السكوت عليه. ولكن الأمر فيه مغالطة كبيرة وخطيرة، والامر ليس كذلك.

 

المساواة ليست شرطا من شروط العدالة، بل العدالة كما ذكرنا هي اعطاء  كل ذي حق حقه واخذ الاولويات والمعطيات بعين الاعتبار. فالعدالة بين تلاميذ صف واحد مثلا ليست في منح الجميع درجات متساوية وانجاح الجميع سواء كانوا مجتهدين او لا.

 

وليست العدالة بين العاملين اعطاؤهم اجورا متساوية . العدالة هي ان ينال كل تلميذ الدرجة التي يستحقها من خلال ما يعرف من معلومات ولياقته العلمية، وان ينال كل عامل اجرته بحسب اهمية العمل الذي يؤديه.

 

ان من الجريمة ان نساوي بين الرجل والمرأة لان الرجل له طاقاته وله مقدراته وللمرأة طاقتها ومقدراتها وهناك فرق كبير في الوظائف الموكلة اليها فلذلك من الظلم ان نكلف المرأة بما نكلف به الرجل لان ذلك ما لا تتحمله.

 

والعدالة في عالم الطبيعة تدخل ضمن هذا المعنى الواسع، فلو ان قلب حوت يزن طنا مثلا قد ساوى قلب عصفور لا يكاد يزن بضع غرامات ما كان ذلك عدلا، ولو تساوت جذور شجرة ضخمة مع جذور نبته صغيرة لما كان ذلك عدلا، بل لكان ذلك ظلما فاضحا.

 

فالعدالة اذن هي ان ينال كل كائن نصيبه بموجب ما يتطلبه استحقاقه واستعداده ولياقته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اللطيف

 

 

 

 

* اللطيف لغة: ما دق او عمض فصعب أو استحال ادراكه فهو لطيف. ولطف الامر

 يلطف: دبّر الوصول اليه وانجازه في رفق واحكام، دون ان يشعر به احد فهو لطيف. ولطف الله بعباده احسن اليهم وانجاهم من الشدائد.

 

ولاسم اللطيف تفاسير عدة. لعله لم يات في بقية الاسماء ما ورد من اختلاف كما ورد في هذا الاسم المبارك.

منها: اللطيف: العالم بغوامض الاشياء ثم يوصلها الى المستصلح برفق دون العنف او البر بعباده الذي يوصل اليهم ما ينتفعون به في الدارين ويهيء لهم اسباب مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وهذا الرأي قال الشهيد الاول.

ومنها: ما في كتاب التوحيد عن الامام الصادق(ع): اللطف هو العالم بالمعنى اللطيف، كالبعوضه وخلقه اياها وانه لا يدرك ولا يحد، وفلان لطيف في امره رقيق في عمله متعمق متلطف لا يدرك امره وليس معناه انه صغر ودق.

ومنها: في كتاب الغريبين: اللطيف من اسمائه تعالى وهو الرفيق بعباده، ويقال لطف له يلطف ( بالكسر) اذا رفق به ولطف الله بك اي اوصل اليك مرادك برفق ، واما لطف يلطف ( بالضم) فمعناه صغر ودق.

ومنها: ان الشيء الصغير الذي لا يحس به لغاية صغره يسمى لطيفا، والله سبحانه وتعالى لما كان منزها عن الجسمية والجهة لم يحس به، فاطلقوا اسم الملزوم على اللازم فوصفوا الله تعالى بانه لطيف بمعنى غير محسوس، وكونه لطيفا بهذا الاعتبار يكون من صفات التنزيه.

ومنها: اللطيف هو البر بعباده ، الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويهيء لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون وهو الذي يريد بعباده المؤمنين الخير واليسر ويقيض لهم اسباب الصلاح والبر.

ومنها: ما ذكره الغزالي: ان هذا الاسم انما يستحقه من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف، ثم يسلم في ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف فاذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الادراك تم معنى اللطف ، ثم لا يتصور كمال هذا العلم الا الله سبحانه وتعالى، اما علمه بالغوامض والخفايا فلا شك فيه، فان الخفي والجلي بالنسبة اليه في العلم سيان واما رفقه في الافعال ولطفه فيها فلا يدخل تحت الحصر.

 

فلو اردنا ان نذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها لعجزنا عنه، فانه قد تعاون على اصلاح تلك اللقمة خلق لا يحصى عددهم، من مصلح الارض وزارعها وساقيها، وحامل حبها ومنقيها وطاحنها وعاجنها الى غير ذلك. فهو سبحانه وتعالى من حيث دبر الامور حكيم ومن حيث اوجدها جواد، ومن حيث رتبها مصور، ومن حيث وضع كل شيء في موضعه عدل، ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه اللطف والرفق لطيف. ولن يعرف حقيقة هذه الاسماء البتة من لم يعرف حقيقة هذا الافعال.

 

ومن لطفه بعباده انه اعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة. وسهل عليهم الوصول الى سعادة الابد بسعي خفيف في مدة قصيرة وهي العمر. وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله عز وجل  والتلطف بهم في الدعوة الى الله تعالى، والهداية الى سعادة الاخرة من غير ازراء وعنف ومن غير تعصف وخصام.

 

وقيل: هو بمعنى ملطف كالبديع بمعنى مبدع.

وقيل: اللطيف هو الذي يكلف اليسير ويعطي الكثير فهو اللاطف بعباده يسوغ الانعام وانما عدل عن وزن فاعل الى وزن فعيل للمبالغة.

وقيل: اللطيف الذي اذا دعوته لباك ، وان قصدته آواك، وان احييته اولاك وان اطعته كافاك وان عصيته عافاك، وان اعرضت عنه دعاك، وان اقبلت اليه هداك.

 

* رواية الامام الرضا: يروي الفتح بن يزيد الجرجاني حديثا عن الامام علي بن موسى الرضا(ع) يعتبر معجزة في هذا المجال لعله يشير من خلاله الى الجراثيم والكائنات المجهرية قبل ان يولد باستور بقرون يفسر فيه معنى اللطيف:

" ... انما قلنا اللطيف ، للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف، او لا ترى وفقك الله وثبتك، اثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف، ومن الخلق اللطيف ومن الحيوان الصغار اللطيف، ومن البعوض والجرجس وما هو اصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الانثى، والحدث المولود من القديم لما راينا صغر ذلك في لطفه واهتداء للسفاد والهرب من الموت والجمع لما يصلحه وما في لجج البحار وما في لحاء الاشجار والمفاوز والقفار واتهام بعضها عن بعض منطقها وما يفهم به اولادها عنها ونقلها الغذاء اليها ثم تأليف الوانها حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة وانه ما لا تكاد عيوننا تستبينه لدمامة خلقها لا تراه عيوننا ولا تلمسه ايدينا.

علمنا ان خالق هذا الخلق لطيف بخلق ما سميناه بلا علاج ولا اداة ولا آله وان كل صانع شيء فمن شيء صنعه والله الخالق اللطيف الجليل خلق وضع لا من شيء." ومن تطبيق لهذا الاسم قوله تعالى: "الم تر ان الله انزل من السماء ماء فتصبح مخضرة ان الله لطيف خبير" الحج 63

 

تبين هذه الآية قدرة الله اللامحدودة. لقد اخضرت الارض المرتدية رداء الحزن من اثر الجفاف بعدما نزل المطر عليها فاصبحت تسر الناظرين بواسطة لطف الله بعمله الجميل، فبلطف الله تنمو البذرة تحت الارض، ثم ترتفع خلافا لقانون الجاذبية وترى الشمس وتشم نسيم الهواء من اجل ان تصبح نباتا مثمرا او شجرة باسقة.

 

فهو الذي انزل المطر فمنح التربة الجافة لطفا ورقة لتسمح للبذرة بالحركة والنمو ، وهو خبير بجميع المراحل التي تمر بها هذه البذرة حتى ترتفع الى السماء. يرسل الله المطر بقدرة وبخبرة منه فان زاده صار سيلا وان نقصه كثيرا ساد الجفاف.

 

وهذا نبي الله يوسف(ع) يخبر بعد حقق له تفسير رؤياه على اخوته " ان ربي لطيف لما يشاء" فلطف الله بيوسف(ع) وبالناس من حوله اقتضى ان يبعد يوسف عن ابيه بمؤامرة من اخوته من خلال محاولة قتله ولكن الله انجاه بلطفه وجميل تدبيره ليضعه في قصر عزيز مصر ، ولطف الله اقتضى ان يسجن يوسف(ع) من خلال مؤامرة زوجة عزيز مصر ليعرف السجناء انه من الصالحين وان له قدرة كبيرة على تفسير الرؤيا ليفسر اخيرا رؤيا كان لها الاثر الخطير على مستقبل الناس التي مكنت يوسف من إصلاح الأمر عبر كونه مكينا على خزائن الأرض وبالتالي انقاذ الآف الناس من الخطر الحقيقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخبير

 

 

 

 

خبر الأمر من باب قصر عمله فهو خبيره أي عارف ببواطن الأمور والاسم الخبر أي المعرفة ببواطن الأمور، وخبره إذا بلاه واختبره وبابه نصر ومصدره خبرة أيضاً والخبير في صفات الله تعالى له تفسيران:

* الاول: وهو العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته، وهو المراد بقوله تعالى: " فاسأل به خبيرا" الفرقان 5. يقال فلان خبير بهذا الامر خبرة، وهو اخبر به من فلان، اي اعلم، الا ان الخبير في صفة المخلوقين انما يستعمل في العلم الذي يتوصل اليه بالاختبار والامتحان والاكتساب، والله تعالى منزه عن ذلك كله لانه هو العالم بل هو العلم كله والعلم عين ذاته.

* الثاني: انه الخبير بمعنى المخبر، فهو فعيل بمعنى مفعل، وهو كثير في كلام العرب، كالسميع بمعنى المسمع والبديع بمعنى المبدع فيكون الخبير هو المخبر وهو عبارة عن كلامه. وحظ العبد من هذا الاسم ان يكون شديد البحث والفحص عن محاسن الاخلاق ومقابحها وعن ان ما معه من الصفات والاخلاق من اي القسمين وان لا يغتر في هذا الباب بأنواع تلبيس ابليس، فلا يغتر بأنه خبير يتشارك مع الله تعالى في صفته فيصيبه الغرور القاتل.

 

ومن ادب المؤمن مع اسم الخبير انه من عرف ان الله خبير باحواله وظروفه وكل شيء يحيط به وبأفعاله وتروكه وتأييده ورفضه ونومه وقيامه وغشه وما الى هناك من افعال يفعلها من باطل وحرام كان محترزا في اقواله واعماله مجتنبا عن معاصيه تعالى، لان من كان به خبيرا عالما تمام العلم شاهدا عليه وعلى افعاله فانه يكون حجة عليه يوم القيامة خاصة وان الشاهد يومذاك هو الحاكم وهو القاضي.

 

ومن كان يؤمن بالله الخبير بمصلحته ينبغي ان يكون واثقا ان ما قسم له لا يفوت وما لم يقسم له لا يدركه، فيرى جميع الحوادث من الله سبحانه فتهون عليه الامور بخلاف من يضيف بعض الحوادث الى الحق وبعضها الى الخلق فانه يكون ابدا في تعب.

 

فاذا عرف العبد ان الله مطلع على سره عليم بخفي ما في صدره يكتفي برفع همته اليه واستحضار حاجته في قلبه من غير ان ينطق بلسانه وهذا ارفع درجة في علاقة العبد بربه، فهذا ابراهيم(ع) حينما قذف النمرود به الى آتون النار انزل الله جبرائيل ليسأل ابراهيم ان كان له حاجة ليقيضها الله وطبعا حاجة ابراهيم في تلك اللحظة ان ينقذه الله من حر النار وعذابها، ولكن علم ابراهيم بربه وخبرته به جعله مطمئن البال بان الله الرحمن الرحيم اللطيف بعباده لا يمكن ان يتخلى عنه في تلك اللحظة لذلك توجه الى الملك جبرائيل قائلا: علمه بحالي يكفيه عن سؤالي.          

الفصل الأول

شرح الأسماء الحسنى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     

الله

 

 

لفظ الله كأسم يعتبر من أشمل أسماء رب العالمين الذي يدل عليه دلالة لا يشاركه به أحد على الإطلاق بخلاف بعض الأسماء (الصفات) التي يمكن أن يتصف بها بعض الناس بقرينة أو بدونها وهذا الأسم يحيط بجميع صفات الله دون بقية الصفات التي تشير إلى جانب معين من صفات الله كالخالق والرزاق والمحي والمميت.

 

وبتعبير آخر فإن لفظ الله بنفسه يحيط بجميع الصفات الجلالية والكمالية بعكس بقية الأسماء فإنها تشير إلى جانب من الصفات لا إلى كل الصفات ولأجل ذلك فإن لفظ الله يمكن أن يوصف ويخبر عنه بإحدى الصفات أو بكلها كما جاء في سورة الحشر في قوله تعالى:

"هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم")1)  

 

وكدليل على أن لفظ الله يجمع كل الصفات إن إعلان توحيد الله لا يتم إلا به كقولنا لا إله إلا الله ولا يفي قولنا لا إله إلا الرزاق مثلاً في تحقيق مقصودنا في الدلالة على التوحيد

 

ولفظ الله علمٌ للذات الإلهية المقدسة أطلق عليها بالغلبة ذلك أنه مأخوذ من كلمة الإله أي المعبود أو المحير الذي تتحير به العقول. قال السيد الطبطبائي قده : "وأما لفظ الجلالة ، فالله أصله الإله، حذفت الهمزة لكثرة الإستعمال، وإله الرجل يأله بمعنى عبد، أو من أله الرجل أو وله الرجل أي تحير ... سمي إلهاً لأنه معبود أو لأنه مما تحيرت في ذاته العقول والظاهر أنه علم بالغلبة"(2) أي من كثرة الإستعمال تعين هذا اللفظ كأسم للذات الإلهية. ومما يؤكد علمية لفظ الله أنه يوصف ببقية الصفات ولا يوصف به.

 

وكونه مأخوذا من أسم مشتق أي صفة (الإله أي المعبود) لا يضر بعلميته ذلك أن الصفة المنقولة إلى العلمية تتجرد تلقائياً من معناها السابق وتصبح بمثابة لفظ جديد، له معنى مغاير للمعنى السابق نظير كلمة بحر الدالة على المكان المستوعب للمياه المعروفة فإذا ما أسميت ولدي بالبحر فيصبح هذا اللفظ له معنى جديد مختلفاً تماماً عن المعنى السابق.

 

 

 

1. سورة الحشر آية 22-23-24

2. تفسير الميزان الجزء الأول ص18

وقد وقع كلام بين العلماء في أن لفظ الله أسم للذات المقدسة بجريان النعوت عليه أو أنه أسم للذات المقدسة مع جملة الصفات الإلهية.

قال صاحب مصباح الكفعمي: "الله أسم علم مفرد موضوع على ذات واجب الوجود تعالى شانه" (1)

وقال الغزالي: "الله أسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي فإن كل موجود سواه مستحق للوجود بذاته وإنما إستفاد الوجود منه تعالى" (2)

وقال الشهيد: "الله أسم للذات بجريان النعوت عليه. وقيل هو أسم للذات مع جملة الصفات الإلهية فإذا قلنا الله تعالى فمعناه الذات الموصوفة بالصفات الخاصة وهي صفات الكمال ونعوت الجلال" (3)

يبقى أن نشير إلى مسألة مهمة وهي: إن الله وصف نفسه بأنه "ليس كمثله شيء" ومع ذلك عندما يحدثنا الله عن نفسه فإنه يحدث عن نفسه بصيغة المذكر. فهل الله مذكر؟!

 

من الطبيعي والبديهي أنه ليس كذلك للأدلة العقلية والنقلية خاصة وأن آية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" تستصخرنا بذلك وتقطع كل طريق أمام وهمنا الباطل.

 

ولكن لو عدنا إلى كتب النحو وطرقنا ابوابها لزال الوهم وبانت الحقيقة كأجلى ما يمكن أن يكون الجلاء ففي باب الممنوع من الصرف يقول النحاة أن الممنوع من الصرف هو ما إجتمعت فيه علتان فرعيتان من علل تسع أو واحدة تقوم مقامهما

 

وقد جمع أبن النحاس هذه العلل الفرعية في بيت من الشعر

إجمع وزن عادلاً أنث بمعرفة                      ركب وزد عجمة فالوصف قد كملا

ولتوضيح الأمر نقول : الواضح في اللغة عندما يريد احدناأن يعبر عن موضوع معين أول ما يعبر فإنه يعبر عنه بالمفرد. فالأصل أن يعبر عن الشيء بالمفرد. ثم تقتضي الحاجة أن يعبر عن شيئين فبدل أن يقول مثلاً جاء رجل ورجل فيقول رجلان وبدل أن يقول كتاب وكتاب وكتاب يقول كتب فالمثنى والجمع فرع عن المفرد هو الأصل.

وهكذا فإن الواضع أول ما يضع فإنه يضع الشيء نكرة ثم تقتضي الحاجة أن يعبر عنه بالمعرفة فأول ما يضع يقول : كتاب ثم يقول كتابي كتابه كتابك. فالنكرة هي الأصل والمعرفة فرع عن النكرة.

والواضع أول ما يضع للمذكر ثم يضع لأنثى ذلك الذكر، فالمذكر هو الأصل والمؤنث هو الفرع.

ولما كانت الذات الإلهية معنى من المعاني التي يريد الإنسان أن يعبر عنها فمن الطبيعي أنه يعبر عنها بالتذكير على الأصل لا بالتأنيث على الفرع وإلا فإن الذات الإلهية ليست ذكراً ولا أنثى وهذا أوضح من أن يخفى .

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 364 الطبعة الجديدة بيروت

2-3. نفس المصدر

ومن لطيف ما قيل عن لفظ الله "أن هذا الأسم المقدس أربعة أحرف  فإذا وقفت على الأشياء عرفت أنها منه وبه وإليه وعنه. فإذا أخذ منها الالف  بقي لله ولله كل شيء. فإذا أخذ اللام وترك الالف بقي إله وهو إله كل شيء، فإن أخذ الالف من إله بقي له وله كل شيء. فإن أخذ من له اللام بقي هاء مضمومة وهي هو فهو وحده لا شريك له وهو لفظ يوصل إلى ينبوع العزة ولفظ هو مركب من حرفين والهاء أصل الواو فهو حرف واحد يدل على الواحد الحق والهاء أول المخارج والواو آخرها هو الأول والآخر والظاهر والباطن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منشأ الصفات

                                              

 

مما لا شك فيه أن منشأ الصفات هوكتاب الله. وقد وردت جملة من الصفات أطلقت بصراحة على الله عز وجل كالرحمن والرحيم والغفور والسلام والمؤمن والجبار والمتكبر والبارىء والمصور والملك والقدوس وعالم الغيب والشهادة. فمثل هذه الصفات التي وردت في الكتاب ولا شيء منها يوهم نقصاً في الذات الإلهية يجوز إطلاقها علىالله تعالى.

 

ولا يضر أن نشتق الصفة من فعل أطلقه الله على نفسه فنشتق منه صفه له مثل اطلاق كلمة الناصر مثلاً من قوله تعالى: " أن تنصروا الله ينصركم "فلا يشترط في الصفة المطلقة على الله عز وجل أن تكون مذكورة بصراحة في القرآن.

 

وبدوا قد يظن الأنسان أنه يمكن أن يطلق على الله صفة يستقرب أن يكون متصفاً بها كالعاقل والفطن والذكي ولكن مثل هذه الصفات التي لم يرد به السمع من القرآن والأحاديث يمتنع أن نطلقها على الله لأنها تشعر وتوهم بنقص فيه عز وجل إذ مثلاً صفة الداري توهم تقدم الشك وهكذا صفة الذكي توهم بعجز أو مشكلة تواجهه ثم بذكائه يمكن أن يتخلص من تلك المشكلة.

 

وهناك صفات قد وردت في القرآن ولكن اطلاقها في غير المورد التي يذكرها الله في كتابه يوهم النقص والانتقاص منه عز وجل كأن تخاطب الله: يا ماكر يا مستهزىء أو تقسم بالمستهزىء والماكر، فمثل هذه الصفات لا يمكن إطلاقها على الله عز وجل.

 

وهناك صفات يمكن أن يستوحيها العقل مما يليق ويناسب كماله وحضرته الشريفة ولا نقص فيه ولا انتقاص ولكن مثل هذه لا تطلق عليه إما منعاً أو تأدباً.

قال الشهيد: الأولى التوقف عما لم يثبت به التسمية به وإن جاز أن يطلق معناه عليه (1) وقال الشيخ نصير الدين الطوسي: " كل أسم يليق بجلاله ويناسب كماله مما لم يرد به اذن يجوز اطلاقه عليه تعالى إلا أنه ليس من الأدب لجواز أن لا يناسبه تعالى من وجه آخر" (2)

 

وقال الشيخ علي بن يوسف بن عبد الجليل في كتابه منتهى السؤال : لا يجوز أن يطلق على الواجب تعالى صفة لم يرد في الشرع المطهر اطلاقها عليه وأن صح اتصافها بها معنى كالجوهر مثلاً بمعنى القائم بذاته لجواز ان يكون في ذلك مفسدة خفيه لا نعلمها فإنه لا يكفي في اطلاق الصفة على الموصوف ثبوت

 

 

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 392

2. نفس المصدر

معناها له فإن لفظتي عز وجل لا يجوز اطلاقهما على النبي(ص) وان كان عزيزاً جليلا في قومه لأنهما يختصان بالله تعالى(1).

 

ولأن الصفات بعضها مذكور بصراحة وبعضها مشتق من أفعال نسبها الله إليه فان القوم اختلفوا في عد هذه الصفات فبعضهم يدخل صفة وبعضهم لا يعتبرها ويدخل صفة أخرى رغم وجود رواية مرويه عن الإمام الرضا(ع)

ففي كتاب العدة للشيخ أبي العباس أحمد بن فهد يروي أن الإمام الرضا(ع) روى من أبيه عن آبائه عن علي(ع) أن لله تسعة وتسعين أسماً من دعا بها استجيب له ومن أحصاها دخل الجنة وهي:

الله ، الواحد ، الأحد ، الصمد ، الأول ، الآخر ، السميع ، البصير ، القدير ، القاهر ، العلي ، الأعلى ، الباقي ، البديع ، البارىء ، الأكرم ، الظاهر ، الباطن ، الحي ، الحكيم ، العليم ، الحفيظ ، الحق ، الحسيب، الحميد ، الخفيّ ، الرب ، الرحمن ، الرحيم ، الذارىء ، الرزاق ، الرقيب ، الرؤوف ، الرائي ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، السيد ، السّبوح ، الشهيد ، الصادق ، الصانع ، الطاهر ، العدل ، العفو ، الغفور ، الغني ، الغياث ، الفاطر ، الفرد ، الفتاح ، الفالف ، القديم ، الملك ،القدوس ، القوي، القريب ، القيوم ، القابض ، الباسط ، القاضي ، المجيد ، الولي ، المنان ، المحيط ، المبين ، المقيت ، المصور ، الكريم ، الكبير ، الكافي ، كاشف الضر ، الوتر ، النور ، الوهاب ، الناصر ، الواسع ، الودود ، الهادي ، الوفي ، الوكيل ، الوارث ، البر ، الباعث ، التواب ، الجليل ، الجواد ، الخبير ، الخالق، خير الناصرين ، الديان ، الشكور ، العظيم ، اللطيف ، الشافي.

ومن الطبيعي أن المقصود من قول الإمام " ومن أحصاها " ليس الإحصاء العددي الذي لا ينعكس على شخصية الانسان المسلم بأي شيء خير بل المقصود والله الأعلم أن من يحاول أن ينبشها من مداركها هو الإنسان المهتم الذي يعيش بكيانه حضور الله ومن كان الله حاضراً في نفسه فإنه يعيش تماماً حق المعرفة بصفات الله التي تنعكس على روحه أجمل الانعكاس فتقربه من الله وتبعده عن معاصيه وبالتالي يدخل الجنة ومن كان من أهل الجنة حاشا الله أن يخيب دعاءه وهذا مصداق كلام الأمام الرضا(ع) من دعا بها استجيب له ومن احصاها دخل الجنة".

الشهيد مقايسة مع رواية الإمام الرضا(ع) نراه ينقص بعض الصفات مثل القاهر والأعلى والعليم والحسيب والخفي والرائي والرب والذارىء والرائي .

ولعل منشأ النقص وزيادة بعض الصفات لما ذكرناه سابقاً من أن كل صفة مذكورة في القرآن مما لا توهم نقصاً فيه عز وجل يجوز اطلاقه عليه ولكن تحديد الإمام(ع) بـ من دعا بها استجيب له ومن احصاها دخل الجنة يعطي الخصوصية لهذه الأسماء دون غيرها فهذه دون غيرها هي التي ندعو بها وان كان جائزاً ان تطلق تلك الصفات على الله ولكن من دون أثر في استجابة الدعاء .    

 

 

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 392

الرحمن - الرحيم

 

 

 

ورد أسم الرحمن صريحاً في القرآن ثمانية وخمسون مرة وورد أسم الرحيم صريحاً مئة وعشرون مرة ووردت صفة الرحمة مئة وثلاث وخمسون مرة فيكون مجموع صفة الرحمة في القرآن ثلاثمائة وواحد وثلاثين مرة (1).

وقع كلام بين العلماء في اشتقاق الرحمن الرحيم في أنهما هل هما من الصيغ المبالغ فيها أولا. فالكفعمي مثلا في كتاب الرسالة الواضحة يرى أنهما من ابنيه المبالغة إلا أن فعلان ابلغ من فعيل ثم هذه المبالغة قد توجد تارة بإعتبار الكمية وأخرى بإعتبار الكيفية فعلى الأول: قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص الرحمة بالمؤمنين لقوله تعالى "وكان بالمؤمنين رحيماً".

وعلى الثاني: قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الآخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة.

 

وكذلك نرى أن الشهيد الأول يرى أنهما أسمان المبالغة من رحم والمتأخرون من المفسرين يرون "أن الرحمن صيغة مبالغة تدل على الكثرة والرحيم صفة مشبه تدل على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن أن يدل على الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر وهو الرحمة العامة قال تعالى "الرحمن على العرش استوى"(2) وقال: "قل من كان الضلالة فليمدد له الرحمن مدأ" (3) إلى غير ذلك ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدل على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تفاض على المؤمن كما قال تعالى: "وكان بالمؤمنين رحيما"(4) وقال تعالى: "أنه بهم رؤوف رحيم" (5) إلى غير ذلك. ولذلك قيل: أن الرحمن عام للمؤمن والكافر والرحيم خاص بالمؤمن(6)

 

    وفي هذا المجال يقول الصادق): "والله إله كل شيء الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة(7) ومما يؤكد هذا الأمر أن كلمة الرحمن ذكرت في القرآن بصورة مطلقة مما يدل على عموميتها لكن صفة الرحيم ذكرت أحياناً مقيدة لدلالتها الخاصة كقوله تعالى "وكان بالمؤمنين رحيماً".

 

ثم أن أسم الرحمن من السماء الخاصة بالله ولا تستعمل لغيره بينما الرحيم صفة تنسب لله ولعباده فنرى أن القرآن الكريم يصف بها رسوله الأكرم حيث قال: "عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" (التوبة 128). وإلى هذا الأمر أشار الإمام الصادق(ع) فيما يرى عنه " الرحمن أسم خاص بصفة عامة والرحيم أسم عام بصفة خاصة " (8).

 

 

1. راجع المعجم المفهرس                                4. الأحزاب 43                                          7. الكافي

2. طه 5                                                 5. التوبة 177                                           8. مجمع البيان ج1 ص21

3. مريم 75                                              6. تفسير الميزان ج1 ص 118

يبقى أن نشير إلى أن كلمة الرحيم قد تستعمل أحياناً كوصف عام وهذا يعني أن التمييز المذكور بين الكلمتين لا يخلو من استثناء كقول الإمام الحسين(ع) " يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما " دعاء عرفة .

* إجتماع الصفتين: وردت صفة الرحمن والرحيم مجتمعتين في 6 آيات في القرآن الكريم وفي كل مرة تكون صفة الرحمن متقدمة على الرحيم والوجه في ذلك كما عن الطبرسي أنه " إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن بمنزلة أسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى ولهذا جمع سبحانه بينهما في قوله " قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن " (الاسراء 110) .

* وجه حصر الصفتين في البسملة دون غيرهما من الصفات:

 

قد يتساءل البعض عن اختصاص هاتين الصفتين بالبسملة دون غيرهما من الصفات مع وجود صفات محببة للإنسان كالرزاق والغفور والكريم ونحوها. والجواب يتضح لو عرفنا أن كل عمل ينبغي أن يبدأ بالاستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل جميع الموجودات وتنقذ جميع المستغيثين في اللحظات الحساسة.  وهذه حقيقة يوضحها القرآن إذ يقول: "ورحمتي وسعت كل شيء" (الأعراف 156)

 

ويقول على لسان حمله العرش "ربنا وسعت كل شيء رحمة" والذي يعزز هذا الجانب أن الأنبياء بعظمتهم كانوا يناجون الله برحمته وقد أدبوا اتباعهم على ذلك فلذلك ينقل الله عنهم " ونجنا برحمتك " (يونس 86) وعندما كان الله ينجي القوم يخبر "فانجيناه والذين معه برحمة منا" (الأعراف 72)

 

ثم أن هناك شيئاً مهماً في المقام ينبغي الإلتفات إليه وهو يجب أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء فلا يعقل إذا غضبت على قوم أن تدعو الله عليهم بصفة الرحمن الرحيم ولا يعقل أنك اذا كنت مقصراً مع الله وأردت استنزال الرزق عليك تدعو الله بصفة أنه عادل بل ينبغي أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء وفي هذا المجال يخبرنا الله تعالى حكاية عن عيسى(ع) حينما طلب منه الحواريون المائدة من السماء قال: "اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ... وارزقنا وأنت خير الرازقين " (المائدة 114) .

ويخبرنا أيضاً حكاية عن زكريا حينما تفجرت فيه إحساس الأبوة " رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين " (الأنبياء 89).

 

فإذا عرفنا ذلك نقول: إذا أردنا أن نبدأ بعمل فإننا بذلك نريد له خاتمة وإلا لما بدأنا به أصلاً ولكي نضمن الاستمرارية فأي صفة أفضل من الرحمن الرحيم التي تفيد الاستمرار خاصة وأننا نعلم بحكم الله على نفسه "كتب على نفسه الرحمة" والرحمة لغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والاحسان وهذا يضمن لنا بقرينه كتب على نفسه الرحمة أن يستمر بالتفضل والاحسان. أضف إلى أن في صفة الرحمة نوعاً من كسر الحاجز بين العبد وربه فعندما يشعر العبد بأن المعبود الذي يعبده ليس قاسياً بل يحنو على العبد ويرحمه ويفتح أمامه كل الأبواب نحوه مثل هذا الشعور يجذب القلوب نحو الله.

انفراد صفة الرحمن:

لعل الصفة الوحيدة التي يتكلم بها الإنسان ليعبر عن الله هي صفة الرحمن كقوله تعالى: "إني نذرت للرحمن صوما" (مريم 26) وكقوله: "يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا" (مريم 42) وكقوله: "يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن" (مريم 40)

وقد تحدث الله عن نفسه بصفة الرحمن بشكل ملفت للنظر دون غيرها من الصفات

كقوله تعالى: " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً " (مريم 75)

وكقوله: " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذعند الرحمن عهداً " (مريم 87)

وكقوله: " قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا " (الملك 29)

وكقوله: " الرحمن، علم القرآن " الرحمن 1 ونحو ذلك من اآيات.

ولعل منشأ التركيز على هذه الصفة أمران تتمحور حولهما الآيات التي تذكر فيهما هذه الصفة .

 

* الأمر الأول: وفيه يردّ الله على الكافرين الذين يعترضون على ذكر هذه الصفة فقد ورد أنه في صلح الحديبية عندما أراد علي أن يكتب معاهدة الصلح قال النبي(ص) لعلي أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم " قال سهيل بن عمرو ومعه المشركون نحن لا نعرف الرحمان: وإنما هناك رحمان واحد في اليمامة وكان قصدهم مسيلمة الكذاب بل أكتب باسمك اللهم كما كانوا يكتبونه في الجاهلية ... فنزلت هذه الآية: " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي اوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن. قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب" (الرعد 30). ونظير هذا الأمر قوله تعالى: "اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن" (الفرقان60) . فمثل هذه الآيات تؤكد على أن كفار قريش لم يوافقوا على وصف الله بالرحمن وبما أن ذلك لم يكن سائداً بينهم فإنهم كانوا يستهزئون به فلذلك نرى أن الله يركز على هذه الصفة بالذات دون غيرها في الخطاب عن نفسه فنراه يواجه الأمر بكل حزم كما في قوله تعالى: " قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن" (الإسراء 110)

 

* الأمر الثاني: وهو ما ذكرناه سابقاً من أن الرحمن بمنزلة أسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى فصار الخطاب بالرحمن تماماً كما هو الخطاب بالله .

 

* إنفراد صفة الرحيم عن الرحمن:

وردت صفة الرحيم منفردة عن صفة الرحمن أما لوحدها كما في قوله تعالى "وكان الله بالمؤمنين رحيما" (الأحزاب 43) وكقوله "أنه كان بكم رحيما" (الإسراء 66) وأما مع صفة التواب كما في قوله تعالى "فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه هو التواب الرحيم" (البقرة 37) أو مع صفة الرؤوف كما في قوله تعالى "ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (الحشر 10) أو مع صفة الغفور كما في قوله تعالى: "واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيما" (النساء 106) أو مع صفة الودود كما في قوله "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود" هود 90 أو مع صفة عزيز كما في قوله تعالى: "وتوكل على العزيز الرحيم " (الشعراء 217) أو مع صفة الرب كما في قوله تعالى " سلام قولا من رب رحيم " يس 58 وسواء أتت منفردة أو مجتمعة فإن معنى الرحيم ظاهرة في ثبوت الرحمة كصفة الزم الله نفسه بها يوم القيامة للمؤمنين .

 

* لطيفة في استعمال الرحمن:

هناك لفتة قرآنية رائعة بمعانيها العميقة وردت في سورة مريم الآية 45 في قوله تعالى "يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا" فإن استعمال أسم الرحمن هنا وان كان بمنزلة أسم العلم ولكنه لا يكون علماً بالمطلق بل يبقى فيه معنى الصفاتية أي الرحمانية وهنا يكمن الخطر لأن مس العذاب من الرحمن يستكشف منه أن هذا الإنسان قد استحوذ عليه الشيطان إلى درجة عظيمه جداً بحيث يحجب نفسه عن وصول الرحمة من الرحمن الذي ينشر رحمته بشكل حتى أن أعناق أبليس تشرئب لها ومع ذلك فقد أضاع نفسه بملذاتها وشهواتها وعنادها ومجهودها.

 

وحال هذا الإنسان مع ربه حال إنسان مع غني كريم النفس يعطي بلا حساب حتى ألد أعدائه ومسامح إلى ابعد الحدود ومتجرد عن أي حساسية مع ذلك لا يعطي فلانا سائلا ، فبلا أشكال نقطع أن هذا السائل قد ارتكب شيئا هائلا لا يمكن ان يتصوره عاقل اطلاقا حتى منع من عطاء هذا الانسان بمواصفاته الكريمة.

 

وكذلك الأمر بالنسبة لمقامنا فعندما يحل العذاب من الرحمن على شخص فمعنى ذلك أن هذا الإنسان قد ارتكب شيئاً هائلا بحق نفسه أمام الله بحيث أن هذا الذنب بقبحه الشديد قد حجب رحمة الله الذي نشرها لجميع عباده وخلقه كما تحجب الغيوم السوداء نور الشمس ودفئها .

 

 

 

 

 

 

 

 

الملك

 

 

 

 

ترد لفظة الملك بعدة صيغ لفظية تختلف في معانيها اختلافا كبيراً.

فالملك (بكسر الميم) وهو أن يتصرف في شيء أي تصرف كيف شاء وهو على قسمين:

- اولاً: منها ما هو حقيقي وهو كون شيء كالانسان مثلاً بحيث يصح له أن يتصرف في شيءأي تصرف أمكن بحسب التكوين والوجود مثل أن يتصرف الإنسان في عينه فله أن ينظر بها وله أن لا ينظر بها بأي نحو شاء وأراد وكذا الأمر بالنسبة ليده فله أن يقبضها فلا يمسك بها شيء وله أن يمسك بها أي شيء يريده.

ومن هذا القبيل ملكه تعالى للعالم ولجميع أجزائه وشؤونه على الاطلاق، فله أن يتصرف فيما شاء وكيفما شاء.

 

- ثانياً: ومن الملك ما هو اعتباري وضعي وهو كون الشيء كالانسان بحيث يصح أن يتصرف في شيء كيف شاء بحسب الرابطة التي اعتبرها العقلاء من أهل الاجتماع من أجل غرض معين.

والملك: (بضم الميم) وهو ما يملكه جماعة الناس من أي شيء.

والملك: (بفتح الميم) وهو المليك وهو الله. والمليك مالك لما يملكه رعاياه وله أن يتصرف فيما يملكونه من غير أن يعارض تصرفهم تصرفه ولا أن يزاحم مشيئتهم مشيئته فهو في الحقيقة ملك على ملك. والله سبحانه مالك كل شيء ملكاً مطلقاً.

 

أما أنه مالك لكل شيء على الاطلاق فلأن له الربوبية المطلقة والقيمومه المطلقة على كل شيء فإنه خالق كل شيء وإله كل شيء قال تعالى " ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو " (المؤمن 62) وقال تعالى "له ما في السموات وما في الأرض" (البقرة 255) وقوله "الذي له ملك السموات والآرض ولم يتخذ ولدا" (الفرقان 2) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل ما يسمى شيئاً فهو قائم الذات به إي بالله مفتقر إليه لا يستقل دونه وهذا هو الملك.

 

وأما أنه مليك على الاطلاق فهو لازم اطلاقه كونه مالكاً للموجودات فإن الموجودات أنفسها تملك بعضها بعضاً كالانسان يملك اعضاءه وقواه الفعالة من سمع وبصر وغير ذلك وهي تملك أفعالها وإذ كان الله سبحانه يملك كل شيء فهو يملك كل من يملك منها شيئاً ويملك ما يملكه قال الله تعالى: "وله الملك وله الحمد" التغابن وقال تعالى: "عند مليك مقتدر" (القمر 55) .

 

وحتى في الاعتباريات فإن الله هو المالك لأنه هو المعطي لكل من يملك شيئاً من المال ولو لم يكن

الله هو المالك الحقيقي لم يصح منه الاعطاء ولكان معطياً لما لا يملك لمن لا يملك قال تعالى: " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم".

 

ومن هنا نعرف طالما أن الله هو المليك وهو المالك الحقيقي فللمالك الحقيقي أن يتصرف في ملكه كيفما شاء لا بنحو العبثية لآنه تعالى عن ذلك علوا كبيراً وانما يتصرف في ملكه كيفما شاء بحجة ومصلحة ومن ذلك ما فرضه الله من أحكام الزكاة والخمس فالانسان مع كل ما يتعب ويشقى فإن الله مثلاً يفرض عليه بعد فاضل   مؤنته الخمس، إذ طالما أنه هو المالك الحقيقي والانسان يملكه بإرادة الله واعتباره الذي ينزله الله منزلة المستخلف فيه لا انه مالك حقيقي، ويفرض بقاء هذا الاستخلاف مشروطاً بإعطاء الفقراء خمس مازاد عن مؤنته وهذا لا يضر بملكية الانسان للمال نظير ما لو اسكن فلان فلاناً بيته لمدة مثلاً وصار يتصرف في هذا المسكن فلو جاء المالك وباع المسكن مثلاً فلا يوجد تعارض بين تصرف المالك وتصرف الساكن في البيت.

 

فإذن المالكية أي المالك أو المليك توحي بالسيطرة التامة والهيمنة المستكمة على كل شيء. وملكية الله ملكية حقيقية لا ملكية اعتبارية نظير ملكيتنا نحن للاشياء في هذا العالم كما أوضحناه سابقا. إذ ملكيتنا هذه عقد يبرم بموجب تعامل ووثائق وينفسخ بموجب تعامل آخر ووثائق أخرى. لكن ملكية الله لعالم الكون ملكية حقيقية تتمثل في ارتباط الموجودات ارتباطاً خاصاً بالله ولو انقطع هذا الارتباط لحظة لزالت الموجودات تماماً مثل زوال النور من المصابيح الكهربائية حين ينقطع،  وبعبارة أخرى مالكية الله نتيجة خالقيته وربوبيته، فالذي خلق الموجودات ورعاها ورباها وأفاض عليها الوجود لحظة بلحظة هو المالك الحقيقي للموجودات ونستطيع أن نرى نموذجاً مصغراً للمالكية الحقيقية في مالكيتنا لاعضاء  بدننا، فنحن نملك ما في جسدنا من عين وقلب وأذن واعصاب لا بالمعنى الاعتباري للملكية بل بنوع من المعنى الحقيقي القائم على أساس الارتباط والاحاطة.

 

وإذا عرفنا ذلك كله فإننا نعرف أن استعمال اسم (الملك) كصفة وأسم من اسماء الله الحسنى يأتي دائماً ليبين أنه "الملك الجامع لاصناف المعلومات أو المتصرف بالامر والنهي في المامورين أو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاج إليه كل موجود في ذاته وصفاته"(1) ولينزه الله نفسه عن كل نقص وعدم قدرة ومن مصاديق هذا الاستعمال رد الله على اليهود حينما منعوا النسخ مطلقاً في التشريع والتكوين .

 

وقد استدلوا على ذلك بوجوه مذكورة في الكتب الاصولية من أن النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة وكلا الامرين مستحيل في حقه سبحانه وذلك لان رفع الحكم الثابت لموضوعه أما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه به وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلقاً.

1. مصباح الكفعمي ج1 ص 368                                              

وأما أن يكون من جهة البداء وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين العرفية وهو يستلزم الجهل منه تعالى وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لآنه يستلزم المحال(2) .

