عباد الرحمن

   
 


 

 

الصفحة الرئيسية

أسئلة ومراسلة لسماحة الشيخ

الامام علي بن أبي طالب

Guestbookتعليق الزوار

القرآن الكريم

تأملات قرآنية

العقائد

عباد الرحمن

العرب قبل الاسلام

قرأت لك كشكول

أسماء الله الحسنى

الأئمة الاثنى عشر

الأمام الحسن عليه السلام

الامام الحسين عليه السلام

الامام زين العابدين ع.س

الامام محمد الباقر ع.س

الامام جعفر الصادق ع.س

الامام موسئ الكاظم ع.س

الامام علي الرضا ع.س

الامام الجواد عليه السلام

الامام الهادي عليه السلام

الامام الحسن العسكري ع.س

الامام المهدي عجل الله فرجه

صور من وحي الاسلام

توقعات عن الامام المهدي

 


     
 

                                     بسم الله الرحمن الرحيم

 

                                     عباد الرحمن

و

                السلوك الإيماني         

                           
                                         الشيخ محسن رمال

  

  

          ليس هذا الكتاب لملء وقت الفراغ, إنّما هي محاولة للإقتداء

          بنموذج إيماني رفيع المستوى قدّمه الله تعالى لنا. فمن أراد

          الوصول إلى هذه المرتبة فعليه أن يشمّر عن ساعد الجدّ

          ويحاول جاهدا أن يعيش مراقبة النفس ويشعرها تقصيرها                             حتى يصل إلى شاطىء الأمان.

 

 



 

        قال الله تعالى : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجّدا وقياما * والذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذابها إنّ عذابها كان غراما * إنها ساءت مستقرا ومقاما * والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنّه يتوب إلى متابا * والذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراما * والذين إذا ذكّروا بآيات ربّهم لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا * والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتقين إماما * أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقّون فيها تحيّة وسلاما * خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما *  قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ".

 

        تبيّن هذه الآيات الكريمة اثنتي عشرة صفة من صفات المؤمنين الخلص الذين وصفهم الله بصفة محببة جدا للعباد, وهي " عباد الرحمن " حيث يرتبط بعضها بالجوانب الاعتقادية, وبعض منها أخلاقي, ومنها ما هو إجتماعي, وبعض منها يتعلّق بالفرد, وبعض آخر بالجماعة, وهي أولا وآخرا مجموعة من أعلى القيم الإنسانية.

 

       وبداية السؤال الكبير : لماذا وصفهم الله تعالى بعباد الرحمن, ولم يصفهم كما يصف عباده عادة بعباد الله؟

   لعلّ الصفة الوحيدة التي يتكلم بها الإنسان  عن الله عز وجل هي صفة الرحمن, كقوله تعالى " إني نذرت للرحمن صوما " وكقوله تعالى "  يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيّا " وكقوله "يا أبت إني أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن "

 

       وقد تحدث الله عن نفسه بصفة الرحمن بشكل ملفت دون غيرها من الصفات, كقوله تعالى " قل من كان في الضلال فليمدد له الرحمن مدّا " وكقوله  " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " وكقوله " قل هو الرحمن آمنا به وليه توكلنا" وكقوله "الرحمن علم القرآن".

     

 ولعلّ منشأ التركيز على هذه الصفة أمران تتمحور حولها الآيات التي تذكر فيها هذه الصفة.

الأمر الأول :  وفيه يردّ الله تعالى على الكافرين الذين يعترضون على ذكر هذه الصفة.  فقد ورد في صلح الحديبية عندما أراد الإمام علي (ع) أن يكتب معاهدة الصلح قال النبي (ص) لعلي (ع) اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل بن عمرو ومن معه من المشركين : نحن لا نعرف الرحمن, وإنّما هناك رحمن واحد في اليمامة , وكان قصدهم مسلمة الكذاب, بل اكتب بسمك اللهم كما كانوا يكتبونه في الجاهلية, فنزلت هذه الآية " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب".

       ونظير هذا الأمر قوله تعالى مخاطبا المشركين " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن  قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا".

      فمثل هذه الآيات تؤكد أن كفار قريش لم يوافقوا على وصف الله بالرحمن, وبما أن ذلك لم يكن سائدا بينهم فإنهم كانوا يستهزئون به, فنراه سبحانه يواجه الأمر بكل حزم كما في قوله تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى".

 

      الأمرالثاني :  إن صفة الرحمن بمنزلة اسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى, فصار الخطاب تماما كما هو الخطاب بالله تعالى.

  

    ثمّ إن هناك لفتة قرآنية رائعة بمعانيها العميقة وردت في سورة مربم في قوله تعالى " يا أبت إني أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا". فالمعروف إن الرحمن من صيغ المبالغة, وإن استعمال الرحمن وإن كان بمنزلة العلم, ولكنه لا يكون علما بالمطلق, بل يبقى فيه معنى الصفة وهي الرحمانية. وهنا يكمن الخطر, لأن مسّ العذاب من الرحمن يستكشف منه أن هذا الإنسان قد استحوذ عليه الشيطان  إلى درجة عظيمة جدا بحيث يحجب نفسه عن وصول الرحمة من الرحمن الذي ينشر رحمته بشكل إن أعناق إبليس تشرئب لها, ومع ذلك فقد أضاع نفسه بملذاتها وشهواتها وعنادها ومجهودها.

    

 وفي الطرف المقابل هناك عباد باعوا أنفسهم لله وكان ارتباطهم به عظيما, لا يعملون عملا إلا إذا كان ربهم راضيا عنهم  ولا يبدأون إلا باسمه, فلذلك سماهم الله عباد الرحمن, ذلك أنهم لا يستكبرون عن عبادته, وأنهم لو فعلوا شيئا يكرهه استغفروا الله, فبرحمته يغفر لهم ويتوب عليهم.

     وقد يتساءل البعض عن اختصاص صفة الرحمة دون غيرها مع وجود صفات محببة للإنسان كالرازق والغفور والكريم ونحوها.

         

  والجواب : إن كل عمل ينبغي أن يبدأ بالاستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل جميع الموجودات, وتنقذ جميع المستغيثين في اللحظات الحساسة. وهذه حقيقة يوضحها القرآن إذ يقول " ورحمتي وسعت كل شيء". ويقول على لسان حملة العرش " ربنا وسعت كل شيء رحمة".

       والذي يعزز هذا الجانب أن الأنبياء بعظمتهم كانوا يناجون الله برحمته. وقد أدّبوا أتباعهم على ذلك. ومن هنا ينقل الله تعالى عنهم " ونجنا  برحمتك من القوم الكافرين" وعندما كان الله ينجي القوم يخبر " فأنجيناه والذين معه برحمة منا".

 

      ثم إن هناك شيئا مهما في المقام ينبغي الالتفات إليه, وهو:  يجب أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء, فلا يعقل إذا غضبت على قوم أن تدعو الله عليهم بصفة الرحمة, ولا يعقل أنك إذا كنت مقصرا مع الله وأردت استنزال الرحمة أو الرزق عليك فتدعو الله بصفة أنه عادل, بل ينبغي أن يكون هناك تناسب بين الحاجة والدعاء. 

 

وفي هذا المجال يخبرنا الله تعالى حكاية عن النبي عيسى (ع) حينما طلب منه الحواريون المائدة من السماء قال:" اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ... وارزقنا وأنت خير الرازقين".

     ويخبرنا أيضا عن النبي زكريا (ع) حينما تفجرت فيه أحاسيس الأبوة " رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين".

 

        وإذا عرفنا ذلك نقول : إذا أردنا أن نبدأ بعمل فإننا بذلك نريد له خاتمة وإلا لما بدأنا به أصلا, ولكي نضمن الاستمرارية فأيّ صفة أفضل من الرحمة التي تفيد الاستمرار خاصة وإننا نعلم بحكم الله على نفسه " كتب على نفسه الرحمة" والرحمة لغة : رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل واإحسان, وهذا يضمن لنا بقرينة " كتب على نفسه الرحمة" أن يستمر بالتفضل واإحسان, أضف إلى أن في صفة الرحمة نوعا من كسر الحاجز بين العبد وربه, فعندما يشعر العبد بأن المعبود الذي يعبده ليس قاسيا بل يحنو على العبد ويرحمه ويفتح أمامه كل الأبواب نحوه, مثل هذا الشعور يجذب القلوب نحو الله عز وجل.  لذلك كله إبتدأ الله الكلام  عن هؤلاء العباد بأنهم عباد الرحمن.

 


 *    الصفة الأولى :  " الذين يمشون على الأرض هونا "

       الهون على ما ذكره الراغب : التذلل, والأشبه حينئذ أن يكون المشي على الأرض كناية عن مشيهم بمخالطة الناس ومعاشرتهم. فهم في أنفسهم متذللون لربهم ومتواضعون للناس لما أنهم عباد الله غير مستكبرين على الله ولا مستعلين على غيرهم بغير حق. وأما التذلل لأعداء الله ابتغاء ما عندهم من العزة الوهمية فهم أعز من ذلك, باعتبار أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين, وباعتبار إن الله عز وجل قد أوكل للإنسان نفسه ولكنه لم يكله أن يذل نفسه طرفة عين أبدا.

     فعباد الرحمن هم الذين يعيشون بأعماقهم التواضع للناس, لأن الكبرياء رداء الله لا ينازعونه عليه, ويسعون بكل ما أوتوا من قوة الإيمان أن يسعوا في حاجات الناس ولا يتعالون عليهم, ويحرصون أن لا تكون هذه الصفة على لسانهم بل دائما يقرنون القول بالعمل, فحياتهم عمل في الجوارح لا في اللسان.

    

 وإن كان الهون بمعنى الرفق واللين, فالمراد, إنهم يمشون من غير تكبر وتبختر.   وقد جاء عن الإمام الصادق (ع)  :" هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر".

       وقد ذمّ الله تلك الحالة عند البعض ونهى عنها نهيا شديدا بقوله تعالى :" ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ".

 

  وهذه أيضا كناية أخرى عن حالة التكبر عند هؤلاء, وإشارة الى سلوك المتكبرين والمغرورين الذين يضربون الأرض بعنف ليلتفت الناس إليهم. إن مثل هؤلاء كمثل نملة تمشي على صخرة كبيرة وتضرب عليها والصخرة تسخر منها.

    

 ويستفاد أيضا من الآية الكريمة إن على المرأة أيضا أن تمشي بلين ورفق حتى لا يكون في مشيها إظهار لمفاتنها" ولا يضربن بأرجلهنّ ليعلم ما يخفين من زينتهن                                 .وللإستفادة أكثر نذكر بعضا مما روي عن بيت العصمة حول الكبر ومضاره على مستوى شخصية الإنسان ومصيره الأخروي.

--   عن رسول الله (ص) :" الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار".

--   عن أمير المؤمنين (ع) :" إياك والكبر فإنه أعظم الذنوب وألأم العيوب, وهو حلية إبليس".

--   وعن الإمام الباقر (ع) :" ما دخل قلب امرىء شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك قلّ ذلك أو كثر".

 

--  وفي وصية لرسول الله (ص) لأبي ذر : " يا أبا ذر : من مات وفي قلبه مثقال ذرة من كبر لم يجد رائحة الجنة إلا أن يتوب قبل ذلك. فقال : يا رسول الله : إني ليعجبني الجمال حتى وددت أن علاقة سوطي, وقبال نعلي حسن, فهل يرهب عليّ ذلك؟

فقال  (ص) : كيف تجد قلبك؟

قال : أجده عارفا للحق مطمئنا إاله.

فقال (ص) : ليس ذلك بالكبر, ولكن الكبر أن تترك الحق وتتجاوزه إلى غيره, وتنظر إلى الناس ولا ترى أن أحدا عرضه كعرضك, ولا دمه كدمك.

 

-   وعن الإمام الصادق (ع) : " مرّ رسول الله (ص) على جماعة فقال : على ما اجتمعتم؟

  فقالوا : يا رسول الله هذا مجنون يصرع فاجتمعنا عليه.

 فقال (ص) : ألا أخبركم بالمجنون حق الجنون؟

 قالوا : بلى يا رسول الله.

 قال (ص) : المتبختر في مشيه, الناظر في عطفيه, المحرك بمنكبيه يتمنى على الله جنته وهو يعصيه, الذي لا يؤمن شرّه ولا يرجى خيره, فذلك المجنون وهذا المبتلى".

 

-  وعن الإمام علي (ع) :" عجبت لابن آدم أوله نطفة وآخره جيفة, وهو قائم بينهما وعاء للغائط ثم يتكبر".

--  وعن الإمام الصادق(ع) :" ما من رجل تكبر أو تجبّر إلا لذلة وجدها في نفسه".

--  وعن الإمام الكاظم(ع) :" إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا, فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار, لأن الله جعل التواضع آلة العقل, وجعل التكبر من آلة الجهل, ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه شجه, ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنّه, وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله, ومن تواضع لله رفعه".

-- وعن رسول الله (ص) :" يحشر الجبارون المتكبرون يوم القيامة في صور الذر يطؤهم الناس لهوانهم على الله تعالى".

 

  


 *   الصفة الثانية : " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما "

      أي إذا خاطبهم الجاهلون خطابا ناشئا عن جهلهم مما يكرهون أن يخاطبوا به أو يثقل عليهم فلا يجاهلونهم ولا ويردون عليهم بمثل ما فعلوا معهم, بل يجيبونهم بما هو سالم من القول, وقالوا لهم قولا سلاما خاليا من اللغو والإثم. وهذا هو خلق أهل الجنة حينما يتحادثون مع بعضهم البعض " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما".

 

       هذه الصفة لعباد الرحمن هي بمعنى آخر تعبير عن الحلم والصبر على أذى الناس غير الواعين, إنه السلام الذي هو علامة اللامبالاة المقترنة بالعظمة, وليس الناشىء عن الضعف, السلام الذي هو دليل على عدم المقابلة بالمثل حيال الجهلة الخفيفة عقولهم, سلام الوادع لأقوالهم غير المتروية, وليس سلام التحية الذي هو علامة المحبة ورابطة الصداقة.

     

     والخلاصة: إنه السلام الذي هو علامة الحلم والصبر والعظمة. والمظهر الآخر من مظاهر عظمتهم الروحية هو التحمل وسعة الصدر اللذين سوف لا يطوي أي إنسان طريق العبودية لله الصعب الممتلىء بالعقبات خصوصا في المجتمعات التي كثير من أفرادها فسقة ومفسدون وجهلة.

 

        هذه هي سمات عباد الرحمن الذين وصفهم الإمام علي (ع) بالمتقين, فذكر صفاتهم النهارية وهي كناية عن إن النهار هو وقت مخالطة الناس " وأما النهار فحلماء علماء, أبرار أتقياء, قد براهم الخوف بري القداح, ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى, وما بالقوم من مرض, ويقول قد خولطوا, ولقد خالطهم أمر عظيم, لا يرضون من أعمالهم القليل, ولا يستكثرون الكثير, فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون".

 

      هذه الصفة يحتاج فيها الإنسان إلى مجاهدة النفس إلى أعلى درجة, لأنه ليس من السهل إطلاقا أن يسمع الإنسان السبّ أو الشتم أو ينسب إليه أعمال قبيحة ونحو ذلك ثم لا ينفعل. إن على المؤمن أن يعيش ترويض النفس لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر.

 

     إن الحلم والصبر على مكا ره الأمور ليس نقطة ضعف عند المؤمن, بل على العكس من ذلك, إنها نقطة القوة الكبرى, لأنه لا ينجرّ من خلالها لما يمكن أن يستدرجه إليها الطرف الآخر, فلو إن الإنسان انجر وراء غضبه لوقع في المحذور. فعن الإمام الباقر (ع) إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار".

وعن رسول الله (ص) :" الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل".

وعن الإمام الصادق (ع) " الغضب مفتاح كل شر".

 

       وليس معنى الحلم أن لا يغضب الإنسان أبدا, بل على العكس من ذلك, فقد ورد" من استغضب ولم يغضب فهو حمار", بل الحلم هو عبارة عن كظم الغيظ والغضب, والعفو عن المسيء.

     فالحلم هو خلق كريم, وعمل صالح, والتحلم هو عمل شاق فيه مجالدة النفس والسيطرة عليها. 

 ولا تنحصر نتائجه على ثواب الآخرة والجزاء الحسن عند الله, بل له أثر محسوس في هذه الحياة وقبل يوم القيامة. فعن أمير المؤمنين (ع) :

" إن أول عوض الحليم من خصلته أن الناس أعوانه على الجاهل." ففي الدنيا يحبه الناس, وتتجاوب معه المشاعر والعواطف, فالناس بطبيعتها تميل إلى ذوي الأخلاق الحسنة والطباع الحلوة فيكون مرغوبا به وينال رضاهم وينتصرون له, ويحيا عزيزا كريما, وفي الآخرة يجازيه الله على حلمه وتحلمه وتحمله بأحسن مما عمل في الدنيا, ويعطيه الجزاء الأوفى, ويبلغ به درجة الصائم القائم, حيث ورد عن رسول الله (ص)"إن الرجل ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم".

 

وفي الحديث الشريف " إذا جمع الخلائق يوم القيامة نادى مناد : أين أهل الفضل؟ فيقوم ناس – وهم يسير- فينطلقون إلى الجنة سراعا, فتتلقاهم الملائكة فيقولون: نا نراكم سراعا إلى الجنة, فيقولون: نحن أهل الفضل! فيقولون فما فضلكم؟ فيقولون : كنا إذا ظلمنا صبرنا, وإذا أسيء إلينا عفونا, وإذا جهل علينا حلمنا, فيقال لهم: أدخلوا الجنة فنعم أجر العاملين".

فما أروع عباد الرحمن الذين يملكون غضبهم ويحلمون ابتغاء ما عند الرحمن من عطاء. إنهم تخلقوا بأخلاق الله وأخذوا الدروس منه " الحمد لله الذي يحلم عني حتى كأني لا ذنب لي". لقد فهموا الدرس جيدا وطبقوه بحذافيره. إنهم حينما يجهل عليهم لا يبادرون الجهل بالجهل, وحينما يساء إليهم لا يبادرون الإساءة بالإساءة, بل على العكس من ذلك, يتاجرون مع الله تجارة لن تبور. فإذا أساء إليهم أحد غفروا ذنبه وسامحوه وخاطبوه بخطاب لين متذكرين وقفتهم أمام الله وحسابه لهم, وحين الحساب يقومون بين يدي الله قائلين: يا رب أمرتنا أن نحسن إلى من أساء إلينا, وأن نعفو عمن ظلمنا, وأن نحلم عمن  جهل علينا, وقد جئناك ظالمين لأنفسنا, مسيئين إليك فمن أولى منك بالعفو عنا. فهل يمكن أن تكون النتيجة أننا نكون أفضل من الله ولا يعفو عنا ؟! حاشا لله, وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.

 

 لذلك نفهم ما ورد في الحديث السابق كيف يدخلون إلى الجنة سراعا. ومن هنا أيضا نفهم وصية أمير المؤمنين لنا " إن لم تكن حليما فتحلم فإنه قلّ من تشبّه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم".

وقد نقل لنا التاريخ نماذج عملية في هذا المجال لتكون عبرة لنا وأسوة نتأسى بها خاصة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر:

 

*    سمع أمير المؤمنين (ع) رجلا يشتم قمبرا خادم الإمام علي وقد رام قمبر أن يرد عليه, فناداه أمير المؤمنين (ع) قائلا له :" مهلا يا قمبر! دع شاتمك مهانا ترض الرحمن وتسخط الشيطان وتعاقب عدوك, فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أرضى المؤمن ربه بمثل الحلم, ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت, ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه".

 

*- كان مالك الأشتر من خيرة أصحاب الإمام علي(ع) وموضع ثقته وقائدا كبيرا في جيش الإمام, ويحسب له ألف حساب, وكان من الذين تربوا في مدرسة الاسلام على يدي أمير المؤمنين(ع).

ويروى أن مالكا كان مارا في سوق الكوفة, وعليه قميص خام وعمامة من خام أيضا, فرآه شخص يغلب عليه الطيش, فاحتقره لثيابه ورماه ببندقة طين, فلم يلتفت إليه مالك الأشتر ومضى.

