* مقدمة:
هو الإمام الخامس من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ولد الإمام الباقر(ع) في شهر رجب سنة 57 للهجرة في مدينة جده رسول الله(ص) أدرك فيها جده الإمام الحسين(ع) وبقي معه نحواً من أربع سنوات، وشهد مأساة كربلاء في مطلع عمره الشريف، وتفيأ ظلال الرسالة والإمامة برعاية أبيه الإمام السجاد(ع) وتلقى منه علومه وآدابه مدة 35 عاماً. ً
وأول من أطلق عليه لقب الباقر هو رسول الله(ص) حيث ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: لقد أخبرني رسول الله(ص) بأني سأبقى حتى أرى رجلاً من ولده أشبه الناس به وأمرني أن أقرأه السلام، واسمه محمد, يبقر العلم بقراً، ويقول الرواة أن جابر بن عبد الله كان آخر من بقي من أصحاب الرسول(ص) وفي آخر أيامه كان يصيح في مسجد رسول الله(ص) يا باقر علم آل بيت محمد، فلما رآه وقع عليه يقبل يده ورجليه وأبلغه تحية رسول الله(ص)
وفي رواية أخرى عن محمد بن أسلم المكي: كنا عند جابر بن عبد الله، فأتاه على بن الحسين ومعه ابنه وهو صبي فقال علي لابنه محمد: قبل رأس عمك، فدنا محمد فقبل رأسه، فقال جابر: من هذا؟ وقد كف بصره، فقال له علي: هذا ابني محمد، فضمه جابر إليه، وقال: يا محمد، محمد رسول الله(ص) يقرأ عليك السلام. فقال لجابر: كيف ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: كنت مع رسول الله(ص) والحسين في حجره وهو يلاعبه، فقال: يا جابر يولد لابني الحسين ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين، فيقوم علي بن الحسين ويولد لعلي ابن يقال له محمد، يا جابر إذا رأيته فأقرأه مني السلام، واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير، فلم يعش جابر بعد ذلك إلا قليلاً، ومات رضي الله عنه.
* الوضع السياسي في عصر الإمام الباقر(ع)
بدأت ولاية الإمام الباقر(ع) وإمامته في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك الذي شغل عن الإمام الباقر(ع) وحركته طوال فترة حكمه القصيرة في تصفية كل القيادات التي اعتمدها قبله الوليد بن عبد الملك وصب حقده على أسرة الحجاج بسبب حقده عليه لعوامل شخصية بينهما ثم جاء من بعده الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي كان حكمه تحولاً لصالح الإسلام، والدعوة حيث اتسمت مواقفه ببعض الإنصاف تجاه أهل البيت(ع)، فلقد عمل على رفع الحيف عنهم وأطاح ببعض أنواع الظلم الذي لحق بهم، فرفع السب عن الإمام أمير المؤمنين من على المنابر بعد أن كان معاوية قد جعله سنة استن بها كل سلاطين بني أمية في خطبهم، وأعاد فدك التي هي ميراث الزهراء(ع) من أبيها إلى الإمام الباقر(ع) وكتب له كتاباً بذلك جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما رد عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي الباقر فدك"
وكانت فترة حكم ابن عبد العزيز قصيرة ولم تدم أكثر من سنتين وخمسة أشهر.
وتولى الحكم من بعده يزيد بن عبد الملك الذي كان على نقيض سلفة فانصرف إلى اللهو والترف والمجون ثم تولى هشام بن عبد العزيز، وعاد الإرهاب والضغط إلى الواجهة وأعاد أيام يزيد والحجاج الدموية، وتصدى له أهل البيت من خلال انتفاضة الشهيد زيد بن علي أخ الإمام الباقر(ع) الذي استشهد هو وأصحابه, وأمر الطاغية هشام بصلب جثته من ثم حرقها وذر رمادها في الفرات.
ولم يكتف هشام بن عبد الملك بذلك بل حاول القضاء على كل من له علاقة بالإمام الباقر(ع) ، فقد أصدر قراراً يقتضي بقتل جابر بن يزيد الجعفي أبرز تلاميذ الإمام الباقر(ع)، غير أن الإمام الباقر(ع) أفشل مخطط القوم بالوسائل المتاحة لمنصب الإمامة الشرعية، إذ أمر تلميذه بالتظاهر بالجنون كطريق وحيد لضمان نجاته من القتل.