 

ولنفي شبهة البداء في التشريعات فليراجع في الكتب العقائدية. وأما البداء في التكوينيات فإن الله سبحانه يرد عليهم في امكان النسخ في مجال التكوين في الآية التالية إذ يقول: " ألم تعلم أن الله له ملك السموات والآرض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير" (البقرة 107) ومفادها أن ملك السماوات والارض لله فله أن يتصرف فيها كيف يشاء وليس لغيره شيء من الملك حتى يوجب ذلك انسداد باب من أبواب تصرفه سبحانه أو يكون مانعا عن تصرف من تصرفاته فلا يملك أي شيء شيئا من قبال مالكيته فله أن يتصرف فيكم وفي ما عندكم ما شاء واراد من أنواع التصرف . وفي هذا المجال كان رد ابراهيم(ع) على النمرود حينما ادعى الالوهية وتجبر وما حاججه ابراهيم(ع) في القدرة التكوينية التي هي اعظم قدرة من خلق الانسان " ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال ابراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين" (البقرة 258)

 

ومقتضى الاستدلال بهذه الآية أن المالك للشيء يكون مسيطرا ومهيمنا على ملكه يخضعه لارادته كيفما شاء في الوقت الذي شاء والا لا يكون مالكاً له، فحينما حاول النمرود أن يلعب على الالفاظ أو يميع التحدي بإبقاء انسان وقتل آخر وادعاؤه بأن ذلك احياء واماتة مع العلم ان التحدي هو بإيجاد الخلق واحياؤه من العدم لا باستمرار الحياة التي استمدها الانسان من الله فحينما تحولت المسألة إلى التمييع انتقل ابراهيم في تحديه إلى الولاية التكوينية فقال "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب" وهنا بهت الذي كفر لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه اعجز من أن يحرك ساكنا في هذا المجال.

 

وتطبيق هذه الصفة أكثر من أن يحصى ذلك أن كل فعل وكل حركة وكل علم وكل" ملك وما إلى هنالك مترشح على ملكه في الدنيا والآخرة. قال الله ولله ملك السموات والارض ومابينهما واليد المصير" (المائدة 18). وقال تعالى "مالك يوم الدين " (الفاتحة 4) فبين ملك الله للسموات والارض وما بينهما" ومالك يوم الدين يكتمل محور المبدأ والمعاد الذي يعتبر اساس كل اصلاح اخلاقي واجتماعي وفي وجود الانسان .

وتعبير " مالك " يوحي بسيطرة الله التامة وهيمنته المستحكمة على كل شيء في ذلك اليوم.

 

وقد يتساءل لماذا يصف الله نفسه بأنه " مالك يوم الدين " بينما هو مالك الكون كله والجواب: أن الله مالك لعالم الدنيا والآخرة ولكن مالكيته ليوم القيامة أبرز وأظهر لان الارتباطات المادية والملكيات الاعتبارية تنفسخ كلها في ذلك اليوم وحتى الشفاعة لا تتم يومئذ الا بأمر الله " يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله" (الانفطار 19).

والتركيز على مالكية الله ليوم القيامة يقارع معتقدات المشركين ومنكري المعاد لان الايمان بالله عقيدة فطرية عامة حتى لدى مشركي العصر الجاهلي. وهذا ما يوضحه القرآن الكريم إذ يقول: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله" (لقمان 25) بينما الايمان بالمعاد ليس كذلك فهؤلاء المشركون كانوا يواجهون مسألة المعاد بعناد واستهزاء ولجاج" وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق انكم لفي خلق جديد افترى على الله كذبا أم به جنه" .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القدوس

 

 

 

 

وهو الطاهر من العيوب المنزه عن الاضداد. والتقديس معناه التطهير ومنه قوله تعالى عن الملائكة "ونقدس لك" أي ننسبك إلى الطهارة وسمي بيت المقدس بذلك لآنه المكان الذي يطهر من الذنوب، وقيل للجنة حظيرة القدس لأنها موضع الطهارة من الادناس والآفات التي تكون في الدنيا(1). فالدنيا بما فيها من عيوب ونقائض وتناقضات تجعل الحياة فيها غير مستمرة فهي موضع العذابات التي يتعذب فيها الكثير من الناس وموضع الابتلاء الذي يبتلي فيها الناس والموضع الذي يعصى فيه الله فهي بالتالي موضع العيوب والنقائض وفي مقابلها الحياة الآخرة في الجنة حيث الكمال والتنزيه عن مثل هذه الامور فلا غل ولا حقد ولا تنابذ ولا تخاصم ولا ابتلاء فهي موضع كامل منزه عن مثل الامور الموجودة في الحياة الدنيا.

 

وقد وردت هذه الصفة بصريح اللفظ في موردين في القرآن الكريم المورد الأول في الآية 23 من سورة الحشر في قوله تعالى: "هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس". والمورد الثاني في سورة الجمعة في الآية الأولى: "يسبح لله ما في السماوات والارض الملك القدوس العزيز الحكيم " وورد مورد واحد مشتق من القدوس في سورة البقرة آية 30 في قوله: "ونحن نسبح لك ونقدس لك" .

 

والقداسة التي يتصف بها الله موضع تسبيح كل ما في السماوات والارض. فالتسبيح تنزيه الشيء ونسبته إلى الطهارة والنزاهة من العيوب والنقائص والتعبير بالمضارع في قوله تعالى: " يسبح لله ... " للدلالة على الاستمرار والقدوس مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة .

 

والله تعالى القدوس تسبحه وتنزهه الموجودات السماوية والارضية بما عندهم من نقائص الذي هو متممها مما فيها من نقيصه ولا حاجة الا والله مرجو في اتمامها وقضائها فهو المسبح المنزه من كل نقص وحاجة فله أن يحكم في نظام التكوين بين خلقه بما شاء وفي نظام التشريع في عبارة بما اراد .

 

وإذا حكم وشرّع بينهم دينا لم يكن ذلك منه لحاجة إلى تعبيدهم ونقص فيه يتممه بعبادتهم لانه قدوس منزه عن كل نقص وحاجة. ولمكانة التقديس الذي يتصف به الله والذي تفهمه الملائكة جيدا جاء استفسار واستهجان الملائكة حينما اخبرهم الله عن ارادته بخلق خليفة له على الارض.

 

فعندما رأت الملائكة أن هذا الخليفة يتصف بحرية الاختيار بين الخير والشر وعنده قابلية الشر وسفك الدماء جاء استهجان الملائكة واستغرابها.

 

 

1. مصباح الكفعمي ج1 ص368

إذ الخلافة وهي قيام شيء مقام آخر لا تتم الا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره واحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجود مسمى بالاسماء الحسنى متصف بالصفات العليا من أوصاف الجمال والكمال، منزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته والخليفة الآدمي بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود الالهي المقدس المنزه عن جميع النقائص.

 

فملخص  قول الملائكة أن جعل الخلافة انما هو لاجل أن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجود والترابية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد والشر والغاية من هذا الجعل وهي التسبيح والتقديس كما يفعله الملائكة. فنحن خلفاؤك أو فاجعلنا خلفاء لك، وبالتالي فما فائدة جعل هذه الخلافة الارضية لك؟ فرد الله سبحانه عليهم بقوله : اني اعلم ما لا تعلمون، اذ ان هذا الخليفة فيه من المقدرات والاهلية لان يقدس الله ما لم يقدسه ملك ويعبد الله عباده لا يطيقها ملك مقرب وبالتالي فإن الغاية من خلقه تتحقق بلا اشكال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السلام

 

 

 

 

الأصل في معنى السلام على ما ذكره الراغب في المفردات هو التعري عن الآفات الظاهرة والباطنة واليه يرجع معناه في جميع مشتقاته. والسلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة. والظاهر أن السلام والامن متقاربان معنى، وانما الفارق ان السلام هو الامن مأخوذا في نفسه، والامن هو السلام مضافا إلى ما يسلم منه يقال : هو في السلام ، وهو في أمن من كذا وكذا.

 

والسلام من أسمائه تعالى لان ذاته المتعالية نفس الخير الذي لا شر فيه، وتسمى الجنة دار السلام حيث لا شر فيها ولا ضرر على ساكنها. وقيل : انما سميت دار السلام لانها دار الله الذي هو السلام.والمآل   واحد في الحقيقة لانه تعالى انما سمي سلاما لبراءته من كل شر وسوء. ودار السلام، هناك حيث لا وجود ولا خبرعن مطاحنات واعتداءات مغيّري الحياة المادية ولا عن مضايقات المدخرين للثروات الجاهلين بالله الحمقاء، ولا حرب ولا اراقة دماء ولا استعمار ولا استثمار وكل هذه المفاهيم جمعت في كلمة دار السلام.

 

ولان الله هو السلام فهو يهدي إلى دار السلام قال الله تعالى: " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" ولان الله السلام عار عن الآفات الظاهرة والباطنة وهو الذي يعطي الامن الامان ولان على الانسان ان يتخلق باخلاق الله فان الله يهدي إلى سبل السلامة التي تشمل سلامة الفرد والمجتمع والروح والجسد والعائلة والسلامة الاخلاقية ، وكل هذه الآمور تدخل في الجانب العملي من العقيدة. ويهدي الله إلى نعمة النجاة من ظلمات الكفر والالحاد ويهدي إلى النور.

 

وبديهي أن هذه النعم لا يحظى بها الا من أسلم وجهه لله وخضع للحق بالعبودية والطاعة وكان مصداقا للعبارة القرآنية القائلة "من اتبع رضوانه" بينما لا يحظى المنافقون والمعاندون واعداء الحق بأي فائدة مطلقا كما تشير إلى ذلك آيات قرآنية عديدة.

 

وقد ورد عن الامام الباقر(ع) في رواية: سمعت أبا جعفر(ع) يقول في قول الله عز وجل "والله يدعو إلى دار السلام" فقال: ان السلام هو الله عز وجل وداره التي خلقها لاوليائه الجنة. ومن المعلوم ان صفة السلام وردت صريحا مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة الحشر في قوله: " لااله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن"

 

وتتميز هذه الصفة عن بقية الصفات انها مورد المراسلة بين رب العزة وأوليائه الصالحين من الانبياء وغيرهم من المعصومين. وفي هذا المجال نماذج كثيرة نكتفي بذكر مورد واحد مع سيدة نساء العالمين بعد وفاة الرسول(ص). "قال أبو جعفر(ع): ولما اراد الله تعالى ان ينزل عليها جبرائيل وميكائيل واسرافيل ان يحملوه(1) فينزل به عليها وذلك يوم الجمعة من الثلث الثاني من الليل فهبطوا به وهي قائمة تصلي فما زالوا قياما حتى قعدت. ولما فرغت من صلاتها سلموا عليها وقالوا" السلام يقرئك السلام ووضعوا المصحف في حجرها فقالت: لله السلام ومنه السلام واليه السلام وعليكم يارسل الله السلام ثم عرجوا الى السماء فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى اتت على آخره(2) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1.       مصحف فاطمة

2.       الطبري، دلائل الإمامة ص 29-30

المؤمن

 

 

 

 

اختلفت الاقوال في المراد من معنى هذا الاسم الكريم واهمها : أن المؤمن هو

1.     انه يصدق عباده وعده ويفي بما ضمنه لهم.

2.     انه يصدق ظنون عباده المؤمنين ولا يخيب آمالهم.

3.     أن المؤمن هو المصدق لرسله باظهار معجزاته على ايديهم

4.     عن الامام الصادق): سمي سبحانه مؤمنا لانه يؤمن عذابه من اطاعة

5.     في الصحاح : الله مؤمن لانه أمن عباده ظلمه

 

الا ان منطلق هذه الاقوال كلها ما في مادة هذا الاسم الكريم من معنى الايمان والامان . فالايمان في اللغة مصدر من فعلين احدهما من التصديق . قال تعالى: "وما انت بمؤمن لنا" (يوسف 17). أي بمصدق لنا.

والثاني: الامان الذي ضد الاضافة . قال الله تعالى: "وآمنهم من خوف" قريش 1 ومن المحققين في اللغة من قال: الايمان اصله في اللغة هذا المعنى الثاني. وأما التصديق فانما سمي ايمانا لان المتكلم يخاف ان يكذبه السامع، فاذا صدقه فقد ازال ذلك الخوف عنه.

 

فان فسرنا كونه تعالى مؤمنا بكونه مصدقا ففيه وجوه:

الاول: أنه اخبر عن وحدانية نفسه حيث قال: " شهد الله أنه لا اله الا هو" فكان هو الاخبار ، وهذا التصديق ايمانا.

الثاني: أنه صدق انبياءه باظهار المعجزعلى ايديهم ، فاظهار المعجزه من صفات الفعل ، ولكنه دل على أنه صدق الرسل بكلامه في ادعاء الرسل ولذلك قال: "محمد رسول الله " فكان هذا الاخبار والتصديق ايمانا.

الثالث: يصدق عباده ما وعدهم من الثواب في الآخرة والرزق في الدنيا. قال في الثواب "جزاؤهم عند ربهم جنات" (البينة . قال في الرزق " وما من دابة في الارض الا على الله رزقها" (هود 6)

الرابع: أنه قال في صفة المؤمنين " لا يحزنهم الفزع الاكبر" (الانبياء 103) فهو تعالى يصدق هذه الاخبار.

الخامس: أنه تعالى قال: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون" (الحجر 9) فهو يصدق هذا الوعد.

أما اذا حملنا كونه تعالى مؤمنا على انه تعالى يجعل عباده آمنين من المكروهات فهذا يمكن حمله على احوال الدنيا وعلى احوال الآخرة.

 

أما الدنيا، فان ازالة الخوف لا يعقل الا حيث حصل هناك خوف ، ولا خوف الا عند امكان العدم، ولا مزيل للعدم الا الله، فلا مزيل للخوف الا هو، ولا مؤمن الا هو. وبيانه ان الاعمى يخاف ان يناله الهلاك من حيث لا يرى، فعينه الباصرة تفيد الامن من الهلاك، والاقطع يخاف مالا يدفع الا باليد، فاليد السليمة أمان له وهكذا جميع الحواس والاطراف ، فخالق هذه الاعضاء والآلات هو الذي ازال الخوف عن الانسان بواسطة اعضاء هذه الاعضاء . والعبد الضعيف في أصل فطرته وهو عرضة للآفات ومنزل المخافات تارة من الآفات المتولدة في باطنه كالجوع والعطش وتارة خارجة كالحريق والغرق والاسر. فالذي خلق له الاغذية اللذيذة والادوية النافعة والالات الجالبة للمنافع والاعضاء الدافعة للمتاعب لا شك أنه هو الذي آمنه من هذه الآفات.

 

وأما أحوال الآخرة فهو الذي نصب الدلائل وقوى العقل وهدى الخاطر إلى معرفة توحيده وجعل هذه المعرفة حصنا حصينا وجنة واقية عن اصناف العذاب كما أخبر الرسول عن رب العزة أنه قال: " لا اله الا الله حصني، من دخل حصني أمن من عذابي " فقد ثبت يهذا التقدير أنه لا أمن في العالم الا من الله ، ولا راحة الا من الله فهو المؤمن المطلق حقا (1)

 

وهذه الاحتمالات الواردة في معنى المؤمن كلها واردة وتعطي انطباعا لا مثيل له وانطباعا رائعا للعبد لان علاقة العبد مع ربه علاقة المسحوق ارادته، ولا ارادة له امام ربه فلا يستطيع امامه امرا ولا يستطيع ان يغير شيئا امام ارادة الله، فمثل هذا الشعور ان لم يكن في عرضه شعور بالامان يستشعر معه الانسان الامن والصدق لما يعده الرب فسوف يعيش الانسان حالة القلق الغريب الذي يفقد فيه لذة العبادة والعشق لمربوبه.

 

اما مع هذه الصفة فان الانسان يعيش معه حالة التوازن بين الخوف والرجاء التي هي مطلوبة بقوة في علاقتنا مع الله. حتى ان العبد ان لم يتصف بهذا الامر ينتفي عنه صفة الايمان كليا ، ولعل هذا هو تماما مضمون ما روى عن الامام الصادق(ع): " لا تكون مؤمنا حتى تكون خائفا راجيا . ولا تكون خائفا راجيا حتى تكون عاملا لما تخاف وترجو"                                                                    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الله تبارك وتعالى

 

المهيمن

 

 

 

وردت صفة المهيمن في القرآن مرتين.

·        الأولى في سورة الحشر: لا اله الا هو الملك القدوس السلام المهيمن

·        الثانية في سورة المائدة في قوله تعالى: " وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه … "                              

 

والمهيمن: هو القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وارزاقهم(1) وقيل معنى المهيمن هو الشاهد، ومنه قوله تعالى "ومهيمنا عليه" أي شاهدا فهو تعالى الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل(2) وقيل هو الرقيب على الشيء والحافظ له. وقيل هو الامين. وذكر السيد الطبطبائي أنه الفائق المسيطر على شيء. وكلمة مهيمن تطلق في الاصل على كل شيء يحفظ ويراقب أو يؤتمن على شيء آخر ويصونه.

 

ولما كان القرآن الكريم يشرف في الحفاظ على الكتب السماوية السابقة وصيانتها من التحريف اشرافا كاملا ويكمل تلك الكتب لذلك اطلق عليه لفظ المهيمن حيث تقول الآية " وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه". فالقرآن بالاضافة إلى تصديقه الكتب السماوية السابقة اشتمل ايضا على دلائل تتطابق مع ما ورد في تلك الكتب فكان بذلك حافظا وصائنا لها.

 

ان الكتب السماوية جاءت كلها متناسقة في المبادىء والهدف الواحد الذي تبيى تربية الانسان والسمو به الى مراتب الكمال المعنوي والمادي على الرغم من الفوارق الموجودة بين هذه الكتب والتي تنبع من مقتضى التكامل التدريجي للانسان حيث ان كل شرعة جديدة ترتقي بالانسان الى مرحلة اسمى من مراحل الرقي والكمال الانساني وتشتمل على خطط وبرامج اكثر شمولا وتطورا والاتيان بعبارة "ومهيمنا عليه" بعد جملة "مصدقا لما بين يديه" يدل على هذه الحقيقة اي أن القرآن الكريم في الوقت الذي يصدق الكتب السابقة  في نفس الوقت ببرامج وخطط اكثر شمولا للحياة(3). فإذن المهيمن هو كون الله مسلطا على الشيء في الحفظ والمراقبة وأنواع التصرف.

 

ولما كان القرآن الكريم هو كلام الله فيكون حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كل شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية: يحفظ منها الاصول الثابته غير المتغيرة وينسخ منها ما ينبغي ان ينسخ من الفروع التي يمكن ان يتطرق اليها التغير والتبدل حتى يناسب حال الانسان بحسب سلوكه صراط الترقي

 

 

1.       مصباح الكعفمي ج1 ط369

2.       العدة والجواهري

3.       الأمثل ج4

والتكامل بمرور الزمن قال الله تعالى "ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" وقال "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها". فجملة "مهيمنا عليه" متممه لقوله "ومصدقا لما بين يديه من الكتاب" تتميم ايضاح اذ لولاها لامكن ان يتوهم من تصديق القرآن للتوراة والانجيل انه يصدق ما فيها من الشراءع والاحكام تصديق ابقاء من غير تعديل وتغيير لكن توصيفه بالهيمنة يبين ان تصديقه لها تصديق انها معارف وشرائع حقة من عند الله ولله ان يتصرف فيها بما يشاء وبالنسخ والتكميل كما يشير اليها قوله "ولو شاء الله لجعلكم امه واحدة ولكن ليبلوكم فيما اتاكم" .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العزيز

 

 

 

 

وهو القاهر المنيع الذي لا يغلب. ومنه قوله تعالى: "وعزني في الخطاب" اي غلبني في محاورة الكلام. وقولهم : من عز بز أي من غلب سلب. والعزيز ايضا الذي لا يعادله شيء والذي لا مثيل له ولا نظير(1).

 

وقال الامام الطبرسي: العزيز لغة الشديد. والعزيز من صفاته تعالى معناه الممتنع القادر الذي لا يتعذر عليه ما يريده والعزة امتناع الشيء بما لا يتعذر معه ما يحاول منه وهو على ثلاثة أوجه : امتناع الشيء بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة والثلاثة غير ممتنع عليه تعالى.

 

وقد وردت هذه الصفة في القرآن الكريم حوالي 94 مرة وتستعمل عادة لاظهار غنى الله وغلبته ولرفع التوهم الحاصل عند الجبارين والمعاندين. كما في قوله تعالى مثلا: " فان زللتم من بعدما جاءتكم البينات، والزلة هي العثرة والمعنى فان لم تدخلوا في السلم كافة وزللتم واتبعتم خطوات الشيطان فاعلموا ان الله عزيز غير مغلوب في أمره حكيم لا يتعدى عما تقتضي حكمته من القضاء في شأنكم فيقتضي فيكم ما تقتضي حكمته ويجريه فيكم من غير ان يمنع عنه مانع.

 

وكما في قوله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم".

فعلى الرجال ان يتذكروا دائما بأن الدرجة التي فضل الرجل بها على المرأة ناشئة من الميزة التي خلقها الله في الرجل من جهة أنه اليق في تحمل مسؤولية العائلة ولكن هذا ليس مدعاة لان يتسلط الرجل على زوجته أو على بناته لان المسؤولية تكليف وليست تشريفا حتى يفعل ما يشاء فاذا ما اساء التطبيق فليتذكر الرجل ان الله عزيز لا يغلبه مثل هذه التصرفات وليس عاجزا من ان ينتقم للمرأة بمقتضى حكمته ليأخذ حقها المقهور.

وكمصداق ثالث واخير لهذه الصفة ما ورد في سورة آل عمران في الآية الرابعة " ان الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام".

 

فالعزيز هو الذي يقهر ولا يقهر وحيثما وصف الله بهذه الصفة فهي بهذا المعنى اي لا يغلبه أحد وكل ارادة محكومة بارادته. ولكي يعرف الكفار ان هذا التهديد جاد تذكرهم الآية بان الله عزيز اي قاهر وما من احد يستطيع ان يقف بوجه تنفيذ تهديداته . انه في الوقت الذي يكون فيه غفورا رحيما ، فهو نحو الذين لا يستحقون الرحمة شديد العقاب. ان الانتقام غالبا في مفهومنا اليوم يعني لجوء شخص لا يستطيع ان يسامح الآخرين ويغفرلهم اخطاءهم إلى عمل مقابل قد يكون عنيفا لا يأخذ حتى مصلحته الخاصة بنظر الاعتبار. بديهي ان هذه الصفة مذمومة.

1. مصباح الكعفمي ج1 ط369

اذ ان على الانسان في كثير من الحالات ان يعفو ويغفر بدلا من ان ينتقم. غير ان الانتقام في اللغة ليس بهذا المعنى بل يعني انزال العقاب بالمجرم. ولا شك ان معاقبة المجرمين العصاة فضلا عن كونها ليست من الامور المذمومة فانه لا يجوز التهاون فيها لان هذا التهاون يمنع العدالة من تحقيق اهدافها.

 

وكما في قوله تعالى في سورة الحشر "يسبح لله ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم" أي الغالب غير المغلوب الذي فعله متقن لا مجازفة فيه فلا يعجزه فيما شرعه ودعا اليه معصية العاصين ولا مشاقة المعاندين ولا يضيع عنده طاعة المطيعين واجر المحسنين. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجبار

 

 

 

 

الجبار وهو العظيم الملك والسلطان فلا يوصف به على الاطلاق, اي من دون قرينة الا الله تعالى ، فان وصف به انسان كان ذما وان وصف به البارىء كان مدحا لان الجبر طلب علو المنزلة بما ليس له غاية في الوصف، والجبار هو من يذل من دونه ولا تناله يد. والجبار هو الذي يجبر الناس ويقهرهم والجبار هو المتسلط . ومنه " وما انت عليهم بجبار".

 

والجبار بمعنى المتكبر ومنه قوله تعالى "ولم يجعلني جبارا شقيا" والجبار القتال: ومنه "واذا بطشتم بطشتم جبارين". والجبار الطويل من النخل الذي لا تتناوله الايدي. وقد وردت هذه الصفة عشر مرات في القرآن الكريم منها مورد واحد يتصف به الله عز وجل في سورة الحشر " لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر"

 

وبقية الموارد وردت في صفة الناس واذا ما وصفت اناسا فكما ذكرنا فهي للذم اذا كان الانسان غير مؤمن أو لرفع ذم المؤمن.

فالمورد الاول مثل قوله تعالى: " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار"

والمورد الثاني كقوله تعالى عيسى) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا".

واذا اردنا ان نوازن بين صفة الجبار التي يتصف بها المولى عز وجل والجبار من الناس فلنأخذ آية الحشر مع الآية 58 من سورة هود في قوله تعالى: "وتلك عاد جحدوا بأيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا امر كل جبار عنيد".

 

فأي ذنب اعظم من هذه الذنوب: ترك الايات ومخالفة الانبياء وجعل الرقاب تحت طاعة كل جبار عنيد. والجبار هنا تطلق على من يضرب ويقتل ويدمر من منطلق الغضب ولا يتبع امر العقل. وبتعبير آخر هو من يجبر سواه على اتباعه ويريد ان يغطي نقصه بادعاء العظمة والتكبر الظاهري. والعنيد هو من يخالف الحق والحقيقة اكثر مما ينبغي ولا يرضخ للحق ابدا.

 

وهاتان الصفتان صفتان بارزتان في الطواغيت والمستكبرين في كل عصر وزمان ، الذين لا تكون آذانهم صاغية لكلام الحق ابدا، واي شخص خالفهم عذبوه وعاملوه بقساوة وشدة وبلا رحمة ودمروه وابادوه.

وهنا يرد سؤال وهو: اذا كان الجبار معناه كذلك فلماذا ذكرت هذه الصفة لله كما في سورة الحشر.

 

والجواب: ان " الجبار" جذره اللغوي في الاصل مشتق من الجبر ومعناه ازالة النقص ولكن الجبار سواء كان بالمعنى الأول أو الثاني فهو يستعمل بشكليه ، وقد يراد به الذم اذا كان الانسان يحاول تجاوز النقص الذي فيه باستعلائه على الغير وتكبره وبالادعاءات الخاطئة أو انه يحاول ان يجبر غيره على أن يكون تحت طاعته ورغبته فيكون الاخير ذليلا لامره.

 

ولكن قد تأتي كلمة " الجبار" من هذين الجذرين " الجبر " والجبران، وهي بمعنى المدح وتطلق على من يسد حاجات الناس ويرفع نقصانهم ويربط العظام المتكسرة أو ان تكون له قدره وافرة بحيث يكون الغير خاضعا لقدرته دون أن يظلم احدا أو ان يستغل قدرته ليسيء الاستفادة منها، ولذلك حين تكون كلمة الجبار بهذا المعنى فقد تقترن بصفات مدح اخرى كما نقرأ في سورة الحشر "لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار" وواضح ان الصفات كالقدوس والسلام والمؤمن المهيمن مثلا لا تنسجم مع الجبار بمعنى الظالم أو المتكبر بمعنى من يرى نفسه اكبر من غيره. وهذا التعبير يدل على أن المعنى المراد هنا من الجبار هو المعنى الثاني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المتكبر

 

 

 

 

من مادة تكبر وجاءت بمعنيين

الأول: استعملت صفة المدح وقد اطلقت على لفظ الجلالة وهو اتصافه بالعلو والعظمة والسمات الحسنة بصورة عامة.

والثاني: استعملت صفة الذم وهو ما يوصف به غير الله عزوجل حيث تطلق على الاشخاص صغار الشأن وقليلي الأهمية الذين يدّعون الشأن والمقام العالي وينعتون انفسهم بصفات غير موجودة فيهم.

 

ولان العظمة وصفات العلو والعزة لا تكون لائقة لغير مقام الله سبحانه لذا استعمل هذه المصطلح هنا بمعناه الايجابي حول الله سبحانه. ولان الله هو الكمال المطلق ولا يرتقي اليه احد كان من حقه ان يتصف بالمتكبر الذي لا يرقى لمقامه احد ولا يصل لعظمته مخلوق ومع ان الكل مفتقر اليه فلا يضن على احد فنشر رحمته على الجميع حتى ان اعناق ابليس تشرئب اليها وجاد على الجميع فاعطى الكافر والمؤمن، من هنا كان التكبر من صفاته الحميدة التي لم يمارس فيها الظلم والقهر رغم هيمنته على الجميع لانه انما يحتاج الى الظلم الضعيف.

 

وأما المتكبر اذا ما اسند الى الانسان فان الندم وارد عليه لا محالة ويكون مورد طلب الاستفادة من الله كما في قوله تعالى: " وقال موسى اني عزت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" . فيستفاد من قول موسى عليه السلام ان من تحل فيه صفتا التكبر وعدم الايمان بيوم الحساب فهو انسان خطر علينا ان نستعيذ بالله من شره وكيده اذ التكبر يصبح سببا لان لا يرى الانسان سوى نفسه وسوى افكاره فهو يعتبر كما في حال فرعون الآيات والمعجزات الالهية سحرا ويعتبر المصلحين مفسدين ، ونصيحة الاصدقاء والمقربين ضعفا في النفس.

 

وأما عدم الايمان بيوم الحساب فيجعل الانسان حرا طليقا في اعماله وبرامجه لا يفكر بالعواقب ولا يرى لنفسه حدودا يقف عندها وهو سيقوم بسبب انعدام الضوابط وفقدان الرقابة بمواجهة كل دعوة صالحة ويحارب الانبياء ولان هؤلاء يحاولون ان يرتدوا رداء الله بالباطل ويمارسون عقدهم النفسية على الاخرين بالظلم والقهر فيفسدون في الارض ويعيثون في الارض فسادا ويمارسون بسبب عقدهم الطغيان لانهم كذلك فقد توعدهم الله بالعقاب الاليم كما في قوله تعالى في سورة الزمر من الآية 60 " اليس في جهنم مثوى المتكبرين وفي الآية 72 من السورة نفسها قال الله تعالى: " قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين". 

 

الخالق- البارئ - المصور

 

 

 

 

وقع كلام بين المفسرين في ان هذه الصفات الثلاث هل هي الفاظ مترادفة لمعنى واحد وهو الخالق أو ان لكل صفة لحاظا معينا تختلف عن الصفة الثانية. ولقرب المعاني لبعضها فقد وقع لبس عند البعض في تحديد المعنى فمثلا حينما يفسر البعض " فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم" يفسر البارىء بالخالق اي توبوا الى خالقكم لان هذا الامر الالهي بالتوبة الشديدة على هذا النحو اي قتل الانفس فهذا الامر صادر عمن خلقكم وعمن هو اعرف بما يضركم وينفعكم.

 

ولكن في الواقع انه لا يعقل ان تكون هذه الالفاظ مترادفة خاصة وانها وردت في آية واحدة في سورة الحشر "هو الله الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى". فذكرها بالتتالي يظهر منه ان كل صفة لها لحاظ مختلف عن الصفة الاخرى.

 

فالبارىء من مادة (برأ) على وزن ( فعل) وهي في الاصل بمعنى التحرر والتحسن في الامور غير الحسنة. ولذا يقال (بارىء) للشخص الذي يوجد شيئا غير ناقص وموزون بصورة تامة. واخذه البعض- ايضا- من مادة (برى) على وزن (نفى) قط الخشب، حيث ينجز هذا العمل بقصد الموزونية. وصرح البعض من ائمة اللغة ايضا بان البارىء هو الذي يبدأ شيئا لم يكن له نظير في السابق.

 

وقال الغزالي وقد احسن في ذلك – قد يظن ان الخالق والبارىء والمصور الفاظ مترادفة وان الكل يرجع الى الخلق والاختراع وليس كذلك ، بل كل ما يخرج من العدم الى الوجود مفتقر الى تقديره اولا والى ايجاده على وقف التقدير ثانيا والى التصوير بعد الايجاد ثالثا، فالله تعالى خالق من حيث انه مقدر وبارىء من حيث انه مخترع موجد، ومصور من حيث انه مرتب صور المخترعات احسن ترتيب.

 

وهذا كالبناء مثلا فانه يحتاج الى مقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن ومساحة الارض وعدد الابنية وطولها وعرضها وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره ثم يحتاج الى بناء يتولى الاعمال التي عندها تحدث اصول الابنية ثم يحتاج الى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء. هذه هي العادة في التقدير في البناء والتصوير وليس في افعاله تعالى، بل هو المقدر والموجد والصانع فهو الخالق والبارىء والمصور

 فاذن الخالق هو الموجد للاشياء عن تقدير والبارىء المنشىء للاشياء ممتازا بعضها من بعض.

 

والمصور هو المعطي لها صورا يمتاز بها بعضها من بعض والاسماء الثلاثة تتضمن معنى الايجاد باعتبارات مختلفة وبينها ترتب فالتصوير فرع البرء والبرء فرع الخلق.

ولعله لاجل هذا التمايز في المعنى عبر الله تعالى في الآية السابقة بالبارىء دون الخالق فقال " فتوبوا الى بارئكم" ولم يقل فتوبوا الى خالقكم" لان البارىء قريب المعنى من الخالق والموجد، فالبارىء من برأ يبرأ براءا اذا فصل، لانه يفصل الخلق من العدم، أو الانسان من الارض فكأنه تعالى يقول: هذه التوبة وقتلكم انفسكم وان كان اشق ما يكون من الاوامر لكن الله الذي امركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الذي برأكم، فالذي احب وجودكم وهو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم، وكيف لا يحب خيركم وقد برأكم. فاختيار لفظ البارىء باضافة اليهم في قوله: "الى بارئكم"، وقوله" عند بارئكم" الاشعار بالاختصاص لاثاره المحبه(1)

 

والملفت للنظر ان الآيات 22، 23، 24 من سورة الحشر قد جمعت ستة عشر صفة والملفت ايضا ان الله عز وجل قد صدر الآية 22 و 23 بقوله "الذي لا اله الا هو" فقال: "هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الحيم" * هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون" بينما في الآية 23 لم يصدرها " بالذي لا اله الا هو" بل قال مباشرة "هو الله الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى".

 

لان الاسماء الكريمة المذكورة في الآيتين السابقتين وهي احد عشر اسما من لوازم الربوبية ومالكية التدبير التي تتفرغ عليها الالوهية والممعبودية وهي على نحو الاصالة والاستقلال لله سبحانه وحده لا شريك له في ذلك، فاتصافه تعالى وحده بها يستوجب اختصاص الالوهية واستحقاق المعبودية به تعالى ولذلك صدر الآيتين بقوله "هو الله الذي لا اله الا هو" . فهذه الاسماء بمنزلة التعليل والشهادة هو الرحمن الرحيم، ولذا ذيل هذه الاسماء بقوله ثناء عليه " سبحان الله عما يشركون" ردا على القول بالشركاء كما بقوله المشركون.

 

ولكن في الآية 24 لم يصدرها "بالذي لا اله الا هو" بل قال مباشرة "هو الله الخالق البارىء المصور" لان هذه الاسماء تفيذ معنى الخلق والايجاد واختصاص ذلك به تعالى لا يستوجب اختصاص الالوهية به كما يدل عليه ان الوثنيين قائلون باختصاص الخلق والايجاد به تعالى وهم مع ذلك يدعون من دونه اربابا وآلهة ويثبتون له شركاء.

 

 

 

 

 

 

 

1. الميزان ج 1 – ص 189

الغفار - الغفور

 

 

 

 

وهما لغة من ابنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عبارة المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم يقال: اللهم اغفر لنا مغفرة وغفرا وغفرانا وانك انت الغفور الغفار يا أهل المغفرة. واصل الغفر التغطية والستر فغفر الله ذنوبه اي سترها(1) ومعناهما الذي تكثر منه المغفرة اي يغفر الذنوب ويتجاوز عن العقوبة.

 

وهاتان الصفتان تعنيان في الاصل لبس الانسان لشيء بقية من التلوث وعندما تستعملان بشأن البارىء عز وجل فانها تعني ستره لعيوب وذنوب عبارة النادمين وحفظهم من عذابه وجزائه. وهاتان من صفات الرحمة التي كتب الله على نفسه "كتب الله على نفسه الرحمة" وهذه من الامور التي تجعل الانسان ينجذب نحو الله بصفته الغفور الغفار الذي مهما فعل الانسان من ذنوب خاصة وان ابن آدم خطاء وكثيرا ما يقع الانسان فريسة لوساوس الشيطان الذي  يتربص به الدوائر بقوله: " رب بما اغويتني لازيتن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين الاعبادك منهم المخلصين" " لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين" "وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم" " كمثل الشيطان ان قال للانسان اكفر فلما كفرقال اني برىء منك اني اخاف الله رب العالمين"

 

امام هذا الامر فان الانسان لقابليته للخير والشر اللذين اودعهما الله في الانسان وابتلاه بهما ليشكر او يكفر فان الانسان كثيرا ما يقع في الذنوب فلو كان الله لا يغفر ذنوب عباده فان اليأس سيصيب الانسان ويجعله في احضان ابليس ليكون من جنوده واعوانه ولكن الله فتح باب المغفرة بشرط ان يعود الانسان عن غيه وضلاله ويتوب ويعمل صالحا ويهتدي عندها سيغفر الله ذنوبه . ولان الانسان عندما يستغفر الله ويتوب ثم يعود الى الذنب من جديد فسيشعر بان مثل هذا الامر يحرمه من غفران الله فيعبر الله عن نفسه بصفة الغفار والغفور اي المبالغة في الغفران أي انه كثير الغفران فكلما اذنب العبد وتاب توبة نصوحة فانه سيجد الله غفورا غفارا لذنوبه، المهم ان لا يستسلم ليأسه لانه لا ييأس من رحمة الله الا القوم الكافرون.

 

وهذا المبدأ اي مبدأ الذنب الذي مقتضاه الرجاء   يجب ان يقابل بمبدأ الخوف ليكون هناك التوازن في شخصية الانسان حتى لا يطغى وهذا ما تخبرنا عنه الآية الكريمة " كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي، ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى*

 

 

1. لسان العرب ج5 – ص3273

 

واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى". فعندما يحل غضب الله على شخص فمعناه الخسران المهين والهوي في الاصل بمعنى السقوط من المكان المرتفع والذي تكون نتيجته الهلاك عادة ، اضافة الى انه هنا اشارة الى السقوط الرتبي والبعد عن قرب الله والطرد من رحمته.

 

ولما كان ينبغي ان يقترن التحذير والتهديد بالترغيب والبشارة، لتتساوى كفتا الخوف والرجاء واللتان تشكلان العامل الاساسي في تكامل الانسان ، ولتفتح ابواب التوبة والرجوع بوجه التائبين فقد قالت الآية التالية " واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى" فهناك كلمة واني لغفار توحي بأن الله سبحانه لا يقبل هؤلاء التائبين ويشملهم برحمته مرة واحدة فقط بل سيعمهم عفوه ورحمته مرات ومرات ولكن بشروط ذكرها الله وهي التوبة والايمان والعمل الصالح ان يواظب على خط الهدى والتقوى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القهار

 

 

 

 

وهو من ابنية المبالغة وهو الذي قهر الجبابرة وقهر كل مخلوقاته بالموت والفناء وقهرهم بما يريد من سنة سنها في خلقهم ليجروا تحت ارادته ففي الامور التكوينية يخضع جميع المخلوقات لارادته وليس لهم اي ارادة امام ارادته " انما أمره ان يقول للشيء كن فيكون" واما في الامور التشريعية فلم يقهر عباده على شيء انما قد هدى الانسان النجدين اما شاكرا واما كفورا وقد بين هذه الحقيقة بقوله "لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال الله تعالى : " قل انما انا منذر وما من اله الا الله الواحد القهار* رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار".

 

فصحيح ان رسول الله(ص) بشير للعالمين وأن القرآن الكريم ينطبق بالمعنيين اي الانذار والبشرى، ولان البشرى تخص المؤمنين فان الانذار يخص المشركين والمفسدين. والحديث هنا في هذه الآية يخص المجموعة الاخيرة واعتمد فيه على الانذار فلذلك يعقب الله بعد قوله " قل انما انا نذير" يعقب بـ" وما من اله الا الله الواحد القهار" فكلمة القهار وردت في هذه العبارة كي لا يغتر احد بلطف الله ويظن انه يعيش في مأمن من قهر الله ولكي لا يغرق في مستنقع الكفر وارتكاب الذنب. ويضيف الله " رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار"

 

وفي الواقع هناك ثلاث صفات من صفات الباري عز وجل ذكرت في هذه الآية وكل واحدة منها جاءت لاثبات مفهوم ما.

-         الاول قضية ربوبيته لعالم الوجود، مالكيته لكل هذا العالم، المالك المدبر لشؤون عالم الوجود فهو الوحيد الذي يستحق العبارة وان الاصنام لا تمتلك من زمام امورها شيئا ولو بمقدار ذرة.

 

-         والصفة الثانية: (عزته) وكما هو المعروف فان كلمة العزيز تطلق في اللغة على من لا يغلب، وعلى من كان بامكانه فعل ما يشاء وبعبارة اخرى الغالب الذي لا يمكن لاحد التغلب عليه. فمن يمتلك مثل هذه القدرة كيف يمكن القرار من قبض قدرته؟ وكيف يمكن النجاة من عذاه.

 

-         الصفة الثالثة هي (غفار) وكثير الرحمة بحيث ان ابواب رحمته مفتوحة امام المذنبين وسحب رحمته تنزل الرحمة عليهم كي لا يتصوروا ان كلمتي (القهار والعزيز) تعطيان مفهوم غلق ابواب الرحمة والتوبة امام عباده، اذ ان احداهما جاءت لبيان الخوف والثانية لبيان الرجاء وانعدام حالة التوازن بين الحالتين السابقتين اي الخوف والرجاء يؤدي الى عدم تكامل الانسان وابتلائه بالضرورة والغفلة اذا ما استحضر في نفسه دائما                                                                                                                                                 

 

ان الله غفور كريم فيقع في التساهل والتسامح ويصل به الامر الى ان يصبح انسانا عديم المسؤوليه مستهتر يستحل حرم الله ممنيا نفسه برحمة الله وغفران واذا ما استحضر في نفسه بان الله قهار عزيز وانه شديد العقاب فسيصيبه اليأس من رحمة الله والقنوت من غفرانه وبالتالي يغرق في دوامة اليأس وفقدان الامل.

 

وبعبارة اخرى فان وصف الباري عز وجل بـ ( العزيز ) و(الغفار) لهو دليل آخر على توحده تعالى في الالوهية لانه الوحيد الذي يستحق العبادة والطاعة واضافة الى ربوبيته فانه يمتلك القدرة على المعاقبة واضافة الى امتلاكه القدرة على المعاقبة فان ابواب رحمته ومغفرته مفتوحة للجميع.

 

وبالتالي فان الله عز وجل (غفار) في اوج عزته وقدرته وهو (قهار) في اوج رحمته وغفرانه. والهدف من ذكر هاتين الصفتين هو ايجاد حالة من الخوف والرجاء عند العباد وهما عاملان رئيسيان وراء كل تحرك نحو الكمال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوهاب

 

 

 

 

ذكر ابن منظور في لسان العربان الهبة هي العطية الخالية من الاعواض والاغراض فاذا كثرت سمي صاحبها وهابا وهو من ابنية المبالغة. غيره: الوهاب من صفات الله المنعم على العباد ، والله تعالى الوهاب الواهب. وذكر صاحب كتاب العدة ان الوهاب الكثير الهبة والمفضال في العطية.