 فقيل لهذا الرجل : هل تعرف من رميت؟

قال: لا.

فقيل له: هذا مالك الأشتر صاحب أمير المؤمنين.

 وكان حديث مالك بين الناس على كل شفة ولسان. فارتعد الرجل وتبع الأشتر ليعتذرإليه, فوجده قد دخل المسجد وهو قائم يصلي, فلما فرغ من صلاته وقع الرجل على قدميه يقبلهما, فقال الأشتر: لا بأس عليك, فوالله ما دخلت المسجد إلا لأستغفر لك.  وكان لهذا الفعل الأثر الكبير على هذا الرجل.

      أنظر. لم يكن رد فعل الأشتر قولا بمثل سامحك الله, وإن كان هذا الأمركبيرا, بل كان فعلا بينه وبين الله , وهو السلام بعينه.   

 

*ورد أن رجلا سبّ الإمام السجاد (ع) فأغضى عنه الإمام حتى يشعر بأنه لم يسمعه, فسبّه الرجل مرة ثانية والإمام ساكت, ثم سبّه مرة ثالثة والإمام ساكت, فقال الرجل للإمام : إياك أعني, فأجابه الإمام : وعنك أغضي.

 

 

 

 

 

 

 

 


الصفة الثالثة : " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما "

لا بد من الإشارة إلى أن الهدف من خلق الإنسان هو العبودية لله تعالى التي توصل الإنسان إلى رفعته الحقيقية, وبروز الخصال الحسنة فيه, وتفجير طاقات الإنسان وقابلياته الكامنة وتوظيفها بأجمعها في طريق إصلاح نفسه والعالم والإنسانية.

 

  وبمعنى آخر, إن الهدف من خلق الإنسان هو عمارة الأرض والسير الطوعي نحو العزة الالهية التي لا تتحقق إلا بالتوجه الخالص إلى الله والعروج نحوه.

  إن ما يجعل معنى لحياة  الإنسان هو أن يفعل الأشياء التي تقربه من هدفه , وأن يتجنب كل ما يضره  أو يعيقه عن الهدف, وهذه هي فلسفة حياة المسلم , ودونها تغدو الحياة تافهة لا معنى لها.

 

   وقد حدد الله لنا بلطفه وكرمه الأسلوب والطريق وأنار الدرب بتكاليف لنا لا تعود عليه بالنفع لأنه أجلّ من أن يكون محتاجا إليها, وإنما النفع لنا.

   ومن جملة هذه العبادات التي يحقق العبد فيها عبوديته, بل وعلى رأس هذه العبادات الصلاة التي جعلت معراج المؤمن إلى ربه  لما تحوي من مفاهيم تلامس شفافية الروح فتأخذ بأجنحة الروح نحو بارئها لتحلق حول عرش الله.

 

  فالصلاة هي الرابطة الوثيقة بين الإنسان وربه, وبين المخلوق وخالقه, وهي المهدىء والباعث على اطمئنان القلوب المضطربة والمتعبة في آتون الحياة, فتأخذ بيد الإنسان نحو السكينة.

   والصلاة هي الشاخص والعلامة التي ترشد الإنسان السائر نحو الصراط المستقيم وتحفظه من لإنحراف والضياع. ففي غمرة الإنشغالات الفكرية والعملية وهموم الدنيا التي تعتري الإنسان, نادرا ما يلتفت الإنسان إلى نفسه, وهدفه في الحياة, أو يفكر في مضي الساعات والأيام التي تترك مكانها لليل, وما أكثر الأسابيع والشهور التي تمضي دون أن يلتفت الإنسان إلى بدايتها ونهايتها أو يشعر بمضي الحياة ومعناها.

    في خضم هذا كله, يبرز دور الصلاة في كونها بمثابة الجرس المنبه والمنذر في مختلف ساعات الليل والنهار, إنها تزود الإنسان ببرنامج وتريد منه عهدا, وتشعره بقيمة الزمن.

 

   وبوسعنا تشبيه الصلاة التي تتضمن أصول هذه العقيدة وما فيها بالسلام الوطني مع فارق في المعنى ونوع العطاء. فلأجل أن ترسّخ الدولة أصولها الفكرية في ذهن الشعب وبنائه على النمط الفكري المعين تعمد إلى تكرار قراءة السلام الوطني الذي يمثل خلاصة الشكل المقبول لنمط الحياة وأهدافها لدى الدولة.

 

إن تكرار السلام الوطني سبب لتثبيت الناس على هذا النحو من الفكر, وتلقين المواطنين أنهم أتباع هذا الوطن, ويجعلهم مستعدين للخدمة في إطاره, ويرشدهم

إلى المسؤوليات والواجبات ويحي في أذهانهم أسس الدولة.

 

فالصلاة تدفع المسلمين في مطلع النهار وفي أثنائه, وعند الليل لأن يطلبوا بألسنتهم تفهّم اسس العقيدة وتضطرهم إلى العمل بقوة معنوية.

 

هذه هي الصلاة, إنها تأخذ بالإنسان خطوة خطوة, ودرجة درجة حتى تصل به إلى قمة الإيمان, فتكون مصداقا للحديث " الصلاة معراج المؤمن". وبذلك تتضح حكمة توزيع الصلاة على هذه الأوقات الخمسة, إنها كتوزيع وجبات الطعام على أوقات الليل والنهار المختلفة, أو كنهر أمام بيت أحدنا الذي يوجب أن يبقى الإنسان نظيفا كما ورد في الحديث الشريف :

" يا علي : منزلة الصلوات الخمس لأمتي كنهر جار على باب أحدكم, فما ظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله الصلوات الخمس".

 

      فالمؤمن بإقامته للصلاة يحرق جذور الإنحطاط والمعاصي والفساد في النفس والمحيط الاجتماعي, ويميت النزوع إلى ارتكاب المعاصي وبواعثه الداخلية والخارجية, وبذلك يكون مصداقا للآية الشريفة " إ نّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر".

 

 

والصلاة بمعنى آخر, منبع الثورات ومنبت صنع الرجال والحرية النفسية لأن صلاة الإسلام بما فيها من تلقين وتكرار لذكر الله تعالى تربط الإنسان الضعيف والمحدود بالله المطلق المسيطر,وتجعله مرتبطا به ومستعينا به , وعن طريق ربط الإنسان بمدبّر العالم يصنع منه قدرة غير محدودة . ويجب عدّها أفضل علاج لضعف الإنسان وأنفع دواء للعزم والإرادة.

 

     هذا هو باختصار شديد أهمية الصلاة في شخصية الإنسان المسلم المؤمن. ولكن الملاحظ أن الله سبحانه وتعالى لم يتحدث عن الصلاة العادية حينما كان يستعرض صفات عباد الرحمن, ذلك أنّ هذا  الأمر من البداهة بمكان أن يحصل للمسلم العادي. أما عباد الرحمن فإن هذه المرحلة قد طووها من سيرهم الأول, وإنّما يريد الله في سيرهم التكاملي أمرا أعظم من تلك المرحلة. إنه يريد الأكمل بين الناس, وعلى قدر أهل العزم تاتي العزائم . ولذلك يذكرهم بصفة " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما" بينما الآخرون فإنهم لم يضعوا أنفسهم موضع نزول فيض الله عليهم.

 

      قليل هم الذين يحييون ليلهم بالعبادة, مكثرين من الصلاة والدعاء تضرعا لله وخوفا منه, والناس في نوم عميق, وكثير من الناس من يطمح في الوصول إلى عباد الرحمن ولكنهم  لا يستطيعون. لماذا؟

لأن هذا القسم من الناس يريدون إجبار أنفسهم على الفضائل وهي لا تأتي بالإكراه, بل بصياغة الشخصية, فإذا لم تنعكس آيات الرحمن على سلوك الإنسان, فلا يمنّي نفسه بالسجود له ليلا لأنه يرى نفسه عاجزا أمام هجوم النوم. أما عندما تتجلى آيات الرحمن أمام ناظريه وتنعكس على سلوكه فتصوغ شخصيته آنئذ لا يستطيع النوم لأنه " تتجافى جنوبهم عن المضاجع".

 

       وعلى كل حال, يذكر الله عباد الرحمن بأنهم " يبيتون لربهم سجدا وقياما".

قال الزجاج" كل من أدركه الليل فقد بات , نام أو لم ينم".

فهؤلاء بمجرد أن يأتي الليل وينتهون من أمر الدنيا وهمّها والعمل فيها ينصبون أنفسهم ويرغبون لربهم بالدعاء والصلاة ونوافل الصلاة تنفيذا لأمر ووصية الله لهم " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب".

 

   وصفة ليلهم قد وصفها أمير المؤمنين(ع) حينما تكلم عن صفات المتقين:

" وأما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا, يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم. فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا, وتطلعت نفوسهم إليها شوقا, وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم, فهم حانون على أوساطهم , مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم".

 

       إن هؤلاء يوازنون بين حاجاتهم الدنيوية والأخروية فلا يطغون في إحداهما على الأخرى, فلا يجلسون في أحلاس بيوتهم متعبدين لله وهم كلّ على الناس, ولا هم منغمسون في حاجات الدنيا حتى ينسوا ما أراد الله منهم, فلذلك هم لا يطيلون السهر في الليل حتى لا تضيع عليهم صلاة الليل, وبمجرد أن يأتي وقتها " تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءا بما كانوا يعملون".

 

       إنّهم يدركون تمام الإدراك أن كمال العلاقة مع الله ليس بالإتيان بما هو مفروض عليهم فقط, بل إنما هو بتلقي ما عند الله والعمل به لأن الله يريد الخير والكمال لهم " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا".

       فثقل القول يراد به القرآن بأبعاده المختلفة, فهو ثقيل بلحاظ المحتوى ومفاهيم الآيات, وثقيل بلحاظ حمله على القلوب لما يقوله القرآن " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية الله "  وثقيل بلحاظ الوعد والوعيد وبيان المسؤوليات, وثقيل بلحاظ التبليغ ومشاكل طريق الدعوة, وثقيل في ميزان العمل.

 

      وناشئة الليل وهي على حد تعبير الإمام الصادق (ع) هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل أشد وطئا بالعناد والمشقة لأنه ليس من السهل أن يصارع الإنسان حاجته للنوم ليقف بين يدي الله, ولكن هؤلاء حينما يتذكرون بأنهم سوف يلاقون محبوبهم " تتجافى جنوبهم عن المضاجع".

 

       ومحصلة كل هذا الكلام : إن هذه الآية تحتوي على أبلغ الأحاديث حول العبادة الليلية ورمز إظهار المحبة مع المحبوب في ساعات يختلي فيها المحبوب بحبيبه.

 

ولبيان أهمية الموضوع أكثر نذكر بعضا من الآيات والروايات التي تحث على القيام لصلاة الليل وكيفيتها:

قال الله تعالى" ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا "

ـ  الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار".                                                                                                            

ـ  تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم  ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءا بما كانوا يعملون".

ـ  "من الليل فسبحه وإدبار النجوم"

ـ  "ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا".

ـ  "إن ناشئة الليل هي أشد وطئا  وأقوم قيلا"

 

 ـ وعن رسول الله (ص): " يا علي! ثلاث فرحات للمؤمن: لقي الأخوان, والإفطار من الصوم, والتهجد في آخر الليل".

ـ  وعنه (ص) : " ما زال جبرائيل يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لن يناموا من الليل إلا قليلا".

ـ  وعن الإمام الصادق:" شرف المؤمن صلاته بالليل, وعز المؤمن كفه عن أعراض الناس ".

ـ  وعنه(ع) "لا تدع قيام الليل, فإن المغبون من حرم قيام الليل".

ـ  وعنه(ع) " إني لأمقت الرجل قد قرأ القرآن ثم يستيقظ من الليل فلا يقوم حتى إذا كان عند الصبح قام يبادر إلى الصلاة".

 

ـ   عن رسول الله (ص) " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت, فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها, فإن أبى نضحت في وجهه الماء".

 

ـ  وعنه(ص)" إن العبد إذا تخلى بسيده في جوف الليل المظلم وناجاه أثبت الله النور في قلبه ...ثم يقول جل جلاله لملائكته: ملائكتي انظروا إلى عبدي فقد تخلى بي في جوف الليل المظلم والبطالون لاهون والغافلون نيام اشهدوا إني عفرت له".

ـ  وعنه(ص)" من رزق صلاة الليل من عبد أو أمة قام لله عز وجل مخلصا فتوضأ وضوءا سابغا وصلى لله عز وجل بنية صادقة وقلب سليم وبدن خاشع وعين دامعة, جعل الله تبارك وتعالى خلفه تسعة صفوف من الملائكة, في كل صف بالمشرق والآخر بالمغرب. قال : فإذا فرغ كتب له لعددهم درجات".

 

ـ  وعنه(ص) " ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل فإن الله لم يبيّن ثوابها لعظيم خطرها عنده فقال تتجافى جنوبهم عن المضاجع فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءا بما كانوا يكسبون"

 

ـ  وعن الإمام الصادق(ع)" عليكم بصلاة الليل فإنها سنة نبيكم وأدب الصالحين قبلكم ومطردة الداء عن أجسادكم".

ـ  وعن رسول الله (ص)" ما من عبد يحدث نفسه بقيام ساعة من الليل فينام عنها إلا كان نومه صدقة تصدق الله بها عنه, وكتب له أجر ما نوى".

 كيفية صلاة الليل

وقتها : يبدأ وقتها عند انتصاف الليل, وكلما اقترب الوقت من طلوع الفجر الصادق ازدادت الفضيلة, فإذا بان الفجر وكان المصلي قد أتى منها أربع ركعات فليقتصر على الحمد وحدها فيما بقي من الركعات.

كيفيتها

وهي عبارة عن إحدى عشرة ركعة, ثمان يفصل بين كل ركعتين بتشهد وتسليم, ويقرأ فيها بعد الفاتحة ما يشاء من السور وإن كان الأفضل أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة التوحيد, وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة الكافرون, ويقرأ في سائر الركعات ما شاء من الصور.

 

ويستحبّ أن يقول في القنوت" رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأجل الأكرم".

فإذا فرغت من الركعات الثمان , صل الشفع قارئا في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة الناس وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة الفلق.

   

        ويستحبّ بعد صلاة الشفع أن تدعو بهذا الدعاء" إلهي تعرض لك في هذا الليل المتعرضون وقصدك القاصدون وأمّل فضلك ومعروفك الطالبون, ولك في هذا الليل نفحات وجوائز وعطايا ومواهب تمنّ بها على من تشاء من عبادك, وتمنعها من لم تسبق له العناية منك, وها أنا ذا عبيدك الفقير إليك المؤمل فضلك ومعروفك فإن كنت يا مولاي تفضلت في هذه الليلة على أحد من خلقك وعدت عليه بعائدة من عطفك فصل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الخيرين الفاضلين وجد عليّ بطولك ومعروفك يا رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله الطاهرين وسلم تسليما إن الله حميد مجيد. اللهم إني أدعوك كما أمرت فاستجب لي كما وعدت إنك لا تخلف الميعاد".

 

      فإذا فرغت من الدعاء , صل ركعة الوتر واقرأ فيها الفاتحة والتوحيد ثلاثا والفلق والناس. ثم اقنت قائلا" اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك سبحانك رب البيت استغفرك وأتوب إليك وأومن بك وأتوكل عليك ولا حول ولا قوة إلا بك يا ارحم الراحمين" . ثم ادع لأربعين مؤمنا.

   وبعد الفراغ ينبغي قراءة دعاء الحزين.

 

 

 

الصفة الرابعة " والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما. 

 

     عباد الرحمن هم الذين  يقرنون القول بالعمل, فلا يكفي عندهم أن يناجوا ربهم بأن يصرف عنهم عذاب جهنم, بل إن المعاملة عندهم هي ما حذرهم الله  "يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا أن تقولوا ما لا تفعلون".

    هم يعلمون علم اليقين بأن من يفرّط في جنب الله سوف يلقى أثاما وتكون جهنم مغرما له ولازمة لمصيره, فهي تماما كالغريم الذي يلح على من له عنده مال له, وبالتالي ساءت مستقرا ومقاما له يتعذب فيه عذابا لا يمكن وصفه.

 

     وعباد الرحمن هم الذين فهموا جيدا ما قاله ربهم بأزاء النار " كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم".

     وقد أخبر عنهم أمير المؤمنين بقوله (ع) " فهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون". علمهم بالنار كذلك يجعلهم يعيشون الجدية في حياتهم مراقبين لأعمالهم فلا يحركون ساكنا ولا يسكنون حركة إلا إذا كان فيها لله رضا, وبمعنى آخر علمهم بحال النار يجعلهم في مقام العصمة الذاتية.

 

     ولتوضيح الكلام نقول: إن العلم القطعي بعواقب الأعمال الخطيرة يخلق في نفس الإنسان وازعا قويا يصدّه عن ارتكابها, فلوعلم أحدنا أن في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن تقتل من يمسها فإنه يحجم من تلقاء نفسه عن مس تلك الأسلاك والإقتراب منها.

 

     ونظير ذلك الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم, فإنه إذا صادف ماءا  ملوثا بالجذام أو البرص, أو إناءا شرب منه مصاب بمرض السل فإنه لا يقدم على الإغتسال أو الشرب منه مهما اشتدت حاجته إليه لعلمه لما يحصل له يقينا من جراء استعمال ذلك الماء الموبوء بالمرض.

 

        فإذا كان العلم القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال يوجد تلك المصونية عن الارتكاب في نفس العالم, فكيف بالعلم القطعي بالعواقب الأخروية للمعاصي ورذائل الأفعال, علما لا يداخله ريب, علما لا تسقط دونه الحواجب فيرى صاحبه رأي العين, ويلمس لمس الحس تبعات المعاصي ولوازمها وآثارها في النشأة الأخرى. ذلك العلم قال فيه الله تعالى" كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين". فمثل هذا العلم يخلق من صاحبه إنسانا مثاليا لا يخالف قول ربه قيد أنملة ولا يتعدى حدود   الله التي رسمها له في حياته قيد أنملة.

 

      وليس المدعى أن كل علم بعواقب الأفعال يصد الإنسان عن ارتكابها, وأن العلم بمجرده يقوم مقام التكليف الآلهي, فإن ذلك باطل بلا ريب لأننا نرى الكثيرين من ذوي العلوم بمضرات المخدرات والمسكرات والأعمال الشنيعة لا يتورعون عن ارتكابها  استسهالا للذم من سنخ هذه العلوم والإدراكات المتعارفة, بل علم خاص فوقها يعبر عنه بشهود العواقب وانكشافها انكشافا لا يبقى معه ريب.

 

       وللتوضيح أكثر نقول: لنفترض أن إنسانا يرى أمام ناظريه بركانا عظيما يقذف بكتل هائلة من الحمم الملتهبة, وعلم أن اقتراف عمل ما يوجب رميه في جوف هذا البركان الهائل ليبقى محبوسا في أحشائه مدة من الزمن يناله عذاب الحريق الرهيب ولا يموت, فهل يقدم إنسان يمتلك شيئا من العقل على اقتراف هذا العمل؟!

  وعلى ضوء هذا البيان, فشهود نتائج المعصية وعواقبها شهودا لا يبقى في النفس أي ريب يصد الإنسان عن اختيار ارتكابها, صدا قاطعا, ومع ذلك لا يتنافى مع اختياره ولا يسلب حريته.

 

تقرير عن النار

ورد في منازل الآخرة بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (ع) " قال : قلت له يا ابن رسول الله خوفني. فإن قلبي قسى.

 فقال: يا أبا محمد! استعد للحياة الطويلة, فإن جبرائيل جاء  إلى النبي (ص) وهو قاطب, وقد كان قبل ذلك يجيء وهو مبتسم, فقال رسول الله (ص) يا جبرائيل جئتني قاطبا؟

فقال : يا محمد قد وضعت منافخ النار.