* الإمام ا لباقر(ع) ودوره في حماية الإسلام
رغم الجو المشحون بالإرهاب والقتل بذل الإمام(ع) جهداً كبيراً في رفع الخطر الذي كان يهدد سلامة الأمة وكرامتها، وخاصة من جهة الروم، ففي أيام عبد الملك بن مروان كانت نقود الروم هي المتداولة، ولم يكن هناك نقود غيرها يتداول بها المسلمون، والمال كما هو المعروف عصب الحياة الاقتصادية، لذلك كان الروم يضغطون على المسلمين من خلال هذه الورقة الرابحة.
فقد روي الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد شق عنه البدر شقاً وأمر بتفريقه في خدم الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله، وكان كثيراً ما يحدثني. فقال: هل علمت من أول من سن هذه الكتابة في الذهب والفضة؟
قلت: يا سيدي هذا عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت لا علم لي في غير أنه من احدث هذه الكتابة. قال: سأخبرك.
" كانت القراطيس للروم، وكان أكثر من بمصر نصرانياً على دين ملك الروم، وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها: أبا وابنا وروحا قديساً، فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك، فتنبه عليه، وكان فطناً، فبينما هو ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه، فأمر أن يترجم بالعربية، ففعل ذلك، فأنكره، وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام، أن يكون طراز القراطيس وهي تعمل في الأواني والثياب وهما يعملان بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله وأهله، تخرج منهم هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد وقد طرزت بشرك مثبت عليها، فأمر بالكتابة إلى عبد العزيز بن مروان، وكان عامله بمصر بإبطال ذلك الطراز، وأن يأخذ صناع القراطيس بتطريزها بسورة التوحيد (شهد الله أنه لا إله إلا هو) وكتب إلى عمال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي بالضرب الوجيع والحبس الطويل.
وصل هذا الخبر إلى ملك الروم، فبعث إلى عبد الملك بن مروان هدايا يستميله فيها من أجل إرجاع القراطيس إلى وضعها السابق باعتباره قوة اقتصادية ومعنوية للروم ولما رفض عبد الملك بن مروان هذا الأمر بعث ملك الروم برسالة يهدد فيها جاء فيها: … وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش الدراهم والدنانير فإنك تعلم أنه لا ينتقش شيء منها إلا ما ينتقش في بلادي، فينتقش عليها من شتم نبيك ما إذا قرأته أرفضّ جبينك له عرقاً.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه، وضاقت الأرض وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله(ص) من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم. فجمع أهل الإسلام واستشارهم، فلم يجد عند أحدهم رأياً يعمل به. فقال له أحدهم: إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه. فقال ويحك من: قال الباقر(ع) من أهل بيت النبي(ص). قال صدقت ولكنه أرتج عليّ الرأي منه، فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص علي محمد بن علي بن الحسين مكرما.
ولما وافاه الباقر(ع) قال له: لا يعظمن هذا عليك، فإنه ليس بشيء من وجهين أحدهما: أن الله عز وجل لم يكن ليطلق ما يهددك صاحب الروم في رسول الله(ص) والأخرى: وجود الحيلة فيه.
قال عبد الملك: ما هي؟
قال: تدعو في هذه الساعة بصنّاع يضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله(ص) إحداهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدنانير ذكر البلد يضرب فيه, والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير, وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً الثلاثة الأصناف العشرة منها عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعاً واحد وعشرين مثقالاً، فتجزئها من الثلاثين، فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل وتصب سنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير إلى وزن سبعة مثاقيل. ففعل ذلك عبد الملك بن مروان وأمره محمد بن علي أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهددوا من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير، وأن تبطل وترد إلى مواضع العمل حتى تعاد إلى السكك الإسلامية.
* جامعة أهل البيت(ع) ودور الإمام في تأسيسها
تأسست جامعة أهل البيت(ع) في وقت كانت الدولة الأموية تحيط بها الأخطار من جميع جهاتها واتسعت لأكثر من أربعة الآف طالب، ولكن ذلك كان بعد أن مضى على المسلمين أكثر من قرن من الزمن لا عهد لهم بفقه يختص بأهل البيت(ع) ولا بحديث يتجاهر الرواة في نسبته إليهم سوى ما كان يروى عنهم أحياناً بطريق الكتابة في الغالب، لأن الأمويين كانوا جادين في القضاء على كل آثارهم والتنكيل بكل من يتهم بولائهم.