 

وذكر صاحب كتاب القواعد ان الوهاب المعطي كل ما يحتاج اليه لكل من يحتاج اليد والوهب من شؤون الخالق الرزاق لانه بعد ان خلق الخلق والمخلوقات مفتقرة اليه في كل شيء بلا استثناء، وجودها مفتقرة اليه، رزقها مفتقرة اليه تدبير امورها مفتقرة اليه، حركاتها وسكناتها مفتقرة اليه ومتى لم يهبها الله ذلك فانها الى فناء واندثار لذلك فان الوهب حاجة المخلوق الى خالقه والله الغني الذي لا يضن على عباده شيئا مما فيه صلاح امورهم وحاجتهم التي يحتاجونها ليمارسوا دورهم في الحياة التي رسمها الله لهم، لذلك ترى الله يفيض في عطاياه للمؤمن والفاسق والكافر والملحد، للعاقل وغير العاقل فهو يعطي ويهب بلا حساب وبلا مقابل ومن يعطي العطايا من غير منة ولا عوض ولا غرض له من العطية فهو الوهاب.

 

ولا يعني في المقام ان الهبة من الله مكرمة لنا ورضا من الله علينا شأن الانسان الذي يهب لك هبة لحب، فعادة من يهب لك هبة انما يهبها لعلاقة حميمة بينك وبينه يترجم هذه العلاقة الحميمة بهدية أو هبة لتتكرس هذه العلاقة وتمتن.

 

أما عطايا الله فلا تفسر كذلك لما ذكرنا من ان عطايا الله انما تكون لمصلحة المخلوق في استمرار حياته وممارسة دورة، فقد تكون نتيجة الاعطاء وبالا كما في قوله تعالى ردا على من يظن بان الظالمين مفضلون في العطاء عند الله وبالتالي فهم المكرمون "ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين" وقد تكون نتيجة العطاء قمة في الخير كما في الانبياء "ووهبنا اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب" ولذلك فلا يجب ان تغرنا عطايا الله ووهبته بل يجب علينا ان نتوجه الى الله لنطلب منه خير الهبة كما في قوله تعالى "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب".

 

وقد استنكر الله على الذين يتدخلون في شؤون الخلق ويضنون عليهم في التسليم بالامر الذي قسمه الله لعباده. كما في قوله تعالى "اءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري، بل يذوقوا عذاب* ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب". حيث قد تحدثت الآيات السابقة عن هاتين الآيتين عن المواقف السلبية التي اتخذها المعارضون لنهج التوحيد ولرسالة الرسول الاكرم(ص) وهنا يواصل الله الحديث عن مشركي قريش، فبعدما احس المشركون ان مصالحهم اللامشروعة باتت في خطر واثر تزايد اشتعال نيران الحسد والحقد في قلوبهم ومن اجل خداع الناس واقناع انفسهم عمدوا الى مختلف الادعاءات بمنطق زائف لمحاربة رسول الله(ص) ومنها سؤالهم بتعجب وانكار "انزل عليه الذكر من بيننا" فقد حاولواان يضنوا ويرفضوا التسليم بهبة الله لنبوة محمد بقولهم الم يجد الله شخصا آخر لينزل عليه قرآنه وغير محمد اليتيم خاصة وان فينا الكثير من الشيبة وكبار السن الاثرياء المعروفين.

 

هذا المنطق لم يكن منحصرا بذلك الزمن فقط وانما يتعداه، الى كل عصر وزمان، فان تولى شخص مسؤولية مهمة طفحت قلوب الاخرين بالغيظ والحسد. ولذلك يضيف القرآن الكريم في الرد عليهم أهم يمتلكون خزائن رحمة ربك القادر الوهاب؟  كي يهبوا لمن يرغبون فيه لكي يتصدى لامر النبوة ويمنعونها عمن لا يرغبون فيه؟  "ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب".

 

فالله سبحانه بمقتض كونه(رب) هذا الكون ومالكه وبارىء عالم الوجود وعالم الانسانية ينتخب لتحمل رسالته شخصا يستطيع قيادة الامه الى طريق التكامل والتربية وبمقتض كونه (عزيزا) فانه لايقع تحت تأثير اي احد كي يسلم مقام الرسالة الى اشخاص غير لائقين بتسلمها، فمقام النبوة عظيم والله سبحانه وتعالى هو الوحيد صاحب القرار في منحه ولكونه ( الوهاب) الحكيم فانه ينفذ اي شيء يريده ويمنح مقان النبوة لكل من يرى فيه القدرة على تحمله وبالتالي ليس عند المشركين شيء من خزائن رحمة الله لانه عزيز منيع جانبه لا يداخل احد في امره ولا لهم ان يصرفوا رحمته عن احد لانه وهاب كثير الهبات.

 

ولاجل هذا الاستنكار من الله على المشركين الذين لا يسلّمون بوهب الله ويضنون فيه على الاخرين مع انهم لا يملكون هذه العطايا فكيف اذا كانوا يملكونهم فانهم سيضنون بالهواء. لاجل ذلك فان المؤمن لا يضن ولا يعترض ولا يحسد ولايبخل في هذه الامور.

 

وهنا يطرح في المقام سؤال حول قول الله عز وجل حكاية عن سليمان(ع): " قال رب اغفرلي وهب لي ملكا لا يبنغي لاحد من بعدي انك انت الوهاب". والسؤال هو: "هل يستشف البخل من طلب سليمان(ع) ؟.

والجواب الذي يبدو اكثر تناسبا ومنطقية هو ان سليمان طلب من الباري عز وجل ان يهب له ملكا مع معجزات خاصة كي يتميز ملكه عن بقية الممالك لاننا نعرف ان لكل نبي معجزة خاصة به، فموسى(ع) معجزته الخاصة العصا واليد البيضاء وابراهيم(ع) معجزته برد النار التي القي فيها وانطفاؤها ومعجزة صالح(ع) الناقة الخاصة به ومعجزة عيسى ابراء الاكمة واحياء الموتى باذن الله ومعجزة نبينا(ص) القرآن الكريم وسليمان كان ملكه مقترنا بالمعجزات الالهية كتسخير الرياح والشياطين له مع مميزات اخرى.

 

وهذا الامر لا يعد عيبا او نقصا بالنسبة للأنبياء الذين يطلبون من الله ان يؤيدهم بمعجزة خاصة ، كي يبرهنوا للناس على صدق نبوتهم ، ولهذا فلا يوجد اي مانع في ان يطلب الاخرون ملكا اوسع واكبر من ملك سليمان ولكن لا تتوفر فيه الخصائص التي اعطيت لسيمان.

 

ومن هنا يتضح الجواب ايضا عن السؤال الثاني وهو: هل ملك المهدي اعظم او لا؟ فمن المعلوم ان ملك الامام الحجة(عج) سيكون ملكا عظيما وبالنتيجة سيكون اوسع من ملك سليمان لان ملك المهدي(عج) مع سعته وخصائصه التي تميزه عن بقية الممالك فانه يبقى من حيث الخصائص مختلفا من ملك سليمان وملك سليمان يبقى خاصا به.

 

وخلاصة الكلام ان الحديث لم يختص بزيادة ونقصان وتوسعة ملكه وطلب الاختصاص به وانما اختص الحديث بكمال النبوة والذي يتم بوجود معجزات خصوصية لتميزه عن نبوة الانبياء الاخرين وسليمان كان طلبه منحصرا في هذا المجال.وقد لخص السيد الطبطبائي في ميزانه الجواب عن هذا السؤال بقوله " وربما استشكل في قوله : " وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي" ان فيه ضنا وبخلا، فان فيه اشتراط ان لا يؤتى مثل ما اوتيه من الملك لاحد من العالمين غيره.

 

ويدفعه ان فيه سؤال ملك يختص به لا سؤال ان يمنع غيره عن مثل ما اتاه ويحرمه ، ففرق بين ان يسأل ملكا اختصاصيا وان يسأل الاختصاص بملك اوتيه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرزاق

 

 

 

 

نفس ما يقال في صفة الوهاب يقال هنا من ان الرزق من شؤون الخالق لان المخلوقات مفتقرة اليه في وجودها غاية الامر ان صفة الوهاب اشمل من صفة الرزاق لان الوهب يكون في كل شيء والرزق عادة يكون في الامور المعيشية من طعام وشراب وحاجيات تتعلق في بقاء النفس على قيد الحياة. ولعل معظم او كل الآيات الواردة حول الرزق بهذا المعنى كما في قوله تعالى " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه الانباتكما  بتأويله"(1)           

" كلوا واشربوا من رزق الله"(2) " فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه" (3) "وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم" (4) "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (5)

 

والرزاق صفة مبالغة من الرازق وهو الذي يرزق كثيرا وكثيرا جدا من غير حساب للكافر والمؤمن فهو الذي يرزق ولا يرزق لكونه غنيا ولذلك يصرح الله في كتابه "وما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون ان الله هو الرزاق" فهذه الآية تشير وتصرخ بقوة الى غنى الله عن كل احد وعن كل شيء واذا ما دعا العباد الى عبادته فليس ذلك ليستفيد منهم بل يريد ان يجود عليهم، وهذا على العكس من العبودية بين الناس لانهم ينتخبون الرق والعبيد ليحصلوا بهم الرزق او المعاش او ان يخدموهم في البيت فيقدموا لهم الطعام والشراب وفي كلتا الحالتين فانما يعود نفعهم على مالكيهم، وهذا الامر ناشىء عن احتياج الانسان الا ان جميع هذه المسائل لا معنى لها في شان الله اذ ليس غنيا عن عباده فحسب بل هو يضمن لعباده الرزق بلطفه وكرمه ورزق الجميع على الله ولا فائدة ولا هدف من الله يعود اليه من خلقه ورزقه للانسان انما الهدف والاستفاده تعود على نفس الانسان بتكامله ورقيه.

 

وليس معنى ان الله رزاق كثير الرزق ان يعطي كل الناس بسواسيه لان في ذلك مخالفة للحكمة والله تعالى حكيم في افعاله يجري الطبيعة بتوازن عجيب ليبقى الكون على الجادة الوسطى لا انحراف فيه ويعبر الله عن هذه الحقيقة الرائعة بقوله "والارض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شيء موزون  وجعلنا لكم فيها من معايش ومن لستم له برازقين وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم" فما اجمل كلمة موزون وابلغها فانها تشير بذلك الى الحساب الدقيق والنظام العجيب والتناسق في التقدير في جميع شؤون النباتات، وكل اجزائها تخضع لحساب معين لا يقبل التخلخل من الساق، الغصن، الورقة، الوردة، وحتى الثمرة.

 

 

1. يوسف 37                     3. الكهف 19                                5. البقرة 233

2. البقرة 60                      4. البقرة 22

يتنوع على وجه الارض مئات الالاف من النباتات، وكل تحمل خواصا معينا ولها من الاثار ما يميزها عن غيرها. وقد ذهب  البعض الى المقصود من الانبات ايضا هو المعادن اذ قد وردت في بعض الروايات بهذا المعنى ففي رواية عن الامام الباقرع) عندما سئل عن هذه الآية قال: " ان الله تبارك وتعالى انبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر ... وسائر الفلذات".

 

وهناك من ذهب الى ان المقصود من الانبات في الآية ما هو اوسع ليشمل جميع المخلوقات على هذه الارض، كما يشير الى ذلك نوح) "والله انبتكم من الارض نباتا" وبما ان وسائل وعوامل حياة الانسان غير منحصرة بالنبات والمعادن فقط تشير الآية الى جميع المواهب بقوله " وجعلنا لكم فيها معايش" ليس لكم فقط بل لجميع الكائنات الحية حتى الخارجة عن مسؤوليتكم "ومن لستم له برازقين" .

 

وآخر الآية تشير الى سؤال طالما تردد على اذهان كثير من الناس وهو: " لماذا لم تهيأ النعم والارزاق بما لا يحتاج الى سعي وكدح" . فتنطق الحكمة الالهية جوابا " وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم" فليست قدرتنا محددة حتى نخاف نفاد ما نملك وانما منبع ومخزن واصل كل شيء تحت ايدينا وليس من الصعب علينا خلق اي شيء وباي وقت ولكن الحكمة اقتضت ان يكون كل شيء في هذا الوجود خاضعا لحساب دقيق حتى الارزاق انما تنزل اليكم بقدر والى ذلك تشير الآية الكريمة "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء".

 

ان السعي والكدح في صراع الحياة يضفي على حركة الانسان الحيوية والنشاط وهو بقدر ما يعتبر وسيلة سليمة ومشروعة لتشغيل العقول وتحريك الابدان، فانه يطرد الكسل ويمنع العجز ويحي القلب للتحرك بين الاخرين واذا ما جعلت الارزاق تحت اختيار الانسان بما يرغب هو لا حسب التقدير الرباني فهل يستطيع احد ان يتمكن بما سيؤول اليه مصير البشرية؟

 

اذ يكفي لحفنة ضئيلة من العاطلين، ذوي البطون المنتفخة، وبدون اي وازع انضباطي، يكفيهم لان يعيثوا في الارض الفساد لان الناس ليسوا كالملائكة بل هناك الاهواء التي تلعب بالقلوب والمغريات التي تؤدي الى الانحراف. لقد اقتضت الحكمة الربانية ان يكون الانسان حاملا لجميع الصفات الحسنة والسيئة ويمتحن على هذه الارض بما يحمل، وبماذا يعمل، وعن ماذا يتجاوز؟ والسعي والحركة لما هو مشروع، المجال الامثل للامتحان.

 

والفقر والغنى من البلاء الذي يدخل ضمن مخطط التمحيص والامتحان، فكما ان الفقر والعوز قد يجران الانسان نحو هاوية السقوط في مهالك الانحراف فكذلك الغنى في كثير من حالاته يكون منشأ للفساد والطغيان.

على انه لو بسط الله الرزق لعباده لتعطلت دورة الحياة فالجميع يصبحون اغنياء فيتأفف البعض ان يعمل في عمل معين فيتعطل هذه العمل ويتأفف البعض الاخر عن عمل آخر فيتعطل ذلك العمل وهكذا فتتعطل دورة الحياة ويعيث الناس في الارض الفساد. فلذلك مقتضى كون الله الرازق حكيما ان ينزل بقدر ما يشاء حتى تسير الامور بشكل منتظم ولذلك قال الله " وان من شيء الا عندنا خزائنه "فهو ليس فقيرا او عاجزا ولكن وما تنزله الا بقدر معلوم".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفتاح

 

 

 

 

لفظة الفتح كما يشير الراغب في مفرداته ازالة الاغلاق والاشكال. وذلك ضربان:

-         احدهما يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه وكفتح القفل والغلق والمتاع.

-         والثاني يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهوازالة الغم وذلك ضروب:

-         احدهما في الامور الدنيوية كغم يفرج وفقر يزال باعطاء المال ونحوه

-         وثانيها فتح المستغلق من العلوم ... الى ان يقول : وفتح القضية فتاحا فصل الامر فيها وازال الاغلاق "

 

والفتاح صيغة مبالغة من الفتح اي انه كثير الفتح هو الفصل في الامور فالله تعالى هو الذي يفصل بين الحق والباطل كما في قوله تعالى: " قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم". فبعد ان يبين الله ووينبه في الآيات السابقة على هذه الآية الى ان احد الفريقين على الحق والاخر على الباطل والى ان كلا منهما مسؤول عن أعماله ينتقل الله الى توضيح كيفية التحقق من وضع الجميع والتفريق بين الحق والباطل ومجازاة كل فريق طبق مسؤوليته فيقول "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق" فاذا كنتم ترون انكم مخلوطون بعضكم ببعض وكلا يدعي بانه على الحق وبانه من اهل النجاة فان هذا الوضع لن يدوم الى الابد ولا بد ان ياتي يوم التفريق بين الصفوف، فربوبية الله اقتضت فصل الطيب من الخبيث والخالص من المشوب والحق عن الباطل في النهاية. ويستقر كل منهما في مكانه اللائق.

 

ثم يعقب الله بقوله: "وهوالفتاح العليم" وهذان الاسمان احدهما يشير الى قدرة الله تعالى على فصل الصفوف والاخرى كلمة اللامتناهي . اذ ان عملية التفريق بين صفوف الحق والباطل لا يمكن تحققها بدون هاتين الصفتين واستخدام كلمة الرب في الآية اعلاه اشارة الى ان الله هو المالك للجميع وذلك مما يقتضي ان يكون برنامج مثل ذلك اليوم معدا وفي الحقيقة هي اشارة لطيفة الى احدى احدى دلائل المعاد. والفتح بشارة الله لعباده المؤمنين سواء كان في الحياة الدنيا ليفصل بين المؤمنين واعدائهم ام في الاخرة ليعطي المؤمنين حقوقهم من الذين اغتصبوها او من الذين ظلموهم.

 

وكمصداق للبشارة في الحياة الدنيا قوله تعالى: "انا فتحنا لك فتحا بينا فهذه الآية تبشر الرسول(ص) ببشرى عظيمة هي عند الرسول طبقا لبعض الروايات احب اليه من الدنيا وما فيها. فهو فتح تظهر آثاره في حياة المسلمين في فترة وجيزة وفي فترة مديده وذلك في انتشار الاسلام، فتحا يقل نظيره او ينعدم نظيره في طول تاريخ الاسلام وعلى امتداده.

واكثر المفسرين يرون ان هذه البشارة كان المقصود منها صلح الحديبية، ذلك ان صلح الحديبية كان مقدمة لفتح مكة وسائر الفتوحات الاخرى. وكمصداق للفتح الاخروي دعاء شعيب(ع) " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين"(1) اي يارب احكم بيننا وبين هؤلاء بالحق وارفع المشاكل التي بيننا وبينهم وافتح علينا ابواب رحمتك فانت خير الفاتحين.

 

وكما يكون الفتح بشرى للمؤمنين يكون ايضا عطاءا بغير حساب معروف بالحكمة التي لا تنفك عن افعال الله قال الله تعالى "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم"

 

والخلاصة ان تمام خزائن الرحمة عنده وهو يشمل بها كل من يراه اهلا لها ويفتح ابوابها حيثما اقتضت الحكمة ولن يستطيع الناس ان يغلقوا ما فتح ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا او ان يفتحوا بابا اغلقه سبحانه وتعالى.

 

واستعمال صفتي العزيز والحكيم لتوضيح قدرة الله سبحانه وتعالى على ارسال وامساك الرحمة ، وفي عين الحال هو اشارة الى ان الفتح والاغلاق في اي وقت شاء تعالى انما هو على اساس الحكمة لان قدرة الباري وحكمته ممتزجان فالله بمقتضى كونه عزيزا يفعل مايشاء من دون ان يؤثر عليه احد ولا يخاف من احد وبمقتضى كونه حكيما لاتأخذه السلطة بظلم  بل انما يفعل ما يشاء بحكمة عالية وفق قوانين قد سنها الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الأعراف 89

العليم - العلام

 

 

 

 

العالم بالسرائر والخفيات وتفاصيل المعلومات قبل حدوثها وبعد وجودها. والعليم والعلام صيغة مبالغة من العالم، وعلى هذا فانها تفيد بانه كثير العلم يحيط بالمعلوم باشمل الاحاطة فلا يعزب عنه شيء الا ويعلمة بادق التفاصيل ذلك ان الله تعالى هو الذي خلق المخلوقات كلها، فخلق السماوات والارض وما فيها وما بينها، ومن يخلق شيئا فهو به محيط، يدرك كل تفاصيله ويدرك ما ينفعه وما يضره، يدرك المصلحة والمفسدة فيه، فلذلك له وحده الامر وهو صاحب الحق في تقرير مصير الاشياء لانه عندما يحكم على الشيء يحكم عليه بالحكم الواقعي الذي ليس فيه خطأ ولا نسيان ولا مصلحة له في الاشياء ليتهم عليها.

 

وعلى هذا فان الانسان في مسيرته مع الله ليس للآخرين ان يقرروا مصيره سواء في البرلمانات ام في الفرضيات الفلسفية لانها ناتجة عن قصور في الرؤية التي كثيرا ما تكون خاضعة لرغبات ونزوات ومصالح من يشرع القوانين.

 

ثم ان من يخترع مثلا التلفزيون فانه اقدر على تشخيص ما ينفعه وما يضره وعلى جهاز السلامة فيه ونحو ذلك فلذلك نراه يعطي التعليمات التي تتلاءم مع طبيعة التلفزيون مثلا، وهذا الامر بتمامه يجري مع الله فالله عز وجل يدري ما ينفع الانسان واقعا وما يضره واقعا. ومن منطلق هذا العلم فانه يشرع له القوانين والاحكام الشرعية التي يلزمه او يحرم عليه لمصلحة نفس الانسان، ومن نفس المنطلق فان الله عزوجل يسن السنن الكونية التي تتلاءم مع مصلحة الكون ويضع لها قوانين ثابته غير متغيرة لانها تنطلق من نظرته الشمولية فهو يدري سرها الكامل ولا يغيب عن علمه شيء فلذلك يعطيها حكما ثابتا وهو المعبر عنها بالسنن الالهية التي لن يجد لها تبديلا ولا تحويلا " ولن تجد لسنه الله تحويلا" (1) " ولن تجد لسنة الله تبديلا"(2) ومن هذه النظرة الشمولية علم الله بالماضي والحاضر والمستقبل فعندما ننسب اليه مثل ذلك الامر لا ينبغي ان يكون مستغربا ذلك ان الله هو خالق الزمن فهو فوق الزمن ولا يحيطه الزمن فهو لا يّزمن بزمن ولا يؤطر بمكان لانه هو خالق الازمان والمكان وانما يكون الماضي والحاضر والمستقبل للمخلوق الذي لا يخلو من احد هذه الامور.

 

وكتوضيح لعلم الله بالازمنة: لو كان هناك انسان جالس امام شرفة بيته فاذا مر من امامه شخص فطالما الشخص منظور له فزمانه حالي اي زمن حاضر، فاذا ما غاب عنه يصبح الزمن ماضيا واما الانسان الذي لم يمر بعد فهو مستقبل له. فمثل هذا الشخص الذي يعيش التغيرات يكون الزمن له حاضرا وماضيا ومستقبلا.

 

 

1. فاطر 35                      2. الأحزاب 62

واما لو فرضنا انسانا في نفس اللحظة التي كان يمر فيها ذلك الشخص كان جالسا في مكان يشرف على الجميع فان الزمن له بالنسبة لمن مر ولمن يمر ولمن لم يمر هو زمن حالي اي حاضر. مثل هذا الانسان لا يقال عنده ماض ومستقبل بل الزمن الذي يراهم فيه زمن حاضر. وكذلك الامر بالنسبة الى الله فالزمن بالنسبة اليه عندما يطلع على عباده زمن حالي اي حاضر ومن يكون الزمن حاضرا عنده فهو يحيط به تمام الاحاطة .

 

وعلم الله بالاشياء علم حضوري لا علم تصوري كما هو الامر عند الانسان. فالانسان عندما يعلم بالشيء تحضر صورة ذلك الشيء في ذهنه لا انه يحضر نفس الشيء عنده فعندما اعلم بان النار محرقة لا تحضر نفس النار في ذهني والا لاحترقت بل تحضر صورة النار وخصائصها في ذهني. اما علم الله فانه علم حضوري تماما مثل عندما يعلم الانسان بانه جائع فان نفس الجوع حاضر عند الانسان لا صورته وكذلك كل شيء بالنسبة الى الله فانه يحضر بذاته عند الله لا بصورته ومن يحضر بذاته عند الله فانه يكون معلوما بالتفصيل بل بأدق التفاصيل عند العالم به.

 

والواقع ان علم الله بحقائق الاشياء هو الذي يضفي الطمأنينة، لان الشيء الذي يحصل ويعلم به الله لا يضيع اثره، ولذلك نجد الله عز وجل في كتابه الكريم يركز جدا في ذيل الآيات عندما يتحدث عن الظالمين وعن المؤمنين والمنافقين والمنفقين وكثير من الامور يركز على أنه عليم بما يفعل الانسان وكمصداق على ذلك مثلا قول الله "فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم"(1)

 

فحيث ان خلق السماوات اعظم بكثير بل ليس هناك نسبة بينها وبين خلق الانسان، وبما ان السماوات بعدد نجومها والافلاك الموجودة فيها لا عد لها ولا حصر بل لا يمكن لانسان مهما بلغ من العلم ان يحصي عددها وبما انها تخضع لقوانين معقدة جدا فقد يتصور الانسان انه ليس هناك من مجال لا يضبط الامر فيها فياتي الجواب من الله انه عليم اي كثير العلم فيها وانها محاطة بعلمه لا يعزب عنه شيء منها وبالتالي فانها تحت سيطرته تسير وفق ما خططه الله لها كما في قوله تعالى "لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" بل اكثر من ذلك فان كل شيء في الكون يسبح الله وينزهه عن كل نقص وجهل. "يسبح لله ما في السماوات وما في الارض الملك القدوس العزيز الحكيم"

وعندما يتحدث الله عن الظالمين يقول: " ولا يتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم والله عليم بالظالمين"

* ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة " ان الله بكل شيء عليم" (2) .

 

فهنا يطمئن الله المظلومين بانه عليم يعلم بأدق التفاصيل ما كان يعمله الظالمون في الحياة الدنيا "كل شيء احصيناه في امام مبين" كان يحصي عليهم حتى زفراتهم التي كانوا يتنفسونها غاية الامر ان الله قد

 

 

2. البقرة 29

تركهم ليوم الحساب ولم يكن يجازيهم في الحياة الدنيا لانها دار العمل لا دار الحساب، اما يوم القيامة فسوف ينبئهم بما كانوا يعملون وان كذبوا وانكروا فعلتهم فان ايديهم وارجلهم والسنتهم وجوارحهم ستتكلم

 لتشهد عليهم وكل ذلك يجري بعلم الله.

 

واذا اراد الله ان يحذر الناس من الانحراف والضياع والانجرار نحو شهواتهم وملذاتهم فيحذرهم الله نفسه بقوله "واتقوا الله واعلموا ان الله بكل شيء عليم" يعلم سركم وظاهركم حتى الحديث الذي يخطر ببالكم ولم تتفوهوا به يعلمه الله واذا كان الله يعلم كل ذلك فاتقوه واحذروه لانه مالك يوم الدين الذي يحاسب فيه عباده ويجزيهم اسوأ الذي كانوا يعملون فاحذروه لانه يعلم كل شيء عنكم ومن كان كله علم ولا جهل فيه فانه لا يضل ولا ينسى ومن كان لا يضل ولا ينسى فان كل ملفاتكم عنده قد جهزها ليفضحكم يوم الحساب على رؤوس الاشهاد فلذلك احذروه واتقوه واجتنبوا غضبه.

 

وذا اراد ان يثبت الرجاء في قلوب المؤمنين ويشجعهم على فعل الخير بقول لهم "ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم" يعلم ما قد استقرضتم فيه الله من قرض حسن مهما كان صغيرا أو كبيرا ولئن كان يفصلكم بين موتكم وحسابكم زمن كبير فان الله كثير العلم لا يضل ولا ينسى وهو يشكر لكم فعلكم والله خير الشاكرين الذي يعطي جزاءا لما تفعلون من خير اضعافا مضاعفة.

 

وعندما يخبر الله عن القضاء بين الناس بقول "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" لان القضاء بين الناس لا يكون صحيحا وعادلا لا يتم الا اذا كان القاضي يعلم حيثيات القضية وتفاصيلها والله عليم بما يفعلون فلذلك يكون قضاؤه عادلا لا لبس فيه. وهكذا وردت الآيات التي تتحدث عن هذه الصفة بصراحة حوالي 170 مرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القابض - الباسط

 

 

 

 

وهو الذي يوسع الرزق ويقدره بحسب الحكمة. ويحسن الجمع بين هاتين الصفتين ونظائرهما كالخافض والرفع، والمعز والمذل، والنافع والضار، والمبتدىء والمعيد، والمحي والمميت، والمقدم والاخر، والاول والاخر والظاهر والباطن، لان ذلك انبأ عن القدرة وادل على الحكمة.

 

قال الله تعالى: " والله يقبض ويبسط" فاذا ذكرت القابض لوحده مفردا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت الصفة على المنع والحرمان، واذا وصلت احدهما بالاخر فقد جمعت بين الصفتين فالاولى والافضل لمقام الأدب مع الله عز وجل ان يجمع الصفتين خاصة وان الله قد ادبنا وذكر ذلك في القرآن الكريم جامعا للصفتين فلا نفرق نحن.

 

والله تعالى يوضح من خلال هاتين الصفتين انه وحده الذي يوسع على عباده بالعطاء ويقدر عليهم اي يمنعهم من العطاء كل ذلك لحكمة اقتضاها لمصلحة عباده الذين يجهلون هذه الحكمة تحت تأثير حاجتهم اذا كانوا فقراء او طغيانهم اذا كانوا اغنياء . ولا يعني بالضرورة ان بسط الرزق علامة على رضا الله علينا او حرمانه لنا علامة على نقمة الله علينا لان الله قد يختبر الانسان بواسطة البسط في رزقه واحيانا يمتحن صبره ومقاومته عن طريق التضييق بالمعيشة عليه. كل ذلك من اجل ان يصار الى تربية الانسان.

 

ان الثروة الكبيرة قد تكون احيانا سببا لعذاب اهلها وتعبهم وسلب استقرارهم وراحتهم النفسية ، حيث يقول القرآن في سورة التوبة " فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون" وايضا في سورة المؤمنين " ايحسبون انما يمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون".

 

وايضا قد يقدر الله على العباد ليمتحنهم، بل اكثر من ذلك قد يكون قدره وحرمانه لهم من باب الرحمة عليهم كما يخبر عن ذلك الله في سورة الشورى " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض".

 

ولكن ينبغي ان لا يغيب عن اذهاننا ان تحديد الرزق لا يتعارض مع بذل الجهود، ذلك ان الآيات التي تتحدث عن قدر الرزق وتضييقه لا يتنافى مع سعي الانسان في مجال تحصيله للرزق وينبغي ان لا يكون الامر مبعثا للخمول والكسل والهروب من تحمل المسؤوليات اذ هناك ما يؤكد على اهمية وقيمة السعي الانساني.

ان الهدف هو ان ندرك اننا سعينا وعملنا وان هناك يدا خفية تقوم احيانا بحجب نتائج هذه الجهود لحكمة ومصلحة وتقوم في بعض الاحيان بعكس ذلك حتى لا ينسى الناس في حياتهم الاجتماعية الطويلة ان ثمة قدرة اخرى هي قدرة مسبب الاسباب وهي التي تدبر شؤون العالم.

 

وهنا يواجهنا سؤال يطرح نفسه : هل ان ايجاد التفاوت والاختلاف في الارزاق بين الناس ينسجم مع عدالة الله عزوجل ومساواته بين خلقه التي ينبغي ان تحكم نظام المجتمع الانساني؟

 

ولاجل الاجابة عن هذا السؤال ينبغي الالتفات الى الملاحظتين التاليتين:

اولا: ان الاختلاف الموجود بين البشر في جانب الموارد المادية يرتبط بالتباين الناشىء بين الناس جراء اختلاف استعداداتهم وقابليتهم من واحد لآخر. والتفاوت في الاستعدادين الجسمي والروحي يستلزم الاختلاف في مقدار ونوعية الفعالية الاقتصادية للآفراد مما يؤدي الى زيادة وارد البعض وقلة وارد البعض الآخر.

ثانيا: لو افترضنا ان كل البشر على شكل واحد وذوق واحد وفكر واحد وميول واحد ويحبون ان يعملون عملا واحد هل نستطيع ان نضمن ان حياة هؤلاء ستكون جيدة؟

 

طبعا لا، لان الجميع سيحترق بنار التشابه المفرط والرتيب الكئيب لان الكل يتحرك في جهة واحدة ومن البديهي ستكون الحياة كهذه سريعة الانقراض، ولو افترض لها الدوام فانها ستكون متعبة ورتيبة وفاقدة لكل روح. وبعبارة اخرى سوف لا يبعدها عن الموت بون شاسع.

 

وعلى هذا فحكمة وجود التفاوت في الاستعدادات المستتبعة لهذا التفاوت قد الزمها ضرورة حفظ النظام الاجتماعي وليكون التفاوت في الاستعدادات دافعا لتربية وانماء الاستعدادات المختلفة للافراد.

وينبغي ان لا يكون وجود التفاوت والاختلاف في الاستعدادات وفي الدخل اليومي للافراد دافعا لسوء الاستفادة عبر تشكيل مجتمع طبيعي بل ان الاستعدادت ينبغي ان توظف لخدمة مسيرة البناء ، كعمل اختلاف طبيعة اعضاء بدن الانسان او اجزاء الوردة، فمع تفاوتها الا انها ليست متزاحمة بل ان البعض يعاضد البعض الآخر وصولا للعمل التام على اكمل وجه.

 

وعلى الرغم مما ذكر بخصوص التفاوت من حيث الاستعداد والمواهب عند الناس الا ان اساس النجاح يكمن في السعي والمثابرة والجد، فالاكثر سعيا اكثر نجاحا في الحياة والعكس صحيح.

 

ولهذا فقد جعل القرآن الكريم ارتباطا بين ما يحصل عليه الانسان وبين سعيه فقال بوضوح تام " وان ليس للانسان الا ما سعى" النجم 39. ولكن الايات القرآنية وبعض الروايات تؤكد على ان الرزق بيد الله وذم السعي فيه. فكيف يتم تفسير ذلك.

 

الواقع اننا لو دققنا النظر والتحقق في المصادر الاسلامية فانه يتوضح لنا ان الايات او الروايات التي يبدو التضاد في ظاهر الفاظها انما ينتج عن النظرة البسيطة والسطحية، لان حقيقة تناولها لموضوع ما انما يشمل جوانب متعددة من الموضوع، فكل آية او رواية انما تنظر الى بعد معين من ابعاد الموضوع فيتوهم البعض غير المتابع بوجود التضاد.

 

فحيث يسعى الانسان بولع وحرص نحو الدنيا وزخرف الحياة المادية ويقومون بارتكاب كل منكر للوصول الى ما يريدونه تأتي الآيات أو الروايات لتوضح لهم تفاهة الدنيا والعمل  لها وعدم اهمية المال والنعمة الحاصلة منه.

 

واذا ترك الناس السعي في طلب الرزق بحجة الزهد تأتيهم الآيات والروايات لتبين لهم اهمية السعي وضرورته كما يروي عن الامام الصادق(ع)  " لا تكسلوا في طلب معايشكم ، فان اباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها" وروى عنه ايضا "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله". والقائد الناجح والمرشد الرشيد هو الذي يتمكن من منع حالتي الافراط والتفريط في مجتمعه.

 

فغاية الآيات والروايات التي تؤكد ان الرزق بيد الله انما هي لغلق ابواب الحرص والشره وحب الدنيا والسعي بلا ضوابط شرعية، وليس هدفها اطفاء شعلة الحيوية والنشاط في الاعمال والاكتساب وصولا لحياة كريمة ومستقلة. وخلاصة القول ان الله قابض للرزق وباسط له بحسب السنن الالهية فمن يعمل يكسب ومن لا يعمل لا يكسب.

 

وقد يقول البعض: اننا نعمل ونكد ونتعب ولكن الله يقدر علينا رزقنا وهذا مخالف للسنة الالهية. والجواب من السنة الالهية بحسب العوامل والاسباب التي تمنع الرزق هو الذنب فكثيرا ما يمنع الذنب الرزق كما عن علي(ع) " توقوا الذنوب فما من بلية ولا نقص رزق الا بذنب".

 

ومن العوامل ايضا العامل الغيبي فان الانسان قد لا يكون مذنبا وقد سعى بكل الاسباب الطبيعية ومع ذلك قد يقدر الله عليه رزقه لكرامة من الله له حيث قد يتدخل الله لمنعه من الرزق الذي قد يوقعه في ذنب أو طغيان وهذه كرامة من الله له حيث انه برحمته نتيجة لعبادته ولصدقه مع الله فان الله يجازيه بذلك احسن الجزاء الذي في ظاهره نقمة وفي باطنه رحمة من الله له.

 

 

 

 

 

الخافض - الرافع

 

 

 

 

وهوالذي يخفض الكفار بالاشقاء ويرفع المؤمنين بالاسعاد(1) وهذا المعنى ناظر من زاوية المصير الاخروي. واما المعنى الاعم لهاتين الصفتين فانه يشمل كل خفض ورفع منسوب الى الله تعالى في هذه الحياة الدنيا، فقد يخفض الله الحاكم الظالم ويجعله طريدا في دولته ويرفع المغمور بين الناس فيجعله سلطانا. وقد عبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير"(2)

 

والرفعة والذلة الخافضة لا تعبر بالضرورة عن مقام عند الله تعالى لهذا الانسان، فقد يكون عظيما عند الله ويخفضه في الدنيا رحمة من الله له وقد يخفضه اذلالا وانتقاما فيما لو كان عبدا ظالما مسيئا. وقد يرفع الله العبد ليختبره فيسقط في البلاء فيخفضه في الاخرة والعكس صحيح.

 

وفي التاريخ شواهد كثيرة اكثر من ان تحصى، ويكفي في المقام ان نذكر مثال فرعون الذي يذكر انه كان قبل ان يتسلم مقاليد السلطنة انسانا مغمورا اتى من بلاد بعيدة لا يملك قوت يومه الى ان بلغ ما بلغ ورفعه الله مكانا عليا في الدنيا حتى ادعى الالوهية فتسلط على العباد وطغى في الارض وعمل القتل في رقاب بني اسرائيل فقتل رجالهم واستحي نساءهم وشاء الله ان يخفضه على يد ولي من اوليائه لا يملك من الدنيا الا عصاه فجاءه متحديا له مظهرا حجمه الطبيعي عند الله وبدأ الصراع بينهما لتكون النتيجة خفضا لفرعون وملكه وزوالا له حتى ان جسده بقي من دون دفن ليكون آية لمن لا يعتبر.

 

ثم ان قوم موسى الذين نصرهم الله على عدوهم لم يحفظوا هذه النعمة فتكبروا وحجدوا وعاثوا في الارض فسادا فسلط عليهم انسانا مغمورا (نبوخذ نصر) فسباهم واعمل القتل في رقابهم فخفضهم بعد ان كان رفعهم وما ذلك الا انتقاما منهم ومن افعالهم.

 

ويبقى ان المصداق الامثل للخافض والافع هو المصير الاخروي، حيث هناك في ذلك العالم يتجلى الخفض الحقيقي والرفعة الحقيقية، كما تتجلى صفة الرفعة من الله بمعناها الاخص في الحياة الدنيا لاولياء الله تعالى تعبيرا عن مقامهم المحمود الذي تفضل به الله تعالى عليهم للانقياد الذي وللطاعة والعبادة التي التزموا بها حتى ان الله تعالى فاضل بها عباده.  وفيما يلي بعض الايات التي تعبر عن هذه الحقيقة:

- فاضل الله بين انبيائه بحسب مكانتهم لديه فكلهم اولياء الله واحباؤه ولكن البعض ارتقى فكان له حالات مع الله لم يصل اليها غيره فلذلك قربه الله منه ورفع درجته وارفع نبي درجة عند الله هو النبي محمد(ص).

 

 

1. مصباح الكفعمي ج 1 – ص 272

" تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ، منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات... " (1)

- وليس هذا الامر حكرا على الانبياء بل وان هذا حاصل بين الناس عامة.

" ورفع بعضكم فوق بعض درجات" (2)

- ويبقى افضل مقياس للرفعة عند الله صفة الايمان والعلم اللذين بهما يعبد الله حقا.

" يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات" (3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1.البقرة 253

2.الانعام 165

3. المجادلة 11

المعز - المذل

 

 

 

 

الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء او الذي اعز بالطاعة اولياءه واذل بالمعصية اعداءه. وقيل يعز المؤمن بتعظيمه والثناء عليه ويذل الكافر بالجزية والسبي وهو سبحانه وان افقر اولياءه وابتلاهم في الدنيا فان ذلك ليس على سبيل الاذلال بل ليكرمهم بذلك في الاخرة ويحلهم غاية الاعزاز والاجلال(1) "والعز كون الشيء بحيث يصعب مناله، ولذا يقال للشيء النادر الوجود انه عزيز الوجود اي صعب المنال،

 

ويقال عزيز القوم لمن يصعب قهره، والغلبة عليه من بينهم فهو صعب المنال بالقهر والغلبة، وصعب المنال من حيث مقامه فيهم ووجدانه كل مالهم من غير عكس ثم استعمل في كل صعوبة كما يقال: يعز علي كذا. قال الله تعالى: "عزيز عليه ما عنتم"(2) اي صعب عليه، واستعمل في كل غلبة كما يقال: "من عزيز اي من غلب سلب؟. قال تعالى: "وعزني في الخطاب" اي غلبني.

 

ويقابله الذل وهو سهولة المنال بقهر او مفروض قال تعالى "ضربت عليهم الذلة والمسكنة"(3) وقال تعالى "واخفض لهما جناح الذل"(4) وقال تعالى "اذله على المؤمنين" (5) والعزة من لوازم الملك على الاطلاق، وكل من سواه اذا سواه اذا تملك شيئا فهو تعالى خوله ذلك وملكه،وان ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى محضا وما عنده غيره منها هو بإيتائه وافضاله. قال تعالى: "ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا"(6). وقال تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين"(7). وهذه هي العزة الحقيقية. واما غيرها فانما هي ذل في صورة عز.

 

قال تعالى" بل الذين كفروا في عزه وشقاق"(8) ولذا اردفه بقوله "كم اهلكنا من قبلكم من قرن فنادوا ولات حين مناص"(9) وللذل بالمقابله ما يقابل العز من الحكم فكل شيء غيره تعالى ذليل في نفسه الا من اعزه الله تعالى(10)

 

وبعد هذا كله نقول: ان الله تعالى وصف نفسه بالمعز والمذل فهو معز لانه سبحانه صعب المنال لا يقهر وهو الذي يعطي ويفيض العزة على من يشاء وهو المذل الذي يقهر من دونه بالغلبة فلا قوة تقف امام قوته. والله تعالى يعز من يعز نفسه ويذل من يذل نفسه بطريقة مباشرة او غير مباشرة ويظل الانسان هو الذي يصنع مصيره من خلال اختياره للاسباب وسوء اختياره لها. وكل المسألة تنطلق في خط ارادة الانسان من خلال ممارسته للمقدمات التي توصل الى تلك النتائج.