 قال (ص) وما منافخ النار يا جبرائيل؟

قال : يا محمد إن الله عز وجل أمر النار فنفخ عليها ألف عام حتى ابيضت, ثم نفخ عليها ألف عام حتى احمرت, ثم نفخ عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة, لو أن قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها, ولو أن حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرها, ولو أن سربالا من سرابيل أهل النار علق بين السماء والأرض لمات أهل الدنيا من ريحه.

 قال: فبكى رسول الله (ص) وبكى جبرائيل, فبعث الله ملكا فقال لهما: إن ربكما يقرؤكما السلام ويقول : قد أمنتكما أن تذنبا ذنبا أعذبكما عليه.

فقال أبو عبد الله (ع): فما رؤي رسول الله (ص) وجبرائيل مبتسما بعد ذلك.

ثم قال : إن أهل النار يعظمون النار, وإن أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم , وإن جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما, فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد وأعيدوا في دركها فهذه حالهم وهو قول الله عز وجل " كلما أرادوا الخروج منها أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق"  ثم نبدل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم.

قال أبو عبد الله (ع) : حسبك؟

قلت: حسبي.

 

عن أمير المؤمنين(ع): " اعلموا إنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار, فارحموا نفوسكم, فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا, فرأيتم أحدكم من الشوكة تصيبه, والعثرة تدميه, والرمضاء تحرقه, فكيف إذا كان بين طابقين من نار, ضجيج حجر, وقرين شيطان".

 

ـ   وعن رسول الله (ص):" أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفم والفرج".

ـ   وعن الإمام الصادق(ع):" ثلاث إذا كن في الرجل فلا تحرج أن تقول إنه في    

    النار: الجفاء والجبن والبخل. وثلاث إذا كن في المرأة فلا تحرج أن تقول   

   إنها في جهنم: البذاء والخيلاء والفخر".

ـ    وعنه(ع):" إن أهون الناس عذابا يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار       

    عليه نعلان من نار وشراكان من نار يغلي دماغه كما يغلي المرجل ما يرى

    أن في النار أحدا أشد عذابا منه, وما في النار أحجد أهون عذابا منه".

 

ـ    وعن رسول الله (ص) :" أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو

     قتله نبي وإمام ضلالة, وممثل من الممثلين".

-                                         وعنه(ص):" خمسة لا تطفىء نيرانهم ولا تموت أبدانهم: رجل أشرك,   

     ورجل عق والديه, ورجل سعى بأخيه إلى السلطان فقتله, ورجل قتل نفسا  

     بغير نفس, ورجل أذنب ذنبا وحمل ذنبه على الله".

 

-                                         وعن الإمام الصادق(ع):" إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت

     في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا, وإنما خلد أهل الجنة في

    الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا,

     فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء, ثم تلا قوله تعالى" قل كل يعمل على شاكلته".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الصفة الخامسة:   " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما".

 

  الصفة الخامسة لعباد الرحمن الإعتدال والإبتعاد عن أي نوع من أنواع الإفراط والتفريط, خصوصا في مسألة الإنفاق.

والملفت إن الله تعالى يعتبر أصل الإنفاق أمرا مسلما به لا يحتاج إلى ذكر وذلك لأن الإنفاق أحد الأعمال الضرورية لكل إنسان. لذا فإنه يورد الكلام في كيفية إنفاقهم فيقول إن إنفاقهم إنفاق معتدل بعيد عن الإسراف, فلا يبذرون ولا يبذلون بحيث تبقى أزواجهم وأولادهم جياعا, ولا يقترون بحيث لا يستفيد الآخرون من مواهبهم.

 

     والإعتدال هو سمة ديننا " كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين". وذكر بعض المفسرين أن من لا يحبه الله هو من أهل العذاب, إذ إن محبة الله تعني وصول الثواب.

يقول الله تعالى:" كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".

ويقول تعالى أيضا " وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى".

ويقول أيضا " كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب"

 ويقول أيضا" وإن المسرفين هم أصحاب النار".

ويقول تعالى" ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا".

 

   وروي عن الإمام الصادق(ع)" إن القصد أمر يحبه الله عز وجل وإن السرف يبغضه حتى طرحك النواة فإنها تصلح لسيء, حتى صبك فضل شرابك".

وجاء عن رسول الله (ص) " ومن بنى بنيانا رياءا وسمعة, حمله يوم القيامة من الأرض السابعة وهو نار تشتعل , ثم يطوق في عنقه. قيل يا رسول الله : كيف يبني رياءا وسمعة؟

قال (ص) يبني فضلا على ما يكفيه استطالة منه على جيرانه ومباهاة لإخوانه".

 

وعن الإمام الصادق(ع)" أترى الله تعالى أعطى من أعطى كرامة عليه ومنع من منع من هوان به عليه! ولكن المال مال الله, يضعه عند الرجل ودائع, وجوز لهم بأن يأكلوا  قصدا, ويشربوا قصدا, وينكحوا قصدا, ويركبوا قصدا, ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين, ويلموا به شعثهم, فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالا, ويشرب حلالا, ويركب حلالا, وينكح حلالا, ومن عدا ذلك كان عليه حراما.

ثم قال(ع) ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين. أترى الله أئتمن رجلا على مال خوّل له أن يشتري فرسا بعشرة الآف درهم ويجزيه بعشرين درهما, ويشتري جارية بألف دينار ويجزيه بعشرين دينارا.  وقال  ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين".

 

   وعن العباسي قال: استأذنت الرضا (ع) في النفقة على العيال.

 فقال(ع) بين المكروهين.

فقلت: جعلت فداك, لا والله لا أعرف المكروهين.

 فقال (ع) لي: يرحمك الله ما تعرف إن الله تعالى كره الإسرافوكره الإقتار. فقال" والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما".

وروي عن الإمام الصادق(ع) " أربعة لا يستجاب لهم, أحدهم كان له مال فأفسده فيقول : يا رب ارزقني فيقول الله عز وجل ألم آمرك بالإقتصاد".

 

معنى الإسراف وأنواعه:

الإسراف بمعنى تجاوز الحد والزيادة عليه, وذلك إما من جهة الكمية وهو صرف المال في موضع غير مناسب شرعا أو عقلا, حتى لو كان المال بمقدار ألف ليرة, أو من جهة الكيفية وهو صرف المال في غير موضع مناسب لكن بأكثر مما يستحق, مثل أن يشتري لباسا بقيمة 500 درهم ويلبسه والحال أن اللباس الذي يناسبه  ويليق بحاله يساوي 1000درهم.

وقال بعض: إن صرف المال في غير موضعه المناسب يسمى تبذيرا, وصرف المال بأكثر مما يستحق المورد يسمى إسرافا.

ويجب أن يعلم إن الاسراف يختلف باعتبار الأشخاص من حيث الشأن والشرف والصحة والمرض, والفتوة والشيخوخة, ومن حيث الفقر والغنى, وزيادة العلاقات وقلّتها, ذلك إنه قد لا يكون إسرافا صرف المبلغ الفلاني لشراء ملابس بالنسبة لشخص صاحب مقام وشخصية وعلاقات في المجتمع, بينما يكون إسرافا بالنسبة لشخص آخر إسرافا.

فعن الإمام الصادق(ع)" ربّ فقير أسرف من الغني ينفق مما أوتي, والفقير ينفق من غير ما أوتي".

 

     وبناءا على ذلك فإن أكثر التكلف في الوسائل الحياتية والمعيشية والمبتلى بها أكثر الناس, من دون ملاحظة الشأن الإجتماعي للفرد ومستوى دخله المعيشي, والتورط غالبا بالقروض والهموم, إن أكثر هذا التكلف هو إسراف. وسببه أن كل واحد ينظر لمن هو أعلى منه ويريد أن يصبح مثله لا أقل, وبالتالي يتورط بالإسراف, ويكون دائما في  الشدة والصعوبة والإنزعاج, وعدم الرضا, في حين لو نظر إلى من دونه لم يبتل بالإسراف والقلق.

يقول  أمير المؤمنين (ع):" لا يذوق المرء من حقيقة الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: الفقه في الدين, والصبر على المصائب, وحسن التدبير في المعاش".

وعن الإمام الباقر(ع):" وأما المنجيات: فخوف الله في السر والعلانية, والقصد في الغنى والفقر, وكلمة العدل في الرضا والسخط".

 

      وجاء في كتاب "  الإسلام والمعضلة الإقتصادية" للمفكر الإسلامس أبي علي المودودي بعد أن أكد أن جميع مفاسد العالم المعاصر ناشئة من إسراف وتبذير الرأسماليين الأثرياء ما يلي:

" هؤلاء الأثرياء يعدون الزنى من لوازم الحياة, ومن أجل ذلك فقد جعلوا عددا من النساء مهمتهن الرقص والبغاء, وعددا من الرجال مهمتهم القيادة, دون أن يكون لهم أي شيء آخر.

       والغناء والطرب هو نوع من أنواع الترفيه والأنس لهؤلاء الأثرياء, ومن أجل ذلك فقد استخدموا عددا من المغنين والرقاصين والفنانين والعازفين. ولقد أوجدوا حالة من العشق والهيام البالغ حد الجنون بأنواع اللهو واللعب المضرة بالمجتمع الإنساني.

 وبذلك أوجدوا مجالا للعديد من العابثين يستثمرون بها أموال الناس ويجعلونهم منفقين لها بشكل يظنون أنها من حاجاتهم الضرورية, ومن دونها لا معنى للحياة...

لقد بلغ إسرافهم إلى حد بناء الغرف العالية لكلابهم وتلبيسها القلائد الذهبية واستخدام المربين لها وإنفاق الثروات الطائلة في هذا المجال."

 

      وجاء في مجلة ( نيو أستيتسمن) الأمريكية أنه يصرف سنويا على الكلاب وسائر لوازمها مبلغ ثلاثة مليارات دولار, في الوقت الذي يلزم صرف هذه المبالغ لسد حاجات الفقراء والمعوزين من أبناء النوع البشري".

 

وضمنا يجب أن نشير إلى الملاحظة التالية:

    إن قولنا بأن صرف مبلغ كذا من المال هو إسراف بالنسبة للفقير وليس إسرافا للغني لا يدعو هذا القول للاشتباه أنه لا مانع للغني من صرف أي مبلغ وفي أي طريق, حتى يجوز له صرف المال في الملذات والأهواء, وحيث أنه ثري فذلك لا يعتبر منه إسرافا, بل الصحيح أن حكمه أشد . وذلك:

أولا : إن صرف المال فيما زاد على حاجته من المسكن واللباس والفراش واللوازم الحياتية والمعيشية اليومية, وفيما زاد على ما يليق بشأنه في تلك الأمور حرام عليه.

 

ثانيا: إن ما زاد على نفقاته اللازمة والمناسبة لشأنه لا يحق له خزنه, بل يجب إخراج الخمس منه وصرفه في الموارد المعينة, كما يجب إخراج زكاتها إذا كان موردا لتعلق الزكاة. وإذا كان لديه أرحام وأقرباء فقراء فإنه يجب عليه مساعدتهم بنحو تحفظ به صلة الرحم, بل يجب عليه إغاثة كل مسلم مضطر ومحتاج يعرف وضعه, وإذا لم يفعل ذلك كان ممن قال الله تعالى فيهم " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى  عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون". وينبغي أن يعلم أن هناك ثلاثة أقسام من الأسراف هي حرام في جميع الحالات والأشخاص والأزمنة والأمكنة.

الأول : تضييع المال وإتلافه مهما كان قليلا, مثل إراقة المتبقي من الماء في الإناء في حال قلة المياه, أو تمزيق اللباس القابل للإستفادة منه, أو خزن الطعام وعدم دفعه للغير حتى يتلف, ومثل إشعال المصباح مع وجود ضوء الشمس, ومثل إعطاء المال للسفيه أو الصغير الذي لا يعرف قدره فيتلفه , وما إلى ذلك.

فعن الإمام الصادق(ع):" أنه نظر إلى فاكهة قد رميت من داره لم يستقص أكلها فغضب وقال : ما هذا؟ إن كنتم شبعتم فإن كثيرا من الناس لم يشبعوا فأطعموه من يحتاج إليه.

 

الثاني : صرف المال فيما يضر البدن من المأكل والمشرب, مثل الأكل بعد الشبع  فإنه مضر, بخلاف صرف المال في نفع البدن وصلاحه فإنه ليس إسرافا. إذ روي عن الإمام أبي عبد الله (ع) أنه قال له بعض أصحابه: إنا نكون في طريق مكة فنريد الإحرام فنطلي, فلا يكون معنا نخالة نتدلك بها من النورة فنتدلك بالدقيق, وقد دخلني من ذلك ما الله أعلم به!

قال (ع) : أمخافة الإسراف؟

 قلت : نعم.

قال(ع): ليس فيما أصلح البدن لإسراف. إني ربما أمرت بالنقي فيلتّ بالزيت فأتدلك به, إنما الإسراف فيما أفسد المال وأضر البدن.

قلت: فما الإقتار؟ قال(ع): أكل الخبز والملح وأنت تقدر على غيره.

قلت: فما القصد؟  قال(ع) : الخبز واللحم واللبن والخل والسمن, مرةهذا ومرة  هذا".

 

الثالث : صرف المال في المحرمات شرعا, مثل شراء أشرطة الغناء وتذاكر حفلات الطرب, ودفع الرشوة, وصرف مال يجر إلى الظلم, وفي ذلك معصيتان: حرمة أصل العمل, والأخرى إسراف في صرف المال فيها.

      ثم إن هناك طائفتان من الروايات ةالآيات قد يبدو للوهلة الأولى أنهما متعارضتان. طائفة تحث على الإنفاق والإيثار على النفس , وطائفة تقول بالإعتدال, وإن الذي ينفق ماله ويحرم أولاده مسرف, فكيف الحل؟

 

 

الطائفة الأولى :

" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة, ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".

-  سأل شخص الإمام الصادق (ع) قائلا: أي الصدقة أفضل؟ فقال(ع) : جهد المقلّ ".

-  وعن رسول الله (ص) :" لا خير في السرف, ولا سرف في الخير".

 

- وروي في الكافي عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع)  عن الرجل ليس عنده إلا قوت يومه, أيعطف من عنده  قوت يومه على من ليس عنده شيء, ويعطف من عنده قوت شهر على من دونه, والسنة على نحو ذلك, أم أن ذلك كله الكفاف الذي لا يلام عليه؟

فقال (ع) : " هو أمران أفضلكم فيه أحرصكم على الرغبة والأثرة على نفسه, فإن الله عز وجل يقول :" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" والأمر الآخر لا يلام على الكفاف, واليد العليا خير من اليد السفلى, وابدأ بمن تعول".

 

الطائفة الثانية:

    " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما

       محسورا".

    " وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".

 

     قال(ع): كان فلان الأنصاري –سماه- وكان له له حرث, وكان أذا أخذ يتصدق   

     به يبقى هو وعياله بغير سيء, فجعل الله عز وجل ذلك سرفا".

     وعنه (ع) :" إن الرجل لينفق ماله في حق وإنه لمسرف".

 

وقد حلّ الشهيد الأول ذلك بقوله : إن أدلة حسن الإيثار ناظرة إلى الإيثار على نفسه, وأدلة الإقتصاد ناظرة إلى من كان ذا عيال لا ينبغي له أن يؤثر عليهم غيرهم.

 

  والخلاصة :

 إن الإيثار على النفس مستحب لا الإيثار على العيال.

وقال أيضا : يكره أن يتصدق الرجل بجميع ماله إلا إذا اطمأن.

 

وما ذكر لحد الآن راجع للإسراف في المال, ولكن حيث إن الإسراف في اللغة معناه تجاوز الحد فإن  ذلك يتصور أيضا في الأمور الإعتقادية, مثل إعتقاد فرعون بربوبيته حيث قال " ما علمت لكم من إله غيري" وعدّه الله تعالى من المسرفين حيث قال " إن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين". فالذي يطغى على حده وينصّب نفسه ما ليس له اعتبر من المسرفين, أولا يعتقد بما ينبغي الإعتقاد به كالإعتقاد بالله وبالنبوة والإمامة والمعاد وغير ذلك اعتبر من المسرفين. قال تعلى " وكذلك نجزي من أسرف  ولم يؤمن بآيات ربه, ولعذاب الآخرة أشد وأبقى".

  

       وأما الإسراف في الأعمال فهو أن يأتي بما لا ينبغي الإتيان به, أو يترك ما ينبغي الإتيان به, كما عدّ تعالى قوم لوط الذين يرتكبون عمل الفحش القبيح مسرفين, حيث قال :" إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون", وذلك لأنهم يضعون النطفة في غير مكانها الذي أراد الله بها أن توضع, وأن الله أراد للرجل أن يكون مع الأنثى لا الرجل مع الرجل.

 

         فإذا كان عباد الرحمن مبتعدين كل البعد عن الإسراف, فهم في نفس الدرجة مبتعدون كل البعد عن ضده وهو البخل, لأن الله تعالى ذم البخلاء والبخل في قوله تعالى:" الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله" و " ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه والله الغني وأنتم الفقراء".

     ويكفي لابتعادهم عن هذه الرذيلة قول أمير المؤمنين في ذمه للبخل :

" البخل جامع لمساوىء العيوب, وهو زمام يقاد به إلى كل سوء" .

إن الذي دفع قوم لوط إلى  ارتكاب الفاحشة فيما روي عنهم إنهم كانوا قوما بخلاء , وكانوا يسوؤهم أن يأتي إليهم الضيوف, فحتى يفرّ منهم الناس ولا ينزلون بساحتهم عمدوا إلىارتكاب هذه الفاحشة مع ضيوفهم حتى لا يأتوا من جديد إليهم, فإذا ما شاع عنهم هذا الأمر سوف لن يأتي إليهم أحد, وهذا عين ما كانوا يصبون إليه.

     والبخيل يدفعه بخله إلى الكذب, فيدّعي الفقر وهو أغنى الأغنياء, أو يعلم ولده الكذب فلا يدخل إليه الضيف بحجة أنه ليس موجودا. والبخيل ينجر إلى الغيبة فيتناول عيوب الناس ليدفع العيب عن نفسه , وهكذا.

       ويكفي في ذم البخيل ما ورد عن الإمام الصادق(ع) :" حسب البخيل من بخله سوء الظن بربه, من أيقن بالخلق جاد بالعطية".

 فالذي يبخل لا يقدم على ذلك إلا لأنه سيء الظن بربه, يخاف أن  لا يجزل الله له بالعطاء في الدنيا قبل الآخرة, ولذلك تراه يصوّر نفسه بالفقر ويمسكن نفسه. قال أمير المؤمنين فيما يروى عنه " البخل جلباب المسكنة".

      ويكفي حسرة لهؤلاء أنهم يعملون ويكدّون ويعيشون عيش الفقراء ويخزنون المال لأولادهم ليتنعموا بها بعدهم بينما هم يعيشون الحرمان لأنفسهم. فعن أمير المؤمنين(ع):" البخيل خازن لورثته". وعنه أيضا (ع) :" عجبت للشقي البخيل, يتعجّل الفقر الذي منه هرب, ويفوته الغنى الذي إياه يطلب, فيعيش عيش عيش الفقراء, ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء".

 وعن الإمام الصادق(ع):" عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه, أو يبخل بها وهي مدبرة عنه, فلا الإنفاق مع الإقبال يضره, ولا الإمساك مع الإدبار ينفعه".

       وهناك حديث رائع ملفت مروي عن الإمام المهدي:" إني لأستحي من ربي أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدينار والدرهم, فإذا كان يوم القيامة قيل لي: لو كانت الجنة لك لكنت بها أبخل وأبخل وأبخل".

        وكما إن الإسراف لا ينحصر فقط في الجوانب المالية فكذلك البخل, فالذي رزقه الله علما ولم ينفقه في طاعة الله ألجمه الله بلجام من نار, والذي رزقه الله جاها فلم يتصرف في جاهه بما ينفع الناس فهو بخيل.

   إن عباد الرحمن هم الذين يعيشون الإعتدال, فلا إفراط في ساحتهم ولا تفريط ولا إسراف ولا بخل, بل بين ذلك قواما " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما".

 

  

  الصفة السادسة  : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر".