ولو أتيح للأئمة بعد الإمام علي(ع) أن ينصرفوا إلى الناحية التي اتجه لها الإمامان الباقر(ع) والصادق(ع) لكان فقه أهل البيت(ع) هو الفقه السائد والمعمول به عند عامة المسلمين لأنه من فقه أمير المؤمنين(ع). وأمير المؤمنين(ع) كان صاحب الرأي الأول والأخير في الفقه والقضاء بلا منازع، وقد ترك منه في المدينة والكوفة ما يكفي لحل جميع ما يعترض المسلمين من المشاكل، حيث كانوا، ولكن خصومه عملوا على طمس آثاره، وخلقوا له من الأنداد والأضداد بوسائلهم المعروفة، كما وقفوا لأبنائهم من بعده وشيعتهم بالمرصاد، وكانوا يحاسبون ويعاقبون كل من ينسب إليهم راياً أو يروي عنهم حديثاً، وأباحوا لكل متعلم أو عالم أن يقول ويروي ما شاء.
ومجمل القول، لقد شاء الله تعالى لجامعة أهل البيت(ع) أن تعيش آمنة مطمئنة ولو لفترة من الزمن، وشاء الله تعالى لمذهب أهل البيت(ع) الذي أخذ عن جدهم رسول الله(ص) بلا واسطة والذي هو مذهب الإسلام الأصيل أن يمتد على يد الإمامين الباقر(ع) والصادق(ع) .
وقد شكلت مرحلة إمامة الباقر(ع) إطاراً جديداً لإدارة الصراع مع رموز الإنحراف الفكري والعقائدي الذي ظهرت معالمه الأساسية في عصر الإمام السجاد(ع) الذي عمل على تزويد الأمة بطاقة روحية وفكرية وأخلاقية.
وجاء عصر الإمام الباقر(ع) يحمل معه رواسب تلك العقائد والأفكار المنحرفة التي كادت تطمس معالم الفكر الإسلامي الأصيل. لذا انبرى الإمام الباقر(ع) للتصدي والمواجهة ولكن ضمن الظروف والشروط التي اقتضتها تلك المرحلة التي شهدت النقمة العارمة على سياسة الأمويين والدعوة في مختلف الأقطار للتخلص منهم، بينما انشغل حكام بني أمية إلى حياة اللهو والترف والمجون وبتصفية بعضهم البعض.
ومن هنا، فرضت طبيعة المرحلة أن يميل الإمام الباقر(ع) إلى تجميد الصراع مع السلطات المنحرفة نوعاً ما، واتجه إلى عملية البناء الفكري والفقهي والعقائدي والذي دفع الإمام الباقر(ع) لسلوك هذا النهج من العمل هو تغلغل الأفكار المسمومة وضياع التراث النبوي الشريف من خلال الأسباب التالية:
أولاً: اتساع رقعة الفتوحات التي رافقها دخول بعض الأفكار المنحرفة إلى المجتمع الإسلامي والتي فتن بها الكثيرون، ونتيجة عدم وصول الفكر الإسلامي الأصيل من خلال عدم تواصلهم مع أهل البيت(ع) مما جعل الكثير من الخرافات والانحرافات تدخل في كيانها الفكري والعقائدي، وهذا ما كان يستغله الحكام من اجل المصالح الدنيوية الرخيصة.
ثانياً: الوضع في الأحاديث النبوية، والذي روجه بعض الخلفاء لتبرير تصرفاتهم المنحرفة، ومن ذلك ما رواه سمرة بن جندب أحد أصحاب الرسول(ص) بعد أن أغراه معاوية وأعطاه من المال الوفير من أجل أن يروي الأحاديث الكاذبة ومنها على سبيل المثال: أن هذه الآية "ومن الناس من يعجبك قوله قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" إنها قد نزلت في علي بن أبي طالب وأن الآية نزلت في ابن ملجم وهي قوله تعالى: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله" ومنها ما يرجع إلى تمجيد بني أمية كهذا الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله "إن الله ائتمن على وحيه ثلاثاُ أنا وجبرائيل ومعاوية"
وأن النبي(ص) ناول معاوية سهماً فقال له: "خذ هذا حتى تلقاني في الجنة"
أنا مدينة العلم وعلي بابها ومعاوية مفتاحها"
- ومنها: "تلقون من بعدي اختلافاً وفتنة، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله قال: عليكم بالأمين وأصحابه، يشير بذلك إلى عثمان"
- ومنها: "قال رسول الله(ص) أنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها، قالوا: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم".
- ومنها: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبراً فمات لم يمت إلا ميتة جاهلية".