 

 

1. مصباح الكعفمي ج 1 – ص 273                    4. الإسلااء 24                   7. المنافقين 8         10. الميزان ج 3 – ص 132

2. التوبة 128                                           5. المائدة 54                     8. ص 2

3. البقرة 61                                             6. النساء 139                   9. ص 3 

وقد جاءت الاحاديث الواردة عن اهل البيت في موضوع العز والذل في مدلولها الروحي والمادي ورجوعهما الى سوء اختيار الانسان وحسن اختياره فقد ورد في بعض الكلمات المأثورة "من اراد عزا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ذل معصية الله الى عز طاعته".

 

وفي بعض الاحاديث عن الامام جعفر الصادق): ان الله فوض الى المؤمن اموره كلها ولم يفوض اليه ان يذل نفسه قيل وكيف يذل نفسه قال: يتعرض لما يضيق... او يدخل فيما يعتذر منه. ولاهمية صفة العز حيث قرن الله عزته بعزة المؤمنين نورد فيما يلي بعضا من موجبات العز على لسان الائمة الاطهار: : ولله العزة ولرسوله للمؤمنين

فعن رسول الله: "ان الله يقول كل يوم: انا ربكم العزيز، فمن اراد عز الدارين فليطع العزيز" وعن امير المؤمنين: "من اراد الغنى بلا مال والعز بلا عشيرة والطاعة بلا سلطان فليخرج من ذل معصية الله الى عز طاعته، فانه واجد ذلك كله" وعنه ايضا: "اذ طلبت العز فاطلبه بالطاعة"، وعن الامام الصادق(ع): " لا يزال العز قلقا حتى يأتي دارا قد استشعر اهلها اليأس مما في ايدي الناس فيوطنها".

 

ومن وصايا لقمان لابنه: "ان اردت ان تجمع عز الدنيا فاقطع طمعك مما في ايدي الناس فانما بلغ الانبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم"، وعن الامام الباقر(ع): "طلب الحوائج الى الناس استلاب للعز ومذهبه للحياء واليأس مما في ايدي الناس عز المؤمن في دينه"

 

وعن رسول الله: "من عفا عن مظلمة ابدله الله عزا في الدنيا والاخرة"، وعنه ايضا:" ثلاثة لا يزيد الله بهن الاخيرا: التواضع لا يزيد الله به الا ارتفاعا، وذل الغنى لا يزيد الله به الاعزا، والتعفف لا يزيد الله به الا غنى" وعن الامام الباقر: " الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فاذا وصلا الى مكان التوكل اقطناه" وعنه ايضا:" من صبر على مصيبة زاده الله عز وجل عزا على عزة وادخله جنته مع محمد واهل بيته"

 

* وفيما يلي بعض مما يوجب المذلة:

عن رسول الله: اذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتباينوا بالعينة وتبعوا اذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله ادخل الله عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم. وعن الامام الباقر(ع): " لا ذل كذل الطمع" وعن الامام علي:" رضي بالذل من كشف عن ضره" وعنه:" من اعتز بغير الله لا يؤيده الدين مذلة"   

وقد جسد الامام الحسين(ع) عنفوان العز انقيادا لله وطاعة ومرضاة له بقوله(ع) في كربلاء حينما عبأ عمر بن سعد اصحابه لمحاربة الحسين(ع) واحاطوا به من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة: فقام الحسين(ع) ثم قال: "الا وان الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك وسوله وجدود طابت وحجور طهرت وانوف حمية ونفوس ابية لا نؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام".

السميع - البصير

 

 

 

 

اختلف في حقيقة هذين الاسمين على اقوال ابرزها:

أ‌.        ان سمعه وبصره سبحانه ليسا وصفين يغايران وصف العلم الذي وصف نفسه به، بل هما من شعب علمه بالمسموعات والمبصرات، فلأجل علمه بهما صار يطلق عليه انه سميع بصير.

ب‌.   انهما وصفان حسيان، وادراكان نظير الموجود في الانسان

ج. ان السمع والبصر يغايران مطلق العلم مفهوما، ولكنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق من دون تكثر في الذات ومن دون ان يستلزم ذلك التوصيف تجسما وما هذا الا حضور الهويات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه . فشهود المسموعات سمع وشهود المبصرات بصر، وهو غير علمه بالاشياء العامة غير المسموعة والمبصرة.

 

اذا تعرفت على الاقوال نذكر مقدمة وهي: ان السماع في الانسان يتحقق باجهزة وادوات طبيعية وذلك بوصول الامواج الصوتية الى الصماخ ومنها الى الدماغ المادي ثم تدركه النفس. غير انه يجب التركيز على نكتة وهي: ان وجود هذه الادوات المادية هل هو من لوازم تحقق الابصار والسماع في مرتبة خاصة كالحيوان والانسان، او انه دخيل في حقيقيتها بصورة عامة؟ لا شك ان هذه الآلات والادوات التي شرحها العلم بشرائطه انما هي من خصوصيات الانسان المادي الذي لا يمكنه ان يقوم بعملية الاستماع والابصار بدونها فلو فرض لموجود ان يصل الى ما يصل اليه الانسان من دون هذه الادوات فهو اولى بأن يكون سميعا بصيرا، لان الغاية المتوخاة من السماع والابصار هي حضور الامواج والصور عند النفس المدركة، فلو كانت الامواج والصور حاضرة عند موجود بلا اعمال عمل فيزيائي او كيميائي فهو سميع بصير ايضا لتحقق الغاية بنحو اتم.

 

وقد ثبت عند البحث عن مراتب علمه ان جميع العوالم الامكانية حاضرة عنده سبحانه فالاشياء على الاطلاق، والمسموعات والمبصرات خصوصا، افعاله سبحانه، وفي الوقت نفسه علمه تعالى، فالعالم بجواهره واعراضه حاضرة عند ذاته، وعلى هذا فعلمه بالمسموع كاف في توصيفه بأنه سميع كما ان علمه بالمبصر كاف في توصيفه بانه بصير(1) واهم ما في هاتين الصفتين شعور العبد برقابة الله له دائما، فهو يشعر ان ربه سميع يسمع ما يتلفظه من كلام، بصير يرى كل عمل يصدر منه فيحاسبه يوما حسب ما سمعه ورآه ويستشعر بكرامة الله تحيط به.

 

 

1. الأهواق ج 1 – ص 160

- فهذا رسول الله(ص) يستشعر كرامة الله يوم اسرى الله به الى المسجد الاقصى واراه من آياته الكبرى، فبعد ان ذكر الله سبحانه قصة الاسراء بقوله "سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا الكبرى" يختم الله بقوله "انه هو السميع البصير"(1) وهذه اشارة الى ان الله تبارك وتعالى لم يختر رسوله(ص) ولم يصطفه لشرف الاسراء والعراج الا بعد ان اختبر استعداده (ص) لهذا الشرف ولباقته لهذا المقام، فالله تبارك وتعالى سمع قول رسوله(ص) وراى عمله وسلوكه فاصطفاه للمقام السامي الذي اختاره في الاسراء والمعراج. واحتمل بعضهم ان يكون ذكر هاتين الصفتين تهديدا لمنكري هذا الاعجاز وان الله تبارك وتعالى محيط بما يقولون وبما يفعلون وبما يمكرون.

 

- وفي سياق آخر يتحدث الله سبحانه وتعالى عن نصرة عباده بقوله " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب بمثل. ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ان الله لعفو غفور* ذلك بان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وان الله سميه بصير(2) فيما ان الوعد بالنصر يقوي القلب لهذا تستعرض الآية قدرة الله في عالم الوجود التي لا تنتهي فتنهي الآية "بان الله سميع بصير" لان الله يلبي حاجة المؤمنين ويطلع على حالهم واعمالهم ويعينهم برحمته عند اللزوم مثلما يطلع على اعمال ومقاصد اعداء الحق.

 

- وفي سياق آخر ايضا يحدثنا الله سبحانه وتعالى حكاية عن انكار البعض لمسألة المعاد بقوله " ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحد ان الله سميع بصير"(3)

 

ذكر بعض المفسرين ان جمعا من كفار قريش كانوا يقولون من باب التعجب والاستبعاد لمسألة المعاد: ان الله خلقنا بأشكال مختلفة، وعلى مراحل مختلفة، فكنا يوما نطفة وبعدها صرنا علقة وبعدها صرنا مضغة ثم اصبحنا تدريجيا على هيئات مختلفة فكيف يخلقنا الله جميعا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟

 

واذا كان تعجب كفار قريش من انه كيف يمكن فصل الاجساد عن بعضها وارجاع كل منها الى محله بعد ان كانت الطبايع مختلفة والاشكال متغايرة والشخصيات متنوعة وذلك بعد ان تحول بدن الانسان الى تراب وتطايرت ذرات ذلك التراب؟! فان علم الله اللامتناهي وقدرته اللا محدودة تجيبهم عن سؤالهم، فانه قد جعل بين الموجودات روابط وعلاقات بحيث ان الواحد منها كالمجموعة والمجموعة كالواحد.

 

ان انسجام وترابط هذا العالم في حالة ترجع فيها كل كثرة فيه الى الوحدة وخلقة مجموعة البشر تتبع تلك الاصول، وانها تتبع خلقة انسان واحد. واذا كان تعجب هؤلاء من قصر الزمان بانه كيف يمكن ان تطوى المراحل التي يطويها الانسان خلال سنين طوال نطفة الى مرحلة الشباب، في لحظات قصيرة؟!

 

 

1. الإسراء 1                                 2. الحج 60 – 61                           3. لقمان 28

فان قدرة الله تجيب على هذا التساؤل ايضا، فاننا نرى في عالم الاحياء ان اطفال الانسان يحتاجون لمدة طويلة ليتعلموا المشي بصورة جيدة، او يصبحوا قادرين على الاستفادة من كل انواع الاغذية، في حين اننا نرى الفراخ بمجرد ان تخرج راسها من فانها تنهض وتسير وتأكل دونما حاجة حتى للام، وهذه تبين ان مثل هذه المسائل لا تأثير لها امام قدرة الله عز وجل.

 

ان ذكر كون الله سميعا بصيرا في نهاية الآية يمكن ان يكون جوابا عن اشكال آخر من جانب المشركين، وهو على فرض ان جميع البشر على اختلاف خلقتهم وبكل خصوصياتهم يبعثون ويحيون في ساعة واحدة. لكن كيف ستخضع اعمالهم وكلامهم للحساب ، فان الاعمال والاقوال امور تغني بعد الوجود؟!

 

فيجيب القرآن بان الله سميع بصير، قد سمع كل كلامهم ورأى كل اعمالهم، علاوة على ان الفناء المطلق لا معنى ولا وجود له في هذا العالم، بل ان اعمالهم واقوالهم ستكون موجودة دائما. واذا تجاوزنا ذلك فان الجملة اعلاه تهديد لهؤلاء المتعذرين بان الله سبحانه مطلع على اقوالكم وبثكم للسموم في الافكار العامة، بل وحتى على ما في قلوبكم وضمائركم ولم تجروه على السنتكم(1).

 

ولتحديد شمولية دلالة هاتين الصفتين على رقابة الله على عباده يذكر الله في سورة غافر " وانذرهم يوم الا اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين. ماللظالمين من حميم ولا شفيع يطاع* يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور * والله يفضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ان الله هو السميع البصير". فهذه الآيات تحدد سبع صفات او خصوصيات ليوم القيامة يقع بعضها على شكل حوادث تدهش الانسان وتدفع المؤمن نحو التفكير المتأمل بالحياة والمصير.

 

* الوصف الاول: الازفة في اللغة بمعنى قريب، حيث اطلق سبحانه على يوم القيامة يوم الازفة كي لا يظن من يظن من المنكرين والمشككين بان هناك فترة طويلة تفصلهم عن ذلك اليوم فلا ينبغي والحال هذه ان ينشغل المرء بالتفكير به. واذا تأملنا جيدا بدلالة هذا اللفظ فسنجد ان عمر الدنيا باجمعه لا يعادل سوى لحظة قصيرة جدا زائلة حيال يوم القيامة. ولان الله تبارك وتعالى لم يذكر اي تاريخ لهذا اليوم المهول حتى الانبياء(ع) لذا يجب الاستعداد دائما لاستقبال ذلك اليوم.

 

* الوصف الثاني: " اذ القلوب لدى الحناجر". من شدة الخوف فعندما تواجه الانسان الصعوبات يشعر وكأن قلبه يكاد يفر من مكانه وكأنه يريد ان يخرج من حنجرته. ان هول الخوف من الحساب الالهي الرباني الدقيق والخشية من الافتضاح وانكشاف الستر والحجب امام جميع الخلائق يلقي الرعب والحرج الشديد في القلوب ويتمنى لحظتها ان لو كان ترابا.

 

 

 

1. الأمثل تفسير الآية

* الوصف الثالث: " كاظمين" اي ان الهم والغم سيشمل كل وجودهم الا انهم لا يستطيعون اظهار ذلك او ابداءه ، فقد يستطيع الانسان المغموم المحزون ان يهدأ او يستريح بالصراخ، لكن المصيبة الواقعة تحل حينما لا يستطيع هذا الانسان حتى الصراخ...  ولكن ماذا ينفع الصراخ في محضر الخالق جل وعلا وفي ساحة عدله عندما تنكشف جميع الاسرار المخفية؟!

 

* الوصف الرابع: " ما للظالمين من حميم" ان تلك المجموعة من الاصدقاء الكذابين التي تحيط بالشخص كذبا وتملقا كما يحيط الذباب بالحلويات طمعا في مقامه وقدرته وجاهه وماله. ان هؤلاء في هذا اليوم مشغولون بانفسهم لا ينفعون احدا .. هو يوم لا ينفع فيه لا صداقة ولا خلة.

 

* الوصف الخامس: " ولا شفيع يطاع" ذلك ان شفاعة الشفعاء الحقيقين كالانبياء والاولياء انما تكون باذن الله تعالى ،وعلى هذا الاساس لا مجال لتلك التصورات السقيمة لعبدة الاصنام الذين كانوا يعتقدون في الحياة الدنيا ان اصنامهم ستشفع لهم في حضرة الذات الالهية.

 

* الوصف السادس: " يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور" ان الله التبارك وتعالى يعلم الحركات السرية للعين وما تخفيه الصدور من الاسرار وسيقوم تعالى بالحكم والقضاء العادل عليهم وهو بعلمه سيجعل صباح المظلمين المذنبين مظلما وعندما سئل الامام الصادق(ع) عن معنى الآية اجاب" الم تر الى الرجل ينظر الى الشيء وكانه لا ينظر اليه فذلك خائنة الاعين".

 

وفي قصص الوعظ والارشاد في مجالس العلماء، يقال ان احد كبار عندما انهى دراسته في النجف طلب من استاذه عندما اراد الرجوع الى بلاده ان يعظه ويرشده فال له الاستاذ: بعد كل هذا التعب وتحمل مشاق الدراسة والتحصيل من غربة وسهر وتعب فان آخر نصحتي لك هي ان لا تنسى ابدا قوله تعالى : " الم يعلم بان الله يرى".

 

* الوصف السابع: " والله يقضي بالحق" اما غيره " والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء" في ذلك اليوم يختص الله وحده بالقضاء وهو سبحانه وتعالى لا يقضي الا بالحق ، لان القضاء بغير الحق انما يعود الى الجهل والظلم والله تعالى محيط بكل شيء حتى بما يموج في الضمائر وما تكنه السرائر او انه يكون نتيجة للعجز والاحتياج وهذه صفات ابعد ما تكون عن ذات الله جل جلاله.

 

ان هذا التعبير يحمل في مؤداه دليلا كبيرا على التوحيد، لان من يكون له حق القضاء في النهاية يستحق مقام الربوبية والعبودية ، اما الاصنام وما يشرك به من دون الله فلا هو ينفع في يوم القيامة ولا هو يستحق ان يكون في مشاهدها مرجعا للقضاء والحكم.

 

واهم صفة للحاكم والقاضي في مشهد يوم القيامة ان يكون مطلقا على كل شاردة وواردة ولا يعزب عن علمة مثقال ذرة وان يكون الحاكم هو الشاهد وهذا لا يكون متحققا الا في الله تعالى فهو السميع البصير بكل معنى الكلمة اذ ان كل المسموعات والمبصرات حاضرة عنده وتختص بذاته وهذا دليل على احاطته وعلمه بكل شيء وقضاؤه بالحق ، اذ ما لم يكن الشخص سميعا بصيرا مطلقا فهو لا يستطيع ان يقضي بالحق، لذلك ختمت الآية بقولها: " ان الله سميع بصير"

 

وفي سياق آخر يعطي الله الطمأنينة لعباده المؤمنين من خلال هاتين الصفتين من خلال قوله تعالى: " ان الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ان في صدورهم الا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله انه هوالسميع البصير".

 

فهؤلاء هدفهم ان يروا انفسهم كبارا يفاخرون بذلك ويفتخرون على غيرهم لكنهم لن يحصدوا سوى الذلة والخسران، بشرط ان يتوجه المؤمن الى ربه ليستعيذ به ويطلب النصرة ممن يسمع احاديثهم الباطلة الواهية وينظر الى مؤامراتهم واعمالهم القبيحة وخططهم الشريرة، ذلك ان الاستعاذة انما تجب على السائرين في طريق الحق عندما تتعاظم الحوادث ويستعر الصدام مع المتكبرين عديمي المنطق.

 

لذلك نرى يوسف(ع) عندما واجهته زليخا بشهوتها يستعيذ بربه " معاذ الله انه ربي احسن مثواي" ونرى موسى ايضا يستعيذ بقوله " اني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الأمثل ج 15 – ص 269

 

الحكم

 

 

 

 

الحاكم الذي سلم له الحكم، وسمي الحاكم حاكما لمنعه الناس من التظالم. ومن ذلك اخذ معنى   الحكمة لانه يمنع من الجهل، وحكمه الدابة ما احاط بالحنك وسميت بذلك لمنعها من الجماح، وحكمت السفية واحكمته اذا اخذت على يده ومنعته من ماله، وحكمت الرجل منعته مما اراد، وحكمته ايضا فوضت اليه الحكم. وفي حديث النخعي احكم اليتيم كما تحكم ولدك، اي امنعه من الفساد وقيل اي حكمه في ماله اذا صلح لذلك. وفي الحديث ان الشعر لحكمة، اي كلاما نافعا يمنع عن الجهل والسفه وينهي عنهما، والحكم الحكمة، ومنه قوله تعالى " فآتيناه الحكم صبيا" وكذا قوله " فوهب لي ربي حكمه والمحاكمة المخاصمة الى الحاكم" (1).

 

قال الغزالي: الحكم وهو الحاكم المحكم والقاضي المنتقم الذي لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. ومن حكمه في حق العباد " ان ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى، وان الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم." ومعنى حكمه للبر والفاجر بالسعادة والشقاوة ان جعل البر والفجور سببا يسوق صاحبهما الى السعادة والشقاوة كما جعل الادوية والسموم اسبابا تسوق متناوليها الى الشفاء والهلاك(2)

 

وذكر القرطبي "أن الحكم أبلغ من الحاكم إذ لا يستحق التسمية إلا من يحكم بالحق لأنها صفة تعظيم في مدح، والحاكم أبلغ صفة جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق". وقيل "الحكم الذي لا يقع في وعده ريب ولا في فعله عيب، فهو الذي يفصل بين الحق والباطل ويبين لكل نفس ما عملت من خير أو شر وهو المنتصف للمظلوم من الظالم".

 

وقد ادب الله عباده المؤمنين واراد لهم ارادة تشريعية ان يكونوا ملتزمين قولا وعملا بما يحكم الله في الدنيا قال سبحانه "ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون"(3) ثم نفى الله سبحانه صفة الايمان عمن لا يلتزم بالاحكام الصادرة عن حكم النبي باعتباره "لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى" حيث قال سبحانه" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"(4) هذا في الحياة الدنيا، فللمكلف ان يلتزم بهذه الارادة التشريعية وله ان يعصي، ولكنه ليس بمعزل عن سوء اختياره لانه مطالب بذلك يوم القيامة  "ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره".

 

وفي يوم القيامة ارادة اخرى وهي الارادة التكوينية فهناك هو الحاكم بأمره والكل منقاد لحكمه وليس لهم ان يقولوا شيئا، ولكن حكمه لا عن تسلط جائر بل عن عدل كامل " واتبع ما يوحي اليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين" (5)

 

 

1. مصباح الكفعمي ج 1 ص 373                 3. يوسف 67                     5. يونس 109

2. المصد الأسنى ص 89                          4. النساء 65

فاذا كانت عقيدتنا بالله الحكم الحاكم كذلك، فان التزاما كبيرا يفرض علينا وهو: لا يجوز لنا الترافع الى اي حاكم لا يعمل بما انزل الله. لماذا؟ لانه لا بد من ان يكون المشرع الذي يشرع ويحكم من خلاله الحاكم متجردا عن اهوائه ومصالحه وان يكون مخلضا فيما يضعه من القوانين والمبادىء العامة التي يقصد منها حماية المجتمع من طغيان القوي الجامح وممن يتربص بالامة الدوائر لحساب انانيته وطموحه الشخصي او العائلي او القلبي او نحو ذلك من الامور التي تأباها الانسانية في مسيرتها الطويلة والصعبة. ومن غير الله، الذي يعلم الظاهر والباطن والسر والعلن ويعلم مصالح العمل ومفسدته في ذاته، اولى بمهمة هذا التشريع الذي يلحظ حقائق الامور في نفسها التي لا تتبدل ولا تتغير، ولان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد فان هذه الاحكام لا تتبدل ولا تتغير على مدى الازمان وهذا ما عبرت عنه الاحاديث الشريفة " حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة".

 

ولان الانسان حيوان اجتماعي مدني بطبعه لا يحصل على حاجاته وطلباته الا في ظل الاجتماع والتعاون ولولا ذلك لما استطاع ان يستمر في البقاء اذ لا يمكن ان يكون نجارا وبناءا ومهندسا وطبيبا وجنديا وعاملا وتاجراونحو ذلك من اساليب العيش في آن واحد، كثيرا ما تعرض له قضايا عامة ومشاكل تمس مصلحته، وبالتالي تبعا لذلك تمس مصلحة المجتمع ويطلب منها قرارا ورأيا يجمع القاطعية وقابلية التنفيذ والقدرة عليه، ولا يحصل ذلك الا تحت لواء حكومة قاطعة ولذلك نرى ان الدين لا يجزىء النظرة بين الدين والنظام ، بل يعتبر ان الدين عنده هو دين يدين الانسان به امام ربه، ونظام كامل متكامل في علاقة الانسان مع بعضه البعض الذي كثيرا ما تستلزم العلاقة بينهم التزاحم والتضارب في الافكار والاهواء والمصالح والخصومات ويستعقب ذلك الجدال والصراع، لا محالة تقع الحاجة الى قوانين ومقررات التي تبقي حبرا على ورق فيما اذا لم يكن الانسان ملتزما طوعا بتطبيق القوانين والاحكام مما يستدعي ان يكون هناك قوة منفذة لها وهي ما يعبر عنه بالحكومة او السلطة.

 

ومن الوسائل التي تعتمدها الحكومة في فض نزاعات القوم القضاء، معتمدة في ذلك على خلفية الانتماء الى النظام بالاضافة الى القوة المهيمنة على الارض حتى يكون حكم القاضي نافذا على المحكوم عليه. وهنا يتبادر سؤال: هل يجوز للمسلم ان يتقاضى امام القاضي الذي تعينه الحكومات الجائرة التي تتبع الاحكام والشرائع الوضعية؟

 

الواقع، ومما تقدم، نعلم انه لا يجوز ذلك على خلفية ان الاحكام الوضعية كثيرا ما يعتريها الشوائب ومراعاة الظالمين اكثر من مراعاة مصالح الناس ومراعاة مصالح الحكام اكثر من مراعاة الرعية، وقد اكد الله سبحانه هذا الحكم بقوله "وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم" وكذا قوله تعالى " ان الحكم الا لله امر الا تعبدوا الا اياه" (1)

 

 

1. يوسف  40

ثم يزيد اله في ذم المتقاضين الى غير القاضي الشرعي ويعتبرهم كاذبين في ادعائهم ويستبطنون النفاق والكفر في عملهم هذا، ذلك انهم يعتبرون انفسهم مسلمين وداخلين في حركة المجتمع الاسلامي ولكنهم لا يمارسون هذا الاعتقاد عبر التسليم لامر الله، بل يتحاكمون عند من يحفظ مصالحهم الذاتية البعيدة عن رضا الله، وهذا ما يصوره الله سبحانه في قوله " الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالا بعيدا* واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول رايت المنافقين يصدون عنك صدودا"(1)

 

وليس المراد من الطاغوت الا الذي تجاوز حكم الله واعرض عبر الاعتقاد بالاحكام الوضعية التي يسنها الانسان من قبل نفسه، ومن يسلم نفسه الى مثل هذا الحاكم ينفى عنه صفة الايمان مطلقا قال الله "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"(2).

 

واكثر من ذلك فقد ربى الاسلام اتباعه على ان المسلم بعدما آمن بالله ربا الذي هو أرأف بالمؤمنين من انفسهم وانه لا يظلمهم في ساحته، فان اثر هذا الاعتقاد يجب ان يظهر جليا على تصرفات العبد المسلم حينما يقضي عليه بحكم ما، فلا يجوز له ان يعترض على حكم الله ورسوله بالخلل في الحكم او يشكك به، وهذا الامر خطير جدا على عقيدة المسلم لذلك ياتي الجواب شافيا من الله عز وجل: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا(3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. النساء 60 -61

2. النساء 65

3. الأحزاب 36

 

العدل

 

 

 

 

لكلمة العدل في اللغة اكثر من مدلول، واستعملت في القرآن الكريم في اكثر من مدلول ايضا. ومن اهمها المدلولان التاليان وهما:

1.     العدل بمعنى الاستقامة في الفصل بوضع الشيء في مواضعه اي التوازن والتعادل، فلا ظلم ولا جور. وهذا المعنى هو المهيمن على عالم الخليقة برمته على المنظومة الشمسية، على الذرة، على بناء كيان الانسان وجميع الخلق،وهذا هو المعنى الذي ورد في الحديث النبوي الشريف "بالعدل قامت السماوات والارض". فمثلا، لو اختل تعادل القوتين الجاذبة والدافعة في الكرة الارضية وزادت احداهما على الاخرى لا نجذبت الارض نحو الشمس واحترقت وتلاشت او لخرجت عن مدارها وتلاشت في الفضاء الفسيح. والعدالة هي انك ان سقيت شجيرة الورد واشجار الاثمار فقد سكبت الماء في موضعه، وهذا هو العدل بعينه، وانك ان سقيت الاشواك والطفيليات فقد ارقت الماء في غير موضعه وهو الظلم بعينه.

 

2.     وعرف العدل بانه خلاف الظلم وهو مراعاة حقوق الناس ويقابله الاستئثار بحقوق الاخرين، او انتزاع حق شخص واعطائه لاخر  لاحق له فيه اي المحاباة ، اي اعطاء بعض حقهم ومنعه عن بعض آخرين. ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني قوله تعالى: " واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل" النساء 58. وكذا قوله: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" الانعام 115. وقوله: "ومن قوم موسى امه يهدون بالحق وبه يعدلون" الاعراف 159. ومن الحديث الشريف " كلمة العدل في الرضا والسخط". وبديهي ان المعنى الثاني خاص والمعنى الاول عام وان كلا المعنيين العدل يصدقان بحق الله تعالى، غير ان المعنى الثاني هو المقصود في بحثنا هذا في اغلبه.

 

3.     العدل بمعنى الانصاف الذي ياتي وسطا بين الظلم والتفضل (الاحسان). ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بانقاص الحق ولا تفضل بالزيادة عليه. ومنه قوله تعالى: "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حقه وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي" النحل 92. ومن كلام الشيخ الصدوق(قده) هنا مانصه " ان الله أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، ذلك انه تعالى يقول " من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون".

 

4.     العدل: هو ان يثيب على الحسنة الحسنة ويعاقب على السيئة السيئة.

 

5.     العدل: اسم من اسماء الله الحسنى، وهو مصدر اقيم مقام اسم الفاعل عادل بمعنى ذي عدل. وهو انه تعالى لا يظلم ولا يجور ولا يجحف في حق ذي حق. وعرفه الفاضل المقداد بانه " تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب". فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفه من صفات الله تعالى. وهو المطلوب هنا.

 

والعدل من صفات الفعل كما هو واضح من التعاريف وهو ايضا من الصفات الثبوتية لانه وصف وجودي، ومما يتطلبه الكمال المطلق للذات الالهية. ومعنى "عدل الله" هو انه لا يسلب احدا حقه، ولا يأخذه من بعض ليعطيه لاخر ولا يحابي بين الاشخاص.

 

ومعنى عدل الله انه لا يعاقب من يعمل الصالحات، ولا يثيب المسيء. ولا يأخذ احدا بذنب احد " تلك امة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون؟!؟  فاذا كان جميع افراد مجتمع ما مذنبين سوى شخص واحد فان الله يفصل حساب هذا الشخص عن الاخرين ولا يضعه في العقاب في مصاف المذنبين. والدليل على وجوب اتصافه بالعدل:

-         انه لو لم يكن عادلا لكان ناقصا، والنقص منتف بالضرورة.

-         لو جاز عليه فعل القبيح لجاز عليه الكذب فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده وترفع الاحكام الشرعية وينتقض الغرض المقصود من بعث الانبياء والرسل كما جاء في كتاب النكت الاعتقادية.

-         وقرره الشيخ المظفر(قده) بالنحو التالي في كتابه عقائد الامامية:

-         لو كان الله يفعل الظلم والقبح فان الامر في ذلك لا يخلو عن اربع صور:

1.     ان يكون جاهلا بالامر فلا يدري انه قبيح

2.     ان يكون عالما به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه

3.     ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج الى فعله

4.     ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في ان يكون فعله له تشهيا وعبثا ولهوا.

وكل هذه الصور محال على الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا وتستلزم النقص فيه، وهو محض كمال، فيجب ان يحكم انه منزه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.

 

- العدل في الذكر الحكيم:

تضافرت الآيات الكريمة مركزة على قيامة بالقسط. نورد فيما يلي بعضا منها: قال سبحانه في سورة آل عمران 18 : " شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط" والقسط هو العدل.

وكما شهد على نفسه بالقيام بالقسط، عرف الغاية من بعثه الانبياء باقامة القسط بين الناس : قال تعالى في سورة الحديد 25 " ولقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".

 

كما وصرح بان القسط هو الركن الاساسي في محاسبة العباد يوم القيامة ، اذ يقول سبحانه في سورة الانبياء 47 " ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا". وما في هذه الآيات وغيرها ارشادات الى ما يدركه العقل من صميم ذاته، بان العدل كمال لكل موجود حي قدرك مختار ، وانه يجب ان يتصف الله تعالى به في افعاله في الدنيا والاخرة ويجب ان يقوم سفراؤه به.

 

- العدل في التشريع الاسلامي:

وهذه المكانة التي يحتلها العدل التي عرفت انه لولاه لارتفع الوثوق بوعده ووعيده وانخرم الكثير من العقائد الاسلامية هي جعلته سبحانه يعرف احكامه ويصف تشريعاته بالعدل، وانه لا يشرع الا ما كان مطابقا للعدل: يقول سبحانه في سورة المؤمنون 62 " ولا نكلف نفسا الا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون" فالجزء الاول من الآية ناظر الى عدله سبحانه بين العباد في التشريع للاحكام كما ان الجزء الثاني ناظر الى عدله يوم الجزاء في مكافآته. وان شعار الذكر الحكيم هو " وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون" وهو يكشف عن عدالته سبحانه في التشريع والجزاء.

 

- العدل في روايات ائمة اهل البيت:

سئل الامام علي(ع) عن التوحيد والعدل فقال: " التوحيد ان لا تتوهمه والعدل ان لا تتهمه". قال ابن ابي الحديد في شرحه لهذا الحديث: ومعنى ان لا تتوهمه لا نتوهمه جسما او صورة او في جهة مخصوصة او مالئا لكل الجهات كما ذهب اليه قوم، او من الانوار، او قوة سارية في جميع العالم كما قاله قوم، او الاعراض التي تحل الحال او تحل المحل وليس بعرض، كما قاله النصارى، او تحله المعاني والاعراض فمتى توهم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد.

 

واما الركن الثاني فهو " ان لا تتهمه" اي لا تتهمه في انه اجبرك على القبيح ويعاقبك عليه ولا تتهمه في انه مكن الكذابين من المعجزات فأضل بهم الناس، ولا تتهمه في انه كلفك مالا تطيقه وغير ذلك من مسائل العدل التي يذكرها اصحابنا مفصلة في كتبهم كالعوض عن الالم فانه لا بد منه، والثواب على فعل الواجب فانه لا بد منه ، وصدق وعده ووعيده فانه لا بد منه.

 

وفي هذا المعنى ايضا روى الصدوق عن الامام تالصادق(ع) ان رجلا قال له "ان اساس الدين التوحيد والعدل وعلمه كثير ولا بد لعاقل منه فاذكر مايسهل الوقوف عليه ويتهيأ حفظه فقال(ع): " اما التوحيد فان لا تجوّز على ربك ما جاز عليك، واما العدل فان لا تنسب الى خالقك ما لامك عليه" الالهيات ج1 ص291.

 

 

 

 

 

- اثر عقيدتنا بعدل الله:

في التصور الإسلامي العدل ينعكس على تكليفه وشريعته كما ينعكس على تقديره وقضائه في خلقه، كما ينعكس ثالثا على أجزائه ومحاسبته للناس

- الله عادل في تكليفه وشريعته، فهو لا يكلف عباده باكثر مما يطيقون ولا يقسو عليهم في التشريع، ومن هذا المنطلق فإنه لا يوجد في التشريع الالهي اي احراج للناس واي ظلم ، بل ان شريعة الله رحمة للعالمين.

- ان الله عادل في تقديره وقضائه، في خلقه للعباد، وطريقة توزيع الثروة عليهم او مقدار حظهم من الصحة والسلامة والعافية.

 

واذا كنا نلاحظ فوارق كبيرة بين العباد في مستوى معيشتهم او حجم قابلياتهم وامكانياتهم، او حظهم من العافية والسلامة، او مقدار ذكائهم وفطنتهم، فان هذه الفوارق لا تعتبر ظلما ولا تفريقا بين العباد. فجميع هذه الفوراق في اقتضاها له لحكمة من اختبار العبد وبالتالي لن يضيع حسابها في ميزان الاخرة والعدل محفوظ في حساب الله يوم الحساب، فهناك الحساب العادل الذي لا يضيع شيئا من الحقوق او المؤاخذات.

 

ان عقيدتنا بالله العادل العدل تعطينا من الامل والتفاؤل والاطمئنان شيئا كثيرا انها تحول جحيم هذه الحياة الى سعادة، انها تزيح عن النفس ظلام اليأس القاتل والتشاؤم الخانق. والاعتقاد بعدل الله واعتبارها اصلا من الاصول في الفكر الاسلامي له دلالات اخرى .

 

- الاعتقاد بعدل الله يدفعنا دائما نحو رفض الظلم والخروج على الظالمين وعدم الخضوع لهم.

- الظلم هو الخلق الذميم الذي يرفضه الله، ويرفضه الاسلام، والذين يعتقدون بعدل الله ويأبون له ان يكون ظالما، هؤلاء يجب ان يعتادوا على العدل والعدالة ورفض الظلم واقتلاع جذوره.

- والاعتقاد بعدل الله يعني بمعنى من المعاني عدالة الحكم الاسلامي. فليست المنفعة ولا المصلحة السياسية هي التي تحدو منهج الحكم في الاسلام وانما العدالة وحدها مع العدو والصديق.

وفي  ذات الوقت ، فان تعاملنا مع الناس يجب ان يقوم على هذا الاساس ايضا. والا فمن يظلم الناس لا ينتظر من الله ان يرحمه ويرفق بحاله على حساب الناس.

 

ان النقطة المهمة التي لا بد من الاشارة اليها هي ما يجري احيانا من الخلط بين المساواة والعدالة، على ان  اعتبار ان العدالة هي تطبيق المساواة ولذلك سينبري المدافعون جهلا او كذبا عن حقوق المرأة ويطالبون بالمساواة بين الرجل والمرأة لان عدم المساواة بينهما ظلم لا يمكن بعد السكوت عليه. ولكن الأمر فيه مغالطة كبيرة وخطيرة، والامر ليس كذلك.

 

المساواة ليست شرطا من شروط العدالة، بل العدالة كما ذكرنا هي اعطاء  كل ذي حق حقه واخذ الاولويات والمعطيات بعين الاعتبار. فالعدالة بين تلاميذ صف واحد مثلا ليست في منح الجميع درجات متساوية وانجاح الجميع سواء كانوا مجتهدين او لا.

 

وليست العدالة بين العاملين اعطاؤهم اجورا متساوية . العدالة هي ان ينال كل تلميذ الدرجة التي يستحقها من خلال ما يعرف من معلومات ولياقته العلمية، وان ينال كل عامل اجرته بحسب اهمية العمل الذي يؤديه.

 

ان من الجريمة ان نساوي بين الرجل والمرأة لان الرجل له طاقاته وله مقدراته وللمرأة طاقتها ومقدراتها وهناك فرق كبير في الوظائف الموكلة اليها فلذلك من الظلم ان نكلف المرأة بما نكلف به الرجل لان ذلك ما لا تتحمله.

 

والعدالة في عالم الطبيعة تدخل ضمن هذا المعنى الواسع، فلو ان قلب حوت يزن طنا مثلا قد ساوى قلب عصفور لا يكاد يزن بضع غرامات ما كان ذلك عدلا، ولو تساوت جذور شجرة ضخمة مع جذور نبته صغيرة لما كان ذلك عدلا، بل لكان ذلك ظلما فاضحا.

 

فالعدالة اذن هي ان ينال كل كائن نصيبه بموجب ما يتطلبه استحقاقه واستعداده ولياقته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اللطيف

 

 

 

 

* اللطيف لغة: ما دق او عمض فصعب أو استحال ادراكه فهو لطيف. ولطف الامر

 يلطف: دبّر الوصول اليه وانجازه في رفق واحكام، دون ان يشعر به احد فهو لطيف. ولطف الله بعباده احسن اليهم وانجاهم من الشدائد.

 

ولاسم اللطيف تفاسير عدة. لعله لم يات في بقية الاسماء ما ورد من اختلاف كما ورد في هذا الاسم المبارك.

منها: اللطيف: العالم بغوامض الاشياء ثم يوصلها الى المستصلح برفق دون العنف او البر بعباده الذي يوصل اليهم ما ينتفعون به في الدارين ويهيء لهم اسباب مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وهذا الرأي قال الشهيد الاول.

ومنها: ما في كتاب التوحيد عن الامام الصادق(ع): اللطف هو العالم بالمعنى اللطيف، كالبعوضه وخلقه اياها وانه لا يدرك ولا يحد، وفلان لطيف في امره رقيق في عمله متعمق متلطف لا يدرك امره وليس معناه انه صغر ودق.

ومنها: في كتاب الغريبين: اللطيف من اسمائه تعالى وهو الرفيق بعباده، ويقال لطف له يلطف ( بالكسر) اذا رفق به ولطف الله بك اي اوصل اليك مرادك برفق ، واما لطف يلطف ( بالضم) فمعناه صغر ودق.

ومنها: ان الشيء الصغير الذي لا يحس به لغاية صغره يسمى لطيفا، والله سبحانه وتعالى لما كان منزها عن الجسمية والجهة لم يحس به، فاطلقوا اسم الملزوم على اللازم فوصفوا الله تعالى بانه لطيف بمعنى غير محسوس، وكونه لطيفا بهذا الاعتبار يكون من صفات التنزيه.

ومنها: اللطيف هو البر بعباده ، الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويهيء لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون وهو الذي يريد بعباده المؤمنين الخير واليسر ويقيض لهم اسباب الصلاح والبر.

ومنها: ما ذكره الغزالي: ان هذا الاسم انما يستحقه من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف، ثم يسلم في ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف فاذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الادراك تم معنى اللطف ، ثم لا يتصور كمال هذا العلم الا الله سبحانه وتعالى، اما علمه بالغوامض والخفايا فلا شك فيه، فان الخفي والجلي بالنسبة اليه في العلم سيان واما رفقه في الافعال ولطفه فيها فلا يدخل تحت الحصر.

 

فلو اردنا ان نذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها لعجزنا عنه، فانه قد تعاون على اصلاح تلك اللقمة خلق لا يحصى عددهم، من مصلح الارض وزارعها وساقيها، وحامل حبها ومنقيها وطاحنها وعاجنها الى غير ذلك. فهو سبحانه وتعالى من حيث دبر الامور حكيم ومن حيث اوجدها جواد، ومن حيث رتبها مصور، ومن حيث وضع كل شيء في موضعه عدل، ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه اللطف والرفق لطيف. ولن يعرف حقيقة هذه الاسماء البتة من لم يعرف حقيقة هذا الافعال.

 

ومن لطفه بعباده انه اعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة. وسهل عليهم الوصول الى سعادة الابد بسعي خفيف في مدة قصيرة وهي العمر. وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله عز وجل  والتلطف بهم في الدعوة الى الله تعالى، والهداية الى سعادة الاخرة من غير ازراء وعنف ومن غير تعصف وخصام.

 

وقيل: هو بمعنى ملطف كالبديع بمعنى مبدع.

وقيل: اللطيف هو الذي يكلف اليسير ويعطي الكثير فهو اللاطف بعباده يسوغ الانعام وانما عدل عن وزن فاعل الى وزن فعيل للمبالغة.

وقيل: اللطيف الذي اذا دعوته لباك ، وان قصدته آواك، وان احييته اولاك وان اطعته كافاك وان عصيته عافاك، وان اعرضت عنه دعاك، وان اقبلت اليه هداك.

 

* رواية الامام الرضا: يروي الفتح بن يزيد الجرجاني حديثا عن الامام علي بن موسى الرضا(ع) يعتبر معجزة في هذا المجال لعله يشير من خلاله الى الجراثيم والكائنات المجهرية قبل ان يولد باستور بقرون يفسر فيه معنى اللطيف:

" ... انما قلنا اللطيف ، للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف، او لا ترى وفقك الله وثبتك، اثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف، ومن الخلق اللطيف ومن الحيوان الصغار اللطيف، ومن البعوض والجرجس وما هو اصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الانثى، والحدث المولود من القديم لما راينا صغر ذلك في لطفه واهتداء للسفاد والهرب من الموت والجمع لما يصلحه وما في لجج البحار وما في لحاء الاشجار والمفاوز والقفار واتهام بعضها عن بعض منطقها وما يفهم به اولادها عنها ونقلها الغذاء اليها ثم تأليف الوانها حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة وانه ما لا تكاد عيوننا تستبينه لدمامة خلقها لا تراه عيوننا ولا تلمسه ايدينا.