 

     عباد الرحمن هم الذين يعيشون التوحيد بكل أقسامه في جوارحهم , إنهم لا يرون في هذا الوجود سوى الله عز وجل. كل ما في هذا الكون طريق إلى ربهم, فلا هم يشركون في مقام ذاته, ولا صفاته, ولا أفعاله , ولا طاعته, ولا عبادته.

    إنهم العباد الذين انجلت بصيرتهم عن كشف الحقيقة, فلا يمكن أن يشركوا بالله طرفة عين أبدا, وعلموا من أئمتهم أن أكبر الكبائر الشرك بالله. وعلموا من مربوبهم "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" و " ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما".

 

  والشرك يمكن أن يتصور له عدة مراتب وأقسام:

1 -  الشرك في مقام الذات

 2- الشرك في مقام الصفات

 3- الشرك في مقام الأفعال

 4- الشرك في مقام الطاعة

 5- الشرك في مقام العبادة

 

·       الشرك في مقام الذات:

        التوحيد في مقام الذات عبارة عن الإعتقاد بوحدانية ذات رب الأرباب, القديم الأزلي, ومبدأ علة وإيجاد جميع العوالم الممكنة من المحسوس وغير المحسوس.

      والشرك في هذا المقام عبارة عن إعتقاد بتعدده, تماما كما كانت تظن طائفة الثنوية بأن هناك إلهين : إله خير وهو ( يزدان) وإله شر وهو ( إهريمن). وقد انطلقوا من شبهة وهي :  إن هناك شرورا في هذا الكون لا يستطيع أن ينكرها أحد, والله هو إله الخير وهو الخير المطلق ولا يصدر من الخير إلا الخير, فإذن لا بد أن يكون هناك إله آخر يصدر منه هذا الشر وهو ( أهريمن), فهم أرادوا أن ينزهوا الله فوقعوا في الشرك.

     

         والواقع إنه لا يوجد هناك شيء واقعي محسوس اسمه الشر, بل إن الشر أمر انتزاعي نسبي. فالشيء بما هو شيء لا يكون شرا, بل بالنسبة إلى شيء يكون خيرا, وبالنسبة إلى شيء آخر يكون شرا, تماما كما لو كنا ننظر إلى مكان معين, فالقريب منه يصفه بأنه قريب والبعيد عنه يصفه بأنه بعيد. وواقع الحال إن هذا الشيء بما هو هو لا قريب ولا بعيد ولكنه بالنسبة لهذا قريب ولذاك بعيد.

 

   فعباد الرحمن هم الذين يفهمون هذه الحقيقة الآلهية ولا يدعون مع الله إلها آخر ولا يجدون في هذا الكون إلا الله بكل صفاء الحقيقة وجلائها. كما إنهم لا يشركون في مقام ذاته فلا يكررون ذاته كالثنوية ولا يجزئون ذات الله إلى اجزاء كما فعل النصارى حينمااعتقدوا بالأقانيم الثلاثة (  الآب والإبن وروح القدس).

  

      لقد فهموا بعمق قول الله عز وجل" قل هو الله أحد" والأحد هو البسيط الذي لا يتجزأ لا خارجا ولا ذهنا, لأنه لو تجزأ لتركب, والتركيب مستحيل عليه لأن المركب محتاج في وجوده إلى أجزائه, والمحتاج إلى غيره معلول له, ولا يوصف بأنه واجب الوجود, مضافا إلى أن الأجزاء المؤلفة للذات الآلهية إما أن تكون واجبة الوجود فنعود إلى تعدد الآلهة وتكثر واجب الوجود وهو ممتنع, أو تكون هذه الأجزاء ممكنة, وفي هذه الصورة تكون نفس الأجزاء محتاجة إلى غيرها, والمحتاج لا يكون إلها.        

 لقد كفر عباد الرحمن بهذا القول إيمانا وتسليما بما عند الله الذي نفى التثليث بأوضح البراهين وأجلاها حيث ذكر " ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام" فهما بشر يحتاجان إلى الطعام كما يحتاجه كل مخلوق. وبقوله تعالى " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب" بل إنه حكم بالكفر لمن يعتقد بذلك " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا".

 

       لذلك كله كانت عقيدة عباد الرحمن التي جسّدوها بالقول والعمل والإنقياد والتسليم والعرفان بالله " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". هكذا هي نظرتهم إلى ذات الله عز وجل.

 

الشرك في مقام الصفات:

  والتوحيد في مقام الصفات هو الإعتقاد بأن الصفات الحقيقية الذاتية الآلهية مثل العلم والقدرة والحياة والإرادة هي عين ذات الله تعالى.

والشرك في مقام الصفات أن يعتقد بأن صفاته زائدة على ذاته.

 

     أما عباد الرحمن فقد أيقنوا أن وجود أي مرتبة من مراتب الصفات الحسنة في المخلوق إنما هي من الله تعالى, حتى لو كان هؤلاء هم الأنبياء والأئمة, فلا أحد بحسب الذات لديه شيء من نفسه.

        وبالجملة فإن جميع الموجودات كما إنها في أصل الوجود ممكنة وحادثة ومحتاجة لخالق العالم الذي يخلقها, كذلك هي في اتصافها بالصفات الحسنة التي هي كمالات ثانوية محتاجة أيضا إلى رب الأرباب الذي يجعلها متصفة بتلك الصفات.

وفي هذا ردّ على المغالين الذين يغالون بأهل البيت(ع).

لقد اعتبر الله قارون مشركا حينما قال :" إنما أوتيته علم عندي" فعندما اعترض عليه القوم من جهة ماله وكيفية التصرف فيه أجابهم لا دخل لله به, فكما لله علم فلي علم أيضا, فجعل علمه في مقابل علم الله عز وجل.  

 لذلك فقد تأدب عباد الرحمن بأدب أمير المؤمنين وكانوا يخافون أن يمدحوا فيقعوا في الشرك , لذلك تراهم يقولون :" أنا اعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي! اللهم لا تؤاخذني بما يقولون, واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون".

 

التوحيد في مقام الأفعال:  وحقيقة التوحيد في الأفعال أن يعتقد بأن المالك والمدبر والمتصرّف في جميع عوالم الملك والملكوت هو الله تعالى, ويعلم يقينا بأنه لا شريك له في جميع شؤون الربوبية وألالوهية, وربوبيته مستوية في السماء وأهلها والأرض وأهلها وسائر العوالم.

 

        وحقيقة توحيد الفاعلية إن يعرف بأن الله تبارك وتعالى هوخالق السماوات والأرض, وهو الذي يشق الأرض ويخرج الورود والياحين, وهو خالق الإنسان وما يحتاج إليه , وهو فالق الحب والنوى, وهو الذي يحي ويميت, وكل خير ونفع يصل لأي أحد فهو منه, وكل شر وضرر يصدر من أي أحد وعلى أي أحد فإنما بإذن الله ومشيئته " قل كل من عند الله".وهو الذي يجيب دعوة الداعين, ويعطيهم سؤلهم ويدفع السوء عمن يشاء.

 

    وفي الحقيقة إن الوصول إلى هذه المرتبة من التوحيد بحيث يرى أن الله تعالى هو وحده منشأ الآثار وأنها جميعا منه هو مقام عزيز,ولقليل من الناس تتحقق هذه المرتبة من التوحيد.

 

     ولازم اليقين بهذا التوحيد أن يعيش الآنسان الخوف من عظمة خالقه والذنوب التي يرتكبها. ففي الحديث " حد اليقين أن لا تخاف مع الله شيئا". وفي دعاء الرسول (ص):" إلهي إن لم يكن غضبك عبلا فلا أبالي".

 ولازم اليقين أيضا الرجاء بالله, فالمؤمن الموحد لا ينبغي أن يأمل بأحد أو شيء سوى الله عز وجل. فعن أمير المؤمنين (ع) :" لا يرجونّ أحد منكم إلا ربه".

    وبعد أن أصبح معلوما أن كل شيء في عالم الملك والملكوت هو مخلوق عاجز لله تعالى, فلو أمل أحد في غير عمله بغير الله قطع الله أمله لطفا وكرما حتى يأمل بربه كما ورد في الحديث الشريف:" لأقطعنّ أمل كل مؤمل غيري".

  ولازم اليقين أن يشكر النعم, فبعد اعتقاد الموحد بأن جميع المخلوقات ذاتا وصفة هي مخلوقة لله , فإنه سيعتقد بأن أي خير من أي أحد كان إنما هو من الله وحده الذي يوصل الخير للآخرين.

      ولا يعني هذا أننا لا نشكر من يعمل معنا خيرا, فقد ورد :" من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق". ولكن حينما نمدح ونشكر الوسائط فبالتأكيد ليس على أساس استقلالها واعتبارها مصدرا للخير, وإنما من جهة أنه مجرى للخير الآلهي.

 

     وعلى الإنسان أن يغير أسلوب المدح والشكر حتى لا يقع ولو بالشرك الخفي, فقد ورد في تفسير" وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهو مشركون" عن الإمام الصادق قال:" من ذلك قول الرجل لولا فلان لهلكت, ولولا فلان لأصبت كذا, ولولا فلان لضاع عيالي, ولا بأس بأن يقول: لولا أن منّ الله عليّ بفلان لهلكت".

 

نماذج من صفات عباد الرحمن:

روى مسمع بن عبد الملك أن الإمام الصادق(ع) كان في منى, واقترب منه سائل فأمر الإمام بإعطائه عنقودا من عنب.

فقال السائل: لم أكن بحاجته, لو أعطيتني مالا.

فقال الإمام :: وسّع الله عليك, ولم يعطه شيئا.

ثم جاءه سائل آخر, فأعطاه الإمام ثلاث حبات من العنب, فأخذها السائل وقال: الحمد لله رب العالمين الذي رزقني.

فقال الإمام : مكانك, وأعطاه كفين من العنب, فأخذها السائل وشكر الله ثانية.

فقال الإمام : مكانك, وقال لغلامه: كم لديك من المال؟ ثم أعطاه قريبا من عشرين درهما, أخذها السائل, وقال الحمد لله رب العالمين, هذا منك وحدك لا شريك لك.

فقال الإمام : مكانك, ثم أحضر ثوبا وأعطاه إياه, وقال إلبسه.

لبسه السائل وشكر الله على ما ألبسه, وفرح به ثم توجه إلى الإمام وقال : يا عبد الله جزاك الله خير الجزاء. ثم انصرف.

قال مسمع: ظننت لو لم يلتفت إلى الإمام وحمد الله فقط لواصل له الإمام العطاء.

 

التوحيد والشرك في الطاعة:

 الشخص المؤمن بعد أن علم يقينا أن الخالق والرازق والمدبر والمربي له ولسائر المخلوقات واحد لا شريك له في أي مرتبة من مراتب الألوهية, فبحكم العقل والإيمان ينبغي أن لا يتخذ غيره في مقام الطاعة والامتثال, كيف لا وإن الله تعالى قد بين له الطريق." وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص اللع ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا".

         فإذا كان الإنسان يرى نفسه عبدا لله وقد آمن به وبصفاته وأنه أرأف بالمؤمنين من أنفسهم وأن الله عالم بحقائق الأمور وأن الله تعالى علم كله ولا يريد بالإنسان إلا الخيرلأنه خيرمطلق, مثل هذا الإيمان يجعل المؤمن منقادا لربه , مسلّما لأوامره تسليم الإنسان الواعي العارف بربه, لذلك لا يرى لنفسه أمام كلمة الله , ولا قولا أمام قول الله, ولا أمرا أمام أمر الله.

 

       ثم إن الله تعالى ينفي أصل الإيمان إلا إذا انقاد لربه فيما يحكم به " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما".

        هكذا هم عباد الرحمن الذين يحققون التوحيد في عبادة الله" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" و " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول وظاولي الأمر منكم". فهم يرون أن كل من عيّنه الله تعالى وأعطاه الولاية وأمر الخلق بالرجوع إليه فهو واجب الإطاعة قهرا لأن الله عيّنه , ومن هذا الباب أيضا طاعة المجتهد العادل. إذ روي عن الإمام الصادق(ع)

 " أنظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما, فإني قد جعلته عليكم حاكما, فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف, وعلينا ردّ, والراد علينا راد على الله, وهو على حد الشرك بالله".

 

      ومن هذا الباب أيضا إطاعة الوالدين لأن طاعتهما من طاعة الله عز وجل." وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا لينا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.."

 

التوحيد والشرك في مقام العبادة:

        قلما نجد مسلما وقع في شرك الذات أو الصفات, وقد يقع في شرك الفاعلية, ولكن الكثير من الناس يقعون في شرك الطاعة والعبادة,حيث ذكرت للعبادات عدة شروط أهمها وأعظمها الإخلاص في النية, بل اعتبر الإخلاص مقوما للعبادات بحيث إن العمل بدون إخلاص ليس فقط لا يوجب قرب الشخص من الله تعالى, بل هو مبعد وموجب للسقوط عن بساط القرب الربوبي" وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين".

 

      والمستفاد من الروايات أن الشخص المرائي مشرك ومنافق ومغضوب عليه ومن أهل العذاب, سواء في الواجبات أم المستحبات. إذ روي عن رسول الله (ص):" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر.

 قيل وما الشرك الأصغر؟

قال (ص) :" الرياء, يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى من كنتم تراؤون لهم في الدنيا, هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم؟"

ـ  وسئل رسول الله (ص): فيما النجاة غدا؟ قال : " إنما النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم, فإنه من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الإيمان, ونفسه يخدع لو يشعر, فقيل له : وكيف يخادع الله؟

 قال (ص): يعمل بما أمرالله ثم يريد غيره, فاتقوا الله واجتنبوا الرياء فإنه شرك بالله, إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر, يا فاجر, يا غادر, يا خاسر, حبط عملك وبطل أجرك ولا خلاق لك اليوم, فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له".

ـ  وروي عن الإمام الصادق(ع) " لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله والدار الآخرة ثم أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا".

 

   وخلاصة القول:

       إن عباد الرحمن هم الذين عرفوا ربهم فلم يجعلوا لله شركاء لا في ذاته ولا في صفاته, ويرون أن كل فعل في هذا الوجود يرجع إلى الله, ولا انقياد ولا طاعة ولا عبادة إلا لله عز وجل, فهم يقرنون القول بالعمل, حينما يقولون لا إله إلا الله يعون جيدا معنى هذه الكلمة, أي لامطاع إلا الله , لا إنهم يقولونها ويعبدون مصالحهم وأهواءهم ويطيعون من يصدّهم عن ذكر الله.

 

 

 

 

الصفة السابعة: " ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق"

 

        إن احترام دماء البشروحرمة قتل النفس تعتبر من المسائل المتفق عليها في كل الشرائع السماوية وقوانين البشر, وتعتبر من الذنوب الكبيرة’ إلا إن الأسلام أعطى أهمية استثنائية لهذه المسألة بحيث اعتبر من يقتل إنسانا بغير حق كأنما قتل الناس جميعا كما جاء في سورة المائدة:" من قتل نفسا بغير حق  أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا, ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".

بل نستفيد من بعض الآيات القرآنية أن جزاء قتل النفس بغير حق الخلود في النار" ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها".

 

           إن قتل أي إنسان إن لم يكن قصاصا أو فسادا في الأرض فهو بمثابة قتل الجنس البشري بأجمعه, كما أن إنقاذ أي إنسان من الموت يعد بمثابة إنقاذ الإنسانية كلها من الفناء, فأشخاص الإنسان إنما هم أفراد نوع واحد وأشخاص حقيقة واحدة, يحمل الواحد منهم من الإنسانية ما يحمله الكثيرون, ويحمل الكل ما يحمله البعض, وإنما أراد الله بخلق الأفراد وتكثير النسل أن تبقى هذه الحقيقة التي ليس من شأنها أن تعيش إلا زمانا يسيرا, ويدوم بقاؤها فيخلف اللاحق السابق, ويعبد الله في الأرض, فإفناء الفرد بالقتل إفساد في الخلقة وإبطال لغرض الله سبحانه في الإنسانية المستبقاة بتكثير الأفراد بطريق الاستخلاف.

 

          ولما كان من طباع الإنسان أن يندفع بأي سبب كان ولو كان واهيا إلى ارتكاب هذا الظلم العظيم بيّن الله لنا منزلة قتل النفس لعلهم يكفون عن الإسراف في القتل.

     إن المجتمع يشكل في الحقيقة عضوية واحدة, وأعضاؤه أشبه بأعضاء الجسد الواحد, وإن أي ضرر يصيب أحد أعضائه يكون واضحا بصورة وبأخرى في سائر الأعضاء, ولأن المجتمع البشري يتشكل من الأفراد لذلك فإن فقدان أي فرد منهم يعتبر خسارة للمجتمع الإنساني الكبير, لأن هذا الفقدان يترك أثرا بمقدار ما كان لصاحبه لدى وجوده من أثر في المجتمع, لذلك يشمل هذا الضرر  عبر هذا المعنى جميع أفراد المجتمع.

 

        إن قوله تعالى " ومن قتل نفسل بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" كناية عن كون الناس جميعا ذوي حقيقة واحدة إنسانية متحدة فيها, الواحد منهم والجميع فيها سواء, فمن قصد الإنسانية التي في الواحد منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجميع, والعكس صحيح.

 

        لذلك كله فقد ورد بالإضافة إلى الآيات الذامة والمهددة لهؤلاء القتلة روايات عديدة في هذا المجال ينبغي التوقف عندها مليا لما فيها من معالجات:

فقد ورد عن رسول الله (ص) :" أعتى الناس من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه".

        هذا الحديث الشريف يشير إلى معالجة واقع مؤلم لطالما ابتليت به الإنسانية, وهي عادة أخذ الثأر من غير القاتل, فإن في هذا لظلما كبيرا, فما ذنب الأب بابنه, أو الأخ بأخيه, أو القريب بقريبه حتى يقتل.لذلك يعتبره الرسول(ص) أعتى الناس, بل ينزله منزلة فرعون الذي كان يأخذ بالجرم من غير أهله, ولذلك فإنه يستوجب أشد العذاب, فقد أوحى الله إلى موسى بن عمران: أن يا موسى قل للملأ من بني إسرائيل إياكم وقتل النفس الحرام بغير حق, فإن من قتل منكم نفسا في الدنيا قتلته مئة ألف قتلة مثل قتلة صاحبه".

 

        إن القاتل للنفس المحرمة قلما يوفق للتوبة, بل إن الله تعالى يطبع على قلبه فلا يوفق بعدها أبدا, إذ ورد عن رسول الله (ص) :" لا يزال قلب العبد يقبل الرغبة والرهبة حتى يسفك الدم الحرام, فإذا سفكه نكس قلبه صار كأنه كير محم أسود من الذنب لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا".

        إن أشد البلاء الذي ابتلينا به في هذا العصر هو تكفير الناس وإخراجهم عن الدين, ثم تبرير قتلهم باسم الدين, رغم إن الروايات متضافرة إلى أبعد الحدود والآيات ناهية عن مثل هذا الأمر, ولكنه الحقد الأعمى الذي أعمى القلوب التي في الصدور. فقدد خطب النبي(ص) في حجة الوداع قائلا:" إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم القيامة فيسألكم عن أعمالكم".

 

       لذلك حذار حذار من أن يلقى الإنسان ربه بمثل هذا العمل أو الرضى به ولو قلبيا أو غرائزيا أو اندفاعا وراء طائفته أو مذهبه , فإن " الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم" وعن رسول الله(ًص):" من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله".

         ويكفي في النهي عن مثل هذه الأعمال ما ورد عن الإمام الباقر(ع):"  من قتل مؤمنا متعمدا أثبت الله على قاتله جميع الذنوب وبرىء المقتول منها, وذلك قول الله عز وجل "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار".

 

       إن قتال المسلمين فيما بينهم بغير حق يوجب دخول الطرفين إلى النار القاتل والمقتول, فقد ورد عن رسول الله(ص):" إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنة فالقاتل والمقتول في النار. قيل يا رسول الله : هذا القاتل, فما بال المقتول؟! قال (ص): لأنه أراد قتلا".