- ومنها ما رواه أبو هريرة في عيون الأخبار: "عن العجاج، قال لي أبو هريرة: فمن أنت؟ قلت: من أهل العراق، قال: يوشك أن يأتيك بقعان أهل الشام فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك فتلقهم بها فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخل عنهم وعنها، وإياك أن تسبهم، فأنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة".
وينطلق المأجورون من الوعاظ والمحدثين فينفثون السموم في قلوب الجماهير المسلمة وعقولها وبذلك يلجمونها عن التذمر والثورة بلجام ينسبونه إلى الدين.
ومن الأمثلة البارزة في هذا الميدان فرقة المرجئة، فقد كان الأمويون يواجهون الشيعة الذين يعتبرون بني أمية قتلة غاصبين لتراث النبي(ص) والخوارج ويرونهم ظلمة، فلذلك كان البعض يروج للمرجئة فيعتبر الإيمان عملاً قلبياً خالصاً لا يحتاج معه التعبير عنه بفعل من الأفعال، فيكفي الإنسان أن يكون مؤمناً بقلبه ليعصمه الإسلام ويحرم الاعتداء عليه وهم ينادون "لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة"
ثالثاً: انتشار الأفكار اليهودية الخطيرة داخل المجتمع الإسلامي التي تركت أثاراً عميقة في ثقافة المسلمين، فقد اعتنق بعض أحبار اليهود الإسلام ظاهراً، وكان بعض المسلمين من السذج والمغفلين وكذلك بعض الحاقدين يرجعون إليهم في شؤون دينهم، فاستغل هؤلاء الأحبار هذه الفرصة للقيام بدس الثقافة والفكر اليهودي في روايات النبي(ص) وأحاديثه وظهرت على أثر ذلك أحاديث كثيرة موضوعة تسمى بالاسرائيليات، يختص القسم الأكبر منها بالتفسير وسرد تاريخ الأنبياء.
وقد استأثر القسم المهم من برنامج عمل الأئمة الأطهار بالتصدي لهذه القضية وشغلت حيزاً كبيراً في مواجهتهم مع من حمل هذه الأفكار المسمومة من المسلمين.
ولذلك كانت ممارسات الإمام الباقر(ع) في هذا المجال تتجه لتحقيق مهامها التاريخية عن طريقين:
- الأول: طريق توسيع التثقيف الواسع من داخل مدرسته التي أسسها لهذا الغرض ولتزويد علمائها وطلابها بالعلوم الإسلامية وآدابها، فقد كان الإمام الباقر(ع) المرجع الوحيد للعالم الإسلامي في عصره، وكان علماء عصره يتصاغرون أمامه اعترافاً منهم بسمو منزلته العلمية التي لا يدانيها أحد، فيقول عبد الله بن عطاء المكي: "ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بيد يدي معلمه".
- الثاني: عن طريق مجابهة الأمة بهذا الإطار لأول مرة تقريباً في حياة الأئمة(ع) والتركيز بشكل واضح ومحدد لمفهوم التشيع باعتباره عقيدة كتلة واعية لها طريقتها الخاصة في تفسير الإسلام، ولا بد من إشاعتها في المجتمع الإسلامي كله.
وكان الإمام الباقر(ع) يصف شيعته بقوله "إنما شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتآزرون لإحياء الدين، إذا غضبوا لم يظلموا وإذا رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاورهم وسلم لمن خالفهم".
* عقبات في طريق تخطيط الإمام الباقر(ع)
لقد بدأت إفرازات الواقع المنحرف الذي عايشه المسلمون منذ وفاة رسول الله(ص) ينتقل من الانحراف السياسي عبر اغتصاب الخلافة إلى انحراف فكري وعقائدي يعاكس المبدأ الفكري لأطروحة الأئمة الأطهار(ع).
ففي زمن الخلفاء الثلاثة كان الصحابة والخلفاء يحسون بضرورة الرجوع إلى الإمام علي(ع) واعتباره المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي عليهم حلها بالرغم من تحفظاتهم في هذا الموضوع.
وبعد انتهاء عصر الصحابة، بدأ عصر التابعين للصحابة، ثم بدأ عصر تابعي التابعين، وفي هذا العصر أخذت الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي يواجه مشكلة ملء الفراغ الفكر الإسلامي والسياسي بصورة جدية، وسبب هذا الشعور يعود إلى العوامل التالية:
1) ابتعاد أبناء عصر تابعي التابعين عن مصادر الإسلام من كتاب وسنة، فقد ابتعدوا عن لغة وظروف ومناسبات الكتاب والسنة، ولهذا أصبح القرآن لا يخلو من غموض بفعل المسافة الزمنية.