علمنا ان خالق هذا الخلق لطيف بخلق ما سميناه بلا علاج ولا اداة ولا آله وان كل صانع شيء فمن شيء صنعه والله الخالق اللطيف الجليل خلق وضع لا من شيء." ومن تطبيق لهذا الاسم قوله تعالى: "الم تر ان الله انزل من السماء ماء فتصبح مخضرة ان الله لطيف خبير" الحج 63

 

تبين هذه الآية قدرة الله اللامحدودة. لقد اخضرت الارض المرتدية رداء الحزن من اثر الجفاف بعدما نزل المطر عليها فاصبحت تسر الناظرين بواسطة لطف الله بعمله الجميل، فبلطف الله تنمو البذرة تحت الارض، ثم ترتفع خلافا لقانون الجاذبية وترى الشمس وتشم نسيم الهواء من اجل ان تصبح نباتا مثمرا او شجرة باسقة.

 

فهو الذي انزل المطر فمنح التربة الجافة لطفا ورقة لتسمح للبذرة بالحركة والنمو ، وهو خبير بجميع المراحل التي تمر بها هذه البذرة حتى ترتفع الى السماء. يرسل الله المطر بقدرة وبخبرة منه فان زاده صار سيلا وان نقصه كثيرا ساد الجفاف.

 

وهذا نبي الله يوسف(ع) يخبر بعد حقق له تفسير رؤياه على اخوته " ان ربي لطيف لما يشاء" فلطف الله بيوسف(ع) وبالناس من حوله اقتضى ان يبعد يوسف عن ابيه بمؤامرة من اخوته من خلال محاولة قتله ولكن الله انجاه بلطفه وجميل تدبيره ليضعه في قصر عزيز مصر ، ولطف الله اقتضى ان يسجن يوسف(ع) من خلال مؤامرة زوجة عزيز مصر ليعرف السجناء انه من الصالحين وان له قدرة كبيرة على تفسير الرؤيا ليفسر اخيرا رؤيا كان لها الاثر الخطير على مستقبل الناس التي مكنت يوسف من إصلاح الأمر عبر كونه مكينا على خزائن الأرض وبالتالي انقاذ الآف الناس من الخطر الحقيقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخبير

 

 

 

 

خبر الأمر من باب قصر عمله فهو خبيره أي عارف ببواطن الأمور والاسم الخبر أي المعرفة ببواطن الأمور، وخبره إذا بلاه واختبره وبابه نصر ومصدره خبرة أيضاً والخبير في صفات الله تعالى له تفسيران:

* الاول: وهو العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته، وهو المراد بقوله تعالى: " فاسأل به خبيرا" الفرقان 5. يقال فلان خبير بهذا الامر خبرة، وهو اخبر به من فلان، اي اعلم، الا ان الخبير في صفة المخلوقين انما يستعمل في العلم الذي يتوصل اليه بالاختبار والامتحان والاكتساب، والله تعالى منزه عن ذلك كله لانه هو العالم بل هو العلم كله والعلم عين ذاته.

* الثاني: انه الخبير بمعنى المخبر، فهو فعيل بمعنى مفعل، وهو كثير في كلام العرب، كالسميع بمعنى المسمع والبديع بمعنى المبدع فيكون الخبير هو المخبر وهو عبارة عن كلامه. وحظ العبد من هذا الاسم ان يكون شديد البحث والفحص عن محاسن الاخلاق ومقابحها وعن ان ما معه من الصفات والاخلاق من اي القسمين وان لا يغتر في هذا الباب بأنواع تلبيس ابليس، فلا يغتر بأنه خبير يتشارك مع الله تعالى في صفته فيصيبه الغرور القاتل.

 

ومن ادب المؤمن مع اسم الخبير انه من عرف ان الله خبير باحواله وظروفه وكل شيء يحيط به وبأفعاله وتروكه وتأييده ورفضه ونومه وقيامه وغشه وما الى هناك من افعال يفعلها من باطل وحرام كان محترزا في اقواله واعماله مجتنبا عن معاصيه تعالى، لان من كان به خبيرا عالما تمام العلم شاهدا عليه وعلى افعاله فانه يكون حجة عليه يوم القيامة خاصة وان الشاهد يومذاك هو الحاكم وهو القاضي.

 

ومن كان يؤمن بالله الخبير بمصلحته ينبغي ان يكون واثقا ان ما قسم له لا يفوت وما لم يقسم له لا يدركه، فيرى جميع الحوادث من الله سبحانه فتهون عليه الامور بخلاف من يضيف بعض الحوادث الى الحق وبعضها الى الخلق فانه يكون ابدا في تعب.

 

فاذا عرف العبد ان الله مطلع على سره عليم بخفي ما في صدره يكتفي برفع همته اليه واستحضار حاجته في قلبه من غير ان ينطق بلسانه وهذا ارفع درجة في علاقة العبد بربه، فهذا ابراهيم(ع) حينما قذف النمرود به الى آتون النار انزل الله جبرائيل ليسأل ابراهيم ان كان له حاجة ليقيضها الله وطبعا حاجة ابراهيم في تلك اللحظة ان ينقذه الله من حر النار وعذابها، ولكن علم ابراهيم بربه وخبرته به جعله مطمئن البال بان الله الرحمن الرحيم اللطيف بعباده لا يمكن ان يتخلى عنه في تلك اللحظة لذلك توجه الى الملك جبرائيل قائلا: علمه بحالي يكفيه عن سؤالي.          

 

الفصل الأول

شرح الأسماء الحسنى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     

الله

 

 

لفظ الله كأسم يعتبر من أشمل أسماء رب العالمين الذي يدل عليه دلالة لا يشاركه به أحد على الإطلاق بخلاف بعض الأسماء (الصفات) التي يمكن أن يتصف بها بعض الناس بقرينة أو بدونها وهذا الأسم يحيط بجميع صفات الله دون بقية الصفات التي تشير إلى جانب معين من صفات الله كالخالق والرزاق والمحي والمميت.

 

وبتعبير آخر فإن لفظ الله بنفسه يحيط بجميع الصفات الجلالية والكمالية بعكس بقية الأسماء فإنها تشير إلى جانب من الصفات لا إلى كل الصفات ولأجل ذلك فإن لفظ الله يمكن أن يوصف ويخبر عنه بإحدى الصفات أو بكلها كما جاء في سورة الحشر في قوله تعالى:

"هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم")1)  

 

وكدليل على أن لفظ الله يجمع كل الصفات إن إعلان توحيد الله لا يتم إلا به كقولنا لا إله إلا الله ولا يفي قولنا لا إله إلا الرزاق مثلاً في تحقيق مقصودنا في الدلالة على التوحيد

 

ولفظ الله علمٌ للذات الإلهية المقدسة أطلق عليها بالغلبة ذلك أنه مأخوذ من كلمة الإله أي المعبود أو المحير الذي تتحير به العقول. قال السيد الطبطبائي قده : "وأما لفظ الجلالة ، فالله أصله الإله، حذفت الهمزة لكثرة الإستعمال، وإله الرجل يأله بمعنى عبد، أو من أله الرجل أو وله الرجل أي تحير ... سمي إلهاً لأنه معبود أو لأنه مما تحيرت في ذاته العقول والظاهر أنه علم بالغلبة"(2) أي من كثرة الإستعمال تعين هذا اللفظ كأسم للذات الإلهية. ومما يؤكد علمية لفظ الله أنه يوصف ببقية الصفات ولا يوصف به.

 

وكونه مأخوذا من أسم مشتق أي صفة (الإله أي المعبود) لا يضر بعلميته ذلك أن الصفة المنقولة إلى العلمية تتجرد تلقائياً من معناها السابق وتصبح بمثابة لفظ جديد، له معنى مغاير للمعنى السابق نظير كلمة بحر الدالة على المكان المستوعب للمياه المعروفة فإذا ما أسميت ولدي بالبحر فيصبح هذا اللفظ له معنى جديد مختلفاً تماماً عن المعنى السابق.

 

 

 

1. سورة الحشر آية 22-23-24

2. تفسير الميزان الجزء الأول ص18

وقد وقع كلام بين العلماء في أن لفظ الله أسم للذات المقدسة بجريان النعوت عليه أو أنه أسم للذات المقدسة مع جملة الصفات الإلهية.

قال صاحب مصباح الكفعمي: "الله أسم علم مفرد موضوع على ذات واجب الوجود تعالى شانه" (1)

وقال الغزالي: "الله أسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي فإن كل موجود سواه مستحق للوجود بذاته وإنما إستفاد الوجود منه تعالى" (2)

وقال الشهيد: "الله أسم للذات بجريان النعوت عليه. وقيل هو أسم للذات مع جملة الصفات الإلهية فإذا قلنا الله تعالى فمعناه الذات الموصوفة بالصفات الخاصة وهي صفات الكمال ونعوت الجلال" (3)

يبقى أن نشير إلى مسألة مهمة وهي: إن الله وصف نفسه بأنه "ليس كمثله شيء" ومع ذلك عندما يحدثنا الله عن نفسه فإنه يحدث عن نفسه بصيغة المذكر. فهل الله مذكر؟!

 

من الطبيعي والبديهي أنه ليس كذلك للأدلة العقلية والنقلية خاصة وأن آية "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" تستصخرنا بذلك وتقطع كل طريق أمام وهمنا الباطل.

 

ولكن لو عدنا إلى كتب النحو وطرقنا ابوابها لزال الوهم وبانت الحقيقة كأجلى ما يمكن أن يكون الجلاء ففي باب الممنوع من الصرف يقول النحاة أن الممنوع من الصرف هو ما إجتمعت فيه علتان فرعيتان من علل تسع أو واحدة تقوم مقامهما

 

وقد جمع أبن النحاس هذه العلل الفرعية في بيت من الشعر

إجمع وزن عادلاً أنث بمعرفة                      ركب وزد عجمة فالوصف قد كملا

ولتوضيح الأمر نقول : الواضح في اللغة عندما يريد احدناأن يعبر عن موضوع معين أول ما يعبر فإنه يعبر عنه بالمفرد. فالأصل أن يعبر عن الشيء بالمفرد. ثم تقتضي الحاجة أن يعبر عن شيئين فبدل أن يقول مثلاً جاء رجل ورجل فيقول رجلان وبدل أن يقول كتاب وكتاب وكتاب يقول كتب فالمثنى والجمع فرع عن المفرد هو الأصل.

وهكذا فإن الواضع أول ما يضع فإنه يضع الشيء نكرة ثم تقتضي الحاجة أن يعبر عنه بالمعرفة فأول ما يضع يقول : كتاب ثم يقول كتابي كتابه كتابك. فالنكرة هي الأصل والمعرفة فرع عن النكرة.

والواضع أول ما يضع للمذكر ثم يضع لأنثى ذلك الذكر، فالمذكر هو الأصل والمؤنث هو الفرع.

ولما كانت الذات الإلهية معنى من المعاني التي يريد الإنسان أن يعبر عنها فمن الطبيعي أنه يعبر عنها بالتذكير على الأصل لا بالتأنيث على الفرع وإلا فإن الذات الإلهية ليست ذكراً ولا أنثى وهذا أوضح من أن يخفى .

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 364 الطبعة الجديدة بيروت

2-3. نفس المصدر

ومن لطيف ما قيل عن لفظ الله "أن هذا الأسم المقدس أربعة أحرف  فإذا وقفت على الأشياء عرفت أنها منه وبه وإليه وعنه. فإذا أخذ منها الالف  بقي لله ولله كل شيء. فإذا أخذ اللام وترك الالف بقي إله وهو إله كل شيء، فإن أخذ الالف من إله بقي له وله كل شيء. فإن أخذ من له اللام بقي هاء مضمومة وهي هو فهو وحده لا شريك له وهو لفظ يوصل إلى ينبوع العزة ولفظ هو مركب من حرفين والهاء أصل الواو فهو حرف واحد يدل على الواحد الحق والهاء أول المخارج والواو آخرها هو الأول والآخر والظاهر والباطن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منشأ الصفات

                                              

 

مما لا شك فيه أن منشأ الصفات هوكتاب الله. وقد وردت جملة من الصفات أطلقت بصراحة على الله عز وجل كالرحمن والرحيم والغفور والسلام والمؤمن والجبار والمتكبر والبارىء والمصور والملك والقدوس وعالم الغيب والشهادة. فمثل هذه الصفات التي وردت في الكتاب ولا شيء منها يوهم نقصاً في الذات الإلهية يجوز إطلاقها علىالله تعالى.

 

ولا يضر أن نشتق الصفة من فعل أطلقه الله على نفسه فنشتق منه صفه له مثل اطلاق كلمة الناصر مثلاً من قوله تعالى: " أن تنصروا الله ينصركم "فلا يشترط في الصفة المطلقة على الله عز وجل أن تكون مذكورة بصراحة في القرآن.

 

وبدوا قد يظن الأنسان أنه يمكن أن يطلق على الله صفة يستقرب أن يكون متصفاً بها كالعاقل والفطن والذكي ولكن مثل هذه الصفات التي لم يرد به السمع من القرآن والأحاديث يمتنع أن نطلقها على الله لأنها تشعر وتوهم بنقص فيه عز وجل إذ مثلاً صفة الداري توهم تقدم الشك وهكذا صفة الذكي توهم بعجز أو مشكلة تواجهه ثم بذكائه يمكن أن يتخلص من تلك المشكلة.

 

وهناك صفات قد وردت في القرآن ولكن اطلاقها في غير المورد التي يذكرها الله في كتابه يوهم النقص والانتقاص منه عز وجل كأن تخاطب الله: يا ماكر يا مستهزىء أو تقسم بالمستهزىء والماكر، فمثل هذه الصفات لا يمكن إطلاقها على الله عز وجل.

 

وهناك صفات يمكن أن يستوحيها العقل مما يليق ويناسب كماله وحضرته الشريفة ولا نقص فيه ولا انتقاص ولكن مثل هذه لا تطلق عليه إما منعاً أو تأدباً.

قال الشهيد: الأولى التوقف عما لم يثبت به التسمية به وإن جاز أن يطلق معناه عليه (1) وقال الشيخ نصير الدين الطوسي: " كل أسم يليق بجلاله ويناسب كماله مما لم يرد به اذن يجوز اطلاقه عليه تعالى إلا أنه ليس من الأدب لجواز أن لا يناسبه تعالى من وجه آخر" (2)

 

وقال الشيخ علي بن يوسف بن عبد الجليل في كتابه منتهى السؤال : لا يجوز أن يطلق على الواجب تعالى صفة لم يرد في الشرع المطهر اطلاقها عليه وأن صح اتصافها بها معنى كالجوهر مثلاً بمعنى القائم بذاته لجواز ان يكون في ذلك مفسدة خفيه لا نعلمها فإنه لا يكفي في اطلاق الصفة على الموصوف ثبوت

 

 

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 392

2. نفس المصدر

معناها له فإن لفظتي عز وجل لا يجوز اطلاقهما على النبي(ص) وان كان عزيزاً جليلا في قومه لأنهما يختصان بالله تعالى(1).

 

ولأن الصفات بعضها مذكور بصراحة وبعضها مشتق من أفعال نسبها الله إليه فان القوم اختلفوا في عد هذه الصفات فبعضهم يدخل صفة وبعضهم لا يعتبرها ويدخل صفة أخرى رغم وجود رواية مرويه عن الإمام الرضا(ع)

ففي كتاب العدة للشيخ أبي العباس أحمد بن فهد يروي أن الإمام الرضا(ع) روى من أبيه عن آبائه عن علي(ع) أن لله تسعة وتسعين أسماً من دعا بها استجيب له ومن أحصاها دخل الجنة وهي:

الله ، الواحد ، الأحد ، الصمد ، الأول ، الآخر ، السميع ، البصير ، القدير ، القاهر ، العلي ، الأعلى ، الباقي ، البديع ، البارىء ، الأكرم ، الظاهر ، الباطن ، الحي ، الحكيم ، العليم ، الحفيظ ، الحق ، الحسيب، الحميد ، الخفيّ ، الرب ، الرحمن ، الرحيم ، الذارىء ، الرزاق ، الرقيب ، الرؤوف ، الرائي ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، السيد ، السّبوح ، الشهيد ، الصادق ، الصانع ، الطاهر ، العدل ، العفو ، الغفور ، الغني ، الغياث ، الفاطر ، الفرد ، الفتاح ، الفالف ، القديم ، الملك ،القدوس ، القوي، القريب ، القيوم ، القابض ، الباسط ، القاضي ، المجيد ، الولي ، المنان ، المحيط ، المبين ، المقيت ، المصور ، الكريم ، الكبير ، الكافي ، كاشف الضر ، الوتر ، النور ، الوهاب ، الناصر ، الواسع ، الودود ، الهادي ، الوفي ، الوكيل ، الوارث ، البر ، الباعث ، التواب ، الجليل ، الجواد ، الخبير ، الخالق، خير الناصرين ، الديان ، الشكور ، العظيم ، اللطيف ، الشافي.

ومن الطبيعي أن المقصود من قول الإمام " ومن أحصاها " ليس الإحصاء العددي الذي لا ينعكس على شخصية الانسان المسلم بأي شيء خير بل المقصود والله الأعلم أن من يحاول أن ينبشها من مداركها هو الإنسان المهتم الذي يعيش بكيانه حضور الله ومن كان الله حاضراً في نفسه فإنه يعيش تماماً حق المعرفة بصفات الله التي تنعكس على روحه أجمل الانعكاس فتقربه من الله وتبعده عن معاصيه وبالتالي يدخل الجنة ومن كان من أهل الجنة حاشا الله أن يخيب دعاءه وهذا مصداق كلام الأمام الرضا(ع) من دعا بها استجيب له ومن احصاها دخل الجنة".

الشهيد مقايسة مع رواية الإمام الرضا(ع) نراه ينقص بعض الصفات مثل القاهر والأعلى والعليم والحسيب والخفي والرائي والرب والذارىء والرائي .

ولعل منشأ النقص وزيادة بعض الصفات لما ذكرناه سابقاً من أن كل صفة مذكورة في القرآن مما لا توهم نقصاً فيه عز وجل يجوز اطلاقه عليه ولكن تحديد الإمام(ع) بـ من دعا بها استجيب له ومن احصاها دخل الجنة يعطي الخصوصية لهذه الأسماء دون غيرها فهذه دون غيرها هي التي ندعو بها وان كان جائزاً ان تطلق تلك الصفات على الله ولكن من دون أثر في استجابة الدعاء .    

 

 

1. مصباح الكفعمي: جـ1 ص 392

الرحمن - الرحيم

 

 

 

ورد أسم الرحمن صريحاً في القرآن ثمانية وخمسون مرة وورد أسم الرحيم صريحاً مئة وعشرون مرة ووردت صفة الرحمة مئة وثلاث وخمسون مرة فيكون مجموع صفة الرحمة في القرآن ثلاثمائة وواحد وثلاثين مرة (1).

وقع كلام بين العلماء في اشتقاق الرحمن الرحيم في أنهما هل هما من الصيغ المبالغ فيها أولا. فالكفعمي مثلا في كتاب الرسالة الواضحة يرى أنهما من ابنيه المبالغة إلا أن فعلان ابلغ من فعيل ثم هذه المبالغة قد توجد تارة بإعتبار الكمية وأخرى بإعتبار الكيفية فعلى الأول: قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص الرحمة بالمؤمنين لقوله تعالى "وكان بالمؤمنين رحيماً".

وعلى الثاني: قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الآخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة.

 

وكذلك نرى أن الشهيد الأول يرى أنهما أسمان المبالغة من رحم والمتأخرون من المفسرين يرون "أن الرحمن صيغة مبالغة تدل على الكثرة والرحيم صفة مشبه تدل على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن أن يدل على الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر وهو الرحمة العامة قال تعالى "الرحمن على العرش استوى"(2) وقال: "قل من كان الضلالة فليمدد له الرحمن مدأ" (3) إلى غير ذلك ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدل على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تفاض على المؤمن كما قال تعالى: "وكان بالمؤمنين رحيما"(4) وقال تعالى: "أنه بهم رؤوف رحيم" (5) إلى غير ذلك. ولذلك قيل: أن الرحمن عام للمؤمن والكافر والرحيم خاص بالمؤمن(6)

 

    وفي هذا المجال يقول الصادق): "والله إله كل شيء الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة(7) ومما يؤكد هذا الأمر أن كلمة الرحمن ذكرت في القرآن بصورة مطلقة مما يدل على عموميتها لكن صفة الرحيم ذكرت أحياناً مقيدة لدلالتها الخاصة كقوله تعالى "وكان بالمؤمنين رحيماً".

 

ثم أن أسم الرحمن من السماء الخاصة بالله ولا تستعمل لغيره بينما الرحيم صفة تنسب لله ولعباده فنرى أن القرآن الكريم يصف بها رسوله الأكرم حيث قال: "عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" (التوبة 128). وإلى هذا الأمر أشار الإمام الصادق(ع) فيما يرى عنه " الرحمن أسم خاص بصفة عامة والرحيم أسم عام بصفة خاصة " (8).

 

 

1. راجع المعجم المفهرس                                4. الأحزاب 43                                          7. الكافي

2. طه 5                                                 5. التوبة 177                                           8. مجمع البيان ج1 ص21

3. مريم 75                                              6. تفسير الميزان ج1 ص 118

يبقى أن نشير إلى أن كلمة الرحيم قد تستعمل أحياناً كوصف عام وهذا يعني أن التمييز المذكور بين الكلمتين لا يخلو من استثناء كقول الإمام الحسين(ع) " يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما " دعاء عرفة .

* إجتماع الصفتين: وردت صفة الرحمن والرحيم مجتمعتين في 6 آيات في القرآن الكريم وفي كل مرة تكون صفة الرحمن متقدمة على الرحيم والوجه في ذلك كما عن الطبرسي أنه " إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن بمنزلة أسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى ولهذا جمع سبحانه بينهما في قوله " قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن " (الاسراء 110) .

* وجه حصر الصفتين في البسملة دون غيرهما من الصفات:

 

قد يتساءل البعض عن اختصاص هاتين الصفتين بالبسملة دون غيرهما من الصفات مع وجود صفات محببة للإنسان كالرزاق والغفور والكريم ونحوها. والجواب يتضح لو عرفنا أن كل عمل ينبغي أن يبدأ بالاستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل جميع الموجودات وتنقذ جميع المستغيثين في اللحظات الحساسة.  وهذه حقيقة يوضحها القرآن إذ يقول: "ورحمتي وسعت كل شيء" (الأعراف 156)

 

ويقول على لسان حمله العرش "ربنا وسعت كل شيء رحمة" والذي يعزز هذا الجانب أن الأنبياء بعظمتهم كانوا يناجون الله برحمته وقد أدبوا اتباعهم على ذلك فلذلك ينقل الله عنهم " ونجنا برحمتك " (يونس 86) وعندما كان الله ينجي القوم يخبر "فانجيناه والذين معه برحمة منا" (الأعراف 72)

 

ثم أن هناك شيئاً مهماً في المقام ينبغي الإلتفات إليه وهو يجب أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء فلا يعقل إذا غضبت على قوم أن تدعو الله عليهم بصفة الرحمن الرحيم ولا يعقل أنك اذا كنت مقصراً مع الله وأردت استنزال الرزق عليك تدعو الله بصفة أنه عادل بل ينبغي أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء وفي هذا المجال يخبرنا الله تعالى حكاية عن عيسى(ع) حينما طلب منه الحواريون المائدة من السماء قال: "اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ... وارزقنا وأنت خير الرازقين " (المائدة 114) .

ويخبرنا أيضاً حكاية عن زكريا حينما تفجرت فيه إحساس الأبوة " رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين " (الأنبياء 89).

 

فإذا عرفنا ذلك نقول: إذا أردنا أن نبدأ بعمل فإننا بذلك نريد له خاتمة وإلا لما بدأنا به أصلاً ولكي نضمن الاستمرارية فأي صفة أفضل من الرحمن الرحيم التي تفيد الاستمرار خاصة وأننا نعلم بحكم الله على نفسه "كتب على نفسه الرحمة" والرحمة لغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والاحسان وهذا يضمن لنا بقرينه كتب على نفسه الرحمة أن يستمر بالتفضل والاحسان. أضف إلى أن في صفة الرحمة نوعاً من كسر الحاجز بين العبد وربه فعندما يشعر العبد بأن المعبود الذي يعبده ليس قاسياً بل يحنو على العبد ويرحمه ويفتح أمامه كل الأبواب نحوه مثل هذا الشعور يجذب القلوب نحو الله.

انفراد صفة الرحمن:

لعل الصفة الوحيدة التي يتكلم بها الإنسان ليعبر عن الله هي صفة الرحمن كقوله تعالى: "إني نذرت للرحمن صوما" (مريم 26) وكقوله: "يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا" (مريم 42) وكقوله: "يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن" (مريم 40)

وقد تحدث الله عن نفسه بصفة الرحمن بشكل ملفت للنظر دون غيرها من الصفات

كقوله تعالى: " قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً " (مريم 75)

وكقوله: " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذعند الرحمن عهداً " (مريم 87)

وكقوله: " قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا " (الملك 29)

وكقوله: " الرحمن، علم القرآن " الرحمن 1 ونحو ذلك من اآيات.

ولعل منشأ التركيز على هذه الصفة أمران تتمحور حولهما الآيات التي تذكر فيهما هذه الصفة .

 

* الأمر الأول: وفيه يردّ الله على الكافرين الذين يعترضون على ذكر هذه الصفة فقد ورد أنه في صلح الحديبية عندما أراد علي أن يكتب معاهدة الصلح قال النبي(ص) لعلي أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم " قال سهيل بن عمرو ومعه المشركون نحن لا نعرف الرحمان: وإنما هناك رحمان واحد في اليمامة وكان قصدهم مسيلمة الكذاب بل أكتب باسمك اللهم كما كانوا يكتبونه في الجاهلية ... فنزلت هذه الآية: " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي اوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن. قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب" (الرعد 30). ونظير هذا الأمر قوله تعالى: "اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن" (الفرقان60) . فمثل هذه الآيات تؤكد على أن كفار قريش لم يوافقوا على وصف الله بالرحمن وبما أن ذلك لم يكن سائداً بينهم فإنهم كانوا يستهزئون به فلذلك نرى أن الله يركز على هذه الصفة بالذات دون غيرها في الخطاب عن نفسه فنراه يواجه الأمر بكل حزم كما في قوله تعالى: " قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن" (الإسراء 110)

 

* الأمر الثاني: وهو ما ذكرناه سابقاً من أن الرحمن بمنزلة أسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى فصار الخطاب بالرحمن تماماً كما هو الخطاب بالله .

 

* إنفراد صفة الرحيم عن الرحمن:

وردت صفة الرحيم منفردة عن صفة الرحمن أما لوحدها كما في قوله تعالى "وكان الله بالمؤمنين رحيما" (الأحزاب 43) وكقوله "أنه كان بكم رحيما" (الإسراء 66) وأما مع صفة التواب كما في قوله تعالى "فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه هو التواب الرحيم" (البقرة 37) أو مع صفة الرؤوف كما في قوله تعالى "ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (الحشر 10) أو مع صفة الغفور كما في قوله تعالى: "واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيما" (النساء 106) أو مع صفة الودود كما في قوله "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود" هود 90 أو مع صفة عزيز كما في قوله تعالى: "وتوكل على العزيز الرحيم " (الشعراء 217) أو مع صفة الرب كما في قوله تعالى " سلام قولا من رب رحيم " يس 58 وسواء أتت منفردة أو مجتمعة فإن معنى الرحيم ظاهرة في ثبوت الرحمة كصفة الزم الله نفسه بها يوم القيامة للمؤمنين .

 

* لطيفة في استعمال الرحمن:

هناك لفتة قرآنية رائعة بمعانيها العميقة وردت في سورة مريم الآية 45 في قوله تعالى "يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا" فإن استعمال أسم الرحمن هنا وان كان بمنزلة أسم العلم ولكنه لا يكون علماً بالمطلق بل يبقى فيه معنى الصفاتية أي الرحمانية وهنا يكمن الخطر لأن مس العذاب من الرحمن يستكشف منه أن هذا الإنسان قد استحوذ عليه الشيطان إلى درجة عظيمه جداً بحيث يحجب نفسه عن وصول الرحمة من الرحمن الذي ينشر رحمته بشكل حتى أن أعناق أبليس تشرئب لها ومع ذلك فقد أضاع نفسه بملذاتها وشهواتها وعنادها ومجهودها.

 

وحال هذا الإنسان مع ربه حال إنسان مع غني كريم النفس يعطي بلا حساب حتى ألد أعدائه ومسامح إلى ابعد الحدود ومتجرد عن أي حساسية مع ذلك لا يعطي فلانا سائلا ، فبلا أشكال نقطع أن هذا السائل قد ارتكب شيئا هائلا لا يمكن ان يتصوره عاقل اطلاقا حتى منع من عطاء هذا الانسان بمواصفاته الكريمة.

 

وكذلك الأمر بالنسبة لمقامنا فعندما يحل العذاب من الرحمن على شخص فمعنى ذلك أن هذا الإنسان قد ارتكب شيئاً هائلا بحق نفسه أمام الله بحيث أن هذا الذنب بقبحه الشديد قد حجب رحمة الله الذي نشرها لجميع عباده وخلقه كما تحجب الغيوم السوداء نور الشمس ودفئها .

 

 

 

 

 

 

 

 

الملك

 

 

 

 

ترد لفظة الملك بعدة صيغ لفظية تختلف في معانيها اختلافا كبيراً.

فالملك (بكسر الميم) وهو أن يتصرف في شيء أي تصرف كيف شاء وهو على قسمين:

- اولاً: منها ما هو حقيقي وهو كون شيء كالانسان مثلاً بحيث يصح له أن يتصرف في شيءأي تصرف أمكن بحسب التكوين والوجود مثل أن يتصرف الإنسان في عينه فله أن ينظر بها وله أن لا ينظر بها بأي نحو شاء وأراد وكذا الأمر بالنسبة ليده فله أن يقبضها فلا يمسك بها شيء وله أن يمسك بها أي شيء يريده.

ومن هذا القبيل ملكه تعالى للعالم ولجميع أجزائه وشؤونه على الاطلاق، فله أن يتصرف فيما شاء وكيفما شاء.

 

- ثانياً: ومن الملك ما هو اعتباري وضعي وهو كون الشيء كالانسان بحيث يصح أن يتصرف في شيء كيف شاء بحسب الرابطة التي اعتبرها العقلاء من أهل الاجتماع من أجل غرض معين.

والملك: (بضم الميم) وهو ما يملكه جماعة الناس من أي شيء.

والملك: (بفتح الميم) وهو المليك وهو الله. والمليك مالك لما يملكه رعاياه وله أن يتصرف فيما يملكونه من غير أن يعارض تصرفهم تصرفه ولا أن يزاحم مشيئتهم مشيئته فهو في الحقيقة ملك على ملك. والله سبحانه مالك كل شيء ملكاً مطلقاً.

 

أما أنه مالك لكل شيء على الاطلاق فلأن له الربوبية المطلقة والقيمومه المطلقة على كل شيء فإنه خالق كل شيء وإله كل شيء قال تعالى " ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو " (المؤمن 62) وقال تعالى "له ما في السموات وما في الأرض" (البقرة 255) وقوله "الذي له ملك السموات والآرض ولم يتخذ ولدا" (الفرقان 2) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل ما يسمى شيئاً فهو قائم الذات به إي بالله مفتقر إليه لا يستقل دونه وهذا هو الملك.

 

وأما أنه مليك على الاطلاق فهو لازم اطلاقه كونه مالكاً للموجودات فإن الموجودات أنفسها تملك بعضها بعضاً كالانسان يملك اعضاءه وقواه الفعالة من سمع وبصر وغير ذلك وهي تملك أفعالها وإذ كان الله سبحانه يملك كل شيء فهو يملك كل من يملك منها شيئاً ويملك ما يملكه قال الله تعالى: "وله الملك وله الحمد" التغابن وقال تعالى: "عند مليك مقتدر" (القمر 55) .

 

وحتى في الاعتباريات فإن الله هو المالك لأنه هو المعطي لكل من يملك شيئاً من المال ولو لم يكن

الله هو المالك الحقيقي لم يصح منه الاعطاء ولكان معطياً لما لا يملك لمن لا يملك قال تعالى: " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم".

 

ومن هنا نعرف طالما أن الله هو المليك وهو المالك الحقيقي فللمالك الحقيقي أن يتصرف في ملكه كيفما شاء لا بنحو العبثية لآنه تعالى عن ذلك علوا كبيراً وانما يتصرف في ملكه كيفما شاء بحجة ومصلحة ومن ذلك ما فرضه الله من أحكام الزكاة والخمس فالانسان مع كل ما يتعب ويشقى فإن الله مثلاً يفرض عليه بعد فاضل   مؤنته الخمس، إذ طالما أنه هو المالك الحقيقي والانسان يملكه بإرادة الله واعتباره الذي ينزله الله منزلة المستخلف فيه لا انه مالك حقيقي، ويفرض بقاء هذا الاستخلاف مشروطاً بإعطاء الفقراء خمس مازاد عن مؤنته وهذا لا يضر بملكية الانسان للمال نظير ما لو اسكن فلان فلاناً بيته لمدة مثلاً وصار يتصرف في هذا المسكن فلو جاء المالك وباع المسكن مثلاً فلا يوجد تعارض بين تصرف المالك وتصرف الساكن في البيت.

 

فإذن المالكية أي المالك أو المليك توحي بالسيطرة التامة والهيمنة المستكمة على كل شيء. وملكية الله ملكية حقيقية لا ملكية اعتبارية نظير ملكيتنا نحن للاشياء في هذا العالم كما أوضحناه سابقا. إذ ملكيتنا هذه عقد يبرم بموجب تعامل ووثائق وينفسخ بموجب تعامل آخر ووثائق أخرى. لكن ملكية الله لعالم الكون ملكية حقيقية تتمثل في ارتباط الموجودات ارتباطاً خاصاً بالله ولو انقطع هذا الارتباط لحظة لزالت الموجودات تماماً مثل زوال النور من المصابيح الكهربائية حين ينقطع،  وبعبارة أخرى مالكية الله نتيجة خالقيته وربوبيته، فالذي خلق الموجودات ورعاها ورباها وأفاض عليها الوجود لحظة بلحظة هو المالك الحقيقي للموجودات ونستطيع أن نرى نموذجاً مصغراً للمالكية الحقيقية في مالكيتنا لاعضاء  بدننا، فنحن نملك ما في جسدنا من عين وقلب وأذن واعصاب لا بالمعنى الاعتباري للملكية بل بنوع من المعنى الحقيقي القائم على أساس الارتباط والاحاطة.

 

وإذا عرفنا ذلك كله فإننا نعرف أن استعمال اسم (الملك) كصفة وأسم من اسماء الله الحسنى يأتي دائماً ليبين أنه "الملك الجامع لاصناف المعلومات أو المتصرف بالامر والنهي في المامورين أو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاج إليه كل موجود في ذاته وصفاته"(1) ولينزه الله نفسه عن كل نقص وعدم قدرة ومن مصاديق هذا الاستعمال رد الله على اليهود حينما منعوا النسخ مطلقاً في التشريع والتكوين .

 

وقد استدلوا على ذلك بوجوه مذكورة في الكتب الاصولية من أن النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة وكلا الامرين مستحيل في حقه سبحانه وذلك لان رفع الحكم الثابت لموضوعه أما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه به وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلقاً.

1. مصباح الكفعمي ج1 ص 368                                              

وأما أن يكون من جهة البداء وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين العرفية وهو يستلزم الجهل منه تعالى وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لآنه يستلزم المحال(2) .

 

ولنفي شبهة البداء في التشريعات فليراجع في الكتب العقائدية. وأما البداء في التكوينيات فإن الله سبحانه يرد عليهم في امكان النسخ في مجال التكوين في الآية التالية إذ يقول: " ألم تعلم أن الله له ملك السموات والآرض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير" (البقرة 107) ومفادها أن ملك السماوات والارض لله فله أن يتصرف فيها كيف يشاء وليس لغيره شيء من الملك حتى يوجب ذلك انسداد باب من أبواب تصرفه سبحانه أو يكون مانعا عن تصرف من تصرفاته فلا يملك أي شيء شيئا من قبال مالكيته فله أن يتصرف فيكم وفي ما عندكم ما شاء واراد من أنواع التصرف . وفي هذا المجال كان رد ابراهيم(ع) على النمرود حينما ادعى الالوهية وتجبر وما حاججه ابراهيم(ع) في القدرة التكوينية التي هي اعظم قدرة من خلق الانسان " ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ابراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال ابراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين" (البقرة 258)

 

ومقتضى الاستدلال بهذه الآية أن المالك للشيء يكون مسيطرا ومهيمنا على ملكه يخضعه لارادته كيفما شاء في الوقت الذي شاء والا لا يكون مالكاً له، فحينما حاول النمرود أن يلعب على الالفاظ أو يميع التحدي بإبقاء انسان وقتل آخر وادعاؤه بأن ذلك احياء واماتة مع العلم ان التحدي هو بإيجاد الخلق واحياؤه من العدم لا باستمرار الحياة التي استمدها الانسان من الله فحينما تحولت المسألة إلى التمييع انتقل ابراهيم في تحديه إلى الولاية التكوينية فقال "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب" وهنا بهت الذي كفر لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه اعجز من أن يحرك ساكنا في هذا المجال.

 

وتطبيق هذه الصفة أكثر من أن يحصى ذلك أن كل فعل وكل حركة وكل علم وكل" ملك وما إلى هنالك مترشح على ملكه في الدنيا والآخرة. قال الله ولله ملك السموات والارض ومابينهما واليد المصير" (المائدة 18). وقال تعالى "مالك يوم الدين " (الفاتحة 4) فبين ملك الله للسموات والارض وما بينهما" ومالك يوم الدين يكتمل محور المبدأ والمعاد الذي يعتبر اساس كل اصلاح اخلاقي واجتماعي وفي وجود الانسان .

وتعبير " مالك " يوحي بسيطرة الله التامة وهيمنته المستحكمة على كل شيء في ذلك اليوم.

 

وقد يتساءل لماذا يصف الله نفسه بأنه " مالك يوم الدين " بينما هو مالك الكون كله والجواب: أن الله مالك لعالم الدنيا والآخرة ولكن مالكيته ليوم القيامة أبرز وأظهر لان الارتباطات المادية والملكيات الاعتبارية تنفسخ كلها في ذلك اليوم وحتى الشفاعة لا تتم يومئذ الا بأمر الله " يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله" (الانفطار 19).

والتركيز على مالكية الله ليوم القيامة يقارع معتقدات المشركين ومنكري المعاد لان الايمان بالله عقيدة فطرية عامة حتى لدى مشركي العصر الجاهلي. وهذا ما يوضحه القرآن الكريم إذ يقول: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله" (لقمان 25) بينما الايمان بالمعاد ليس كذلك فهؤلاء المشركون كانوا يواجهون مسألة المعاد بعناد واستهزاء ولجاج" وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق انكم لفي خلق جديد افترى على الله كذبا أم به جنه" .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القدوس

 

 

 

 

وهو الطاهر من العيوب المنزه عن الاضداد. والتقديس معناه التطهير ومنه قوله تعالى عن الملائكة "ونقدس لك" أي ننسبك إلى الطهارة وسمي بيت المقدس بذلك لآنه المكان الذي يطهر من الذنوب، وقيل للجنة حظيرة القدس لأنها موضع الطهارة من الادناس والآفات التي تكون في الدنيا(1). فالدنيا بما فيها من عيوب ونقائض وتناقضات تجعل الحياة فيها غير مستمرة فهي موضع العذابات التي يتعذب فيها الكثير من الناس وموضع الابتلاء الذي يبتلي فيها الناس والموضع الذي يعصى فيه الله فهي بالتالي موضع العيوب والنقائض وفي مقابلها الحياة الآخرة في الجنة حيث الكمال والتنزيه عن مثل هذه الامور فلا غل ولا حقد ولا تنابذ ولا تخاصم ولا ابتلاء فهي موضع كامل منزه عن مثل الامور الموجودة في الحياة الدنيا.

 

وقد وردت هذه الصفة بصريح اللفظ في موردين في القرآن الكريم المورد الأول في الآية 23 من سورة الحشر في قوله تعالى: "هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس". والمورد الثاني في سورة الجمعة في الآية الأولى: "يسبح لله ما في السماوات والارض الملك القدوس العزيز الحكيم " وورد مورد واحد مشتق من القدوس في سورة البقرة آية 30 في قوله: "ونحن نسبح لك ونقدس لك" .

 

والقداسة التي يتصف بها الله موضع تسبيح كل ما في السماوات والارض. فالتسبيح تنزيه الشيء ونسبته إلى الطهارة والنزاهة من العيوب والنقائص والتعبير بالمضارع في قوله تعالى: " يسبح لله ... " للدلالة على الاستمرار والقدوس مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة .

 

والله تعالى القدوس تسبحه وتنزهه الموجودات السماوية والارضية بما عندهم من نقائص الذي هو متممها مما فيها من نقيصه ولا حاجة الا والله مرجو في اتمامها وقضائها فهو المسبح المنزه من كل نقص وحاجة فله أن يحكم في نظام التكوين بين خلقه بما شاء وفي نظام التشريع في عبارة بما اراد .

 

وإذا حكم وشرّع بينهم دينا لم يكن ذلك منه لحاجة إلى تعبيدهم ونقص فيه يتممه بعبادتهم لانه قدوس منزه عن كل نقص وحاجة. ولمكانة التقديس الذي يتصف به الله والذي تفهمه الملائكة جيدا جاء استفسار واستهجان الملائكة حينما اخبرهم الله عن ارادته بخلق خليفة له على الارض.

 

فعندما رأت الملائكة أن هذا الخليفة يتصف بحرية الاختيار بين الخير والشر وعنده قابلية الشر وسفك الدماء جاء استهجان الملائكة واستغرابها.

 

 

1. مصباح الكفعمي ج1 ص368

إذ الخلافة وهي قيام شيء مقام آخر لا تتم الا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره واحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجود مسمى بالاسماء الحسنى متصف بالصفات العليا من أوصاف الجمال والكمال، منزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته والخليفة الآدمي بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود الالهي المقدس المنزه عن جميع النقائص.