  وإن كان قتل الغير محرما لأنه اعتداء عليه, فكذلك فإن قتل الإنسان نفسه ولنفس التعليلات السابقة التي ذكرناها فإنه حرام أضف إلى أمرآخر أنّ نفس الإنسان التي بين جنبيه أما نة الله عنده لا يجوز له أن يفرط بها, وعليه أن يؤدي الأمانة على أحسن حال, والذي ينتحر فقد أساء إلى نفسه ودوره في هذه الحياة وإلى ربه, فقد ورد جملة من الروايات في هذا المجال:

-  فعن رسول الله(ص):" الذي يخنق نفسه يخنقها في النار, والذي يطعنها في النار".

-  وعنه (ص):" من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة".

-  وعنه (ص):" كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح, فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات, قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة".

-  قال الله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما, ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا".

 

         وفي المقابل فإن المؤمن لا يمكن حتى بأن يفكر في هذا العمل الشنيع.

ـ   فعن الإمام علي(ع):" إن المؤمن يموت بكل ميتة, غير إنه لا يقتل نفسه, فمن قدر على حقن دمه ثم خلى عن قتله فهو قاتل نفسه".

ـ   وعن الإمام الباقر(ع):" إن المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة إلا إنه لا يقتل نفسه".

 

إسقاط الجنين

       إن قتل الجنين في رحم أمه يساوي في هذا الحكم الآخرين, ولئن ذم الله تعالى الأقوام السابقين لقتلهم ووأدهم أولادهم الإناث منهم بالتحديد بقوله تعالى:

" وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت" فإن القرن الحالي نشهد فيه ما هو أبشع وأبشع بالآف المرات من عمل الجاهليين, فما نشهده اليوم من قتل الأجنة في بطون الأمهات إما لعدم الرغبة به, أو الخوف من أن يكون الجنين معاقا, أو لكون الجنين أنثى وهم يريدون الذكر هو حرام بعينه, ويلزم من هذا العمل دفع الدية للورثة الشرعيين له. فعن الإمام الكاظم(ع):" المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها؟

 قال (ع) :" لا.

 قلت: إنما هو نطفة.

فقال: إن أول ما يخلق نطفة".

 

         ومع إن اسقاط الجنين محرم سواء في الإسلام أم في غيره من الأديان السماوية إلا أننا نجده ساريا سراية التوحش في أوروبا وأمريكا وآخذا بالازدياد خصوصا في طبقة الشباب نتيجة الطيش وعدم الإيمان والأخلاق, حتى إن بعض الدول قد شرّعت الإجهاض.

 إن الإسلام قد اعتبر هذا العمل جريمة يعاقب عليها الشرع, وجعل هناك أثرا وضعيا لهذا العمل, وحدد له دية بالتفصيل الآتي:

-           إذا كان نطفة فديته 20 مثقالا شرعيا من الذهب.

-           وإذا كان علقة فديته 40 مثقالا ذهبيا.

-           وإذا كان مضغة فديته 60 مثقالا ذهبيا.

-           وإذا اختلط بعظم فديته 80 مثقالا ذهبيا.

-           وإذا كان جنينا ولم تلجه الروح أي احتوى على اللحم فديته 100 مثقال ذهبي.

-           وإذا ولجته الروح وكان ذكرا فديته ألف مثقال ذهبي, وإذا كان أنثى فديتها 500 مثقال ذهبي.

 

   يبقى أن نشير إلى أن هناك موارد  يجوز فيها القتل وهو المعبر عنه في الآية " ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق".

 فمن موارد الاستثناء القاتل الذي قتل بغير حق, فإنه يجوز قتله, وإنما قلنا يجوز قتله لأن لولي الدم أن يعفو عنه أو يقتله.

 

     ومن موارد الاستثناء الزاني والزانية المحصنة, فإنهما يستحقان الرجم حتى الموت.

ومن موارد الاستثناء الارتداد عن الدين والمفسدون في الأرض.

فعن رسول الله(ص):" لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم, ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض, أو يقتل نفسا فيقتل بها".

وعنه (ص):" من ارتد عن دينه فاقتلوه" لأن قتل المرتد يمنع الفوضى في وحدة وتماسك المجتمع الإسلامي , وهذا الحكم لأجل حفظ النظام الإجتماعي في قبال الأخطار التي تهدد الكيان الإسلامي.

 

 

 

 

 

 


الصفة الثامنة: " ولا يزنون ومن يفعل ذلك  يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا".

 

           من المشهود أن في كل من الزوجين من الإنسان الذكر والأنثى إذا أدرك وصحت بنيته ميلا غريزيا إلى الآخر, وليس ذلك مختصا بالإنسان بل نجده في الحيوان.وقد جهز بحسب الأعضاء بما يدعوه إلى هذاالإقتراب.

والمتأمل في نوع تجهيز الصنفين لا يدع ريبا في أن هذه الشهوة الطبيعية وسيلة تكوينية إلى التوالد والتناسل الذي هو ذريعة إلى بقاء النوع, وقد جهز بأمور أخرى متممة لهذه البغية الطبيعية كحب الولد وتجهيز الأنثى بالعاطفة الجياشة لتطعم طفلها, فكل ذلك تسخير إلهي يتوسل به إلى بقاء النوع.

 

      ولذلك نرى أن الحيوان مع عدم إفتقاره إلى الإجتماع والمدنية لسذاجة حياته يهتدي حينا بعد حين بحسب غريزته إلى الإجتماع, ثم يلتزم الزوجان أو الأنثى منهما الطفل أو الفرخ تغذيته وتربيته حتى يدرك ويستقل بإدارة حياته.

     ولذلك أيضا لم يزل الناس منذ أن خلقهم الله تجري فيهم سنة الإزدواج التي فيها نوع من الإختصاص والملازمة بين الرجل والمرأة إنجاب أطفال لهم, وهذا هو السبب في الذي يعدّ فيها البرجل أهله عرضا له ويرى الذب عنه وصونه.

    ولذلك لم يزل الناس على مر التاريخ يمدحون النكاح ويعدّونه سنة حسنة ممدوحة, ويستقبحون الزنا وهو المواقعة من غير زواج شرعي ويستشنعونه ويعدّونه إثما إجتماعيا وفاحشة لا يجهر به. وإنما استشنعونه واستفحشونه وأنكروه لما يستتيعه من فساد الأنساب وقطع النسل وظهور الأمراض ودعوته إلى كثير من الجنايات الإجتماعية من قتل وجرح وخيانة.

      غير إن المدنية الغربية الحديثة لابتنائها على التمتع التام من مزايا الحياة المادية وحرية الأفراد في غير ما تعتني به القوانين المدنية سواء فيه السنن القومية والشرائع الدينية والأخلاق الإنسانية أباحته إذا وقع من غير كره بينهما, ولما لم تبال لما يستتبعه من وجوه الفساد عناية بحرية الأفراد فيما يهوونه

 

ويرتضونه, فشاعت الفاحشة بين الرجال والنساء حتى عمّت المحصنين والمحصنات والمحارم حتى كاد أن لا يوجد من لم يبتل به, وكثر مواليد الزنا حتى كاد أن يثقل كفة الميزان من المواليد غير الشرعيين.

 

      وقد أشار سبحانه إلى حكمة تحريم الزنا فيما نهى عنه بقوله:" ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا".حيث عده أولا فاحشة, ثم وصفه ثانيا بقوله" وساء سبيلا" والمراد سبيل البقاء كما يستفاد من قوله تعالى" أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل" أي تتركون إتيان النساء الذي هو السبيل في التكاثر.

      فمع انفتاح باب الزنا لا تزال الرغبات تنقطع عن النكاح والإزدواج وهو بطبعه لا يجب أن تتكدس عليه المسؤولية فلا ينجب لأنه يقضي من غريزته وطرا بدون أي مسؤولية, وفي هذا التعبير القرآني تمت الإشارة إلى ثلاث نقاط:

أولا : لم تقل الآية لا تزنوا, بل قالت لا تقربوا هذا العمل الشائن, وهذا الأسلوب في النهي فضلا عما يحمله من تأكيد فإنه يوضح أن هناك مقدمات تجر إلى الزنا ينبغي تجنبها وعدم مقاربتها, فخيانة العين تعتبر واحدة من المقدمات, والسفور والتعري مقدمة أخرى, والكتب السيئة والأفلام الملوثة والمجلات الفاسدة ومراكز الفساد كل واحدة منها تعتبر مقدمة لهذا العمل, وكذلك الخلوة بالمرأة الأجنبية يعتبر عاملا في إثارة الشهوة.

ثانيا: إن جملة " إنه كان فاحشة " بتأكيداتها الثلاثة المستفادة من"إن" والفعل الماضي "كان" وكلمة" فاحشة" تكشف عن فظاعة هذا الذنب.

ثالثا: إن جملة "وساء سبيلا" توضح حقيقة أن هذا العمل يؤدي إلى مفاسد أخرى في المجتمع.

 

فلسفة تحريم الزنا:

يمكن الإشارة إلى خمسة عوامل في فلسفة تحريم الزنا, وهذه العوامل هي:

العامل الأول: شياع حالة الهرج والمرج في النظام العائلي, وانقطاع العلاقة بين الآباء والأبناء, هذه الرابطة بكونها سببا للمعرفة الإجتماعية بل إنها تكون سببا لصيانة البناء, ووضع أسس المحبة الدائمة في مراحل العمر المختلفة, والتي هي ضمانة الحفاظ على الأبناء.

     إن العلاقات الإجتماعية القائمة على العلاقات العائلية ستبدأ بالإنهيار والتزلزل إذا شاع الوجود غير الشرعي, وللمرء أن يتصور مصير الأبناء فيما إذا كانوا ثمرة للزنا, ومقدار العناء الذي يتحملونه في حياتهم من لحظة الولادة إلى الكبر, وعلاوة على ذلك, فإنهم سيتحولون إلى عنصر من عناصر إثارة الجريمة في المجتمع الإسلامي.

 

العامل الثاني: إن إشاعة الزنا في جماعة ما ستقود إلى سلسلة واسعة من الإنحرافات أساسها التصرفات الفردية والإجتماعية المنحرفة لذوي الشهوات الجامحة, ويكفي أن نطل على المجتمعات العربية ليعرف المقصود من كلامنا.

 

العامل الثالث: لقد أثبت العلم ودلت التجارب على أن إشاعة الزنا, هي سبب الكثير من الأمراض والمآسي الصحية التي تعمد إلى نقل الفيروسات والجراثيم إلى المجتمع السليم. ويكفي أن نعلم ما يسببه مرض الإيدز والزهري وغيرها.

 

العامل الرابع: إن شياع الزنا غالبا ما يؤدي إلى محاولة إسقاط الجنين وقطع النسل, لأن مثل هؤلاء النساء الزانيات لا يرضين غالبا بتربية الأطفال, وعادة ما يكون الطفل عائقا أمام الإنطلاق في ممارسة هذه الأعمال المنحرفة, لذلك فهن يحاولن إسقاط الجنين وقطع النسل.

 

العامل الخامس: يجب أن لا ننسى أن هدف الزواج ليس إشباع الغريزة الجنسية وحسب, وإنما الهدف هو المشاركة في تأسيس الحياة على أساس تحقيق الإستقرار الفكري والنفسي والأنس الروحي بين الزوجين, وأما تربية الأبناء والتعامل مع قضايا الحياة فهي آثار طبيعة الزواج, وكل هذه الأمور لا يمكن أن تثمر من دون أن تختص المرأة برجل واحد, ومن دون أن ينقطع دابرالزنا وأشكال المشاعية الجنسية.

 ولأجل هذه الأسباب فقد نهت الشريعة المقدسة عن هذا الفعل المشان, حيث ورد عن الإمام الصادق(ع):" قال النبي(ص) لن يعمل ابن آدم عملا أعظم عند الله تبارك وتعالى من رجل قتل نبيا أو إماما أو هدم الكعبة التي جعلها الله قبلة لعباده, أو أفرغ ماءه في امرأة حراما".

ويكفي أن يقارن النبي بين قتل الأنبياء والأئمة وهدم الكعبة بهذا الفعل من جهة العذاب.

وعن رسول الله(ص):" اشتد  غضب الله عز وجل على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غيرزوجها أو غير ذي محرم منها, فإنها إن فعلت ذلك أحبط الله كل عمل عملته, فإن أوطأت فراشه غيره كان حقا على الله أن يحرقها بالنار بعد أن يعذبها في قبرها"

 

 وعن علة التحريم ورد عن الإمام الصادق(ع):" لما فيه من الفساد, وذهاب المواريث, وانقطاع الأنساب لا تعلم المرأة في الزنا من أحبلها, ولا المولود يعلم من أبوه, ولا أرحام موصولة, ولا قرابة معروفة".

وعن آثار الزنا ورد عن رسول الله (ص):" يا علي: في الزنا ست خصال: ثلاث منها في الدنيا, وثلاث منها في الآخرة, أم التي في الدنيا فيذهب بالبهاء, ويعجل الفناء, ويقطع الرزق, وأما التي في الآخرة فسوء الحساب, وسخط الرحمن والخلود في النار".

وعن الإمام الباقر(ع):" وجدنا في كتاب رسول الله(ص): إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة".

وعن الإمام الصادق(ع):" إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل".

وعنه(ع):" إن لولد الزنا علامات: أحدها بغضنا أهل البيت, وثانيها أنه يحن إلى الحرام الذي خلق منه, وثالثها الإستخفاف بالدين, ورابعها سوء المحضر للناس, ولا يسيء محضر إخوانه إلا من ولد على غير فراش أبيه أو حملت به أمه في حيضها".

 

لكل عضو حظ من الزنا:

       عن رسول الله(ص):" على كل نفس من بني آدم كتب حظ من الزنا أدرك ذلك لا محالة, فالعين زناها النظر, والرجل زناها المشي, والأذن زناها الإستماع".

" لا تكونن حديد النظر إلى ما ليس لك, فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينك, فإن قدرت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل".

 

 

أحكام الزنا

1-     من أجل إثبات وقوع الزنا وبالتالي استحقاق الحد, يشترط شهادة أربع شهود عدول, أو ثلاثة رجال وامرأتين, أو رجلين وأربع نساء عادلات, يشهدون برؤيتهم. وفي أي وقت يكون الشهود رجلان وأربع نساء فإنه يكتفى بالجلد لا الرجم, حتى إذا كان الزاني والزانية محصنين".

2-      يجب أن يكون محل الزنى حسب الشهود واحدا وكذلك الزمان.

3-      يجب أن تكون شهادة الشهود في مجلس واحد.

4-      لا يكفي أن ينقل أربعة أشخاص عدول عن أربعة أشخاص آخرين.

5-      متى كانت المرأة المرأة مجهولة عند الشهود فإن شهادتهم غير مقبولة, إذ لعل المرأة زوجة أحدهم وهم لا يعرفونها.

6-      متى شهد ثلاثة وامتنع الرابع عن الإدلاء بالشهادة, أو كان بيانه مخالفا فإنه يلزم إجراء حد القذف على أولئك الثلاثة.

7-      لا يجري الحد باعتراف الزاني ثلاث مرات, بل لا بد من الإعتراف أربع مرات.

8-      لا يجري الحد عليه إذا اعترف في مجلس واحد أربع مرات, بل يجب أن تكون هذه الإعترافات الأربعة في أربع مجالس.

9-      لا يحق للقاضي تشجيع المتهم على الإعتراف ومساعدته في أداء بيانه, بل يجب أن يجهد مهما أمكن في أن لا يثبت الذنب, وذلك من أجل حفظ الحياء العام والستر والعفة والطهارة, ومن أجل المنع من حالة التجري, وهو مكلف بتفسير الشبهات لصالح المتهم وتلقينه بانكار الذنب.

10-                                           إذا أنكر الرجل المحصن بعد أن اعترف أربع مرات يسقط عنه الرجم وتخفف عنه العقوبة.

11-                                            من أسلم جديدا ولا اطلاع له بالحدود والعقوبات الإسلامية لا تجري عليه الحدود.

12-                                           الزاني غير المحصن إذا كان مريضا يحق للحاكم أن يستعمل جمعا من أعواد المكنسة أو عثق التمر على أن يحسب كل واحدة من تلك الأعواد بمثابة سوط.

13-                                           في عملية إجراء الحد لا يجوز أن تكون السياط موجبة لتحطيم لحم البدن وإفساده, كما إن من شروط إجراء الحد البلوغ والعقل, وأن لا يكون مكرها وجبورا على ارتكاب المعصية.

فقد ورد إنه في أيام خلافة عمر أتت إلى عمر وقالت: يا أمير المؤمنين إني فجرت, فأقم حد الله عليّ, فأمر برجمها, وكان علي(ع) حاضرا.  فقال له: سلها كيف فجرت؟

قالت: كنت في فلاة من أرض, فأصابني عطش شديد, فرفعت لي خيمة فأتيتها فأصبت فيها رجلا إعرابيا, فسألته الماء فأبى أن يسقيني إلا أن أمكنه من نفسي, فوليت منه هاربة, فاشتد بي العطش حتى غارت عيناي وذهب لساني, فلما بلغ أتيته فسقاني ووقع عليّ.

فقال له عليّ(ع): هذه التي قال عز وجل " فمن اضطرغير باغ ولا عاد" هذه غير باغية ولا عادية’ فخل سبيلها, فقال عمر: لولا علي لهلك عمر".

 

عباد الرحمن هم أولئك الذين فهموا بالعمق كل هذه المحاذير وارتضوا طائعين

أن لا يرتكبوا هذا الفعل الشائن, وجاء الوصف لهم في القرآن لا بصيغة النهي,

بل بصيغة النفي" ولا يزنون".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قال الله تعالى :

  "  إلا من تاب وآمن عمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا"

 عندما خلق الله الإنسان وهداه النجدين إما شاكرا وإما كفورا, وبيّن له ما هو صدق من الثواب والعقاب, لم يغفل عنه طرفة عين ولم يتركه في معترك الحياة ليكون مرتعا للشيطان, بل أرسل الله الرسل والأوصياء وأنعم علينا بعدهم بالعلماء ليكونوا مبشرين ومنذرين, وليبلغونا طريق الرحمن والسبيل إليه, والغاية من خلقنا " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".

 

        خلقنا الله لنعبده لا لأن نصرف وجوهنا عن التوجه عن رب الأرباب, وإنما أرادنا أن ننعم بنعيم العبودية له والتوجه الخالص له من دون العالمين, ولكن الإنسان كان ظلوما جهولا وكفورا.

كان كافرا بأنعم الله, ومطيعا لأهوائه, عابدا لشهواته " حفت الجنة بالمكاره وحفت جهنم بالشهوات".

وما من شيء يبعد الإنسان عن ربه, ويعميه عن الآعتقاد به والخضوع له ويجعله بعيدا عن سبيل ربه, ويستخف بالدين كالذنوب, وقد علّمنا أهل البيت (ع) أن سبب كل مصائبنا من ذنوبنا. فعن أمير المؤمنين(ع):" توقوا الذنوب فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب".

 

     وقد ارشدنا إلى ذلك ربنا الله بقوله تعالى" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" و" وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم".

        وعن عاقبة الذنب الدنيوي يشير أمير المؤمنين :" اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم, اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم, اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم, الللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء, اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء".

 

   وأمام هذه المشكلة الخطيرة التي تهدد كيان الإنسان في مستقبله الدنيوي والأخروي كان لابد للإسلام من حل:فطرح حلا وقائيا وحلا علاجيا. ووضع لكل من الحلين أسلوبا خاصا.

 

   ففي الخطة الوقائية تراه:

 أولا: يربي الدوافع الذاتية من تقوية الرادع الداخلي الذي يصده عن اقتراف المعاصي, وذلك عن طريق تقوية المشاعر الدينيةالإيمانية.

 

وثانيا: عبر تهيئة الأجواء التربوية الصالحة داخل الأسرة والمجتمع والمدرسة.

ثالثا: عبر تهيئة النظام الإجتماعي والسياسي.

 

 ومن جهة الخطة العلاجية:

       فقد ركز الإسلام في نفوس المسلمين الخوف من العقاب الآلهي في الدنيا قبل الآخرة لغرض صدهم عن المعاصي. ويدل على ذلك قول الإمام الصادق(ع):" إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرا عجّل له عقوبته في الدنيا, وإذا أراد بعبده سوءا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافى بها يوم القيامة".