 

فملخص  قول الملائكة أن جعل الخلافة انما هو لاجل أن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجود والترابية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد والشر والغاية من هذا الجعل وهي التسبيح والتقديس كما يفعله الملائكة. فنحن خلفاؤك أو فاجعلنا خلفاء لك، وبالتالي فما فائدة جعل هذه الخلافة الارضية لك؟ فرد الله سبحانه عليهم بقوله : اني اعلم ما لا تعلمون، اذ ان هذا الخليفة فيه من المقدرات والاهلية لان يقدس الله ما لم يقدسه ملك ويعبد الله عباده لا يطيقها ملك مقرب وبالتالي فإن الغاية من خلقه تتحقق بلا اشكال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السلام

 

 

 

 

الأصل في معنى السلام على ما ذكره الراغب في المفردات هو التعري عن الآفات الظاهرة والباطنة واليه يرجع معناه في جميع مشتقاته. والسلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة. والظاهر أن السلام والامن متقاربان معنى، وانما الفارق ان السلام هو الامن مأخوذا في نفسه، والامن هو السلام مضافا إلى ما يسلم منه يقال : هو في السلام ، وهو في أمن من كذا وكذا.

 

والسلام من أسمائه تعالى لان ذاته المتعالية نفس الخير الذي لا شر فيه، وتسمى الجنة دار السلام حيث لا شر فيها ولا ضرر على ساكنها. وقيل : انما سميت دار السلام لانها دار الله الذي هو السلام.والمآل   واحد في الحقيقة لانه تعالى انما سمي سلاما لبراءته من كل شر وسوء. ودار السلام، هناك حيث لا وجود ولا خبرعن مطاحنات واعتداءات مغيّري الحياة المادية ولا عن مضايقات المدخرين للثروات الجاهلين بالله الحمقاء، ولا حرب ولا اراقة دماء ولا استعمار ولا استثمار وكل هذه المفاهيم جمعت في كلمة دار السلام.

 

ولان الله هو السلام فهو يهدي إلى دار السلام قال الله تعالى: " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" ولان الله السلام عار عن الآفات الظاهرة والباطنة وهو الذي يعطي الامن الامان ولان على الانسان ان يتخلق باخلاق الله فان الله يهدي إلى سبل السلامة التي تشمل سلامة الفرد والمجتمع والروح والجسد والعائلة والسلامة الاخلاقية ، وكل هذه الآمور تدخل في الجانب العملي من العقيدة. ويهدي الله إلى نعمة النجاة من ظلمات الكفر والالحاد ويهدي إلى النور.

 

وبديهي أن هذه النعم لا يحظى بها الا من أسلم وجهه لله وخضع للحق بالعبودية والطاعة وكان مصداقا للعبارة القرآنية القائلة "من اتبع رضوانه" بينما لا يحظى المنافقون والمعاندون واعداء الحق بأي فائدة مطلقا كما تشير إلى ذلك آيات قرآنية عديدة.

 

وقد ورد عن الامام الباقر(ع) في رواية: سمعت أبا جعفر(ع) يقول في قول الله عز وجل "والله يدعو إلى دار السلام" فقال: ان السلام هو الله عز وجل وداره التي خلقها لاوليائه الجنة. ومن المعلوم ان صفة السلام وردت صريحا مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة الحشر في قوله: " لااله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن"

 

وتتميز هذه الصفة عن بقية الصفات انها مورد المراسلة بين رب العزة وأوليائه الصالحين من الانبياء وغيرهم من المعصومين. وفي هذا المجال نماذج كثيرة نكتفي بذكر مورد واحد مع سيدة نساء العالمين بعد وفاة الرسول(ص). "قال أبو جعفر(ع): ولما اراد الله تعالى ان ينزل عليها جبرائيل وميكائيل واسرافيل ان يحملوه(1) فينزل به عليها وذلك يوم الجمعة من الثلث الثاني من الليل فهبطوا به وهي قائمة تصلي فما زالوا قياما حتى قعدت. ولما فرغت من صلاتها سلموا عليها وقالوا" السلام يقرئك السلام ووضعوا المصحف في حجرها فقالت: لله السلام ومنه السلام واليه السلام وعليكم يارسل الله السلام ثم عرجوا الى السماء فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى اتت على آخره(2) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1.       مصحف فاطمة

2.       الطبري، دلائل الإمامة ص 29-30

المؤمن

 

 

 

 

اختلفت الاقوال في المراد من معنى هذا الاسم الكريم واهمها : أن المؤمن هو

1.     انه يصدق عباده وعده ويفي بما ضمنه لهم.

2.     انه يصدق ظنون عباده المؤمنين ولا يخيب آمالهم.

3.     أن المؤمن هو المصدق لرسله باظهار معجزاته على ايديهم

4.     عن الامام الصادق): سمي سبحانه مؤمنا لانه يؤمن عذابه من اطاعة

5.     في الصحاح : الله مؤمن لانه أمن عباده ظلمه

 

الا ان منطلق هذه الاقوال كلها ما في مادة هذا الاسم الكريم من معنى الايمان والامان . فالايمان في اللغة مصدر من فعلين احدهما من التصديق . قال تعالى: "وما انت بمؤمن لنا" (يوسف 17). أي بمصدق لنا.

والثاني: الامان الذي ضد الاضافة . قال الله تعالى: "وآمنهم من خوف" قريش 1 ومن المحققين في اللغة من قال: الايمان اصله في اللغة هذا المعنى الثاني. وأما التصديق فانما سمي ايمانا لان المتكلم يخاف ان يكذبه السامع، فاذا صدقه فقد ازال ذلك الخوف عنه.

 

فان فسرنا كونه تعالى مؤمنا بكونه مصدقا ففيه وجوه:

الاول: أنه اخبر عن وحدانية نفسه حيث قال: " شهد الله أنه لا اله الا هو" فكان هو الاخبار ، وهذا التصديق ايمانا.

الثاني: أنه صدق انبياءه باظهار المعجزعلى ايديهم ، فاظهار المعجزه من صفات الفعل ، ولكنه دل على أنه صدق الرسل بكلامه في ادعاء الرسل ولذلك قال: "محمد رسول الله " فكان هذا الاخبار والتصديق ايمانا.

الثالث: يصدق عباده ما وعدهم من الثواب في الآخرة والرزق في الدنيا. قال في الثواب "جزاؤهم عند ربهم جنات" (البينة . قال في الرزق " وما من دابة في الارض الا على الله رزقها" (هود 6)

الرابع: أنه قال في صفة المؤمنين " لا يحزنهم الفزع الاكبر" (الانبياء 103) فهو تعالى يصدق هذه الاخبار.

الخامس: أنه تعالى قال: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون" (الحجر 9) فهو يصدق هذا الوعد.

أما اذا حملنا كونه تعالى مؤمنا على انه تعالى يجعل عباده آمنين من المكروهات فهذا يمكن حمله على احوال الدنيا وعلى احوال الآخرة.

 

أما الدنيا، فان ازالة الخوف لا يعقل الا حيث حصل هناك خوف ، ولا خوف الا عند امكان العدم، ولا مزيل للعدم الا الله، فلا مزيل للخوف الا هو، ولا مؤمن الا هو. وبيانه ان الاعمى يخاف ان يناله الهلاك من حيث لا يرى، فعينه الباصرة تفيد الامن من الهلاك، والاقطع يخاف مالا يدفع الا باليد، فاليد السليمة أمان له وهكذا جميع الحواس والاطراف ، فخالق هذه الاعضاء والآلات هو الذي ازال الخوف عن الانسان بواسطة اعضاء هذه الاعضاء . والعبد الضعيف في أصل فطرته وهو عرضة للآفات ومنزل المخافات تارة من الآفات المتولدة في باطنه كالجوع والعطش وتارة خارجة كالحريق والغرق والاسر. فالذي خلق له الاغذية اللذيذة والادوية النافعة والالات الجالبة للمنافع والاعضاء الدافعة للمتاعب لا شك أنه هو الذي آمنه من هذه الآفات.

 

وأما أحوال الآخرة فهو الذي نصب الدلائل وقوى العقل وهدى الخاطر إلى معرفة توحيده وجعل هذه المعرفة حصنا حصينا وجنة واقية عن اصناف العذاب كما أخبر الرسول عن رب العزة أنه قال: " لا اله الا الله حصني، من دخل حصني أمن من عذابي " فقد ثبت يهذا التقدير أنه لا أمن في العالم الا من الله ، ولا راحة الا من الله فهو المؤمن المطلق حقا (1)

 

وهذه الاحتمالات الواردة في معنى المؤمن كلها واردة وتعطي انطباعا لا مثيل له وانطباعا رائعا للعبد لان علاقة العبد مع ربه علاقة المسحوق ارادته، ولا ارادة له امام ربه فلا يستطيع امامه امرا ولا يستطيع ان يغير شيئا امام ارادة الله، فمثل هذا الشعور ان لم يكن في عرضه شعور بالامان يستشعر معه الانسان الامن والصدق لما يعده الرب فسوف يعيش الانسان حالة القلق الغريب الذي يفقد فيه لذة العبادة والعشق لمربوبه.

 

اما مع هذه الصفة فان الانسان يعيش معه حالة التوازن بين الخوف والرجاء التي هي مطلوبة بقوة في علاقتنا مع الله. حتى ان العبد ان لم يتصف بهذا الامر ينتفي عنه صفة الايمان كليا ، ولعل هذا هو تماما مضمون ما روى عن الامام الصادق(ع): " لا تكون مؤمنا حتى تكون خائفا راجيا . ولا تكون خائفا راجيا حتى تكون عاملا لما تخاف وترجو"                                                                    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الله تبارك وتعالى

 

المهيمن

 

 

 

وردت صفة المهيمن في القرآن مرتين.

·        الأولى في سورة الحشر: لا اله الا هو الملك القدوس السلام المهيمن

·        الثانية في سورة المائدة في قوله تعالى: " وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه … "                              

 

والمهيمن: هو القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وارزاقهم(1) وقيل معنى المهيمن هو الشاهد، ومنه قوله تعالى "ومهيمنا عليه" أي شاهدا فهو تعالى الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل(2) وقيل هو الرقيب على الشيء والحافظ له. وقيل هو الامين. وذكر السيد الطبطبائي أنه الفائق المسيطر على شيء. وكلمة مهيمن تطلق في الاصل على كل شيء يحفظ ويراقب أو يؤتمن على شيء آخر ويصونه.

 

ولما كان القرآن الكريم يشرف في الحفاظ على الكتب السماوية السابقة وصيانتها من التحريف اشرافا كاملا ويكمل تلك الكتب لذلك اطلق عليه لفظ المهيمن حيث تقول الآية " وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه". فالقرآن بالاضافة إلى تصديقه الكتب السماوية السابقة اشتمل ايضا على دلائل تتطابق مع ما ورد في تلك الكتب فكان بذلك حافظا وصائنا لها.

 

ان الكتب السماوية جاءت كلها متناسقة في المبادىء والهدف الواحد الذي تبيى تربية الانسان والسمو به الى مراتب الكمال المعنوي والمادي على الرغم من الفوارق الموجودة بين هذه الكتب والتي تنبع من مقتضى التكامل التدريجي للانسان حيث ان كل شرعة جديدة ترتقي بالانسان الى مرحلة اسمى من مراحل الرقي والكمال الانساني وتشتمل على خطط وبرامج اكثر شمولا وتطورا والاتيان بعبارة "ومهيمنا عليه" بعد جملة "مصدقا لما بين يديه" يدل على هذه الحقيقة اي أن القرآن الكريم في الوقت الذي يصدق الكتب السابقة  في نفس الوقت ببرامج وخطط اكثر شمولا للحياة(3). فإذن المهيمن هو كون الله مسلطا على الشيء في الحفظ والمراقبة وأنواع التصرف.

 

ولما كان القرآن الكريم هو كلام الله فيكون حال القرآن الذي وصفه الله تعالى بأنه تبيان كل شيء بالنسبة إلى ما بين يديه من الكتب السماوية: يحفظ منها الاصول الثابته غير المتغيرة وينسخ منها ما ينبغي ان ينسخ من الفروع التي يمكن ان يتطرق اليها التغير والتبدل حتى يناسب حال الانسان بحسب سلوكه صراط الترقي

 

 

1.       مصباح الكعفمي ج1 ط369

2.       العدة والجواهري

3.       الأمثل ج4

والتكامل بمرور الزمن قال الله تعالى "ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" وقال "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها". فجملة "مهيمنا عليه" متممه لقوله "ومصدقا لما بين يديه من الكتاب" تتميم ايضاح اذ لولاها لامكن ان يتوهم من تصديق القرآن للتوراة والانجيل انه يصدق ما فيها من الشراءع والاحكام تصديق ابقاء من غير تعديل وتغيير لكن توصيفه بالهيمنة يبين ان تصديقه لها تصديق انها معارف وشرائع حقة من عند الله ولله ان يتصرف فيها بما يشاء وبالنسخ والتكميل كما يشير اليها قوله "ولو شاء الله لجعلكم امه واحدة ولكن ليبلوكم فيما اتاكم" .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العزيز

 

 

 

 

وهو القاهر المنيع الذي لا يغلب. ومنه قوله تعالى: "وعزني في الخطاب" اي غلبني في محاورة الكلام. وقولهم : من عز بز أي من غلب سلب. والعزيز ايضا الذي لا يعادله شيء والذي لا مثيل له ولا نظير(1).

 

وقال الامام الطبرسي: العزيز لغة الشديد. والعزيز من صفاته تعالى معناه الممتنع القادر الذي لا يتعذر عليه ما يريده والعزة امتناع الشيء بما لا يتعذر معه ما يحاول منه وهو على ثلاثة أوجه : امتناع الشيء بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة والثلاثة غير ممتنع عليه تعالى.

 

وقد وردت هذه الصفة في القرآن الكريم حوالي 94 مرة وتستعمل عادة لاظهار غنى الله وغلبته ولرفع التوهم الحاصل عند الجبارين والمعاندين. كما في قوله تعالى مثلا: " فان زللتم من بعدما جاءتكم البينات، والزلة هي العثرة والمعنى فان لم تدخلوا في السلم كافة وزللتم واتبعتم خطوات الشيطان فاعلموا ان الله عزيز غير مغلوب في أمره حكيم لا يتعدى عما تقتضي حكمته من القضاء في شأنكم فيقتضي فيكم ما تقتضي حكمته ويجريه فيكم من غير ان يمنع عنه مانع.

 

وكما في قوله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم".

فعلى الرجال ان يتذكروا دائما بأن الدرجة التي فضل الرجل بها على المرأة ناشئة من الميزة التي خلقها الله في الرجل من جهة أنه اليق في تحمل مسؤولية العائلة ولكن هذا ليس مدعاة لان يتسلط الرجل على زوجته أو على بناته لان المسؤولية تكليف وليست تشريفا حتى يفعل ما يشاء فاذا ما اساء التطبيق فليتذكر الرجل ان الله عزيز لا يغلبه مثل هذه التصرفات وليس عاجزا من ان ينتقم للمرأة بمقتضى حكمته ليأخذ حقها المقهور.

وكمصداق ثالث واخير لهذه الصفة ما ورد في سورة آل عمران في الآية الرابعة " ان الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام".

 

فالعزيز هو الذي يقهر ولا يقهر وحيثما وصف الله بهذه الصفة فهي بهذا المعنى اي لا يغلبه أحد وكل ارادة محكومة بارادته. ولكي يعرف الكفار ان هذا التهديد جاد تذكرهم الآية بان الله عزيز اي قاهر وما من احد يستطيع ان يقف بوجه تنفيذ تهديداته . انه في الوقت الذي يكون فيه غفورا رحيما ، فهو نحو الذين لا يستحقون الرحمة شديد العقاب. ان الانتقام غالبا في مفهومنا اليوم يعني لجوء شخص لا يستطيع ان يسامح الآخرين ويغفرلهم اخطاءهم إلى عمل مقابل قد يكون عنيفا لا يأخذ حتى مصلحته الخاصة بنظر الاعتبار. بديهي ان هذه الصفة مذمومة.

1. مصباح الكعفمي ج1 ط369

اذ ان على الانسان في كثير من الحالات ان يعفو ويغفر بدلا من ان ينتقم. غير ان الانتقام في اللغة ليس بهذا المعنى بل يعني انزال العقاب بالمجرم. ولا شك ان معاقبة المجرمين العصاة فضلا عن كونها ليست من الامور المذمومة فانه لا يجوز التهاون فيها لان هذا التهاون يمنع العدالة من تحقيق اهدافها.

 

وكما في قوله تعالى في سورة الحشر "يسبح لله ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم" أي الغالب غير المغلوب الذي فعله متقن لا مجازفة فيه فلا يعجزه فيما شرعه ودعا اليه معصية العاصين ولا مشاقة المعاندين ولا يضيع عنده طاعة المطيعين واجر المحسنين. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجبار

 

 

 

 

الجبار وهو العظيم الملك والسلطان فلا يوصف به على الاطلاق, اي من دون قرينة الا الله تعالى ، فان وصف به انسان كان ذما وان وصف به البارىء كان مدحا لان الجبر طلب علو المنزلة بما ليس له غاية في الوصف، والجبار هو من يذل من دونه ولا تناله يد. والجبار هو الذي يجبر الناس ويقهرهم والجبار هو المتسلط . ومنه " وما انت عليهم بجبار".

 

والجبار بمعنى المتكبر ومنه قوله تعالى "ولم يجعلني جبارا شقيا" والجبار القتال: ومنه "واذا بطشتم بطشتم جبارين". والجبار الطويل من النخل الذي لا تتناوله الايدي. وقد وردت هذه الصفة عشر مرات في القرآن الكريم منها مورد واحد يتصف به الله عز وجل في سورة الحشر " لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر"

 

وبقية الموارد وردت في صفة الناس واذا ما وصفت اناسا فكما ذكرنا فهي للذم اذا كان الانسان غير مؤمن أو لرفع ذم المؤمن.

فالمورد الاول مثل قوله تعالى: " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار"

والمورد الثاني كقوله تعالى عيسى) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا".

واذا اردنا ان نوازن بين صفة الجبار التي يتصف بها المولى عز وجل والجبار من الناس فلنأخذ آية الحشر مع الآية 58 من سورة هود في قوله تعالى: "وتلك عاد جحدوا بأيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا امر كل جبار عنيد".

 

فأي ذنب اعظم من هذه الذنوب: ترك الايات ومخالفة الانبياء وجعل الرقاب تحت طاعة كل جبار عنيد. والجبار هنا تطلق على من يضرب ويقتل ويدمر من منطلق الغضب ولا يتبع امر العقل. وبتعبير آخر هو من يجبر سواه على اتباعه ويريد ان يغطي نقصه بادعاء العظمة والتكبر الظاهري. والعنيد هو من يخالف الحق والحقيقة اكثر مما ينبغي ولا يرضخ للحق ابدا.

 

وهاتان الصفتان صفتان بارزتان في الطواغيت والمستكبرين في كل عصر وزمان ، الذين لا تكون آذانهم صاغية لكلام الحق ابدا، واي شخص خالفهم عذبوه وعاملوه بقساوة وشدة وبلا رحمة ودمروه وابادوه.

وهنا يرد سؤال وهو: اذا كان الجبار معناه كذلك فلماذا ذكرت هذه الصفة لله كما في سورة الحشر.

 

والجواب: ان " الجبار" جذره اللغوي في الاصل مشتق من الجبر ومعناه ازالة النقص ولكن الجبار سواء كان بالمعنى الأول أو الثاني فهو يستعمل بشكليه ، وقد يراد به الذم اذا كان الانسان يحاول تجاوز النقص الذي فيه باستعلائه على الغير وتكبره وبالادعاءات الخاطئة أو انه يحاول ان يجبر غيره على أن يكون تحت طاعته ورغبته فيكون الاخير ذليلا لامره.

 

ولكن قد تأتي كلمة " الجبار" من هذين الجذرين " الجبر " والجبران، وهي بمعنى المدح وتطلق على من يسد حاجات الناس ويرفع نقصانهم ويربط العظام المتكسرة أو ان تكون له قدره وافرة بحيث يكون الغير خاضعا لقدرته دون أن يظلم احدا أو ان يستغل قدرته ليسيء الاستفادة منها، ولذلك حين تكون كلمة الجبار بهذا المعنى فقد تقترن بصفات مدح اخرى كما نقرأ في سورة الحشر "لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار" وواضح ان الصفات كالقدوس والسلام والمؤمن المهيمن مثلا لا تنسجم مع الجبار بمعنى الظالم أو المتكبر بمعنى من يرى نفسه اكبر من غيره. وهذا التعبير يدل على أن المعنى المراد هنا من الجبار هو المعنى الثاني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المتكبر

 

 

 

 

من مادة تكبر وجاءت بمعنيين

الأول: استعملت صفة المدح وقد اطلقت على لفظ الجلالة وهو اتصافه بالعلو والعظمة والسمات الحسنة بصورة عامة.

والثاني: استعملت صفة الذم وهو ما يوصف به غير الله عزوجل حيث تطلق على الاشخاص صغار الشأن وقليلي الأهمية الذين يدّعون الشأن والمقام العالي وينعتون انفسهم بصفات غير موجودة فيهم.

 

ولان العظمة وصفات العلو والعزة لا تكون لائقة لغير مقام الله سبحانه لذا استعمل هذه المصطلح هنا بمعناه الايجابي حول الله سبحانه. ولان الله هو الكمال المطلق ولا يرتقي اليه احد كان من حقه ان يتصف بالمتكبر الذي لا يرقى لمقامه احد ولا يصل لعظمته مخلوق ومع ان الكل مفتقر اليه فلا يضن على احد فنشر رحمته على الجميع حتى ان اعناق ابليس تشرئب اليها وجاد على الجميع فاعطى الكافر والمؤمن، من هنا كان التكبر من صفاته الحميدة التي لم يمارس فيها الظلم والقهر رغم هيمنته على الجميع لانه انما يحتاج الى الظلم الضعيف.

 

وأما المتكبر اذا ما اسند الى الانسان فان الندم وارد عليه لا محالة ويكون مورد طلب الاستفادة من الله كما في قوله تعالى: " وقال موسى اني عزت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" . فيستفاد من قول موسى عليه السلام ان من تحل فيه صفتا التكبر وعدم الايمان بيوم الحساب فهو انسان خطر علينا ان نستعيذ بالله من شره وكيده اذ التكبر يصبح سببا لان لا يرى الانسان سوى نفسه وسوى افكاره فهو يعتبر كما في حال فرعون الآيات والمعجزات الالهية سحرا ويعتبر المصلحين مفسدين ، ونصيحة الاصدقاء والمقربين ضعفا في النفس.

 

وأما عدم الايمان بيوم الحساب فيجعل الانسان حرا طليقا في اعماله وبرامجه لا يفكر بالعواقب ولا يرى لنفسه حدودا يقف عندها وهو سيقوم بسبب انعدام الضوابط وفقدان الرقابة بمواجهة كل دعوة صالحة ويحارب الانبياء ولان هؤلاء يحاولون ان يرتدوا رداء الله بالباطل ويمارسون عقدهم النفسية على الاخرين بالظلم والقهر فيفسدون في الارض ويعيثون في الارض فسادا ويمارسون بسبب عقدهم الطغيان لانهم كذلك فقد توعدهم الله بالعقاب الاليم كما في قوله تعالى في سورة الزمر من الآية 60 " اليس في جهنم مثوى المتكبرين وفي الآية 72 من السورة نفسها قال الله تعالى: " قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين". 

 

الخالق- البارئ - المصور

 

 

 

 

وقع كلام بين المفسرين في ان هذه الصفات الثلاث هل هي الفاظ مترادفة لمعنى واحد وهو الخالق أو ان لكل صفة لحاظا معينا تختلف عن الصفة الثانية. ولقرب المعاني لبعضها فقد وقع لبس عند البعض في تحديد المعنى فمثلا حينما يفسر البعض " فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم" يفسر البارىء بالخالق اي توبوا الى خالقكم لان هذا الامر الالهي بالتوبة الشديدة على هذا النحو اي قتل الانفس فهذا الامر صادر عمن خلقكم وعمن هو اعرف بما يضركم وينفعكم.

 

ولكن في الواقع انه لا يعقل ان تكون هذه الالفاظ مترادفة خاصة وانها وردت في آية واحدة في سورة الحشر "هو الله الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى". فذكرها بالتتالي يظهر منه ان كل صفة لها لحاظ مختلف عن الصفة الاخرى.

 

فالبارىء من مادة (برأ) على وزن ( فعل) وهي في الاصل بمعنى التحرر والتحسن في الامور غير الحسنة. ولذا يقال (بارىء) للشخص الذي يوجد شيئا غير ناقص وموزون بصورة تامة. واخذه البعض- ايضا- من مادة (برى) على وزن (نفى) قط الخشب، حيث ينجز هذا العمل بقصد الموزونية. وصرح البعض من ائمة اللغة ايضا بان البارىء هو الذي يبدأ شيئا لم يكن له نظير في السابق.

 

وقال الغزالي وقد احسن في ذلك – قد يظن ان الخالق والبارىء والمصور الفاظ مترادفة وان الكل يرجع الى الخلق والاختراع وليس كذلك ، بل كل ما يخرج من العدم الى الوجود مفتقر الى تقديره اولا والى ايجاده على وقف التقدير ثانيا والى التصوير بعد الايجاد ثالثا، فالله تعالى خالق من حيث انه مقدر وبارىء من حيث انه مخترع موجد، ومصور من حيث انه مرتب صور المخترعات احسن ترتيب.

 

وهذا كالبناء مثلا فانه يحتاج الى مقدر ما لا بد منه من الخشب واللبن ومساحة الارض وعدد الابنية وطولها وعرضها وهذا يتولاه المهندس فيرسمه ويصوره ثم يحتاج الى بناء يتولى الاعمال التي عندها تحدث اصول الابنية ثم يحتاج الى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء. هذه هي العادة في التقدير في البناء والتصوير وليس في افعاله تعالى، بل هو المقدر والموجد والصانع فهو الخالق والبارىء والمصور

 فاذن الخالق هو الموجد للاشياء عن تقدير والبارىء المنشىء للاشياء ممتازا بعضها من بعض.

 

والمصور هو المعطي لها صورا يمتاز بها بعضها من بعض والاسماء الثلاثة تتضمن معنى الايجاد باعتبارات مختلفة وبينها ترتب فالتصوير فرع البرء والبرء فرع الخلق.

ولعله لاجل هذا التمايز في المعنى عبر الله تعالى في الآية السابقة بالبارىء دون الخالق فقال " فتوبوا الى بارئكم" ولم يقل فتوبوا الى خالقكم" لان البارىء قريب المعنى من الخالق والموجد، فالبارىء من برأ يبرأ براءا اذا فصل، لانه يفصل الخلق من العدم، أو الانسان من الارض فكأنه تعالى يقول: هذه التوبة وقتلكم انفسكم وان كان اشق ما يكون من الاوامر لكن الله الذي امركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الذي برأكم، فالذي احب وجودكم وهو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم، وكيف لا يحب خيركم وقد برأكم. فاختيار لفظ البارىء باضافة اليهم في قوله: "الى بارئكم"، وقوله" عند بارئكم" الاشعار بالاختصاص لاثاره المحبه(1)

 

والملفت للنظر ان الآيات 22، 23، 24 من سورة الحشر قد جمعت ستة عشر صفة والملفت ايضا ان الله عز وجل قد صدر الآية 22 و 23 بقوله "الذي لا اله الا هو" فقال: "هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الحيم" * هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون" بينما في الآية 23 لم يصدرها " بالذي لا اله الا هو" بل قال مباشرة "هو الله الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى".

 

لان الاسماء الكريمة المذكورة في الآيتين السابقتين وهي احد عشر اسما من لوازم الربوبية ومالكية التدبير التي تتفرغ عليها الالوهية والممعبودية وهي على نحو الاصالة والاستقلال لله سبحانه وحده لا شريك له في ذلك، فاتصافه تعالى وحده بها يستوجب اختصاص الالوهية واستحقاق المعبودية به تعالى ولذلك صدر الآيتين بقوله "هو الله الذي لا اله الا هو" . فهذه الاسماء بمنزلة التعليل والشهادة هو الرحمن الرحيم، ولذا ذيل هذه الاسماء بقوله ثناء عليه " سبحان الله عما يشركون" ردا على القول بالشركاء كما بقوله المشركون.

 

ولكن في الآية 24 لم يصدرها "بالذي لا اله الا هو" بل قال مباشرة "هو الله الخالق البارىء المصور" لان هذه الاسماء تفيذ معنى الخلق والايجاد واختصاص ذلك به تعالى لا يستوجب اختصاص الالوهية به كما يدل عليه ان الوثنيين قائلون باختصاص الخلق والايجاد به تعالى وهم مع ذلك يدعون من دونه اربابا وآلهة ويثبتون له شركاء.

 

 

 

 

 

 

 

1. الميزان ج 1 – ص 189

الغفار - الغفور

 

 

 

 

وهما لغة من ابنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عبارة المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم يقال: اللهم اغفر لنا مغفرة وغفرا وغفرانا وانك انت الغفور الغفار يا أهل المغفرة. واصل الغفر التغطية والستر فغفر الله ذنوبه اي سترها(1) ومعناهما الذي تكثر منه المغفرة اي يغفر الذنوب ويتجاوز عن العقوبة.

 

وهاتان الصفتان تعنيان في الاصل لبس الانسان لشيء بقية من التلوث وعندما تستعملان بشأن البارىء عز وجل فانها تعني ستره لعيوب وذنوب عبارة النادمين وحفظهم من عذابه وجزائه. وهاتان من صفات الرحمة التي كتب الله على نفسه "كتب الله على نفسه الرحمة" وهذه من الامور التي تجعل الانسان ينجذب نحو الله بصفته الغفور الغفار الذي مهما فعل الانسان من ذنوب خاصة وان ابن آدم خطاء وكثيرا ما يقع الانسان فريسة لوساوس الشيطان الذي  يتربص به الدوائر بقوله: " رب بما اغويتني لازيتن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين الاعبادك منهم المخلصين" " لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين" "وقال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم" " كمثل الشيطان ان قال للانسان اكفر فلما كفرقال اني برىء منك اني اخاف الله رب العالمين"

 

امام هذا الامر فان الانسان لقابليته للخير والشر اللذين اودعهما الله في الانسان وابتلاه بهما ليشكر او يكفر فان الانسان كثيرا ما يقع في الذنوب فلو كان الله لا يغفر ذنوب عباده فان اليأس سيصيب الانسان ويجعله في احضان ابليس ليكون من جنوده واعوانه ولكن الله فتح باب المغفرة بشرط ان يعود الانسان عن غيه وضلاله ويتوب ويعمل صالحا ويهتدي عندها سيغفر الله ذنوبه . ولان الانسان عندما يستغفر الله ويتوب ثم يعود الى الذنب من جديد فسيشعر بان مثل هذا الامر يحرمه من غفران الله فيعبر الله عن نفسه بصفة الغفار والغفور اي المبالغة في الغفران أي انه كثير الغفران فكلما اذنب العبد وتاب توبة نصوحة فانه سيجد الله غفورا غفارا لذنوبه، المهم ان لا يستسلم ليأسه لانه لا ييأس من رحمة الله الا القوم الكافرون.

 

وهذا المبدأ اي مبدأ الذنب الذي مقتضاه الرجاء   يجب ان يقابل بمبدأ الخوف ليكون هناك التوازن في شخصية الانسان حتى لا يطغى وهذا ما تخبرنا عنه الآية الكريمة " كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي، ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى*

 

 

1. لسان العرب ج5 – ص3273

 

واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى". فعندما يحل غضب الله على شخص فمعناه الخسران المهين والهوي في الاصل بمعنى السقوط من المكان المرتفع والذي تكون نتيجته الهلاك عادة ، اضافة الى انه هنا اشارة الى السقوط الرتبي والبعد عن قرب الله والطرد من رحمته.

 

ولما كان ينبغي ان يقترن التحذير والتهديد بالترغيب والبشارة، لتتساوى كفتا الخوف والرجاء واللتان تشكلان العامل الاساسي في تكامل الانسان ، ولتفتح ابواب التوبة والرجوع بوجه التائبين فقد قالت الآية التالية " واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى" فهناك كلمة واني لغفار توحي بأن الله سبحانه لا يقبل هؤلاء التائبين ويشملهم برحمته مرة واحدة فقط بل سيعمهم عفوه ورحمته مرات ومرات ولكن بشروط ذكرها الله وهي التوبة والايمان والعمل الصالح ان يواظب على خط الهدى والتقوى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القهار

 

 

 

 

وهو من ابنية المبالغة وهو الذي قهر الجبابرة وقهر كل مخلوقاته بالموت والفناء وقهرهم بما يريد من سنة سنها في خلقهم ليجروا تحت ارادته ففي الامور التكوينية يخضع جميع المخلوقات لارادته وليس لهم اي ارادة امام ارادته " انما أمره ان يقول للشيء كن فيكون" واما في الامور التشريعية فلم يقهر عباده على شيء انما قد هدى الانسان النجدين اما شاكرا واما كفورا وقد بين هذه الحقيقة بقوله "لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال الله تعالى : " قل انما انا منذر وما من اله الا الله الواحد القهار* رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار".

 

فصحيح ان رسول الله(ص) بشير للعالمين وأن القرآن الكريم ينطبق بالمعنيين اي الانذار والبشرى، ولان البشرى تخص المؤمنين فان الانذار يخص المشركين والمفسدين. والحديث هنا في هذه الآية يخص المجموعة الاخيرة واعتمد فيه على الانذار فلذلك يعقب الله بعد قوله " قل انما انا نذير" يعقب بـ" وما من اله الا الله الواحد القهار" فكلمة القهار وردت في هذه العبارة كي لا يغتر احد بلطف الله ويظن انه يعيش في مأمن من قهر الله ولكي لا يغرق في مستنقع الكفر وارتكاب الذنب. ويضيف الله " رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار"

 

وفي الواقع هناك ثلاث صفات من صفات الباري عز وجل ذكرت في هذه الآية وكل واحدة منها جاءت لاثبات مفهوم ما.

-         الاول قضية ربوبيته لعالم الوجود، مالكيته لكل هذا العالم، المالك المدبر لشؤون عالم الوجود فهو الوحيد الذي يستحق العبارة وان الاصنام لا تمتلك من زمام امورها شيئا ولو بمقدار ذرة.

 

-         والصفة الثانية: (عزته) وكما هو المعروف فان كلمة العزيز تطلق في اللغة على من لا يغلب، وعلى من كان بامكانه فعل ما يشاء وبعبارة اخرى الغالب الذي لا يمكن لاحد التغلب عليه. فمن يمتلك مثل هذه القدرة كيف يمكن القرار من قبض قدرته؟ وكيف يمكن النجاة من عذاه.

 

-         الصفة الثالثة هي (غفار) وكثير الرحمة بحيث ان ابواب رحمته مفتوحة امام المذنبين وسحب رحمته تنزل الرحمة عليهم كي لا يتصوروا ان كلمتي (القهار والعزيز) تعطيان مفهوم غلق ابواب الرحمة والتوبة امام عباده، اذ ان احداهما جاءت لبيان الخوف والثانية لبيان الرجاء وانعدام حالة التوازن بين الحالتين السابقتين اي الخوف والرجاء يؤدي الى عدم تكامل الانسان وابتلائه بالضرورة والغفلة اذا ما استحضر في نفسه دائما                                                                                                                                                 

 

ان الله غفور كريم فيقع في التساهل والتسامح ويصل به الامر الى ان يصبح انسانا عديم المسؤوليه مستهتر يستحل حرم الله ممنيا نفسه برحمة الله وغفران واذا ما استحضر في نفسه بان الله قهار عزيز وانه شديد العقاب فسيصيبه اليأس من رحمة الله والقنوت من غفرانه وبالتالي يغرق في دوامة اليأس وفقدان الامل.

 

وبعبارة اخرى فان وصف الباري عز وجل بـ ( العزيز ) و(الغفار) لهو دليل آخر على توحده تعالى في الالوهية لانه الوحيد الذي يستحق العبادة والطاعة واضافة الى ربوبيته فانه يمتلك القدرة على المعاقبة واضافة الى امتلاكه القدرة على المعاقبة فان ابواب رحمته ومغفرته مفتوحة للجميع.

 

وبالتالي فان الله عز وجل (غفار) في اوج عزته وقدرته وهو (قهار) في اوج رحمته وغفرانه. والهدف من ذكر هاتين الصفتين هو ايجاد حالة من الخوف والرجاء عند العباد وهما عاملان رئيسيان وراء كل تحرك نحو الكمال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوهاب

 

 

 

 

ذكر ابن منظور في لسان العربان الهبة هي العطية الخالية من الاعواض والاغراض فاذا كثرت سمي صاحبها وهابا وهو من ابنية المبالغة. غيره: الوهاب من صفات الله المنعم على العباد ، والله تعالى الوهاب الواهب. وذكر صاحب كتاب العدة ان الوهاب الكثير الهبة والمفضال في العطية.

 

وذكر صاحب كتاب القواعد ان الوهاب المعطي كل ما يحتاج اليه لكل من يحتاج اليد والوهب من شؤون الخالق الرزاق لانه بعد ان خلق الخلق والمخلوقات مفتقرة اليه في كل شيء بلا استثناء، وجودها مفتقرة اليه، رزقها مفتقرة اليه تدبير امورها مفتقرة اليه، حركاتها وسكناتها مفتقرة اليه ومتى لم يهبها الله ذلك فانها الى فناء واندثار لذلك فان الوهب حاجة المخلوق الى خالقه والله الغني الذي لا يضن على عباده شيئا مما فيه صلاح امورهم وحاجتهم التي يحتاجونها ليمارسوا دورهم في الحياة التي رسمها الله لهم، لذلك ترى الله يفيض في عطاياه للمؤمن والفاسق والكافر والملحد، للعاقل وغير العاقل فهو يعطي ويهب بلا حساب وبلا مقابل ومن يعطي العطايا من غير منة ولا عوض ولا غرض له من العطية فهو الوهاب.

 

ولا يعني في المقام ان الهبة من الله مكرمة لنا ورضا من الله علينا شأن الانسان الذي يهب لك هبة لحب، فعادة من يهب لك هبة انما يهبها لعلاقة حميمة بينك وبينه يترجم هذه العلاقة الحميمة بهدية أو هبة لتتكرس هذه العلاقة وتمتن.

 

أما عطايا الله فلا تفسر كذلك لما ذكرنا من ان عطايا الله انما تكون لمصلحة المخلوق في استمرار حياته وممارسة دورة، فقد تكون نتيجة الاعطاء وبالا كما في قوله تعالى ردا على من يظن بان الظالمين مفضلون في العطاء عند الله وبالتالي فهم المكرمون "ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين" وقد تكون نتيجة العطاء قمة في الخير كما في الانبياء "ووهبنا اسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب" ولذلك فلا يجب ان تغرنا عطايا الله ووهبته بل يجب علينا ان نتوجه الى الله لنطلب منه خير الهبة كما في قوله تعالى "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب".

 

وقد استنكر الله على الذين يتدخلون في شؤون الخلق ويضنون عليهم في التسليم بالامر الذي قسمه الله لعباده. كما في قوله تعالى "اءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري، بل يذوقوا عذاب* ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب". حيث قد تحدثت الآيات السابقة عن هاتين الآيتين عن المواقف السلبية التي اتخذها المعارضون لنهج التوحيد ولرسالة الرسول الاكرم(ص) وهنا يواصل الله الحديث عن مشركي قريش، فبعدما احس المشركون ان مصالحهم اللامشروعة باتت في خطر واثر تزايد اشتعال نيران الحسد والحقد في قلوبهم ومن اجل خداع الناس واقناع انفسهم عمدوا الى مختلف الادعاءات بمنطق زائف لمحاربة رسول الله(ص) ومنها سؤالهم بتعجب وانكار "انزل عليه الذكر من بيننا" فقد حاولواان يضنوا ويرفضوا التسليم بهبة الله لنبوة محمد بقولهم الم يجد الله شخصا آخر لينزل عليه قرآنه وغير محمد اليتيم خاصة وان فينا الكثير من الشيبة وكبار السن الاثرياء المعروفين.

 

هذا المنطق لم يكن منحصرا بذلك الزمن فقط وانما يتعداه، الى كل عصر وزمان، فان تولى شخص مسؤولية مهمة طفحت قلوب الاخرين بالغيظ والحسد. ولذلك يضيف القرآن الكريم في الرد عليهم أهم يمتلكون خزائن رحمة ربك القادر الوهاب؟  كي يهبوا لمن يرغبون فيه لكي يتصدى لامر النبوة ويمنعونها عمن لا يرغبون فيه؟  "ام عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب".

 

فالله سبحانه بمقتض كونه(رب) هذا الكون ومالكه وبارىء عالم الوجود وعالم الانسانية ينتخب لتحمل رسالته شخصا يستطيع قيادة الامه الى طريق التكامل والتربية وبمقتض كونه (عزيزا) فانه لايقع تحت تأثير اي احد كي يسلم مقام الرسالة الى اشخاص غير لائقين بتسلمها، فمقام النبوة عظيم والله سبحانه وتعالى هو الوحيد صاحب القرار في منحه ولكونه ( الوهاب) الحكيم فانه ينفذ اي شيء يريده ويمنح مقان النبوة لكل من يرى فيه القدرة على تحمله وبالتالي ليس عند المشركين شيء من خزائن رحمة الله لانه عزيز منيع جانبه لا يداخل احد في امره ولا لهم ان يصرفوا رحمته عن احد لانه وهاب كثير الهبات.

 

ولاجل هذا الاستنكار من الله على المشركين الذين لا يسلّمون بوهب الله ويضنون فيه على الاخرين مع انهم لا يملكون هذه العطايا فكيف اذا كانوا يملكونهم فانهم سيضنون بالهواء. لاجل ذلك فان المؤمن لا يضن ولا يعترض ولا يحسد ولايبخل في هذه الامور.

 

وهنا يطرح في المقام سؤال حول قول الله عز وجل حكاية عن سليمان(ع): " قال رب اغفرلي وهب لي ملكا لا يبنغي لاحد من بعدي انك انت الوهاب". والسؤال هو: "هل يستشف البخل من طلب سليمان(ع) ؟.

والجواب الذي يبدو اكثر تناسبا ومنطقية هو ان سليمان طلب من الباري عز وجل ان يهب له ملكا مع معجزات خاصة كي يتميز ملكه عن بقية الممالك لاننا نعرف ان لكل نبي معجزة خاصة به، فموسى(ع) معجزته الخاصة العصا واليد البيضاء وابراهيم(ع) معجزته برد النار التي القي فيها وانطفاؤها ومعجزة صالح(ع) الناقة الخاصة به ومعجزة عيسى ابراء الاكمة واحياء الموتى باذن الله ومعجزة نبينا(ص) القرآن الكريم وسليمان كان ملكه مقترنا بالمعجزات الالهية كتسخير الرياح والشياطين له مع مميزات اخرى.