ويقول الله تعالى:" فإن يتوبوا يك خيرا لهم, وإن يتولوا يعذبهم عذابا أليما في الدنيا والآخرة".

 

         وهناك العقاب الإجتماعي الذي يتحملها كل مسلم من أبناء المجتمع الإسلامي الذي هو مصداق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فإذا وجدوا بينهم من يعمل بالمعاصي ويرتكب السيئات وجب عليهم نهيه وزجره, قال رسول الله (ص): " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

 

       وقد ضرب لنا الإسلام في مجتمع رسول الله (ص) أروع الأمثلة عن مستوى الإنضباط الإجتماعي والإلتزام الدقيق من قبل المسلمين بهذه المسؤولية الشرعية, فحينما خرج الرسول(ص) إلى القتال في معركة تبوك تخلف عنه قوم من المنافقين ونفر من المؤمنين منهم كعب بن مالك, ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية الرافعي.

 

ولنترك الكلام لكعب يحدثنا عن هذه القصة الهادفة:

" ما كنت أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج فيه رسول الله(ص) إلى تبوك, وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك الوقتت, وكنت أقول أخرج غدا, أو بعد غد, وتوانيت وثقلت بعد خروج النبي(ص) أياما, أدخل السوق ولا أقضي حاجة, فلقيت هلال بن أمية ومرارة وكانا قد تخلفا أيضا, فتوافقنا أن نبكر إلى السوق , فبكرنا ولم نقض حاجة, فما زلنا نخرج غدا أو بعد غد حتى بلغنا إقبال رسول الله(ص) فندمنا. فلما وافى رسول الله(ص) استقبلناه نهنئه بالسلامة, فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام, وأعرض عنا, وسلمنا على إخواننا فلم يردوا السلام, فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا الكلام معنا, وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا احد, ولا يكلمنا , فجاءت نساؤنا إلى رسول الله(ص) وقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا أفنعتزلهم؟ فقال(ص): لا تعتزلنهم ولكن لا يقربونكن. فلما رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم قالوا: ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله ولا إخواننا ولا أهلونا, فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت, فخرجوا إلى ذباب وهو من جبال المدينة فكانوا يصومون النهار ويحييون الليل بالعبادة, وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية ثم يولون عنهم ولا يكلمونهم, فبقوا على هذه أياما كثيرة يبكون في الليل والنهار ويدعون الله تعالى أن يغفر لهم, فلما طال عليهم الأمر قال لهم كعب: يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله, وقد سخط علينا إخواننا وأهلونا فلا يكلمنا أحد منهم فلما لا يسخط بعضنا على بعض, فتفرقوا في الجبل وحلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه, فبقوا في ذلك ثلاثة أيام, وكل واحد منهم في ناحية من الجبل, لا يرى أحد منهم وصاحبه ولا يكلمه.

       فلما كانت الليلة الثالثة ورسوله في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على النبي(ص) في قوله تعالى" لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة... وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إنّ الله هو التواب الرحيم".

 

     ومن الخطة العلاجية رقابة الدولة الإسلامية الحاكمة ويتجسد ذلك في القضاء من ناحية الحدود والقصاص وما أشبه ذلك.

     ومن الخطة العلاجية التوبة, وهذه من أهم الطرق والأساليب العلاجية التي رسمها الإسلام لمكافحة الجرائم والمعاصي, وهي ليست علاجا سطحيا أو تنفيسا وإعطاء الوقت من جديد لستمرار الجريمة, بل هي علاج جذري وتغيير أساسي في حياة العصاة والجناة على الصعيد الفردي وإجتماعي.    

      والتوبة إذا نسبت لله تعالى فإنها تعني الرجوع على, وإذا نسبت للعبد فإنها تعني الرجوع عن.

     وأما شرعا فهي كما عرفها الإمام علي(ع) :" التوبة ندم بالقلب والاستغفار باللسان والقصد على أن لا يعود".

     فإذن هي ترك المعاصي في الحال والعزم على الابتعاد عنها في المستقبل وتدارك ما سبق من التقصير في حق الله تعالى وحقوق الآخرين.

    وقد اختلف أهل الديانات السماوية في التوبة, حتى إن النصارى واليهود قد استغلوها أبشع استغلال واشترطوا لها عدة شروط من أجل إرواء شهواتهم المكبوتة داخل أقبية الكنائس والدير, فاشترطوا أن تكون التوبة أمام رجل الدين, وانفجر الجشع عندهم حتى ابتكروا فكرة صك الغفران فقالوا لا توبة لعبد إلا إذا كان لديه صك من هذه الصكوك.

 

     ولما جاء الإسلام رفض كل هذه الأمور, وحرر الإنسان من هذه القيود, فأوجب على العبد أن يستتر بذنوبه ويتوب إلى الله بينه وبين نفسه, ولا واسطة بينهما حتى لو كانت هذه الواسطة هي النبي بشخصه. وقد روى لنا التاريخ أن رجلا جاء إلى رسول الله(ص) معترفا بذنبه إذ كان قد زنى طالبا منه إقامة الحد عليه ليطهره من تبعات خطيئته, فتألم الرسول قائلا:" لو استتر ثم تاب كان خيرا له".

    وأكثر من ذلك فإن الإسلام قد حرص على التوبة السرية وحرص أن يكون هناك مجتمع يحافظ على كرامة العبد, إذ روي عن رسول الله (ص):" لا تطلبوا عثرات المؤمنين فإن من تتبع عثرات أخيه تتبع الله عثراته, ومن تتبع عثراته يفضحه ولو في جوف بيته".

 

 وجوب التوبة:

      يجب على كل مسلم مكلف لو وقع في الذنب أن يبادر إلى التوبة, والدليل على الوجوب أمران:

 شرعي:  كما في قول الله تعالى:" وتوبوا إلى الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" و" يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار".

 

وعقلي: إذ إن الذنوب كالسموم المضرة بالبدن, فإذا ما تناولها الفرد فالعاقل يبادر إلى الترياق فورا ولا يؤجل المبادرة حتى ينجو بحياته.

     وكذلك الأمر بالنسبة إلى الذنوب, فكلنا يعرف بأننا سائرون إلى الله الذي توعّد الإنسان على اقترافه للذنوب إذ وصف نفسه بأنه شديد العقاب كما أنه وصف نفسه بالرحمة لمن يتوب من ذنوبه, فإذا ما عرفنا بأننا مذنبون فإنه يجب علينا فورا أن نبادر إلى التوبة لعل الله يرحمنا, وإلا فإن لم نتب فما الضامن لنا أن نحيا لحظة بعد الذنب, ولذا قال العقلاء " تب قبل موتك ولما كنت لا تدري متى تموت فتب الآن".

وقد ورد عن رسول الله(ص):"من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته".

      هذا من جهة, ومن جهة أخرى, فإن الإنسان إذا بقي على ذنبه فإنه لن يسلم من الذنوب الأخرى,لأنه ورد عن الإمام الباقر(ع):"ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء, فإذا

أذنب ذنبا خرج من النكتة نكتة سوداء فإن تاب ذهب ذلك السواد, وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض,فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا".

 

     وعندما يقول الإمام (ع) لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا, يعني إن صاحب السيئة لما بلغت معه المعصية حدا صارت جزءا من كيانه لا يستطيع أن يتخلى عنها تماما كمن مشى في طريق له مفرقان, فإذا كان قريبا من المفرق الصحيح وقد ضل السبيل فإنه من السهل أن يبادر إلى الرجوع, وأما إذا سلك فيه مئات الأميال فإنه لا يستطيع أن يرجع إما ليأسه أو  لأنه أصبح متعودا عليه, وإن يئس صار ذنبه أعظم لأنه" لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون".

 

       وقد وصف الإمام الباقر(ع) حال الله تعالى عندما يتوب عبده بأروع وصف يأنس له القلب وتذوب فيه النفس خجلا من بارئها, حيث قال(ع):" إن الله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها , فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها".

     تصور نفسك في وسط الصحراء ولا تملك سوى الراحلة التي معك, وفيها الماء والطعام التي فيها سبب وجودك وحياتك. وفجأة في ليلة حالكة الظلام تفقد هذه الراحلة بما فيها, كيف ستكون حالك؟ وبعد ذلك وبعد معاناة طويلة وجدت الراحلة, تصور كيف

ستنقلب الآية, لو أعطيت كنوز الدنيا في ذلك الوقت لما كانت فرحتك بمثل هذه الفرحة, فالله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها.

     وفي حديث آخر لرسول الله (ص)يصف أيضا فرحة الله بتوبة عبده فيقول(ص):"  الله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد, ومن الضال الواجد, ومن الظمآن الوارد".

 

         ثم إنه قد يتبادر إلى الذهن تساهل الشريعة في التوبة أمام  هذا السبيل من الآيات الواردة والروايات التي تتحدث عن التوبة والتائبين, فيفهم أنه يكفي أن يقول الإنسان أستغفر الله وكفى, بل لا بد أن يصل إلى حقيقة التوبة.

فعن كميل بن زياد قال: قلت لأمير المؤمنين(ع) يا أمير المؤمنين! العبد يصيب الذنب فيستغفر الله منه, فما حد الإستغفار؟

قال(ع): يا ابن زياد! التوبة.

 قلت : بس.

 قال : لا.

 قلت : فكيف؟

قال(ع): إذا أصاب ذنبا يقول : استغفر الله بالتحريك.

قلت وما التحريك؟

قال: الشفتان واللسان يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة.

 قلت: وما الحقيقة؟

قال: تصديق في القلب, وإضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر الله منه.

 

 

 

قال كميل: فإذا فعل ذلك فإنه من المستغفرين؟

قال(ع): لا... لأنك لم تبلغ إلى الأصل بعد.

قال كميل: فأصل الإستغفار ما هو؟

قال(ع): الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه, وهي أول درجة العابدين, وترك الذنب.

إن الإستغفار درجة العليين, وهم اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على ما مضى.

 والثاني العزم على ترك العود إليه أبد.

 والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم.

 والرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها.

 والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.

والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية, فعند ذلك تقول استغفر الله".

 

     وعن رسول الله (ص):" لا والله ما أراد الله من الناس إلا خصلتين: أن يقروا بالنعم فيزيدهم, وبالذنوب فيغفرها لهم".

  وعن رسول الله أيضا" التائب إذا لم يستبن أثر التوبة فليس بتائب: يرضي الخصماء, ويعيد الصلوات, ويتواضع بين الخلق, ويتقي نفسه عن الشهوات, ويهزل رقبته بصيام النهار".

 

تبديل السيئات حسنات:

إن ها هنا تفاسير يمكن القبول بها جميعا:

 

التفسير الأول: حينما يتوب الإنسان ويؤمن بالله تتحقق تحولات عميقة في كيانه, وبسبب هذا التحول والإنقلاب الداخلي تتبدل سيئات أعمال هذا الإنسان في المستقبل حسنات, فإذا كان قاتلا للنفس المحترمة في الماضي فإنه يتبنى مكانها في المستقبل الدفاع عن المظلومين ومواجهة الظالمين, وإذا كان زانيا يكون بعدها عفيفا وطاهرا , وهذا التوفيق الالهي يستنزله للعبد في ظل الإيمان والتوبة.

 

التفسير الثاني: إن الله تعالى بلطفه وفضله وإنعامه وكرمه يمحو سيئات العبد بعد التوبة ويضع مكانها حسنات كرامة للعبد التائب وهدية له.

 

التفسير الثالث: المقصود من السيئات هو آثارها التي تنطبع بها روح ونفس الإنسان, فحينما يتوب ويؤمن تجتث تلك الآثار السيئة من روحه وتبدل بآثار الخير, وهذا هو معنى تبديل السيئات حسنات.

وبهذا يكون الجواب على انه كيف من الممكن أن يبدل الله السيئات حسنات, فتجيب الآية: حينما يؤوب العبد إلى ربه فلا عجب في هذا الأمر فإن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الصفة التاسعة:  " والذين لا يشهدون الزور"

 

    هذه هي الصفة التاسعة لعباد الرحمن والتي تلخص علاقتهم بالمجتمع, فلا هم يظلمون غيرهم ولا هم يرضون بالباطل من غيرهم.

      قال في مجمع البيان: أصل الزور تمويه الباطل بما يوهم أنه حق, فيشمل الكذب وكل لهو باطل كالغناء والفحش.

      فقوله تعالى" والذين لا يشهدون الزور" إن كان المراد بالزور الكذب, فهو قائم مقام المفعول المطلق, والتقدير: لا يشهدون شهادة الزور, وإن كان المراد اللهو الباطل كالغناء ونحوه كان مفعولا به, والمعنى لا يحضرون مجالس الباطل.

 

اليمين الكاذبة:  ويعبر عنها باليمين الغموس, يعني إنه يغمس صاحبها في جهنم, ويعبر عنها أيضا باليمين الحالقة, يعني كما إن الموسى تحلق الشعر من البدن فإنها تذهب الدين من صاحبها.

وعن الإمام الصادق(ع):" من حلف على يمين وهو يعلم انه كاذب فقد بارز الله".

وعن الإمام الباقر(ع):"  قال رسول الله(ص):" إياكم واليمين الفاجرة فإنها تدع الديار بلاقع".

 

أقسام اليمين:  اليمين إما من أجل الإثبات والتأكيد, أو من أجل الإلتزام بأمر في المستقبل.

أما اليمين من أجل إثبات وتأكيد مطلب أو خبر, فإنها على أربعة أقسام: واجب, ومستحب, ومكروه, وحرام.

 

اليمين الواجب: ويؤتى به فيما إذا توقف حفظ النفس أو الكرامة له أو لمسلم غيره, وهكذا حفظ المال الذي يجب حفظه على القسم أصبح القسم هنا واجبا حتى لو كان كذبا.

ففي رواية زرارة قال للإمام الباقر(ع): إنا نمر بالمال على العشارين فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا ولا يرضون منا إلا بذلك, فقال(ع): إحلف لهم فهو أحلى من التمر والزبد".

 

اليمين المستحب :  ويؤتى به فيما إذا توقف حفظ ماله أو مال غيره من المسلمين وإنقاذه من شر الظالم على القسم. ففي صورة ما إذا لم يكن المال واجب الحفظ ولم يكن قليلا جدا, فإن القسم هنا مستحب. فعن الإمام الصادق(ع):" إذا ادعى عليك مالا ولم يكن له عليك فأراد أن يحلفك , فإن بلغ مقدار ثلاثين درهما فأعطه ولا تحلف, وإن كان أكثر من ذلك فاحلف ولا تعطه".

 

اليمين المكروه:  وهو أن يحلف صادقا على أمر متعلق بالماضي أو الحاضر أو المستقبل.

فعن الإمام الصادق(ع):" لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين, فإنه عز وجل يقول: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم".

اجتمع الحواريين إلى عيسى(ع) فقالوا: يا معلم الخير أرشدنا.

فقال(ع): إن موسى (ع) نبي الله أمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين ولا صاقين"؟.

 

 اليمين المحرم: وهو أن يحلف بالبراءة من الله ومن دين الإسلام, مثل أن يقول  أبرأ من الله أو من دين الله إن فعلت كذا وكذا. أو يقول أخرج من ولاية علي بن أبي طالب إن فعلت كذا وكذا.  فهذا القسم على العموم لغو وباطل وحرام قطعا سواء أكان في مقام الخصومة أم إثبات الحق.

 

      فعن رسول الله(ص):أنه سمع رجلا يقول: أنا بريء من دين محمد (ص), فقال رسول الله (ًص) :ويلك! إذا برئت من دين محمد (ص) فعلى دين من تكون؟!

وعن يونس بن ظبيان عن الإمام الصادق(ع) أنه قال : يا يونس لا تحلف بالبراءة منا, فإن من حلف بالبراءة منات صادقا أو كاذبا برىء منا".

 

الإمام السجاد لا يقسم:  

 عن الإمام الباقر (ع) إن أباه كانت عنده امرأة من الخوارج, فقال له مولى له: يا ابن رسول الله إن عندك امرأة تبرأ من جدك, فقضى لأبي انه طلقها, فادعت عليه صداقها, فجاءت به إلى أمير المدينة تستعديه, فقال له أمير المدينة : يا علي إما أن تحلف وإما أن تعطيها (حقها), فقال لي : قم يا بني فاعطها أربعمئة دينار, فقلت له: يا أبه جعلت فداك. ألست محقا؟ قال : بلى يا بني. ولكني أجللت الله أن أحلف به يمين صبر".

 

الكذب:

إن وجود الثقة والإطمئنان المتبادل من أهم ما يربط الناس فيما بينهم, والكذب من الأمور المؤثرة في تفكيك هذه الرابطة لما يشيعه من خيانة وتقلب, لذلك كان تأكيد الإسلام على أهمية الإلتزام بالصدق وترك الكذب.

     تصوّر كم تكون مزرية حال المجتمع الذي تتفشى فيه ظاهرة الكذب فلا تقوم للمجتمع قائمة, فلا التجارة تتم, ولا العلاقات الإنسانية تجري أضف إلى مسألة الفضيحة والهوان والعار الذي يمكن أن يسببه الكذب والنفاق الذي يمكن أن يتصف به لأن الكذب منشأ النفاق لأن الصدق عبارة عن تطابق اللسان مع القلب , في حين أن الكذب يعني عدم تطابق اللسان مع القلب, وما النفاق إلا الإختلاف بين الظاهر والباطن. وقد صرحت الآية الكريمة

بهذا المعنى " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم القيامة بما أخلفوا الله وما وعدوه وبما كانوا يكذبون".

 

       وإضافة إلى هذه الاية ثمة أحاديث كثيرة تعكس لنا هذه الحقيقة الجلية:

فقد روي أن رسول الله(ص) سئل :يكون المؤمن جبانا.

 قال : نعم.

 قيل : ويكون بخيلا.

 قال: نعم.

قيل :يكون كذابا, قال: لا". وذلك لأن الكذب من علائم النفاق وهو لا يتفق مع الإيمان.

 

     وبهذا المعنى نقل عن أمير المؤمنين (ع) قوله " لا يجد العبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده".

وعن رسول الله (ص) :" إياكم والكذب, فإن الكذب يهدي إلى الفجور, والفجور يهدي إلى النار".

وعنه (ص):" المؤمن إذا كذب من غير عذر لعنه سبعون ألف ملك, وخرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش, فتلعنه ملائكة العرش, وكتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن زنى بأمه".

وعن الإمام العسكري(ع):" جعلت الخبائث كلها في بيت وجعل مفتاحها الكذب".

 وعن الإمام الباقر(ع):" إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب, والكذب شر من الشراب".

 وعن الإمام السجاد(ع):" اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل".

 

 

 لا يوجد في الكذب صغير وكبير:

تقول أسماء بنت عميس :

" كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله (ص) ومعي نسوة. قالت: فوالله ما وجدنا عنده قوتا إلا قدحا من لبن, فشرب ثم ناوله عائشة فاستحيت الجارية.

 فقلت : لا تردي يد رسول الله(ص), خذي منه.

 قالت: فأخذته على حياء فشربت منه.

 ثم قال(ص): ناولي صواحبك.

 فقلن لا نشتهيه.

 فقال: لا تجمعن جوعا وكذبا.

 قالت: فقلت: يا رسول الله: إن قالت إحدانا لشيء لا نشتهيه أيعدّ ذلك كذبا؟ قال(ص): إن الكذب ليكتب حتى الكذيبة كذيبة".

   ومن المجالس التي لا يحضرها ولا يشهدها عباد الرحمن الغناء, لأنه من كبائر الذنوب التي توعد الله عليها النار, ففي موثقة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر(ع):"  الغناء مما أوعد الله عليه النار".

 والغناء حرام فعله وسماعه والتكسب به. وليس هو مجرد تحسين الصوت, بل هو مد الصوت وترجيعه بكيفية خاصة تناسب مجالس اللهو ومحافل الطرب والإستئناس ويوالم مع آلات الملاهي واللعب بالإضافة إلى الكلمات التي تؤدي بها من خلال تحريك الغرائز والعواطف الكاذبة والأحلام المخادعة.

       فعن الإمام الباقر(ع):" الغناء مما وعد الله عليه النار, ثم تلا هذه الآية" ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين".

 

       ولهو الحديث هو كل قول يصرف الإنسان ويمنعه عن استماع وقبول كلام الحق وهو كلام الله, والمشغول بالأنغام والطرب وسائر الأباطيل ومشتريها متى يعرف الله والآخرة وحقائق القرآن ويكون مشتريها وراغبا فيه؟!

بل سيكون في النتيجة معتقدا بالأباطيل الضالة, وزاعما وهمية الحقائق ومثل هذا الشخص ضال ومضل ومورد للوعيد الآلهي بالعذاب.

       يقول أبو بصير: سألت أبا عبد الله(ع) عن قول الله عز وجل " فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" قال: الغناء".

وعنه(ع):" استماع اللهو والغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع".

وعنه(ع):" لا تدخلوا بيوتا الله معرض عن أهلها".

 وفي صحيحة الشحام عن الإمام الصادق(ع):" بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة ولا يجاب فيه الدعوة, ولا يدخله الملائكة".

  وعن أمير المؤمنين(ع) :" والغناء يورث الفقر ويعقب النفاق".

وروي عن رسول الله (ص):" يحشر صاحب الغنى في قبره أعمى وأخرس وأبكم".

وعنه(ص) :" خمسة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة... إلى أن قال والمغني".

  وعنه(ص):" إذا ظهرت المعازف والقينات وشربت الخمور , والله ليبتن أناس من أمتي  على أشر وبطر ولعب فيصبحون قردة وخنازير ...".

وعنه (ص) :" الغناء رقية الزنى"

 

 


 الصفة العاشرة: " وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراما"

 

     اللغو من الفعل الذي لا فائدة فيه, أو القول الذي لا يعتد فيه, ويختلف باختلاف الأمور التي تعود عليها الفائدة,فربّ فعل هو لغو بالنسبة إلى أمر وهو بعينه مفيد مجد بالنسبة إلى أمر آخر.

     فاللغو من الأفعال في نظر الدين: الأعمال المباحة التي لا ينتفع بها في الآخرة أو الدنيا بحيث ينتهي أيضا إلى الآخرة كالأكل والشرب بداعي التغذي اللذين يتفرع عليهما التقوّي على طاعة الله وعبادته, فإذا كان الفعل لا ينتفع به في آخرة ولا دنيا تنتهي بنحو إلى آخرة فهو اللغو, وبنظر أدق ما عدا الواجبات والمستحبات من الأفعال.

 

      ولم يصف الله المؤمنين بترك اللغو مطلقا, فإن الإنسان في معرض العثرة ومزلة الخطيئة, بل وصفهم بالأعراض عن اللغو دون مطلق تركه, والإعراض يقتضي أمرا بالفعل يدعو إلى الاشتغال به فيتركه الإنسان صارفا وجهه عنه إلى غيره لعدم اعتداده به واعتنائه بشأنه, ولازمه ترفّع النفس عن الأعمال الخسيسة واعتلاؤها عن الاشتغال بما ينافي الشرف والكرامة وتعلقها بعظائم الأمور, فالذي يكون لديه مريض في حالة خطيرة لو مرّ على جماعة يلعبون فهل سيقف معهم؟ كلا.

     

      هكذا هو المؤمن. فإن قلبه مهموم بأهدافه ومسؤولياته في الحياة مما يجعله يترفع عن صغائرها وتوافهها, وحتى لو جاءه اللغو يسعى فإنه لا يعيره أي اهتمام, ولا يقول القرآن عنهم. إنهم لا يفتشون عن اللغو, بل قال عن اللغو معرضون, أي لو حاول أحد أن يؤثر عليهم فلا يتأثرون به, وقد فسر في كلمات أهل البيت بالإصغاء إلى ما لا يحل الإصغاء له مما يشمل الفحش والغيبة والخوض في آيات الله.

  وجاء في حديث مأثور عن أبي عبد الله(ع) في تفسيره للغو" أن يتقوّل الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله".

  وعن أمير المؤمنين(ع):" كل قول ليس فيه لله ذكر فهو لغو".

 

       فعباد الرحمن هم النموذج في ترك اللغو, فإذا مروا على جماعة يلغون فلا يجالسوهم ليزداد اللغو, وإذا كانوا في مجلس وصار هناك استفزاز لهم فلا يشاركونهم الكلام حتى لا يستفحل الأمر وينجرون إلى ما يريد القوم لهم من استهزاء وتضعيف لشوكتهم.

      إنهم يفوتون عليهم المؤامرة بانسحابهم من المجالس ويفشّلون مخططاتهم لأن الآخرين يريدون أن يجر الكلام الكلام فتضيع الأهداف في آتون الجدل العقيم الذي لا يبتغي منه الآخرون الوصول إلى الحقيقة.

 

 وهذا ما يخبرنا عنه الله تعالى عن  قوم من الرهبان أتوا رسول الله فأسمعهم القرآن فآمنوا به, ولكن قوما كافرين بدأوا بمحاولة التأثير عليهم ليردوهم عن ذكر الله " ولقد وصّلنا لهم القول لعلهم يتذكرون* الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون* وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به أنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله لمسلمين* أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون* وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين".

     فعن سعيد بن جبير أن هذه الآيات نزلت في سبعين قسا مسيحيا بعثهم النجاشي من الحبشة إلى مكة للتحقيق والإطلاع على دين محمد(ص) , فلما قرأ عليهم نبي الإسلام سورة (يس) دمعت عيونهم شوقا وأسلموا.

 

      فهؤلاء رسمت الآيات شخصيتهم, فهي ليست من نسيج أولئك الأفراد عديمي الشخصية الذين هم مملؤون من التعصب والجهل والكلام البذيء السيء الفارغ , بل قلوب الذين حطموا كل القيود التي فرضها التقليد الأعمى ثم أصغوا بكل دقة إلى نداء التوحيد, وحين وجدوا الدلائل الحقة استجابوا فورا للحق.

 

       ولا شك إن هؤلاء دفعوا غاليا الثمن لأنهم خرجوا عن طوق التقليد الأعمى وحطموا أغلاله, وتحرروا من محيطهم المنحرف, ولكنهم صبروا صبرا جميلا ليحققوا الهدف وليخرجوا من مشاكلهم.

    فهؤلاء ليسوا حاقدين, ولا يردّون السوء بالسوء, ولا هم بخلاء , ولا هم خسيسون. أولئك أناس عظماء بعيدون عن الكذب والإنشغال غير الصحيح, لهم ألسنة طيبة وقلوب طيبة, ولا يضيعون طاقتهم في الرد على الجهلاء, بل في كثير من الأحيان يفضلون السكوت على الكلام في الرد على الجهال.

  وبكلمة مختصرة:

    عباد الرحمن هم أفضل من يستثمر وقته, فلا يضيعونه مع أناس جهلة لا يريدون من قريب أو من بعيد الوصول إلى الحقيقة.

    وهم النموذج الحي للحديث " المؤمن كيس فطن" الذين لا يستدرجون لمخططات الآخرين حتى لا تضيع عليهم الأهداف الكبرى.

  وهم الذين يعرفون متى يلهون بما لا يتناقض مع الهدف الكبير في حياتهم ومتى يبتعدون عن اللغو.

  وإذا اعترضهم هذا النوع من الأعمال في مسير حياتهم مروا مرور اللامبالي  ولا مبالاتهم دليل على عدم رضاهم الداخلي عن هذه الأعمال.

  ولا شك إن عدم الإعتناء بهذه الميادين يكون في الحال التي لا طريق لهم فيها إلى مواجهة الفساد والقيام بالنهي عن المنكر.

 

 

 

 

 

 


 الصفة الحادية عشرة:  " والذين إذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا".

 

       وهذه الصفة التي يتحلى بها عباد الرحمن أعظم صفة على الإطلاق, إنها ذكر الله, باعتبار أن القرآن الكريم وصفها بأنها أكبر من كل شيء, وحتى إنها أكبر من الصلاة التي هي عمود الدين, باعتبار أن الصلاة توصل إلى هذا الهدف, فالهدف أعظم من الوسيلة. قال الله تعالى:" وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصفون"

 

      وليس المقصود من ذكر الله تعالى فقط أن نسبحه ونحمده ونكبره ونهلله, بل إن ذكر الله يمتد في الآفاق ليشمل كل آيات الله , فيقف عندها ويتأملها ليصل إلى العبرة التي تربطه بالله تعالى.

      وذكر الله تعالى يكون أيضا في النفس التي تذكر الله في مواطن المصيبة فتجعله صابرا ولا يسقط في براثن إبليس ووسوساته, وتذكره أن لا يقع في المعصية فلا يكون من ضحايا إبليس الذي تألى على ربه إلا أن يوقع ابن آدم في المعصية ليكون شريكا له وملازما له في جهنم.

 

    فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق(ع):" ألا أحدثك بأشد ما فرض الله عز وجل على خلقه؟

قلت: بلى.

 قال: إنصاف الناس من نفسك ومواساتك لأخيك, وذكر الله في كل موطن, أما إني لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر, وإن كان هذا من ذاك, ولكن ذكر الله في كل موطن إذا هجمت على طاعته أو ومصيته".

 

      ولبيان حقيقة الذكر نرجع إلى أهل الذكر ليحددوا لنا هذه الحقيقة الآلهية, فهم من أوضحوا لنا الطريق وأمرنا الله أن نسير هلى هديهم.

فعن رسول الله(ص):" من أطاع الله عز وجل فقد ذكر الله وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن". فطاعة الله كنتيجة تكشف لنا أن الإنسان كان ذاكرا الله, إذ لو كان غائبا عن فكره وحركته وعقيدته والتزامه لما أطاع الله أبدا.

 

       وعن أمير المؤمنين(ع):" الذكر ذكران: ذكر عند المصيبة حسن جميل , وأفضل من ذلك ذكر الله عندما حرّم " باعتبار إن الانسان قد يكون من طبعه صابرا أو يصبّره أهله ورفاقه وجيرانه في المصيبة ويسلونه فينسى مصيبته ثم ينطلق إلى الحياة مجددا.

  ولكن أشكل المشكلات على ابن آدم أن تهجم عيه شهوته ونزوته فينساق إليها فينسى الله ويقع في معصيته فيستحق غضب الله عز وجل وأي مصيبة أكبر على ابن آدم من مصير جهنم.

 

      ولذلك فقد نصحنا أمير المؤمنين (ع) بقوله" لا تذكر الله سبحانه ساهيا ولا تنسه لاهيا واذكره ذكرا كاملا يوافق فيه قلبك لسانك ويطابق اضمارك إعلانك, ولن تذكره حقيقة الذكر حتى تنسى نفسك في ذكرك وتنفقدها في أمرك".

    وهو تمام ما عبر عنه الإمام الصادق(ع) في قوله:" الذكر ذكران: ذكر خالص يوافقه القلب, وذكر صارف ينفي ذكر غيره".

 

      فلا يكون الإنسان ذاكرا وهو ساه يلوك الكلمات بلسانه أو ينزه الله سبحانه وهو في الوقت ذاته ينسب إلى الله بعض النقائص كأن يعترض على المشيئة الآلهية في هذا العطاء أو ذاك أو في هذه الخلقة أو تلك, فلا بد أن يكون موافقة بين القلب واللسان. وهذا ما أرادنا الله أن نسير عليه وننتهي عن ضده بقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".

    وبالنتيجة, فإن ذكر الله أحب عمل يريده الله منا على الإطلاق.  فعن رسول الله (ص):" ليس عمل أحب إلى الله ولا أنجى لعبد من كل سيئة في الدنيا والآخرة من ذكر الله, قيل ولا القتال في سبيل الله. قال: لولا ذكر الله لم يؤمر بالقتال".

 

ذكر الله اطمئنان للقلوب

 قال الله تعالى" الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

إن الإضطراب والقلق من أكبر المصاعب في حياة الناس, والنتائج الحاصلة منهما في حياة الفرد والمجتمع واضحة للعيان. والإطمئنان واحد من أهم اهتمامات البشر, وإذا ما حاولنا أن نجمع سعي وجهاد الإنسانية على طول التاريخ في بحثهم للحصول على الإطمئنان بالطرق الصحيحة وغير الصحيحة, فسوف تتكون لدينا كتب كثيرة وختلفة تعرض تلك الجهود.

 

      يقول بعض العلماء: عند ظهور بعض الأمراض المعدية كالطاعون فإن من بين عشرة أفراد الذين يموتون بسبب المرض حقيقة. وبشكل عام الإطمئنان والإضطراب لهما دور مهم في سلامة ومرض الفرد والمجتمع وسعادة وشقاء الإنسانية. وهذه مسألة لا يمكن أن نغفل عنها, ولهذا السبب ألفت كتب كثيرة في موضوع القلق وطرق التخلص منه,

وكيفية الحصول على الراحة, والتاريخ الإنساني مليء بالمواقف المحزنة لكي يحصل الإنسان على الراحة, وكيف يتشبث بكل وسيلة غير مشروعة.

ولكن القرآن الكريم يبين أقصر الطرق من خلال جملة قصيرة ولكنها كبيرة المعنى حيث يقول " ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

 

ولتوضيح هذا المعنى ومعرفة عوامل القلق والإضطراب لا بد من ملاحظة ما يلي:

1-      أن يكون الإضطراب مرة بسبب ما يجول في فكر الإنسان عن المستقبل المظلم فيحتمل زوال النعمة, أو الضعف أو المرض, فكل هذه تؤلم الإٌنسان. ولكن الإيمان بالله القادر المتعال الرحمن الرحيم الذي تكفل برحمة عباده. هذا الإيمان يستطيع أن يمحو آثار القلق والإضطراب ويمنحه الإطمئنان في مقابل هذه الأحداث للسيطرة عليها والتغلب على مشاكلها.

2-       ومرة يشغل فكر الإنسان ماضيه الأسود فيصبح قلقا بسببه... قلقا بسبب الذنوب التي ارتكبها وبسبب التقصير والزلات, ولكن بالنظر إلى أن الله غفار للذنوب وقابل التوبة وغفور رحيم, فإن هذه الصفات العطوفة تمنح الإنسان الثقة وتجعله أكثر اطمئنانا وتقول له : اعتذر إلى الله من سوالف أعمالك السيئة واتجه إليه بالنية الصادقة فستجد الله عند حسن ظنك, ويغفر لك السيئات ويبدلها حسنات.

3-      ضعف الإنسان في مقابل العوامل الطبيعية, أو قلقه في مقابل كثرة الأعداء يؤكد في نفسه هذا السؤال: كيف يمكن الصمود أمام هؤلاء القوم في ساحة الجهاد؟ أو ماذا يمكن أن أفعله في الميادين الأخرى؟

    ولكنه إذا تذكر الله, واستند إلى رحمته وقدرته... هذه القدرة المطلقة التي          

    لا يمكن أن تقف أمامها أية قدرة أخرى, سوف يطمئن قلبه ويقول في

    نفسه: نعم إنني لست وحيدا بل أنا في ظل القدرة الآلهية المطلقة.

4-      يمكن أن يكون أصل المشقة هي التي تؤذي الإنسان كالإحساس بتفاهة الحياة وعدم وجود معنى لها أو اللاهدفية في الحياة ولكن المؤمن بالله والذي يعتقد أن الهدف من الحياة هو السير نحو التكامل المعنوي والمادي ويرى أن كل الحوادث تصب في هذا الإطار, سوف لا يحس باللاهدفية ولا يضطرب في المسيرة.

5-      إن الانسان يتحمل كثيرا من المتاعب للوصول إلى الهدف, ولكن لا يرى

من يقيّم أعماله ويشكر له هذا السعي, وهذه العملية تؤلمه كثيرا فيعيش حالة من الإضطراب والقلق, وأما إذا علم أن هناك من يعلم بهذا السعي ويشكره عليه ويثيبه, فما هو محل الإضطراب والقلق هنا؟!

6-      الوهم وسوء الظن عامل آخر من عوامل الإضطراب, والتي تؤلم كثيرا من الناس في حياتهم,ولكن كيف يمكن أن ننكر أن الإيمان بالله ولطفه المطلق وحسن الظن به التي هي من وظائف الفرد المؤمن والتي سوف تزيل عنه حالة العذاب والقلق وتحل محلها الإطمئنان والإستقرار.

7-      الهوى وحب الدنيا من أهم عوامل القلق والإضطراب, وقد تصل الحالة في عدم الحصول على لون خاص في الملبس أو أي شيء آخر من مظاهر الحياة البراقة, نراه يعيش حالة من القلق قد تستمر أياما وشهورا. 

ولكن الإيمان بالله والتزام المؤمن بالزهد والإقتصاد وعدم الإستئثار في مخالب الحياة المادية ومظاهرها البراقة ينهي حالة الإضطراب هذه. وكما قال أمير المؤمنين :" دنياكم هذه أهون عندي من ورقة في فم جرادة تقضمها". فكيف يمكن أن توجد حالة من الخوف والقلق في فكر وقلب الإنسان نتيجة لعدم الحصول على شيء من وسائل الحياة المادية أو الحصول عليها!

8-      ومن العوامل المهمة الأخرى الخوف من الموت, وبما أن الموت لا يحصل فقط في السن المتاخرة, بل في كافة السنين وخصوصا أثناء المرض والحروب والعوامل الأخرى, فإن الإضطراب يكون عاما وشاملا للجميع.

ولكن إذا اعتقدنا أن الموت يعني الفناء ونهاية كل شيء فإن الإضطراب والقلق في محله, ولا بد أن يخاف الإنسان من هذا الموت الذي ينهى عنده كل الآمال والأماني والطلبات.

ولكن الإيمان بالله يمنحنا الثقة بأن الموت هو باب واسع لحياة أوسع وأفضل من هذه الحياة وبرزخ يمر منه الإنسان إلى دار فضاؤها رحب, وهذا الإضطراب لا معنى له, بل إن مثل هذا الموت إذا ما كان في سبيل الله, فإننا نعشقه ونحبه.

إن عوامل الإضطراب غير منحصرة بهذه العوامل, بل إن هناك عوامل كثيرة أخرى, ولكن كل مصادرها تعود إلى ما ذكرناه أعلاه. وعندما رأينا أن هذه العوامل تذوب وتضمحل في مقابل الإيمان بالله سوف نصدق أنه " ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

 

الطمأنينة والخوف من الله

    في الآية السابقة يذكر الله أن ذكر الله سبب أساسي في اطمئنان القلب مما يجعله يأنس بالله وقريبا منه ويأمله بشدة.

ولكن هناك آية اخرى تقول: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم". فهل هناك تناقض بينهما , أم ماذا؟

والجواب: الوجل هو حالة الخوف التي تنتاب الإنسان, وهو ناشىء عن أحد أمرين:

الأمر الأول: إدراك عظمة مقام الله, والتوجه إلى وجوده المطلق الذي لا نهاية له ومهابته التي لا حد لها.

وتوضيح ذلك: قد يتفق لإنسان أن يمضي لرؤية شخص عظيم جدير بالعظمة, وعندما يلقاه يقع تحت تأثير ذلك المقام وتلك العظمة, بحيث يحس بنوع من الرهبة في داخله ويضطرب قلبه, حتى إنه لو أراد أن يتكلم فإنه يتلعثم, وقد ينسى ما أراد أن يقوله, حتى لو كان ذلك الشخص يحب هذا الإنسان ويحب الآخرين جميعا ولم يصدر عنه ما يدعو إلى القلق.

 فهذا الخوف وهذا الإضطراب أو المهابة أساسه عظمة ذلك الشخص, يقول الله :" لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله"و " إنما يخشى الله من عباده العلماء".

وهكذا فإن العلاقة قائمة بين العلم والخوف أيضا.

 

الأمرالثاني:  قد ينشأ عند إدراك المسؤولية واحتمال عدم القيام بالوظائف اللازمة التي ينبغي على الإنسان أداؤها بأكمل وجه امتثالا لأمر الله.