 

وهذا الامر لا يعد عيبا او نقصا بالنسبة للأنبياء الذين يطلبون من الله ان يؤيدهم بمعجزة خاصة ، كي يبرهنوا للناس على صدق نبوتهم ، ولهذا فلا يوجد اي مانع في ان يطلب الاخرون ملكا اوسع واكبر من ملك سليمان ولكن لا تتوفر فيه الخصائص التي اعطيت لسيمان.

 

ومن هنا يتضح الجواب ايضا عن السؤال الثاني وهو: هل ملك المهدي اعظم او لا؟ فمن المعلوم ان ملك الامام الحجة(عج) سيكون ملكا عظيما وبالنتيجة سيكون اوسع من ملك سليمان لان ملك المهدي(عج) مع سعته وخصائصه التي تميزه عن بقية الممالك فانه يبقى من حيث الخصائص مختلفا من ملك سليمان وملك سليمان يبقى خاصا به.

 

وخلاصة الكلام ان الحديث لم يختص بزيادة ونقصان وتوسعة ملكه وطلب الاختصاص به وانما اختص الحديث بكمال النبوة والذي يتم بوجود معجزات خصوصية لتميزه عن نبوة الانبياء الاخرين وسليمان كان طلبه منحصرا في هذا المجال.وقد لخص السيد الطبطبائي في ميزانه الجواب عن هذا السؤال بقوله " وربما استشكل في قوله : " وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي" ان فيه ضنا وبخلا، فان فيه اشتراط ان لا يؤتى مثل ما اوتيه من الملك لاحد من العالمين غيره.

 

ويدفعه ان فيه سؤال ملك يختص به لا سؤال ان يمنع غيره عن مثل ما اتاه ويحرمه ، ففرق بين ان يسأل ملكا اختصاصيا وان يسأل الاختصاص بملك اوتيه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرزاق

 

 

 

 

نفس ما يقال في صفة الوهاب يقال هنا من ان الرزق من شؤون الخالق لان المخلوقات مفتقرة اليه في وجودها غاية الامر ان صفة الوهاب اشمل من صفة الرزاق لان الوهب يكون في كل شيء والرزق عادة يكون في الامور المعيشية من طعام وشراب وحاجيات تتعلق في بقاء النفس على قيد الحياة. ولعل معظم او كل الآيات الواردة حول الرزق بهذا المعنى كما في قوله تعالى " قال لا يأتيكما طعام ترزقانه الانباتكما  بتأويله"(1)           

" كلوا واشربوا من رزق الله"(2) " فلينظر ايها ازكى طعاما فلياتكم برزق منه" (3) "وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم" (4) "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (5)

 

والرزاق صفة مبالغة من الرازق وهو الذي يرزق كثيرا وكثيرا جدا من غير حساب للكافر والمؤمن فهو الذي يرزق ولا يرزق لكونه غنيا ولذلك يصرح الله في كتابه "وما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون ان الله هو الرزاق" فهذه الآية تشير وتصرخ بقوة الى غنى الله عن كل احد وعن كل شيء واذا ما دعا العباد الى عبادته فليس ذلك ليستفيد منهم بل يريد ان يجود عليهم، وهذا على العكس من العبودية بين الناس لانهم ينتخبون الرق والعبيد ليحصلوا بهم الرزق او المعاش او ان يخدموهم في البيت فيقدموا لهم الطعام والشراب وفي كلتا الحالتين فانما يعود نفعهم على مالكيهم، وهذا الامر ناشىء عن احتياج الانسان الا ان جميع هذه المسائل لا معنى لها في شان الله اذ ليس غنيا عن عباده فحسب بل هو يضمن لعباده الرزق بلطفه وكرمه ورزق الجميع على الله ولا فائدة ولا هدف من الله يعود اليه من خلقه ورزقه للانسان انما الهدف والاستفاده تعود على نفس الانسان بتكامله ورقيه.

 

وليس معنى ان الله رزاق كثير الرزق ان يعطي كل الناس بسواسيه لان في ذلك مخالفة للحكمة والله تعالى حكيم في افعاله يجري الطبيعة بتوازن عجيب ليبقى الكون على الجادة الوسطى لا انحراف فيه ويعبر الله عن هذه الحقيقة الرائعة بقوله "والارض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شيء موزون  وجعلنا لكم فيها من معايش ومن لستم له برازقين وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم" فما اجمل كلمة موزون وابلغها فانها تشير بذلك الى الحساب الدقيق والنظام العجيب والتناسق في التقدير في جميع شؤون النباتات، وكل اجزائها تخضع لحساب معين لا يقبل التخلخل من الساق، الغصن، الورقة، الوردة، وحتى الثمرة.

 

 

1. يوسف 37                     3. الكهف 19                                5. البقرة 233

2. البقرة 60                      4. البقرة 22

يتنوع على وجه الارض مئات الالاف من النباتات، وكل تحمل خواصا معينا ولها من الاثار ما يميزها عن غيرها. وقد ذهب  البعض الى المقصود من الانبات ايضا هو المعادن اذ قد وردت في بعض الروايات بهذا المعنى ففي رواية عن الامام الباقرع) عندما سئل عن هذه الآية قال: " ان الله تبارك وتعالى انبت في الجبال الذهب والفضة والجوهر ... وسائر الفلذات".

 

وهناك من ذهب الى ان المقصود من الانبات في الآية ما هو اوسع ليشمل جميع المخلوقات على هذه الارض، كما يشير الى ذلك نوح) "والله انبتكم من الارض نباتا" وبما ان وسائل وعوامل حياة الانسان غير منحصرة بالنبات والمعادن فقط تشير الآية الى جميع المواهب بقوله " وجعلنا لكم فيها معايش" ليس لكم فقط بل لجميع الكائنات الحية حتى الخارجة عن مسؤوليتكم "ومن لستم له برازقين" .

 

وآخر الآية تشير الى سؤال طالما تردد على اذهان كثير من الناس وهو: " لماذا لم تهيأ النعم والارزاق بما لا يحتاج الى سعي وكدح" . فتنطق الحكمة الالهية جوابا " وان من شيء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم" فليست قدرتنا محددة حتى نخاف نفاد ما نملك وانما منبع ومخزن واصل كل شيء تحت ايدينا وليس من الصعب علينا خلق اي شيء وباي وقت ولكن الحكمة اقتضت ان يكون كل شيء في هذا الوجود خاضعا لحساب دقيق حتى الارزاق انما تنزل اليكم بقدر والى ذلك تشير الآية الكريمة "ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء".

 

ان السعي والكدح في صراع الحياة يضفي على حركة الانسان الحيوية والنشاط وهو بقدر ما يعتبر وسيلة سليمة ومشروعة لتشغيل العقول وتحريك الابدان، فانه يطرد الكسل ويمنع العجز ويحي القلب للتحرك بين الاخرين واذا ما جعلت الارزاق تحت اختيار الانسان بما يرغب هو لا حسب التقدير الرباني فهل يستطيع احد ان يتمكن بما سيؤول اليه مصير البشرية؟

 

اذ يكفي لحفنة ضئيلة من العاطلين، ذوي البطون المنتفخة، وبدون اي وازع انضباطي، يكفيهم لان يعيثوا في الارض الفساد لان الناس ليسوا كالملائكة بل هناك الاهواء التي تلعب بالقلوب والمغريات التي تؤدي الى الانحراف. لقد اقتضت الحكمة الربانية ان يكون الانسان حاملا لجميع الصفات الحسنة والسيئة ويمتحن على هذه الارض بما يحمل، وبماذا يعمل، وعن ماذا يتجاوز؟ والسعي والحركة لما هو مشروع، المجال الامثل للامتحان.

 

والفقر والغنى من البلاء الذي يدخل ضمن مخطط التمحيص والامتحان، فكما ان الفقر والعوز قد يجران الانسان نحو هاوية السقوط في مهالك الانحراف فكذلك الغنى في كثير من حالاته يكون منشأ للفساد والطغيان.

على انه لو بسط الله الرزق لعباده لتعطلت دورة الحياة فالجميع يصبحون اغنياء فيتأفف البعض ان يعمل في عمل معين فيتعطل هذه العمل ويتأفف البعض الاخر عن عمل آخر فيتعطل ذلك العمل وهكذا فتتعطل دورة الحياة ويعيث الناس في الارض الفساد. فلذلك مقتضى كون الله الرازق حكيما ان ينزل بقدر ما يشاء حتى تسير الامور بشكل منتظم ولذلك قال الله " وان من شيء الا عندنا خزائنه "فهو ليس فقيرا او عاجزا ولكن وما تنزله الا بقدر معلوم".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفتاح

 

 

 

 

لفظة الفتح كما يشير الراغب في مفرداته ازالة الاغلاق والاشكال. وذلك ضربان:

-         احدهما يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه وكفتح القفل والغلق والمتاع.

-         والثاني يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهوازالة الغم وذلك ضروب:

-         احدهما في الامور الدنيوية كغم يفرج وفقر يزال باعطاء المال ونحوه

-         وثانيها فتح المستغلق من العلوم ... الى ان يقول : وفتح القضية فتاحا فصل الامر فيها وازال الاغلاق "

 

والفتاح صيغة مبالغة من الفتح اي انه كثير الفتح هو الفصل في الامور فالله تعالى هو الذي يفصل بين الحق والباطل كما في قوله تعالى: " قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم". فبعد ان يبين الله ووينبه في الآيات السابقة على هذه الآية الى ان احد الفريقين على الحق والاخر على الباطل والى ان كلا منهما مسؤول عن أعماله ينتقل الله الى توضيح كيفية التحقق من وضع الجميع والتفريق بين الحق والباطل ومجازاة كل فريق طبق مسؤوليته فيقول "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق" فاذا كنتم ترون انكم مخلوطون بعضكم ببعض وكلا يدعي بانه على الحق وبانه من اهل النجاة فان هذا الوضع لن يدوم الى الابد ولا بد ان ياتي يوم التفريق بين الصفوف، فربوبية الله اقتضت فصل الطيب من الخبيث والخالص من المشوب والحق عن الباطل في النهاية. ويستقر كل منهما في مكانه اللائق.

 

ثم يعقب الله بقوله: "وهوالفتاح العليم" وهذان الاسمان احدهما يشير الى قدرة الله تعالى على فصل الصفوف والاخرى كلمة اللامتناهي . اذ ان عملية التفريق بين صفوف الحق والباطل لا يمكن تحققها بدون هاتين الصفتين واستخدام كلمة الرب في الآية اعلاه اشارة الى ان الله هو المالك للجميع وذلك مما يقتضي ان يكون برنامج مثل ذلك اليوم معدا وفي الحقيقة هي اشارة لطيفة الى احدى احدى دلائل المعاد. والفتح بشارة الله لعباده المؤمنين سواء كان في الحياة الدنيا ليفصل بين المؤمنين واعدائهم ام في الاخرة ليعطي المؤمنين حقوقهم من الذين اغتصبوها او من الذين ظلموهم.

 

وكمصداق للبشارة في الحياة الدنيا قوله تعالى: "انا فتحنا لك فتحا بينا فهذه الآية تبشر الرسول(ص) ببشرى عظيمة هي عند الرسول طبقا لبعض الروايات احب اليه من الدنيا وما فيها. فهو فتح تظهر آثاره في حياة المسلمين في فترة وجيزة وفي فترة مديده وذلك في انتشار الاسلام، فتحا يقل نظيره او ينعدم نظيره في طول تاريخ الاسلام وعلى امتداده.

واكثر المفسرين يرون ان هذه البشارة كان المقصود منها صلح الحديبية، ذلك ان صلح الحديبية كان مقدمة لفتح مكة وسائر الفتوحات الاخرى. وكمصداق للفتح الاخروي دعاء شعيب(ع) " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين"(1) اي يارب احكم بيننا وبين هؤلاء بالحق وارفع المشاكل التي بيننا وبينهم وافتح علينا ابواب رحمتك فانت خير الفاتحين.

 

وكما يكون الفتح بشرى للمؤمنين يكون ايضا عطاءا بغير حساب معروف بالحكمة التي لا تنفك عن افعال الله قال الله تعالى "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم"

 

والخلاصة ان تمام خزائن الرحمة عنده وهو يشمل بها كل من يراه اهلا لها ويفتح ابوابها حيثما اقتضت الحكمة ولن يستطيع الناس ان يغلقوا ما فتح ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا او ان يفتحوا بابا اغلقه سبحانه وتعالى.

 

واستعمال صفتي العزيز والحكيم لتوضيح قدرة الله سبحانه وتعالى على ارسال وامساك الرحمة ، وفي عين الحال هو اشارة الى ان الفتح والاغلاق في اي وقت شاء تعالى انما هو على اساس الحكمة لان قدرة الباري وحكمته ممتزجان فالله بمقتضى كونه عزيزا يفعل مايشاء من دون ان يؤثر عليه احد ولا يخاف من احد وبمقتضى كونه حكيما لاتأخذه السلطة بظلم  بل انما يفعل ما يشاء بحكمة عالية وفق قوانين قد سنها الله تعالى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الأعراف 89

العليم - العلام

 

 

 

 

العالم بالسرائر والخفيات وتفاصيل المعلومات قبل حدوثها وبعد وجودها. والعليم والعلام صيغة مبالغة من العالم، وعلى هذا فانها تفيد بانه كثير العلم يحيط بالمعلوم باشمل الاحاطة فلا يعزب عنه شيء الا ويعلمة بادق التفاصيل ذلك ان الله تعالى هو الذي خلق المخلوقات كلها، فخلق السماوات والارض وما فيها وما بينها، ومن يخلق شيئا فهو به محيط، يدرك كل تفاصيله ويدرك ما ينفعه وما يضره، يدرك المصلحة والمفسدة فيه، فلذلك له وحده الامر وهو صاحب الحق في تقرير مصير الاشياء لانه عندما يحكم على الشيء يحكم عليه بالحكم الواقعي الذي ليس فيه خطأ ولا نسيان ولا مصلحة له في الاشياء ليتهم عليها.

 

وعلى هذا فان الانسان في مسيرته مع الله ليس للآخرين ان يقرروا مصيره سواء في البرلمانات ام في الفرضيات الفلسفية لانها ناتجة عن قصور في الرؤية التي كثيرا ما تكون خاضعة لرغبات ونزوات ومصالح من يشرع القوانين.

 

ثم ان من يخترع مثلا التلفزيون فانه اقدر على تشخيص ما ينفعه وما يضره وعلى جهاز السلامة فيه ونحو ذلك فلذلك نراه يعطي التعليمات التي تتلاءم مع طبيعة التلفزيون مثلا، وهذا الامر بتمامه يجري مع الله فالله عز وجل يدري ما ينفع الانسان واقعا وما يضره واقعا. ومن منطلق هذا العلم فانه يشرع له القوانين والاحكام الشرعية التي يلزمه او يحرم عليه لمصلحة نفس الانسان، ومن نفس المنطلق فان الله عزوجل يسن السنن الكونية التي تتلاءم مع مصلحة الكون ويضع لها قوانين ثابته غير متغيرة لانها تنطلق من نظرته الشمولية فهو يدري سرها الكامل ولا يغيب عن علمه شيء فلذلك يعطيها حكما ثابتا وهو المعبر عنها بالسنن الالهية التي لن يجد لها تبديلا ولا تحويلا " ولن تجد لسنه الله تحويلا" (1) " ولن تجد لسنة الله تبديلا"(2) ومن هذه النظرة الشمولية علم الله بالماضي والحاضر والمستقبل فعندما ننسب اليه مثل ذلك الامر لا ينبغي ان يكون مستغربا ذلك ان الله هو خالق الزمن فهو فوق الزمن ولا يحيطه الزمن فهو لا يّزمن بزمن ولا يؤطر بمكان لانه هو خالق الازمان والمكان وانما يكون الماضي والحاضر والمستقبل للمخلوق الذي لا يخلو من احد هذه الامور.

 

وكتوضيح لعلم الله بالازمنة: لو كان هناك انسان جالس امام شرفة بيته فاذا مر من امامه شخص فطالما الشخص منظور له فزمانه حالي اي زمن حاضر، فاذا ما غاب عنه يصبح الزمن ماضيا واما الانسان الذي لم يمر بعد فهو مستقبل له. فمثل هذا الشخص الذي يعيش التغيرات يكون الزمن له حاضرا وماضيا ومستقبلا.

 

 

1. فاطر 35                      2. الأحزاب 62

واما لو فرضنا انسانا في نفس اللحظة التي كان يمر فيها ذلك الشخص كان جالسا في مكان يشرف على الجميع فان الزمن له بالنسبة لمن مر ولمن يمر ولمن لم يمر هو زمن حالي اي حاضر. مثل هذا الانسان لا يقال عنده ماض ومستقبل بل الزمن الذي يراهم فيه زمن حاضر. وكذلك الامر بالنسبة الى الله فالزمن بالنسبة اليه عندما يطلع على عباده زمن حالي اي حاضر ومن يكون الزمن حاضرا عنده فهو يحيط به تمام الاحاطة .

 

وعلم الله بالاشياء علم حضوري لا علم تصوري كما هو الامر عند الانسان. فالانسان عندما يعلم بالشيء تحضر صورة ذلك الشيء في ذهنه لا انه يحضر نفس الشيء عنده فعندما اعلم بان النار محرقة لا تحضر نفس النار في ذهني والا لاحترقت بل تحضر صورة النار وخصائصها في ذهني. اما علم الله فانه علم حضوري تماما مثل عندما يعلم الانسان بانه جائع فان نفس الجوع حاضر عند الانسان لا صورته وكذلك كل شيء بالنسبة الى الله فانه يحضر بذاته عند الله لا بصورته ومن يحضر بذاته عند الله فانه يكون معلوما بالتفصيل بل بأدق التفاصيل عند العالم به.

 

والواقع ان علم الله بحقائق الاشياء هو الذي يضفي الطمأنينة، لان الشيء الذي يحصل ويعلم به الله لا يضيع اثره، ولذلك نجد الله عز وجل في كتابه الكريم يركز جدا في ذيل الآيات عندما يتحدث عن الظالمين وعن المؤمنين والمنافقين والمنفقين وكثير من الامور يركز على أنه عليم بما يفعل الانسان وكمصداق على ذلك مثلا قول الله "فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم"(1)

 

فحيث ان خلق السماوات اعظم بكثير بل ليس هناك نسبة بينها وبين خلق الانسان، وبما ان السماوات بعدد نجومها والافلاك الموجودة فيها لا عد لها ولا حصر بل لا يمكن لانسان مهما بلغ من العلم ان يحصي عددها وبما انها تخضع لقوانين معقدة جدا فقد يتصور الانسان انه ليس هناك من مجال لا يضبط الامر فيها فياتي الجواب من الله انه عليم اي كثير العلم فيها وانها محاطة بعلمه لا يعزب عنه شيء منها وبالتالي فانها تحت سيطرته تسير وفق ما خططه الله لها كما في قوله تعالى "لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" بل اكثر من ذلك فان كل شيء في الكون يسبح الله وينزهه عن كل نقص وجهل. "يسبح لله ما في السماوات وما في الارض الملك القدوس العزيز الحكيم"

وعندما يتحدث الله عن الظالمين يقول: " ولا يتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم والله عليم بالظالمين"

* ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة " ان الله بكل شيء عليم" (2) .

 

فهنا يطمئن الله المظلومين بانه عليم يعلم بأدق التفاصيل ما كان يعمله الظالمون في الحياة الدنيا "كل شيء احصيناه في امام مبين" كان يحصي عليهم حتى زفراتهم التي كانوا يتنفسونها غاية الامر ان الله قد

 

 

2. البقرة 29

تركهم ليوم الحساب ولم يكن يجازيهم في الحياة الدنيا لانها دار العمل لا دار الحساب، اما يوم القيامة فسوف ينبئهم بما كانوا يعملون وان كذبوا وانكروا فعلتهم فان ايديهم وارجلهم والسنتهم وجوارحهم ستتكلم

 لتشهد عليهم وكل ذلك يجري بعلم الله.

 

واذا اراد الله ان يحذر الناس من الانحراف والضياع والانجرار نحو شهواتهم وملذاتهم فيحذرهم الله نفسه بقوله "واتقوا الله واعلموا ان الله بكل شيء عليم" يعلم سركم وظاهركم حتى الحديث الذي يخطر ببالكم ولم تتفوهوا به يعلمه الله واذا كان الله يعلم كل ذلك فاتقوه واحذروه لانه مالك يوم الدين الذي يحاسب فيه عباده ويجزيهم اسوأ الذي كانوا يعملون فاحذروه لانه يعلم كل شيء عنكم ومن كان كله علم ولا جهل فيه فانه لا يضل ولا ينسى ومن كان لا يضل ولا ينسى فان كل ملفاتكم عنده قد جهزها ليفضحكم يوم الحساب على رؤوس الاشهاد فلذلك احذروه واتقوه واجتنبوا غضبه.

 

وذا اراد ان يثبت الرجاء في قلوب المؤمنين ويشجعهم على فعل الخير بقول لهم "ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم" يعلم ما قد استقرضتم فيه الله من قرض حسن مهما كان صغيرا أو كبيرا ولئن كان يفصلكم بين موتكم وحسابكم زمن كبير فان الله كثير العلم لا يضل ولا ينسى وهو يشكر لكم فعلكم والله خير الشاكرين الذي يعطي جزاءا لما تفعلون من خير اضعافا مضاعفة.

 

وعندما يخبر الله عن القضاء بين الناس بقول "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" لان القضاء بين الناس لا يكون صحيحا وعادلا لا يتم الا اذا كان القاضي يعلم حيثيات القضية وتفاصيلها والله عليم بما يفعلون فلذلك يكون قضاؤه عادلا لا لبس فيه. وهكذا وردت الآيات التي تتحدث عن هذه الصفة بصراحة حوالي 170 مرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القابض - الباسط

 

 

 

 

وهو الذي يوسع الرزق ويقدره بحسب الحكمة. ويحسن الجمع بين هاتين الصفتين ونظائرهما كالخافض والرفع، والمعز والمذل، والنافع والضار، والمبتدىء والمعيد، والمحي والمميت، والمقدم والاخر، والاول والاخر والظاهر والباطن، لان ذلك انبأ عن القدرة وادل على الحكمة.

 

قال الله تعالى: " والله يقبض ويبسط" فاذا ذكرت القابض لوحده مفردا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت الصفة على المنع والحرمان، واذا وصلت احدهما بالاخر فقد جمعت بين الصفتين فالاولى والافضل لمقام الأدب مع الله عز وجل ان يجمع الصفتين خاصة وان الله قد ادبنا وذكر ذلك في القرآن الكريم جامعا للصفتين فلا نفرق نحن.

 

والله تعالى يوضح من خلال هاتين الصفتين انه وحده الذي يوسع على عباده بالعطاء ويقدر عليهم اي يمنعهم من العطاء كل ذلك لحكمة اقتضاها لمصلحة عباده الذين يجهلون هذه الحكمة تحت تأثير حاجتهم اذا كانوا فقراء او طغيانهم اذا كانوا اغنياء . ولا يعني بالضرورة ان بسط الرزق علامة على رضا الله علينا او حرمانه لنا علامة على نقمة الله علينا لان الله قد يختبر الانسان بواسطة البسط في رزقه واحيانا يمتحن صبره ومقاومته عن طريق التضييق بالمعيشة عليه. كل ذلك من اجل ان يصار الى تربية الانسان.

 

ان الثروة الكبيرة قد تكون احيانا سببا لعذاب اهلها وتعبهم وسلب استقرارهم وراحتهم النفسية ، حيث يقول القرآن في سورة التوبة " فلا تعجبك اموالهم ولا اولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون" وايضا في سورة المؤمنين " ايحسبون انما يمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون".

 

وايضا قد يقدر الله على العباد ليمتحنهم، بل اكثر من ذلك قد يكون قدره وحرمانه لهم من باب الرحمة عليهم كما يخبر عن ذلك الله في سورة الشورى " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض".

 

ولكن ينبغي ان لا يغيب عن اذهاننا ان تحديد الرزق لا يتعارض مع بذل الجهود، ذلك ان الآيات التي تتحدث عن قدر الرزق وتضييقه لا يتنافى مع سعي الانسان في مجال تحصيله للرزق وينبغي ان لا يكون الامر مبعثا للخمول والكسل والهروب من تحمل المسؤوليات اذ هناك ما يؤكد على اهمية وقيمة السعي الانساني.

ان الهدف هو ان ندرك اننا سعينا وعملنا وان هناك يدا خفية تقوم احيانا بحجب نتائج هذه الجهود لحكمة ومصلحة وتقوم في بعض الاحيان بعكس ذلك حتى لا ينسى الناس في حياتهم الاجتماعية الطويلة ان ثمة قدرة اخرى هي قدرة مسبب الاسباب وهي التي تدبر شؤون العالم.

 

وهنا يواجهنا سؤال يطرح نفسه : هل ان ايجاد التفاوت والاختلاف في الارزاق بين الناس ينسجم مع عدالة الله عزوجل ومساواته بين خلقه التي ينبغي ان تحكم نظام المجتمع الانساني؟

 

ولاجل الاجابة عن هذا السؤال ينبغي الالتفات الى الملاحظتين التاليتين:

اولا: ان الاختلاف الموجود بين البشر في جانب الموارد المادية يرتبط بالتباين الناشىء بين الناس جراء اختلاف استعداداتهم وقابليتهم من واحد لآخر. والتفاوت في الاستعدادين الجسمي والروحي يستلزم الاختلاف في مقدار ونوعية الفعالية الاقتصادية للآفراد مما يؤدي الى زيادة وارد البعض وقلة وارد البعض الآخر.

ثانيا: لو افترضنا ان كل البشر على شكل واحد وذوق واحد وفكر واحد وميول واحد ويحبون ان يعملون عملا واحد هل نستطيع ان نضمن ان حياة هؤلاء ستكون جيدة؟

 

طبعا لا، لان الجميع سيحترق بنار التشابه المفرط والرتيب الكئيب لان الكل يتحرك في جهة واحدة ومن البديهي ستكون الحياة كهذه سريعة الانقراض، ولو افترض لها الدوام فانها ستكون متعبة ورتيبة وفاقدة لكل روح. وبعبارة اخرى سوف لا يبعدها عن الموت بون شاسع.

 

وعلى هذا فحكمة وجود التفاوت في الاستعدادات المستتبعة لهذا التفاوت قد الزمها ضرورة حفظ النظام الاجتماعي وليكون التفاوت في الاستعدادات دافعا لتربية وانماء الاستعدادات المختلفة للافراد.

وينبغي ان لا يكون وجود التفاوت والاختلاف في الاستعدادات وفي الدخل اليومي للافراد دافعا لسوء الاستفادة عبر تشكيل مجتمع طبيعي بل ان الاستعدادت ينبغي ان توظف لخدمة مسيرة البناء ، كعمل اختلاف طبيعة اعضاء بدن الانسان او اجزاء الوردة، فمع تفاوتها الا انها ليست متزاحمة بل ان البعض يعاضد البعض الآخر وصولا للعمل التام على اكمل وجه.

 

وعلى الرغم مما ذكر بخصوص التفاوت من حيث الاستعداد والمواهب عند الناس الا ان اساس النجاح يكمن في السعي والمثابرة والجد، فالاكثر سعيا اكثر نجاحا في الحياة والعكس صحيح.

 

ولهذا فقد جعل القرآن الكريم ارتباطا بين ما يحصل عليه الانسان وبين سعيه فقال بوضوح تام " وان ليس للانسان الا ما سعى" النجم 39. ولكن الايات القرآنية وبعض الروايات تؤكد على ان الرزق بيد الله وذم السعي فيه. فكيف يتم تفسير ذلك.

 

الواقع اننا لو دققنا النظر والتحقق في المصادر الاسلامية فانه يتوضح لنا ان الايات او الروايات التي يبدو التضاد في ظاهر الفاظها انما ينتج عن النظرة البسيطة والسطحية، لان حقيقة تناولها لموضوع ما انما يشمل جوانب متعددة من الموضوع، فكل آية او رواية انما تنظر الى بعد معين من ابعاد الموضوع فيتوهم البعض غير المتابع بوجود التضاد.

 

فحيث يسعى الانسان بولع وحرص نحو الدنيا وزخرف الحياة المادية ويقومون بارتكاب كل منكر للوصول الى ما يريدونه تأتي الآيات أو الروايات لتوضح لهم تفاهة الدنيا والعمل  لها وعدم اهمية المال والنعمة الحاصلة منه.

 

واذا ترك الناس السعي في طلب الرزق بحجة الزهد تأتيهم الآيات والروايات لتبين لهم اهمية السعي وضرورته كما يروي عن الامام الصادق(ع)  " لا تكسلوا في طلب معايشكم ، فان اباءنا كانوا يركضون فيها ويطلبونها" وروى عنه ايضا "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله". والقائد الناجح والمرشد الرشيد هو الذي يتمكن من منع حالتي الافراط والتفريط في مجتمعه.

 

فغاية الآيات والروايات التي تؤكد ان الرزق بيد الله انما هي لغلق ابواب الحرص والشره وحب الدنيا والسعي بلا ضوابط شرعية، وليس هدفها اطفاء شعلة الحيوية والنشاط في الاعمال والاكتساب وصولا لحياة كريمة ومستقلة. وخلاصة القول ان الله قابض للرزق وباسط له بحسب السنن الالهية فمن يعمل يكسب ومن لا يعمل لا يكسب.

 

وقد يقول البعض: اننا نعمل ونكد ونتعب ولكن الله يقدر علينا رزقنا وهذا مخالف للسنة الالهية. والجواب من السنة الالهية بحسب العوامل والاسباب التي تمنع الرزق هو الذنب فكثيرا ما يمنع الذنب الرزق كما عن علي(ع) " توقوا الذنوب فما من بلية ولا نقص رزق الا بذنب".

 

ومن العوامل ايضا العامل الغيبي فان الانسان قد لا يكون مذنبا وقد سعى بكل الاسباب الطبيعية ومع ذلك قد يقدر الله عليه رزقه لكرامة من الله له حيث قد يتدخل الله لمنعه من الرزق الذي قد يوقعه في ذنب أو طغيان وهذه كرامة من الله له حيث انه برحمته نتيجة لعبادته ولصدقه مع الله فان الله يجازيه بذلك احسن الجزاء الذي في ظاهره نقمة وفي باطنه رحمة من الله له.

 

 

 

 

 

الخافض - الرافع

 

 

 

 

وهوالذي يخفض الكفار بالاشقاء ويرفع المؤمنين بالاسعاد(1) وهذا المعنى ناظر من زاوية المصير الاخروي. واما المعنى الاعم لهاتين الصفتين فانه يشمل كل خفض ورفع منسوب الى الله تعالى في هذه الحياة الدنيا، فقد يخفض الله الحاكم الظالم ويجعله طريدا في دولته ويرفع المغمور بين الناس فيجعله سلطانا. وقد عبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير"(2)

 

والرفعة والذلة الخافضة لا تعبر بالضرورة عن مقام عند الله تعالى لهذا الانسان، فقد يكون عظيما عند الله ويخفضه في الدنيا رحمة من الله له وقد يخفضه اذلالا وانتقاما فيما لو كان عبدا ظالما مسيئا. وقد يرفع الله العبد ليختبره فيسقط في البلاء فيخفضه في الاخرة والعكس صحيح.

 

وفي التاريخ شواهد كثيرة اكثر من ان تحصى، ويكفي في المقام ان نذكر مثال فرعون الذي يذكر انه كان قبل ان يتسلم مقاليد السلطنة انسانا مغمورا اتى من بلاد بعيدة لا يملك قوت يومه الى ان بلغ ما بلغ ورفعه الله مكانا عليا في الدنيا حتى ادعى الالوهية فتسلط على العباد وطغى في الارض وعمل القتل في رقاب بني اسرائيل فقتل رجالهم واستحي نساءهم وشاء الله ان يخفضه على يد ولي من اوليائه لا يملك من الدنيا الا عصاه فجاءه متحديا له مظهرا حجمه الطبيعي عند الله وبدأ الصراع بينهما لتكون النتيجة خفضا لفرعون وملكه وزوالا له حتى ان جسده بقي من دون دفن ليكون آية لمن لا يعتبر.

 

ثم ان قوم موسى الذين نصرهم الله على عدوهم لم يحفظوا هذه النعمة فتكبروا وحجدوا وعاثوا في الارض فسادا فسلط عليهم انسانا مغمورا (نبوخذ نصر) فسباهم واعمل القتل في رقابهم فخفضهم بعد ان كان رفعهم وما ذلك الا انتقاما منهم ومن افعالهم.

 

ويبقى ان المصداق الامثل للخافض والافع هو المصير الاخروي، حيث هناك في ذلك العالم يتجلى الخفض الحقيقي والرفعة الحقيقية، كما تتجلى صفة الرفعة من الله بمعناها الاخص في الحياة الدنيا لاولياء الله تعالى تعبيرا عن مقامهم المحمود الذي تفضل به الله تعالى عليهم للانقياد الذي وللطاعة والعبادة التي التزموا بها حتى ان الله تعالى فاضل بها عباده.  وفيما يلي بعض الايات التي تعبر عن هذه الحقيقة:

- فاضل الله بين انبيائه بحسب مكانتهم لديه فكلهم اولياء الله واحباؤه ولكن البعض ارتقى فكان له حالات مع الله لم يصل اليها غيره فلذلك قربه الله منه ورفع درجته وارفع نبي درجة عند الله هو النبي محمد(ص).

 

 

1. مصباح الكفعمي ج 1 – ص 272

" تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ، منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات... " (1)

- وليس هذا الامر حكرا على الانبياء بل وان هذا حاصل بين الناس عامة.

" ورفع بعضكم فوق بعض درجات" (2)

- ويبقى افضل مقياس للرفعة عند الله صفة الايمان والعلم اللذين بهما يعبد الله حقا.

" يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات" (3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1.البقرة 253

2.الانعام 165

3. المجادلة 11

المعز - المذل

 

 

 

 

الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء او الذي اعز بالطاعة اولياءه واذل بالمعصية اعداءه. وقيل يعز المؤمن بتعظيمه والثناء عليه ويذل الكافر بالجزية والسبي وهو سبحانه وان افقر اولياءه وابتلاهم في الدنيا فان ذلك ليس على سبيل الاذلال بل ليكرمهم بذلك في الاخرة ويحلهم غاية الاعزاز والاجلال(1) "والعز كون الشيء بحيث يصعب مناله، ولذا يقال للشيء النادر الوجود انه عزيز الوجود اي صعب المنال،

 

ويقال عزيز القوم لمن يصعب قهره، والغلبة عليه من بينهم فهو صعب المنال بالقهر والغلبة، وصعب المنال من حيث مقامه فيهم ووجدانه كل مالهم من غير عكس ثم استعمل في كل صعوبة كما يقال: يعز علي كذا. قال الله تعالى: "عزيز عليه ما عنتم"(2) اي صعب عليه، واستعمل في كل غلبة كما يقال: "من عزيز اي من غلب سلب؟. قال تعالى: "وعزني في الخطاب" اي غلبني.

 

ويقابله الذل وهو سهولة المنال بقهر او مفروض قال تعالى "ضربت عليهم الذلة والمسكنة"(3) وقال تعالى "واخفض لهما جناح الذل"(4) وقال تعالى "اذله على المؤمنين" (5) والعزة من لوازم الملك على الاطلاق، وكل من سواه اذا سواه اذا تملك شيئا فهو تعالى خوله ذلك وملكه،وان ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى محضا وما عنده غيره منها هو بإيتائه وافضاله. قال تعالى: "ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا"(6). وقال تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين"(7). وهذه هي العزة الحقيقية. واما غيرها فانما هي ذل في صورة عز.

 

قال تعالى" بل الذين كفروا في عزه وشقاق"(8) ولذا اردفه بقوله "كم اهلكنا من قبلكم من قرن فنادوا ولات حين مناص"(9) وللذل بالمقابله ما يقابل العز من الحكم فكل شيء غيره تعالى ذليل في نفسه الا من اعزه الله تعالى(10)

 

وبعد هذا كله نقول: ان الله تعالى وصف نفسه بالمعز والمذل فهو معز لانه سبحانه صعب المنال لا يقهر وهو الذي يعطي ويفيض العزة على من يشاء وهو المذل الذي يقهر من دونه بالغلبة فلا قوة تقف امام قوته. والله تعالى يعز من يعز نفسه ويذل من يذل نفسه بطريقة مباشرة او غير مباشرة ويظل الانسان هو الذي يصنع مصيره من خلال اختياره للاسباب وسوء اختياره لها. وكل المسألة تنطلق في خط ارادة الانسان من خلال ممارسته للمقدمات التي توصل الى تلك النتائج.

 

 

1. مصباح الكعفمي ج 1 – ص 273                    4. الإسلااء 24                   7. المنافقين 8         10. الميزان ج 3 – ص 132

2. التوبة 128                                           5. المائدة 54                     8. ص 2

3. البقرة 61                                             6. النساء 139                   9. ص 3 

وقد جاءت الاحاديث الواردة عن اهل البيت في موضوع العز والذل في مدلولها الروحي والمادي ورجوعهما الى سوء اختيار الانسان وحسن اختياره فقد ورد في بعض الكلمات المأثورة "من اراد عزا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ذل معصية الله الى عز طاعته".

 

وفي بعض الاحاديث عن الامام جعفر الصادق): ان الله فوض الى المؤمن اموره كلها ولم يفوض اليه ان يذل نفسه قيل وكيف يذل نفسه قال: يتعرض لما يضيق... او يدخل فيما يعتذر منه. ولاهمية صفة العز حيث قرن الله عزته بعزة المؤمنين نورد فيما يلي بعضا من موجبات العز على لسان الائمة الاطهار: : ولله العزة ولرسوله للمؤمنين

فعن رسول الله: "ان الله يقول كل يوم: انا ربكم العزيز، فمن اراد عز الدارين فليطع العزيز" وعن امير المؤمنين: "من اراد الغنى بلا مال والعز بلا عشيرة والطاعة بلا سلطان فليخرج من ذل معصية الله الى عز طاعته، فانه واجد ذلك كله" وعنه ايضا: "اذ طلبت العز فاطلبه بالطاعة"، وعن الامام الصادق(ع): " لا يزال العز قلقا حتى يأتي دارا قد استشعر اهلها اليأس مما في ايدي الناس فيوطنها".

 

ومن وصايا لقمان لابنه: "ان اردت ان تجمع عز الدنيا فاقطع طمعك مما في ايدي الناس فانما بلغ الانبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم"، وعن الامام الباقر(ع): "طلب الحوائج الى الناس استلاب للعز ومذهبه للحياء واليأس مما في ايدي الناس عز المؤمن في دينه"

 

وعن رسول الله: "من عفا عن مظلمة ابدله الله عزا في الدنيا والاخرة"، وعنه ايضا:" ثلاثة لا يزيد الله بهن الاخيرا: التواضع لا يزيد الله به الا ارتفاعا، وذل الغنى لا يزيد الله به الاعزا، والتعفف لا يزيد الله به الا غنى" وعن الامام الباقر: " الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فاذا وصلا الى مكان التوكل اقطناه" وعنه ايضا:" من صبر على مصيبة زاده الله عز وجل عزا على عزة وادخله جنته مع محمد واهل بيته"

 

* وفيما يلي بعض مما يوجب المذلة:

عن رسول الله: اذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتباينوا بالعينة وتبعوا اذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله ادخل الله عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم. وعن الامام الباقر(ع): " لا ذل كذل الطمع" وعن الامام علي:" رضي بالذل من كشف عن ضره" وعنه:" من اعتز بغير الله لا يؤيده الدين مذلة"   

وقد جسد الامام الحسين(ع) عنفوان العز انقيادا لله وطاعة ومرضاة له بقوله(ع) في كربلاء حينما عبأ عمر بن سعد اصحابه لمحاربة الحسين(ع) واحاطوا به من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة: فقام الحسين(ع) ثم قال: "الا وان الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك وسوله وجدود طابت وحجور طهرت وانوف حمية ونفوس ابية لا نؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام".

السميع - البصير

 

 

 

 

اختلف في حقيقة هذين الاسمين على اقوال ابرزها:

أ‌.        ان سمعه وبصره سبحانه ليسا وصفين يغايران وصف العلم الذي وصف نفسه به، بل هما من شعب علمه بالمسموعات والمبصرات، فلأجل علمه بهما صار يطلق عليه انه سميع بصير.

ب‌.   انهما وصفان حسيان، وادراكان نظير الموجود في الانسان

ج. ان السمع والبصر يغايران مطلق العلم مفهوما، ولكنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق من دون تكثر في الذات ومن دون ان يستلزم ذلك التوصيف تجسما وما هذا الا حضور الهويات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه . فشهود المسموعات سمع وشهود المبصرات بصر، وهو غير علمه بالاشياء العامة غير المسموعة والمبصرة.

 

اذا تعرفت على الاقوال نذكر مقدمة وهي: ان السماع في الانسان يتحقق باجهزة وادوات طبيعية وذلك بوصول الامواج الصوتية الى الصماخ ومنها الى الدماغ المادي ثم تدركه النفس. غير انه يجب التركيز على نكتة وهي: ان وجود هذه الادوات المادية هل هو من لوازم تحقق الابصار والسماع في مرتبة خاصة كالحيوان والانسان، او انه دخيل في حقيقيتها بصورة عامة؟ لا شك ان هذه الآلات والادوات التي شرحها العلم بشرائطه انما هي من خصوصيات الانسان المادي الذي لا يمكنه ان يقوم بعملية الاستماع والابصار بدونها فلو فرض لموجود ان يصل الى ما يصل اليه الانسان من دون هذه الادوات فهو اولى بأن يكون سميعا بصيرا، لان الغاية المتوخاة من السماع والابصار هي حضور الامواج والصور عند النفس المدركة، فلو كانت الامواج والصور حاضرة عند موجود بلا اعمال عمل فيزيائي او كيميائي فهو سميع بصير ايضا لتحقق الغاية بنحو اتم.

 

وقد ثبت عند البحث عن مراتب علمه ان جميع العوالم الامكانية حاضرة عنده سبحانه فالاشياء على الاطلاق، والمسموعات والمبصرات خصوصا، افعاله سبحانه، وفي الوقت نفسه علمه تعالى، فالعالم بجواهره واعراضه حاضرة عند ذاته، وعلى هذا فعلمه بالمسموع كاف في توصيفه بأنه سميع كما ان علمه بالمبصر كاف في توصيفه بانه بصير(1) واهم ما في هاتين الصفتين شعور العبد برقابة الله له دائما، فهو يشعر ان ربه سميع يسمع ما يتلفظه من كلام، بصير يرى كل عمل يصدر منه فيحاسبه يوما حسب ما سمعه ورآه ويستشعر بكرامة الله تحيط به.

 

 

1. الأهواق ج 1 – ص 160

- فهذا رسول الله(ص) يستشعر كرامة الله يوم اسرى الله به الى المسجد الاقصى واراه من آياته الكبرى، فبعد ان ذكر الله سبحانه قصة الاسراء بقوله "سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا الكبرى" يختم الله بقوله "انه هو السميع البصير"(1) وهذه اشارة الى ان الله تبارك وتعالى لم يختر رسوله(ص) ولم يصطفه لشرف الاسراء والعراج الا بعد ان اختبر استعداده (ص) لهذا الشرف ولباقته لهذا المقام، فالله تبارك وتعالى سمع قول رسوله(ص) وراى عمله وسلوكه فاصطفاه للمقام السامي الذي اختاره في الاسراء والمعراج. واحتمل بعضهم ان يكون ذكر هاتين الصفتين تهديدا لمنكري هذا الاعجاز وان الله تبارك وتعالى محيط بما يقولون وبما يفعلون وبما يمكرون.

 

- وفي سياق آخر يتحدث الله سبحانه وتعالى عن نصرة عباده بقوله " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب بمثل. ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ان الله لعفو غفور* ذلك بان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وان الله سميه بصير(2) فيما ان الوعد بالنصر يقوي القلب لهذا تستعرض الآية قدرة الله في عالم الوجود التي لا تنتهي فتنهي الآية "بان الله سميع بصير" لان الله يلبي حاجة المؤمنين ويطلع على حالهم واعمالهم ويعينهم برحمته عند اللزوم مثلما يطلع على اعمال ومقاصد اعداء الحق.

 

- وفي سياق آخر ايضا يحدثنا الله سبحانه وتعالى حكاية عن انكار البعض لمسألة المعاد بقوله " ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحد ان الله سميع بصير"(3)

 

ذكر بعض المفسرين ان جمعا من كفار قريش كانوا يقولون من باب التعجب والاستبعاد لمسألة المعاد: ان الله خلقنا بأشكال مختلفة، وعلى مراحل مختلفة، فكنا يوما نطفة وبعدها صرنا علقة وبعدها صرنا مضغة ثم اصبحنا تدريجيا على هيئات مختلفة فكيف يخلقنا الله جميعا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟

 

واذا كان تعجب كفار قريش من انه كيف يمكن فصل الاجساد عن بعضها وارجاع كل منها الى محله بعد ان كانت الطبايع مختلفة والاشكال متغايرة والشخصيات متنوعة وذلك بعد ان تحول بدن الانسان الى تراب وتطايرت ذرات ذلك التراب؟! فان علم الله اللامتناهي وقدرته اللا محدودة تجيبهم عن سؤالهم، فانه قد جعل بين الموجودات روابط وعلاقات بحيث ان الواحد منها كالمجموعة والمجموعة كالواحد.

 

ان انسجام وترابط هذا العالم في حالة ترجع فيها كل كثرة فيه الى الوحدة وخلقة مجموعة البشر تتبع تلك الاصول، وانها تتبع خلقة انسان واحد. واذا كان تعجب هؤلاء من قصر الزمان بانه كيف يمكن ان تطوى المراحل التي يطويها الانسان خلال سنين طوال نطفة الى مرحلة الشباب، في لحظات قصيرة؟!

 

 

1. الإسراء 1                                 2. الحج 60 – 61                           3. لقمان 28

فان قدرة الله تجيب على هذا التساؤل ايضا، فاننا نرى في عالم الاحياء ان اطفال الانسان يحتاجون لمدة طويلة ليتعلموا المشي بصورة جيدة، او يصبحوا قادرين على الاستفادة من كل انواع الاغذية، في حين اننا نرى الفراخ بمجرد ان تخرج راسها من فانها تنهض وتسير وتأكل دونما حاجة حتى للام، وهذه تبين ان مثل هذه المسائل لا تأثير لها امام قدرة الله عز وجل.

 

ان ذكر كون الله سميعا بصيرا في نهاية الآية يمكن ان يكون جوابا عن اشكال آخر من جانب المشركين، وهو على فرض ان جميع البشر على اختلاف خلقتهم وبكل خصوصياتهم يبعثون ويحيون في ساعة واحدة. لكن كيف ستخضع اعمالهم وكلامهم للحساب ، فان الاعمال والاقوال امور تغني بعد الوجود؟!

 

فيجيب القرآن بان الله سميع بصير، قد سمع كل كلامهم ورأى كل اعمالهم، علاوة على ان الفناء المطلق لا معنى ولا وجود له في هذا العالم، بل ان اعمالهم واقوالهم ستكون موجودة دائما. واذا تجاوزنا ذلك فان الجملة اعلاه تهديد لهؤلاء المتعذرين بان الله سبحانه مطلع على اقوالكم وبثكم للسموم في الافكار العامة، بل وحتى على ما في قلوبكم وضمائركم ولم تجروه على السنتكم(1).

 

ولتحديد شمولية دلالة هاتين الصفتين على رقابة الله على عباده يذكر الله في سورة غافر " وانذرهم يوم الا اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين. ماللظالمين من حميم ولا شفيع يطاع* يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور * والله يفضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ان الله هو السميع البصير". فهذه الآيات تحدد سبع صفات او خصوصيات ليوم القيامة يقع بعضها على شكل حوادث تدهش الانسان وتدفع المؤمن نحو التفكير المتأمل بالحياة والمصير.

 

* الوصف الاول: الازفة في اللغة بمعنى قريب، حيث اطلق سبحانه على يوم القيامة يوم الازفة كي لا يظن من يظن من المنكرين والمشككين بان هناك فترة طويلة تفصلهم عن ذلك اليوم فلا ينبغي والحال هذه ان ينشغل المرء بالتفكير به. واذا تأملنا جيدا بدلالة هذا اللفظ فسنجد ان عمر الدنيا باجمعه لا يعادل سوى لحظة قصيرة جدا زائلة حيال يوم القيامة. ولان الله تبارك وتعالى لم يذكر اي تاريخ لهذا اليوم المهول حتى الانبياء(ع) لذا يجب الاستعداد دائما لاستقبال ذلك اليوم.

 

* الوصف الثاني: " اذ القلوب لدى الحناجر". من شدة الخوف فعندما تواجه الانسان الصعوبات يشعر وكأن قلبه يكاد يفر من مكانه وكأنه يريد ان يخرج من حنجرته. ان هول الخوف من الحساب الالهي الرباني الدقيق والخشية من الافتضاح وانكشاف الستر والحجب امام جميع الخلائق يلقي الرعب والحرج الشديد في القلوب ويتمنى لحظتها ان لو كان ترابا.

 

 

 

1. الأمثل تفسير الآية

* الوصف الثالث: " كاظمين" اي ان الهم والغم سيشمل كل وجودهم الا انهم لا يستطيعون اظهار ذلك او ابداءه ، فقد يستطيع الانسان المغموم المحزون ان يهدأ او يستريح بالصراخ، لكن المصيبة الواقعة تحل حينما لا يستطيع هذا الانسان حتى الصراخ...  ولكن ماذا ينفع الصراخ في محضر الخالق جل وعلا وفي ساحة عدله عندما تنكشف جميع الاسرار المخفية؟!

 

* الوصف الرابع: " ما للظالمين من حميم" ان تلك المجموعة من الاصدقاء الكذابين التي تحيط بالشخص كذبا وتملقا كما يحيط الذباب بالحلويات طمعا في مقامه وقدرته وجاهه وماله. ان هؤلاء في هذا اليوم مشغولون بانفسهم لا ينفعون احدا .. هو يوم لا ينفع فيه لا صداقة ولا خلة.

 

* الوصف الخامس: " ولا شفيع يطاع" ذلك ان شفاعة الشفعاء الحقيقين كالانبياء والاولياء انما تكون باذن الله تعالى ،وعلى هذا الاساس لا مجال لتلك التصورات السقيمة لعبدة الاصنام الذين كانوا يعتقدون في الحياة الدنيا ان اصنامهم ستشفع لهم في حضرة الذات الالهية.

 

* الوصف السادس: " يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور" ان الله التبارك وتعالى يعلم الحركات السرية للعين وما تخفيه الصدور من الاسرار وسيقوم تعالى بالحكم والقضاء العادل عليهم وهو بعلمه سيجعل صباح المظلمين المذنبين مظلما وعندما سئل الامام الصادق(ع) عن معنى الآية اجاب" الم تر الى الرجل ينظر الى الشيء وكانه لا ينظر اليه فذلك خائنة الاعين".

 

وفي قصص الوعظ والارشاد في مجالس العلماء، يقال ان احد كبار عندما انهى دراسته في النجف طلب من استاذه عندما اراد الرجوع الى بلاده ان يعظه ويرشده فال له الاستاذ: بعد كل هذا التعب وتحمل مشاق الدراسة والتحصيل من غربة وسهر وتعب فان آخر نصحتي لك هي ان لا تنسى ابدا قوله تعالى : " الم يعلم بان الله يرى".

 

* الوصف السابع: " والله يقضي بالحق" اما غيره " والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء" في ذلك اليوم يختص الله وحده بالقضاء وهو سبحانه وتعالى لا يقضي الا بالحق ، لان القضاء بغير الحق انما يعود الى الجهل والظلم والله تعالى محيط بكل شيء حتى بما يموج في الضمائر وما تكنه السرائر او انه يكون نتيجة للعجز والاحتياج وهذه صفات ابعد ما تكون عن ذات الله جل جلاله.

 

ان هذا التعبير يحمل في مؤداه دليلا كبيرا على التوحيد، لان من يكون له حق القضاء في النهاية يستحق مقام الربوبية والعبودية ، اما الاصنام وما يشرك به من دون الله فلا هو ينفع في يوم القيامة ولا هو يستحق ان يكون في مشاهدها مرجعا للقضاء والحكم.

 

واهم صفة للحاكم والقاضي في مشهد يوم القيامة ان يكون مطلقا على كل شاردة وواردة ولا يعزب عن علمة مثقال ذرة وان يكون الحاكم هو الشاهد وهذا لا يكون متحققا الا في الله تعالى فهو السميع البصير بكل معنى الكلمة اذ ان كل المسموعات والمبصرات حاضرة عنده وتختص بذاته وهذا دليل على احاطته وعلمه بكل شيء وقضاؤه بالحق ، اذ ما لم يكن الشخص سميعا بصيرا مطلقا فهو لا يستطيع ان يقضي بالحق، لذلك ختمت الآية بقولها: " ان الله سميع بصير"

 

وفي سياق آخر يعطي الله الطمأنينة لعباده المؤمنين من خلال هاتين الصفتين من خلال قوله تعالى: " ان الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ان في صدورهم الا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله انه هوالسميع البصير".

 

فهؤلاء هدفهم ان يروا انفسهم كبارا يفاخرون بذلك ويفتخرون على غيرهم لكنهم لن يحصدوا سوى الذلة والخسران، بشرط ان يتوجه المؤمن الى ربه ليستعيذ به ويطلب النصرة ممن يسمع احاديثهم الباطلة الواهية وينظر الى مؤامراتهم واعمالهم القبيحة وخططهم الشريرة، ذلك ان الاستعاذة انما تجب على السائرين في طريق الحق عندما تتعاظم الحوادث ويستعر الصدام مع المتكبرين عديمي المنطق.

 

لذلك نرى يوسف(ع) عندما واجهته زليخا بشهوتها يستعيذ بربه " معاذ الله انه ربي احسن مثواي" ونرى موسى ايضا يستعيذ بقوله " اني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" (1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. الأمثل ج 15 – ص 269

 

الحكم

 

 

 

 

الحاكم الذي سلم له الحكم، وسمي الحاكم حاكما لمنعه الناس من التظالم. ومن ذلك اخذ معنى   الحكمة لانه يمنع من الجهل، وحكمه الدابة ما احاط بالحنك وسميت بذلك لمنعها من الجماح، وحكمت السفية واحكمته اذا اخذت على يده ومنعته من ماله، وحكمت الرجل منعته مما اراد، وحكمته ايضا فوضت اليه الحكم. وفي حديث النخعي احكم اليتيم كما تحكم ولدك، اي امنعه من الفساد وقيل اي حكمه في ماله اذا صلح لذلك. وفي الحديث ان الشعر لحكمة، اي كلاما نافعا يمنع عن الجهل والسفه وينهي عنهما، والحكم الحكمة، ومنه قوله تعالى " فآتيناه الحكم صبيا" وكذا قوله " فوهب لي ربي حكمه والمحاكمة المخاصمة الى الحاكم" (1).

 

قال الغزالي: الحكم وهو الحاكم المحكم والقاضي المنتقم الذي لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. ومن حكمه في حق العباد " ان ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى، وان الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم." ومعنى حكمه للبر والفاجر بالسعادة والشقاوة ان جعل البر والفجور سببا يسوق صاحبهما الى السعادة والشقاوة كما جعل الادوية والسموم اسبابا تسوق متناوليها الى الشفاء والهلاك(2)

 

وذكر القرطبي "أن الحكم أبلغ من الحاكم إذ لا يستحق التسمية إلا من يحكم بالحق لأنها صفة تعظيم في مدح، والحاكم أبلغ صفة جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق". وقيل "الحكم الذي لا يقع في وعده ريب ولا في فعله عيب، فهو الذي يفصل بين الحق والباطل ويبين لكل نفس ما عملت من خير أو شر وهو المنتصف للمظلوم من الظالم".

 

وقد ادب الله عباده المؤمنين واراد لهم ارادة تشريعية ان يكونوا ملتزمين قولا وعملا بما يحكم الله في الدنيا قال سبحانه "ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون"(3) ثم نفى الله سبحانه صفة الايمان عمن لا يلتزم بالاحكام الصادرة عن حكم النبي باعتباره "لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى" حيث قال سبحانه" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"(4) هذا في الحياة الدنيا، فللمكلف ان يلتزم بهذه الارادة التشريعية وله ان يعصي، ولكنه ليس بمعزل عن سوء اختياره لانه مطالب بذلك يوم القيامة  "ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره".

 

وفي يوم القيامة ارادة اخرى وهي الارادة التكوينية فهناك هو الحاكم بأمره والكل منقاد لحكمه وليس لهم ان يقولوا شيئا، ولكن حكمه لا عن تسلط جائر بل عن عدل كامل " واتبع ما يوحي اليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين" (5)

 

 

1. مصباح الكفعمي ج 1 ص 373                 3. يوسف 67                     5. يونس 109

2. المصد الأسنى ص 89                          4. النساء 65

فاذا كانت عقيدتنا بالله الحكم الحاكم كذلك، فان التزاما كبيرا يفرض علينا وهو: لا يجوز لنا الترافع الى اي حاكم لا يعمل بما انزل الله. لماذا؟ لانه لا بد من ان يكون المشرع الذي يشرع ويحكم من خلاله الحاكم متجردا عن اهوائه ومصالحه وان يكون مخلضا فيما يضعه من القوانين والمبادىء العامة التي يقصد منها حماية المجتمع من طغيان القوي الجامح وممن يتربص بالامة الدوائر لحساب انانيته وطموحه الشخصي او العائلي او القلبي او نحو ذلك من الامور التي تأباها الانسانية في مسيرتها الطويلة والصعبة. ومن غير الله، الذي يعلم الظاهر والباطن والسر والعلن ويعلم مصالح العمل ومفسدته في ذاته، اولى بمهمة هذا التشريع الذي يلحظ حقائق الامور في نفسها التي لا تتبدل ولا تتغير، ولان الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد فان هذه الاحكام لا تتبدل ولا تتغير على مدى الازمان وهذا ما عبرت عنه الاحاديث الشريفة " حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة".

 

ولان الانسان حيوان اجتماعي مدني بطبعه لا يحصل على حاجاته وطلباته الا في ظل الاجتماع والتعاون ولولا ذلك لما استطاع ان يستمر في البقاء اذ لا يمكن ان يكون نجارا وبناءا ومهندسا وطبيبا وجنديا وعاملا وتاجراونحو ذلك من اساليب العيش في آن واحد، كثيرا ما تعرض له قضايا عامة ومشاكل تمس مصلحته، وبالتالي تبعا لذلك تمس مصلحة المجتمع ويطلب منها قرارا ورأيا يجمع القاطعية وقابلية التنفيذ والقدرة عليه، ولا يحصل ذلك الا تحت لواء حكومة قاطعة ولذلك نرى ان الدين لا يجزىء النظرة بين الدين والنظام ، بل يعتبر ان الدين عنده هو دين يدين الانسان به امام ربه، ونظام كامل متكامل في علاقة الانسان مع بعضه البعض الذي كثيرا ما تستلزم العلاقة بينهم التزاحم والتضارب في الافكار والاهواء والمصالح والخصومات ويستعقب ذلك الجدال والصراع، لا محالة تقع الحاجة الى قوانين ومقررات التي تبقي حبرا على ورق فيما اذا لم يكن الانسان ملتزما طوعا بتطبيق القوانين والاحكام مما يستدعي ان يكون هناك قوة منفذة لها وهي ما يعبر عنه بالحكومة او السلطة.

 

ومن الوسائل التي تعتمدها الحكومة في فض نزاعات القوم القضاء، معتمدة في ذلك على خلفية الانتماء الى النظام بالاضافة الى القوة المهيمنة على الارض حتى يكون حكم القاضي نافذا على المحكوم عليه. وهنا يتبادر سؤال: هل يجوز للمسلم ان يتقاضى امام القاضي الذي تعينه الحكومات الجائرة التي تتبع الاحكام والشرائع الوضعية؟

 

الواقع، ومما تقدم، نعلم انه لا يجوز ذلك على خلفية ان الاحكام الوضعية كثيرا ما يعتريها الشوائب ومراعاة الظالمين اكثر من مراعاة مصالح الناس ومراعاة مصالح الحكام اكثر من مراعاة الرعية، وقد اكد الله سبحانه هذا الحكم بقوله "وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم" وكذا قوله تعالى " ان الحكم الا لله امر الا تعبدوا الا اياه" (1)

 

 

1. يوسف  40

ثم يزيد اله في ذم المتقاضين الى غير القاضي الشرعي ويعتبرهم كاذبين في ادعائهم ويستبطنون النفاق والكفر في عملهم هذا، ذلك انهم يعتبرون انفسهم مسلمين وداخلين في حركة المجتمع الاسلامي ولكنهم لا يمارسون هذا الاعتقاد عبر التسليم لامر الله، بل يتحاكمون عند من يحفظ مصالحهم الذاتية البعيدة عن رضا الله، وهذا ما يصوره الله سبحانه في قوله " الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالا بعيدا* واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول رايت المنافقين يصدون عنك صدودا"(1)

 

وليس المراد من الطاغوت الا الذي تجاوز حكم الله واعرض عبر الاعتقاد بالاحكام الوضعية التي يسنها الانسان من قبل نفسه، ومن يسلم نفسه الى مثل هذا الحاكم ينفى عنه صفة الايمان مطلقا قال الله "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما"(2).

 

واكثر من ذلك فقد ربى الاسلام اتباعه على ان المسلم بعدما آمن بالله ربا الذي هو أرأف بالمؤمنين من انفسهم وانه لا يظلمهم في ساحته، فان اثر هذا الاعتقاد يجب ان يظهر جليا على تصرفات العبد المسلم حينما يقضي عليه بحكم ما، فلا يجوز له ان يعترض على حكم الله ورسوله بالخلل في الحكم او يشكك به، وهذا الامر خطير جدا على عقيدة المسلم لذلك ياتي الجواب شافيا من الله عز وجل: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا(3)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. النساء 60 -61

2. النساء 65

3. الأحزاب 36

 

العدل

 

 

 

 

لكلمة العدل في اللغة اكثر من مدلول، واستعملت في القرآن الكريم في اكثر من مدلول ايضا. ومن اهمها المدلولان التاليان وهما:

1.     العدل بمعنى الاستقامة في الفصل بوضع الشيء في مواضعه اي التوازن والتعادل، فلا ظلم ولا جور. وهذا المعنى هو المهيمن على عالم الخليقة برمته على المنظومة الشمسية، على الذرة، على بناء كيان الانسان وجميع الخلق،وهذا هو المعنى الذي ورد في الحديث النبوي الشريف "بالعدل قامت السماوات والارض". فمثلا، لو اختل تعادل القوتين الجاذبة والدافعة في الكرة الارضية وزادت احداهما على الاخرى لا نجذبت الارض نحو الشمس واحترقت وتلاشت او لخرجت عن مدارها وتلاشت في الفضاء الفسيح. والعدالة هي انك ان سقيت شجيرة الورد واشجار الاثمار فقد سكبت الماء في موضعه، وهذا هو العدل بعينه، وانك ان سقيت الاشواك والطفيليات فقد ارقت الماء في غير موضعه وهو الظلم بعينه.

 

2.     وعرف العدل بانه خلاف الظلم وهو مراعاة حقوق الناس ويقابله الاستئثار بحقوق الاخرين، او انتزاع حق شخص واعطائه لاخر  لاحق له فيه اي المحاباة ، اي اعطاء بعض حقهم ومنعه عن بعض آخرين. ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني قوله تعالى: " واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل" النساء 58. وكذا قوله: " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" الانعام 115. وقوله: "ومن قوم موسى امه يهدون بالحق وبه يعدلون" الاعراف 159. ومن الحديث الشريف " كلمة العدل في الرضا والسخط". وبديهي ان المعنى الثاني خاص والمعنى الاول عام وان كلا المعنيين العدل يصدقان بحق الله تعالى، غير ان المعنى الثاني هو المقصود في بحثنا هذا في اغلبه.

 

3.     العدل بمعنى الانصاف الذي ياتي وسطا بين الظلم والتفضل (الاحسان). ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بانقاص الحق ولا تفضل بالزيادة عليه. ومنه قوله تعالى: "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حقه وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي" النحل 92. ومن كلام الشيخ الصدوق(قده) هنا مانصه " ان الله أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، ذلك انه تعالى يقول " من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون".

 

4.     العدل: هو ان يثيب على الحسنة الحسنة ويعاقب على السيئة السيئة.

 

5.     العدل: اسم من اسماء الله الحسنى، وهو مصدر اقيم مقام اسم الفاعل عادل بمعنى ذي عدل. وهو انه تعالى لا يظلم ولا يجور ولا يجحف في حق ذي حق. وعرفه الفاضل المقداد بانه " تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب". فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفه من صفات الله تعالى. وهو المطلوب هنا.

 

والعدل من صفات الفعل كما هو واضح من التعاريف وهو ايضا من الصفات الثبوتية لانه وصف وجودي، ومما يتطلبه الكمال المطلق للذات الالهية. ومعنى "عدل الله" هو انه لا يسلب احدا حقه، ولا يأخذه من بعض ليعطيه لاخر ولا يحابي بين الاشخاص.

 

ومعنى عدل الله انه لا يعاقب من يعمل الصالحات، ولا يثيب المسيء. ولا يأخذ احدا بذنب احد " تلك امة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون؟!؟  فاذا كان جميع افراد مجتمع ما مذنبين سوى شخص واحد فان الله يفصل حساب هذا الشخص عن الاخرين ولا يضعه في العقاب في مصاف المذنبين. والدليل على وجوب اتصافه بالعدل:

-         انه لو لم يكن عادلا لكان ناقصا، والنقص منتف بالضرورة.

-         لو جاز عليه فعل القبيح لجاز عليه الكذب فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده وترفع الاحكام الشرعية وينتقض الغرض المقصود من بعث الانبياء والرسل كما جاء في كتاب النكت الاعتقادية.

-         وقرره الشيخ المظفر(قده) بالنحو التالي في كتابه عقائد الامامية:

-         لو كان الله يفعل الظلم والقبح فان الامر في ذلك لا يخلو عن اربع صور:

1.     ان يكون جاهلا بالامر فلا يدري انه قبيح

2.     ان يكون عالما به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه

3.     ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج الى فعله

4.     ان يكون عالما به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في ان يكون فعله له تشهيا وعبثا ولهوا.

وكل هذه الصور محال على الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا وتستلزم النقص فيه، وهو محض كمال، فيجب ان يحكم انه منزه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.

 

- العدل في الذكر الحكيم:

تضافرت الآيات الكريمة مركزة على قيامة بالقسط. نورد فيما يلي بعضا منها: قال سبحانه في سورة آل عمران 18 : " شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط" والقسط هو العدل.

وكما شهد على نفسه بالقيام بالقسط، عرف الغاية من بعثه الانبياء باقامة القسط بين الناس : قال تعالى في سورة الحديد 25 " ولقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".

 

كما وصرح بان القسط هو الركن الاساسي في محاسبة العباد يوم القيامة ، اذ يقول سبحانه في سورة الانبياء 47 " ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا". وما في هذه الآيات وغيرها ارشادات الى ما يدركه العقل من صميم ذاته، بان العدل كمال لكل موجود حي قدرك مختار ، وانه يجب ان يتصف الله تعالى به في افعاله في الدنيا والاخرة ويجب ان يقوم سفراؤه به.

 

- العدل في التشريع الاسلامي:

وهذه المكانة التي يحتلها العدل التي عرفت انه لولاه لارتفع الوثوق بوعده ووعيده وانخرم الكثير من العقائد الاسلامية هي جعلته سبحانه يعرف احكامه ويصف تشريعاته بالعدل، وانه لا يشرع الا ما كان مطابقا للعدل: يقول سبحانه في سورة المؤمنون 62 " ولا نكلف نفسا الا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون" فالجزء الاول من الآية ناظر الى عدله سبحانه بين العباد في التشريع للاحكام كما ان الجزء الثاني ناظر الى عدله يوم الجزاء في مكافآته. وان شعار الذكر الحكيم هو " وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون" وهو يكشف عن عدالته سبحانه في التشريع والجزاء.

 

- العدل في روايات ائمة اهل البيت:

سئل الامام علي(ع) عن التوحيد والعدل فقال: " التوحيد ان لا تتوهمه والعدل ان لا تتهمه". قال ابن ابي الحديد في شرحه لهذا الحديث: ومعنى ان لا تتوهمه لا نتوهمه جسما او صورة او في جهة مخصوصة او مالئا لكل الجهات كما ذهب اليه قوم، او من الانوار، او قوة سارية في جميع العالم كما قاله قوم، او الاعراض التي تحل الحال او تحل المحل وليس بعرض، كما قاله النصارى، او تحله المعاني والاعراض فمتى توهم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد.

 

واما الركن الثاني فهو " ان لا تتهمه" اي لا تتهمه في انه اجبرك على القبيح ويعاقبك عليه ولا تتهمه في انه مكن الكذابين من المعجزات فأضل بهم الناس، ولا تتهمه في انه كلفك مالا تطيقه وغير ذلك من مسائل العدل التي يذكرها اصحابنا مفصلة في كتبهم كالعوض عن الالم فانه لا بد منه، والثواب على فعل الواجب فانه لا بد منه ، وصدق وعده ووعيده فانه لا بد منه.

 

وفي هذا المعنى ايضا روى الصدوق عن الامام تالصادق(ع) ان رجلا قال له "ان اساس الدين التوحيد والعدل وعلمه كثير ولا بد لعاقل منه فاذكر مايسهل الوقوف عليه ويتهيأ حفظه فقال(ع): " اما التوحيد فان لا تجوّز على ربك ما جاز عليك، واما العدل فان لا تنسب الى خالقك ما لامك عليه" الالهيات ج1 ص291.

 

 

 

 

 

- اثر عقيدتنا بعدل الله:

في التصور الإسلامي العدل ينعكس على تكليفه وشريعته كما ينعكس على تقديره وقضائه في خلقه، كما ينعكس ثالثا على أجزائه ومحاسبته للناس

- الله عادل في تكليفه وشريعته، فهو لا يكلف عباده باكثر مما يطيقون ولا يقسو عليهم في التشريع، ومن هذا المنطلق فإنه لا يوجد في التشريع الالهي اي احراج للناس واي ظلم ، بل ان شريعة الله رحمة للعالمين.

- ان الله عادل في تقديره وقضائه، في خلقه للعباد، وطريقة توزيع الثروة عليهم او مقدار حظهم من الصحة والسلامة والعافية.

 

واذا كنا نلاحظ فوارق كبيرة بين العباد في مستوى معيشتهم او حجم قابلياتهم وامكانياتهم، او حظهم من العافية والسلامة، او مقدار ذكائهم وفطنتهم، فان هذه الفوارق لا تعتبر ظلما ولا تفريقا بين العباد. فجميع هذه الفوراق في اقتضاها له لحكمة من اختبار العبد وبالتالي لن يضيع حسابها في ميزان الاخرة والعدل محفوظ في حساب الله يوم الحساب، فهناك الحساب العادل الذي لا يضيع شيئا من الحقوق او المؤاخذات.

 

ان عقيدتنا بالله العادل العدل تعطينا من الامل والتفاؤل والاطمئنان شيئا كثيرا انها تحول جحيم هذه الحياة الى سعادة، انها تزيح عن النفس ظلام اليأس القاتل والتشاؤم الخانق. والاعتقاد بعدل الله واعتبارها اصلا من الاصول في الفكر الاسلامي له دلالات اخرى .

 

- الاعتقاد بعدل الله يدفعنا دائما نحو رفض الظلم والخروج على الظالمين وعدم الخضوع لهم.

- الظلم هو الخلق الذميم الذي يرفضه الله، ويرفضه الاسلام، والذين يعتقدون بعدل الله ويأبون له ان يكون ظالما، هؤلاء يجب ان يعتادوا على العدل والعدالة ورفض الظلم واقتلاع جذوره.

- والاعتقاد بعدل الله يعني بمعنى من المعاني عدالة الحكم الاسلامي. فليست المنفعة ولا المصلحة السياسية هي التي تحدو منهج الحكم في الاسلام وانما العدالة وحدها مع العدو والصديق.

وفي  ذات الوقت ، فان تعاملنا مع الناس يجب ان يقوم على هذا الاساس ايضا. والا فمن يظلم الناس لا ينتظر من الله ان يرحمه ويرفق بحاله على حساب الناس.

 

ان النقطة المهمة التي لا بد من الاشارة اليها هي ما يجري احيانا من الخلط بين المساواة والعدالة، على ان  اعتبار ان العدالة هي تطبيق المساواة ولذلك سينبري المدافعون جهلا او كذبا عن حقوق المرأة ويطالبون بالمساواة بين الرجل والمرأة لان عدم المساواة بينهما ظلم لا يمكن بعد السكوت عليه. ولكن الأمر فيه مغالطة كبيرة وخطيرة، والامر ليس كذلك.

 

المساواة ليست شرطا من شروط العدالة، بل العدالة كما ذكرنا هي اعطاء  كل ذي حق حقه واخذ الاولويات والمعطيات بعين الاعتبار. فالعدالة بين تلاميذ صف واحد مثلا ليست في منح الجميع درجات متساوية وانجاح الجميع سواء كانوا مجتهدين او لا.

 

وليست العدالة بين العاملين اعطاؤهم اجورا متساوية . العدالة هي ان ينال كل تلميذ الدرجة التي يستحقها من خلال ما يعرف من معلومات ولياقته العلمية، وان ينال كل عامل اجرته بحسب اهمية العمل الذي يؤديه.

 

ان من الجريمة ان نساوي بين الرجل والمرأة لان الرجل له طاقاته وله مقدراته وللمرأة طاقتها ومقدراتها وهناك فرق كبير في الوظائف الموكلة اليها فلذلك من الظلم ان نكلف المرأة بما نكلف به الرجل لان ذلك ما لا تتحمله.

 

والعدالة في عالم الطبيعة تدخل ضمن هذا المعنى الواسع، فلو ان قلب حوت يزن طنا مثلا قد ساوى قلب عصفور لا يكاد يزن بضع غرامات ما كان ذلك عدلا، ولو تساوت جذور شجرة ضخمة مع جذور نبته صغيرة لما كان ذلك عدلا، بل لكان ذلك ظلما فاضحا.

 

فالعدالة اذن هي ان ينال كل كائن نصيبه بموجب ما يتطلبه استحقاقه واستعداده ولياقته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اللطيف

 

 

 

 

* اللطيف لغة: ما دق او عمض فصعب أو استحال ادراكه فهو لطيف. ولطف الامر

 يلطف: دبّر الوصول اليه وانجازه في رفق واحكام، دون ان يشعر به احد فهو لطيف. ولطف الله بعباده احسن اليهم وانجاهم من الشدائد.

 

ولاسم اللطيف تفاسير عدة. لعله لم يات في بقية الاسماء ما ورد من اختلاف كما ورد في هذا الاسم المبارك.

منها: اللطيف: العالم بغوامض الاشياء ثم يوصلها الى المستصلح برفق دون العنف او البر بعباده الذي يوصل اليهم ما ينتفعون به في الدارين ويهيء لهم اسباب مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وهذا الرأي قال الشهيد الاول.

ومنها: ما في كتاب التوحيد عن الامام الصادق(ع): اللطف هو العالم بالمعنى اللطيف، كالبعوضه وخلقه اياها وانه لا يدرك ولا يحد، وفلان لطيف في امره رقيق في عمله متعمق متلطف لا يدرك امره وليس معناه انه صغر ودق.

ومنها: في كتاب الغريبين: اللطيف من اسمائه تعالى وهو الرفيق بعباده، ويقال لطف له يلطف ( بالكسر) اذا رفق به ولطف الله بك اي اوصل اليك مرادك برفق ، واما لطف يلطف ( بالضم) فمعناه صغر ودق.

ومنها: ان الشيء الصغير الذي لا يحس به لغاية صغره يسمى لطيفا، والله سبحانه وتعالى لما كان منزها عن الجسمية والجهة لم يحس به، فاطلقوا اسم الملزوم على اللازم فوصفوا الله تعالى بانه لطيف بمعنى غير محسوس، وكونه لطيفا بهذا الاعتبار يكون من صفات التنزيه.

ومنها: اللطيف هو البر بعباده ، الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ويهيء لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون وهو الذي يريد بعباده المؤمنين الخير واليسر ويقيض لهم اسباب الصلاح والبر.

ومنها: ما ذكره الغزالي: ان هذا الاسم انما يستحقه من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف، ثم يسلم في ايصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف فاذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الادراك تم معنى اللطف ، ثم لا يتصور كمال هذا العلم الا الله سبحانه وتعالى، اما علمه بالغوامض والخفايا فلا شك فيه، فان الخفي والجلي بالنسبة اليه في العلم سيان واما رفقه في الافعال ولطفه فيها فلا يدخل تحت الحصر.

 

فلو اردنا ان نذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها لعجزنا عنه، فانه قد تعاون على اصلاح تلك اللقمة خلق لا يحصى عددهم، من مصلح الارض وزارعها وساقيها، وحامل حبها ومنقيها وطاحنها وعاجنها الى غير ذلك. فهو سبحانه وتعالى من حيث دبر الامور حكيم ومن حيث اوجدها جواد، ومن حيث رتبها مصور، ومن حيث وضع كل شيء في موضعه عدل، ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه اللطف والرفق لطيف. ولن يعرف حقيقة هذه الاسماء البتة من لم يعرف حقيقة هذا الافعال.

 

ومن لطفه بعباده انه اعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة. وسهل عليهم الوصول الى سعادة الابد بسعي خفيف في مدة قصيرة وهي العمر. وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله عز وجل  والتلطف بهم في الدعوة الى الله تعالى، والهداية الى سعادة الاخرة من غير ازراء وعنف ومن غير تعصف وخصام.

 

وقيل: هو بمعنى ملطف كالبديع بمعنى مبدع.

وقيل: اللطيف هو الذي يكلف اليسير ويعطي الكثير فهو اللاطف بعباده يسوغ الانعام وانما عدل عن وزن فاعل الى وزن فعيل للمبالغة.

وقيل: اللطيف الذي اذا دعوته لباك ، وان قصدته آواك، وان احييته اولاك وان اطعته كافاك وان عصيته عافاك، وان اعرضت عنه دعاك، وان اقبلت اليه هداك.

 

* رواية الامام الرضا: يروي الفتح بن يزيد الجرجاني حديثا عن الامام علي بن موسى الرضا(ع) يعتبر معجزة في هذا المجال لعله يشير من خلاله الى الجراثيم والكائنات المجهرية قبل ان يولد باستور بقرون يفسر فيه معنى اللطيف:

" ... انما قلنا اللطيف ، للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف، او لا ترى وفقك الله وثبتك، اثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف، ومن الخلق اللطيف ومن الحيوان الصغار اللطيف، ومن البعوض والجرجس وما هو اصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الانثى، والحدث المولود من القديم لما راينا صغر ذلك في لطفه واهتداء للسفاد والهرب من الموت والجمع لما يصلحه وما في لجج البحار وما في لحاء الاشجار والمفاوز والقفار واتهام بعضها عن بعض منطقها وما يفهم به اولادها عنها ونقلها الغذاء اليها ثم تأليف الوانها حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة وانه ما لا تكاد عيوننا تستبينه لدمامة خلقها لا تراه عيوننا ولا تلمسه ايدينا.

علمنا ان خالق هذا الخلق لطيف بخلق ما سميناه بلا علاج ولا اداة ولا آله وان كل صانع شيء فمن شيء صنعه والله الخالق اللطيف الجليل خلق وضع لا من شيء." ومن تطبيق لهذا الاسم قوله تعالى: "الم تر ان الله انزل من السماء ماء فتصبح مخضرة ان الله لطيف خبير" الحج 63

 

تبين هذه الآية قدرة الله اللامحدودة. لقد اخضرت الارض المرتدية رداء الحزن من اثر الجفاف بعدما نزل المطر عليها فاصبحت تسر الناظرين بواسطة لطف الله بعمله الجميل، فبلطف الله تنمو البذرة تحت الارض، ثم ترتفع خلافا لقانون الجاذبية وترى الشمس وتشم نسيم الهواء من اجل ان تصبح نباتا مثمرا او شجرة باسقة.

 

فهو الذي انزل المطر فمنح التربة الجافة لطفا ورقة لتسمح للبذرة بالحركة والنمو ، وهو خبير بجميع المراحل التي تمر بها هذه البذرة حتى ترتفع الى السماء. يرسل الله المطر بقدرة وبخبرة منه فان زاده صار سيلا وان نقصه كثيرا ساد الجفاف.

 

وهذا نبي الله يوسف(ع) يخبر بعد حقق له تفسير رؤياه على اخوته " ان ربي لطيف لما يشاء" فلطف الله بيوسف(ع) وبالناس من حوله اقتضى ان يبعد يوسف عن ابيه بمؤامرة من اخوته من خلال محاولة قتله ولكن الله انجاه بلطفه وجميل تدبيره ليضعه في قصر عزيز مصر ، ولطف الله اقتضى ان يسجن يوسف(ع) من خلال مؤامرة زوجة عزيز مصر ليعرف السجناء انه من الصالحين وان له قدرة كبيرة على تفسير الرؤيا ليفسر اخيرا رؤيا كان لها الاثر الخطير على مستقبل الناس التي مكنت يوسف من إصلاح الأمر عبر كونه مكينا على خزائن الأرض وبالتالي انقاذ الآف الناس من الخطر الحقيقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخبير

 

 

 

 

خبر الأمر من باب قصر عمله فهو خبيره أي عارف ببواطن الأمور والاسم الخبر أي المعرفة ببواطن الأمور، وخبره إذا بلاه واختبره وبابه نصر ومصدره خبرة أيضاً والخبير في صفات الله تعالى له تفسيران:

* الاول: وهو العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته، وهو المراد بقوله تعالى: " فاسأل به خبيرا" الفرقان 5. يقال فلان خبير بهذا الامر خبرة، وهو اخبر به من فلان، اي اعلم، الا ان الخبير في صفة المخلوقين انما يستعمل في العلم الذي يتوصل اليه بالاختبار والامتحان والاكتساب، والله تعالى منزه عن ذلك كله لانه هو العالم بل هو العلم كله والعلم عين ذاته.

* الثاني: انه الخبير بمعنى المخبر، فهو فعيل بمعنى مفعل، وهو كثير في كلام العرب، كالسميع بمعنى المسمع والبديع بمعنى المبدع فيكون الخبير هو المخبر وهو عبارة عن كلامه. وحظ العبد من هذا الاسم ان يكون شديد البحث والفحص عن محاسن الاخلاق ومقابحها وعن ان ما معه من الصفات والاخلاق من اي القسمين وان لا يغتر في هذا الباب بأنواع تلبيس ابليس، فلا يغتر بأنه خبير يتشارك مع الله تعالى في صفته فيصيبه الغرور القاتل.

 

ومن ادب المؤمن مع اسم الخبير انه من عرف ان الله خبير باحواله وظروفه وكل شيء يحيط به وبأفعاله وتروكه وتأييده ورفضه ونومه وقيامه وغشه وما الى هناك من افعال يفعلها من باطل وحرام كان محترزا في اقواله واعماله مجتنبا عن معاصيه تعالى، لان من كان به خبيرا عالما تمام العلم شاهدا عليه وعلى افعاله فانه يكون حجة عليه يوم القيامة خاصة وان الشاهد يومذاك هو الحاكم وهو القاضي.

 

ومن كان يؤمن بالله الخبير بمصلحته ينبغي ان يكون واثقا ان ما قسم له لا يفوت وما لم يقسم له لا يدركه، فيرى جميع الحوادث من الله سبحانه فتهون عليه الامور بخلاف من يضيف بعض الحوادث الى الحق وبعضها الى الخلق فانه يكون ابدا في تعب.

 

فاذا عرف العبد ان الله مطلع على سره عليم بخفي ما في صدره يكتفي برفع همته اليه واستحضار حاجته في قلبه من غير ان ينطق بلسانه وهذا ارفع درجة في علاقة العبد بربه، فهذا ابراهيم(ع) حينما قذف النمرود به الى آتون النار انزل الله جبرائيل ليسأل ابراهيم ان كان له حاجة ليقيضها الله وطبعا حاجة ابراهيم في تلك اللحظة ان ينقذه الله من حر النار وعذابها، ولكن علم ابراهيم بربه وخبرته به جعله مطمئن البال بان الله الرحمن الرحيم اللطيف بعباده لا يمكن ان يتخلى عنه في تلك اللحظة لذلك توجه الى الملك جبرائيل قائلا: علمه بحالي يكفيه عن سؤالي.          

 

 

 

 
 

Today, there have been 100 visitors (111 hits) on this page!

 

 
This website was created for free with Own-Free-Website.com. Would you also like to have your own website?
Sign up for free