وعليه, فإن الطمأنينة تكون في مقابل العوامل المادية التي تقلق الإنسان كما أشرنا إليها سابقا. والمؤمنون لا يمكن أن يكونوا غير قلقين في مقابل مسؤولياتهم.

وبعبارة أخرى: إن الذي ليس  فيهم هو الإضطراب المدمر الذي هو مصدر لكل الإضطرابات, ولكن القلق البنّاء الذي يحس به الإنسان تجاه مسؤولياته واتجاه عظمة الخالق هو المطلوب ولا بد منه. وهذا هو الخوف من الله.

 

نسيان الله  ونسيان الذات:

" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد, واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون, ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون".

في الأصل إن جوهر التقوى  أمران:

 الأول: ذكر الله تعالى وذلك بالتوجه والإنشداد إليه من خلال المراقبة له واستشعارحضوره في كل مكان وزمان.

 الثاني:الخشية من محكمة عدله ودقة حسابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في صحيفة أعمالنا.

    والنقطة الجديرة بالملاحظة إن القرآن الكريم يعلن بصراحة أن الغفلة عن الله تسبب الغفلة عن الذات, لأن نسيان الله يؤدي إلى انغماس الإنسان في اللذات المادية والشهوات الحيوانية من جهة, وينسى خالقه من جهة أخرى, وبالتالي فهو يغفل عن ادخار ما ينبغي له في يوم القيامة.

 

    وأساسا فإن النسيان بحد ذاته من أكبر مظاهر التعاسة والبؤس الإنساني لأن قيمه واستعداده ولياقاته الذاتية التي تكمن في نفسه وطبيعة خلقه متميزة على المخلوقات كافة, فإذا ما نسيها فهذا يعني أن الإنسان نسي إنسانيته, وفي مثل هذه الحالة فإنه يسقط في وحل الحيوانية, ويصبح كل همّه الأكل والشرب والنوم والشهوات. وهذه كلها عامل اساسي للفسق والفجور, بل إن نسيان الذات هو من أسوأ مصاديق الفسق والخروج عن طاعة الله, ولهذا يقول الله سبحانه:" أولئك هم الفاسقون".

   ولذلك فإن الله تعالى يأمر عباده في كل آن وحالة بذكر الله حتى يبقوا في حالة ذكر وقرب منه لكي لا يبتعدوا عن ساحة قربه.

قال الله تعالى:

-           واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار.

-           فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم.

-           واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة.

-            فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم.

-           يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا.

 

وهذا ما يؤدبنا عليه أهل البيت عليهم السلام:

-           فعن الإمام زين العابدين(ع):" اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلنا من الذين اشتغلوا بالذكر عن الشهوات, وخالفوا دواعي العزة بواضحات المعرفة , وقطعوا أستار نار الشهوات بنضح ماء التوبة, وغسلوا أوعية الجهل بصفو ماء الحياة".

-           وعن الإمام الصادق (ع):" ما من شيء إلا وله حد ينتهي إليه إلا الذكر فليس له حد ينتهي إليه, فرض الله عز وجل الفرائض فمن أدّاهن فهو حدّهن إلا الذكر فإن الله عز وجل لم يرض منه بالقليل ولم يجعل له حدا ينتهي إليه, ثم تلا هذه الاية:" يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا".

-           وعنه (ع):" يموت المؤمن بكل ميتة, يموت غرقا, ويموت بالهدم, ويبتلى بالسبع, ويموت بالصاعقة, ولا يصيب ذاكرا".

كيفية الذكر:

 عن بعض الصادقين:" ذكر اللسان الحمد والثناء, وذكر النفس الجهد والعناء, وذكر الروح الخوف والرجاء, وذكر القلب الصدق والصفاء, وذكر العقل التعظيم والحياء, وذكر المعرفة التسليم والرضاء, وذكر السر الرؤية واللقاء".

 

    فذكر اللسان أن يلهج دائما بالله من تهليل وتسبيح وتحميد وتكبير بأن يستثمر الوقت بذكر الله جهرا أو سرا. فعن الإمام أبي عبد الله (ع):" تسبيح فاطمة الزهراء (ع) من الذكر الكثير الذي قال الله عز وجل " اذكروا الله ذكرا كثيرا".

وعنه (ع):" اكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار, فإن الله أمر بكثرة الذكر له".

وعن أمير المؤمنين (ع):" من ذكر الله في السر فقد ذكر الله كثيرا".

 

 وذكر النفس بأن يجاهدها فيردها عن معصية الله ويأمرها بطاعة الله ويروضها " وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الأكبر".

 

  وذكر الروح بأن يوازن بين الخوف  والرجاء, لأن الإنسان حينما يخاف الله ويستسلم لهذا الخوف ويستغرق فيه فإن ذلك الخوف يوقعه في اليأس والقنوط من رحمة الله, فيظن أنه إن ارتكب سيئة وهو يعرف مكانة وجلالة الله وعقابه الشديد فإن الله سوف لن يغفر له, وبالتالي فإنه يستحق جهنم. ولذلك فقد يظن أنه لا معنى لأن يكمل المشوار مع الله طالما أنه سوف يدخل جهنم , فتكون النتيجة التهاون في طاعة الله والإقبال على معصيته, لأنه إن خسر الآخرة فلا معنى لأن يخسر الدنيا معها.

 

      ولأن لإنسان إن عاش الرجاء فقط , فإن ذلك سوف يطمعه في التهاون في علاقته بالله, فيظن إن الله سوف يغفر له معصيته كيفما كان, فيحدث نفسه أن الله لا يمكن أن يحاسبه على هذه المعصية لأنه يرجوه, ويقع في معصية ثانية وثالثة, وهكذا. وفي كل مرة يطمع في مغفرة الله له لأنه يطمع في رجائه, فذكر الروح هنا أن يوازن بين خوفه ورجائه.

 

 ففي اللحظة التي يخاف فيها الله يذكررجاءه فلا يسقطه الخوف في اليأس والقنوط من رحمة الله, لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وفي اللحظة التي يرجو الله يذكر خوف الله فلا يسقطه الرجاء في التهاون بحقوق الله عليه.

وقد أوضح لنا هذا الأمر صادق آل بيت رسول الله (ع) بقوله:" لا تكون مؤمنا حتى تكون خائفا راجيا , ولا تكون خائفا راجيا حتى تكون عاملا لما تخاف  وترجو". ولو وزن خوف العبد ورجاءه لم يطغ أحدهما على الآخر.

 

    وذكر القلب بأن يكون صادقا وصافيا, صادقا في تعبير اللسان عما يلهج به, وصادقا في إيمانه  وفي كل عمل يعمله سواء في السر أم في العلن, لأن الله تعالى يذم الكاذبين ويقرّع من لا يكون مطابقا بين قوله وفعله  " يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".

 

  وذكر العقل التعظيم والحياء. فالعقل بتجرده يفرض على العبد المؤمن أن يعظم خالقه بكل أنواع التعظيم ويستحي أن يعصيه لأنه من الأدب والحياء أن لا يخالف الحبيب محبوبه.

 

  وذكر المعرفة التسليم والرضاء.لأن من يعرف معبوده حقا حقا يخافه ويهابه وينقاد إليه بنفس مطمئنة, ويرضى بكل ما يفرضه عليه لأن من يسلّم بأن الله أرأف بالمؤمنين من أنفسهم, وأن الله خالق كل شيء, وأن الله أعلم بحقائق الأمور لأنه هو الذي خلق وسوّى ويعرف ما يضر العبد وما يفسده. كل هذه الأمور تجعل العبد يسلم ويرضى بأن المصالح والفاسد هي التي تفرض الأحكام الشرعية في نفس الأمر والواقع.

 

  وذكر السر الرؤية واللقاء. فمن يذكر الله في سره فكأنه رآه ولقيه, لأن الذي يذكر ربه ويستحضره في قلبه سواء في جوف الليل أو حين لا يراه أحد فإنه يعيش سر الحقيقة " أعبد ربك كأنك تراه , فإن لم تره فإنه يراك". ومن يعش هذه الحقيقة لا يمكن أن يعصي الله قيد أنملة.

 

       هكذا هم عباد الرحمن, وهكذا هو تعاملهم مع ذكر الله, ولذلك يصفهم ربهم " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا".

 

     فعباد الرحمن لا ينظرون إلى القشور, بل يغوصون في اللب ليصلوا إلى العشق الآلهي ويتخذون هذه الآيات وسيلة للتفكر في خلق الله " والذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار". بل لإن تفكرهم هذا يصل إلى حقيقة حتمية وهي الزيادة في الإيمان " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون".

 

      وآيات الله بعدد أنفاس خلق الله, وكل واحدة منها إذا لم يتعامل معها بخفة فإنها تزيد إيمان العبد بربه وقدرته وحكمته.

     ولا بأس بذكر بعض النماذج من هذه الآيات, وللقارىء أن يتخذها مثالا ويعممها لتشمل كل شيء في نفسه وما حوله حتى الآفاق  " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق...".

 

ـ  لو تفكر الإنسان في العين الباصرة والنعمة التي يتنعم بها لعرف كم هو مغموس بها ولكنه لا يشعر بها.  وقد أرشدنا إلى ذلك مولى المتقين بقوله " إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فأغمض عينيك".

 

ـ  تصور لو أنك ضرير أعمى وقال الناس من حولك ما أجمل هذه الشجرة, وذاك المنظر. أو أن لون عيني ولدك أسود, أو أخضر وما إلى ذلك, أو إن النار زرقاء متوهجة أو حمراء شاحبة وأنت لا تدري كل هذه الحقائق, ثم افتح عينيك فإنك ترى كل هذه الأشياء. أليست هذه آية ينبغي الوقوف عندها.ـ  أنظر إلى عمل كل جهاز في جسمك , أنظر إلى جهاز المناعة الخارجي , أي الجلد أو اللوزتين كيف يعملان وما هو دورهما.

 

ـ  أنظر إلى سمك السلمون ورحلته من الولادة إلى الممات كيف تتجلى عظمة وحكمة الخالق  وقدرته. فمن الذي علمها أن تضع بيضها في نفس المكان الذي خلقت فيه مع إن والديها يموتان بعد ثلاثة أيام من وضع البيض, ثم تفقس البيض 

 

 

وعندما تكبر تهاجر إلى المحيطات, وعند مرحلة التزاوج تعود إلى نفس النهر الذي خلقت فيه, وإلى نفس المكان في النهر. فمن الذي علمها هذا؟

 

ـ  أنظر إلى نفس القانون الذي أوجده الله في كائناته من الذرة إلى المجرة, ألا وهو قانون الزوجية.

 ـ  أنظر إلى إفراد الله لقانون السوائل, فكلها إذا تعرضت للبرودة فإن كثافتها النوعية تزداد وبالتالي فإنها تتعرض بكامل حجمها إلى التجمد إلا الماء فإن الله أفرد الماء عن هذا القانون  وطبق عليه العكس, إذ لما يتعرض الماء إلى البرودة فإن كثافته النوعية تقل وهكذا, يصبح هناك طبقة عازلة عن الأعماق, وبالتالي تبقى الحياة مستمرة في الأعماق ليتسنى للسمك وغيره بالبقاء. فانظر إلى حكمة الله سبحانه سبحانه سبحانه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الصفة الثانية عشرة: " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ".

 

     لعل أفضل نعمة على الإطلاق منّ بها الله تعالى علينا أن أخرجنا من ظلمات الجهل والشرك إلى نور العلم والتوحيد, ذلك إن الشرك ظلم عظيم يظلم به الإنسان نفسه ويستوجب من خلاله دخول النار لأن الشرك ذنب غير مغفور. قال الله تعالى :" يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم". و " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء". فمن خرج من ذل الشرك إلى ذل العبودية لله وحده فقد استمسك بالعروة الوثقى إن تمسك بعدها بأوامر الله تعالى ونواهيه.

 

     وقد اعتبر الله عز وجل أفضل نعمة بعد الإسلام الزواج, إذ ورد عن رسول الله (ص):" ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله".

 

     وليس المقصود طبعا السرور بالنظر إليها أن تكون رائعة الجمال  ونحو ذلك, وإنما المقصود أن تكون المرأة ذات خلق رفيع تهدىء من روع زوجها , وتهيء له الظروف المناسبة للحياة الأسرية السعيدة, فتنسيه تعبه وتكون هي معه على الدهر وليس العكس.

     إن من تكون بهذه الصفات سوف يسر منها زوجها لأنه يشعر معها بالأنس والسكينة والمودة والرحمة " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة".

 

      والزوجة الصالحة تطيع زوجها فيما جعل الله له من قوامة على الحياة الأسرية, فهي تطيعه لأن الله أمرها بطاعته لما في ذلك من استقرار للعلقة الأسرية, خاصة إذا كان هناك خلاف في وجهة النظر ولم يكن الزوج في مقام معصية الخالق لأنه في هذه الحال " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

 

    فلو استحكم الخلاف وأصر الزوج على رأيه وأصرت المرأة على رأيها ولم يتنازل أي منهما للآخر فسوف يقع الشقاق بينهما فتهتز العلاقة وقد يصل الأمرإلى ما لا يحمد عقباه وهو الطلاق  " إن أبغض الحلال عند الله الطلاق".

 

     وإذا كان لا بد لأحد أن يتنازل فالمرأة يتعين عليها ذلك لأن الله تعالى جعل القوامة للرجل , فالحق له من الله ولذلك ورد " وتطيعه إذا أمرها".

  والزوجة الصالحة تحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله.

 أما النفس فلا تخونه مع أحد, لأن المرأة إذا ما تزوجت  وافتضت بكارتها لا يبقى من دليل يدل على زناها إلا دينها وشرفها وتقواها, فهي تحفظه في نفسها. وتحفظه في ماله لأن المال ماله ولا يحق لها أن تتصرف فيه إلا بإذن مالكه, حتى لو كانت تعطي المال لأهل زوجها كأبيه وأمه.

 

     وإذا كان الأمر كذلك مع المرأة الزوجة, فكذلك ينبغي أن يكون الأمر مع الرجل الزوج, فإن على الرجل أن يحفظ كرامة المرأة ولا يظلمها فيسيء التصرف معها بالإهانة والضرب وتقبيح الوجه والتعرض لأهلها, فإن الله قد أعطاه القوامة ليحسن إليها لا ليسيء لها, وقد جعلها أمانة الله عنده ومسؤول عنها أمام الله " وقفوهم إنهم مسؤولون" وقد جعل الله المرأة في بيت زوجها ريحانة  "المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ".

 

     والمطلوب في العلاقة الزوجية أن يسكن الرجل للمرأة وتسكن المرأة للرجل, ويأخذان بأيدي بعضهما البعض نحو الله, ولذلك كان دعاء عباد الرحمن لربهما " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين".

    ومرادهم بكون أزواجهم وذرياتهم قرة أعين لهم أن يسروهم بطاعة الله والتجنب عن معصيته.  وإذا كانت النعمة بعد الإسلام الزواج, فإن ثمرة هذا الزواج هو الاولاد. فقد ورد عن رسول الله (ص):" إن لكل شجرة ثمرة , وثمرة القلب الولد".

وعن الإمام الباقر (ع):" من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبهه وخلقه وخلقه وشمائله".

    ولما لم يكن كل ولد سائرا على الحق , إذ قد ينحرف عن المسيرة, فيتأثر برفاق السوء والمجتمع السيء والمدرسة السيئة, يقول الله تعالى " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم".كان هذا الدعاء بالولد الصالح, لأن الولد الصالح على حد تعبير رسول الله(ص) :" الولد الصالح ريحانة من الله قسمها بين عباده".

 

      والولد الصالح يحرص كل الحرص أن يكون دائما خيّرا مع أهله وجالبا لهم المنفعة والصلاح والعاقبة الحسنة. فعن رسول الله (ص):" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له".

     فالولد الصالح يقضي ما يفوت عن والديه, ويتصدق عنهما, ويحرص كل الحرص أن يجري الفائدة والمصلحة الأخروية لوالديه وأي نعمة أعظم من هذه.

  وفي هذا المجال تروي لنا الرواية عن رسول الله (ص): أن عيسى بن مريم(ع) مرّ بقبر يعذب صاحبه, ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب, فقال : يا رب! مررت بهذا القبر عام أول وهو يعذب, ومررت به العام وهو ليس يعذب! فأوحى الله جل جلاله إليه: يا روح الله , قد أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما, فغفرت له بما عمل ابنه".

    إذن يمتد أثر الولد بعد موت والديه ليكون عمله الخيّر رافدا يزود والديه بالحسنات لتضيء قبرهما بنور ملكوتي ويدفع عنهما أهوال القبر الرهيبة, بل قد يغيّر مصيرهما كما في الرواية الأخيرة.

 وإلى هذه الحقيقة يشير النبي (ص) في الحديث الوارد عنه :

" خمسة في قبورهم وثوابهم يجري إلى ديوانهم " من غرس نخلا, ومن حفر بئرا, ومن بنى مسجدا, ومن كتب مصحفا, ومن خلف ابنا صالحا".

 والمعروف إن الإنسان إذا مات ينقطع عمله, ذلك ان اليوم عمل بلا حساب, وغدا حساب بلا عمل. ولكن الرحمة الآلهية أبقت فويضاتها مستمرة عبر الولد الصالح والصدقة الجارية والعلم اللنافع.

 

ومن لطيف ما حكي في هذا الموضوع أن أحدهم قال :

إني كنت زاهدا في الولد حتى وقفت في عرفة, فإذا إلى جنبي غلام شاب يدعو ويبكي ويقول : يا رب والديّ والديّ, فرغّبني في الولد حين سمعت ذلك".

 

   ويمتد الأثر الطيب للولد الصالح في عالم الآخرة ليكون صلاحه منقذا للوالدين من نار استحقاه بأعمالهما , ولكن ... خلفا وراءهما إبنة ارتدت حجاب الإسلام وتعففت به فيكون حجابها سترا بين الوالدين وبين نار جهنم, وهذا ما أخبرنا عنه الإمام الصادق (ع):" نعم الولد البنات المخدرات, من كانت عنده واحدة جعلها الله سترا من النار".

ولقيمة الولد الصالح ومنافعه كانت هبة الولد الصالح هو دعاء أنبياء الله العظام " هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء".

ولذلك كله كان دعاء عباد الرحمن " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتقين إماما ".

قال الراغب : قرّت عينه سرّت, قال الله تعالى : كي تقر عينها, وقيل لمن يسر به قرة عين.

 

    فعباد الرحمن يسرون بأزواجهم وذرياتهم لأنهم قد ساروا على طريق العبودية حقا حقا, وكانوا امتدادا لحياتهم التي خطّوها بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.

وقوله تعالى " واجعلنا للمتقين إماما " أي متسابقين إلى الخيرات, سابقين إلى رحمتك فيتبعنا غيرنا من المتقين, كما قال تعالى " فاستبقوا الخيرات ".

 وكأن المراد أن يكونوا صفا واحدا متقدما على غيرهم من المتقين باعتبار أن  "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون". فالتنافس بين عباد الرحمن ليس على دنيا يتكالبون عليها, ولا على مصالح آنية سرعان ما تفنى وتندثر بموت صاحبها أو طروء ما يغير هذه النعمة أو تلك,

بل إنهم يتسابقون إلى العمل الصالح والتقوى والإيثار ونحو ذلك من أعمال البر والتقوى الذي لا يزول بالموت والفناء بل سوف يصاحبهم في قبورهم ليسعى نورهم بين أيديهم ومن أمامهم.

 

وأخيرا بعد ذكر الصفات الإثنتي عشرة لعباد الرحمن يصف الله عاقبتهم بقوله تعالى  " أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ".

 

والغرفة كما قيل : البناء فوق البناء فهو الدرجة العالية من البيت وهي كناية عن الدرجة العالية في الجنة.

والمراد " بما صبروا" الصبر على الطاعة والصبر على المعصية, ولا ينفكان عند النوائب والشدائد.

والمعنى : أولئك الموصوفون بما وصفوا, يجزون الدرجة الرفيعة من الجنة يلقون فيها, اي تتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار".

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 

Today, there have been 96 visitors (105 hits) on this page!

 

 
This website was created for free with Own-Free-Website.com. Would you also like to have your own website?
Sign up for free