2) اعتقادهم بأن النبي(ص) لم يتبن الأئمة ولم يعد أحداً إعداداً رسالياً خاصاً لتستمر به الرسالة، بل كل ما فعله الرسول(ص) بنظرهم أنه جعل قيادة الإسلام متروكة للأئمة من بعده.
3) بعد اتساع الحياة الإسلامية وضمها لشعوب ودول بطريق الفتح العسكري استجدت أنواع كثيرة من أحداث وظروف وملابسات وتعقيدات لم تكن في الحسبان حيث انفتحت على مجالات رحبة متنوعة لم تكن تعرف لها حلاً لضآلة النصوص التشريعية لها، التي نقلوها عن رسول الله(ص) وهذا الأمر هو الذي أدى إلى الاحتياج إلى مصادر أخرى غير الكتاب والسنة كالاستحسان والقياس وغيرها من ألوان الاجتهاد التي يتمثل فيها العنصر الذاتي للمجتهد الذي أدى إلى تسرب شخصية الإنسان بذوقه وتصوراته الخاصة إلى التشريع.
وفي هذا الأمر يقول الشهرستاني: "إنا نعلم قطعاً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعاً أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يتصور ذلك أيضاً والنصوص إذا كانت متناهية، وما يتناهى لا يضبط مالا يتناهى، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة واجتهاد"
في مثل هذه الظروف، لم يكن من الممكن رغم اعترافهم بأعلمية أهل البيت(ع) في هذا المجال، أن تقرر هذه المرجعية الفكرية وتسند لأهل البيت(ع) على اعتبار أن المرجعية الفكرية تقود للمرجعية السياسية ولو أنهم منحوا المرجعية الفكرية لأهل البيت لأعطوهم أقوى سلاح يمكنهم من خلاله الوصول بسهولة إلى المرجعية السياسية.
ولذلك نجد في هذا العصر بدايات نشاط ونمو للمدارس التي اعتمدت تارة على القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وأخرى على الرأي.
هذه الأمور كانت تمثل عقبات في وجه تخطيط الإمام الباقر(ع) الذي تصدى لها بكل ما أوتي من قوة حتى استطاع التخفيف من حدة سير مدرسة الراي الذي كان للأئمة(ع) موقف معارض اعتبروها على حد الشرك بالله تعالى، وقالوا قولهم المشهور "إن دين الله لا يصاب بالعقول".
ومجمل القول، لقد استطاع الإمام الباقر(ع) بما توفر له من الظروف المناسبة أن ينقل مذهب أهل البيت(ع) إلى العلن وأن يواجه الإنحراف الكبير الذي كبر نتيجة الكبت الكبير الذي عاشه أئمة أهل البيت(ع) ، وعدم قدرة مواليهم أن ينشروا الفكر الأصيل.
وبدأت مرحلة اهتزاز التيارات الفكرية المنحرفة وتساقطها أمام الحركة الفكرية الضخمة التي قادها الإمام الباقر(ع) حتى فرض نفسه على الكيان الأموي، حيث ورد أنه كتب عبد الملك إلى عامله في المدينة أن أبعث إلى محمد بن علي مقيداً، فكتب إليه العامل:
"ليس كتابي هذا خلافاً عليك يا أمير المؤمنين ولا رداً لأمرك، ولكن رأيت أن أراجعك في الكتاب نصيحة لك وشفقة عليك، أن الرجل الذي أردته ليس اليوم على وجه الأرض أعف منه ولا ازهد ولا أورع منه، وأنه من أعلم الناس، وأرق الناس وأشد الناس اجتهاداً وعبادة، وكرهت لأمير المؤمنين التعرض له، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
وقال فيه ابن حديد المعتزلي في شرح النهج: "كان محمد بن علي بن الحسين سيد فقهاء الحجاز ومنه ومن ابنه جعفر يتعلم الناس الفقه".
* من سيرته الرسالية وحكمه ووصاياه:
- قال محمد بن المنكدر: رأيت محمد بن علي فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأي شيء عظك؟
قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة، فلقيت محمد بن علي، وكان رجلاً بديناً وهو متكئ على غلامين له أسودين، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا، أشهد لأعظنّه، فدنوت منه، فسلمت عليه، فسلم عليّ وقد تصبب عرقاً، فقلت أصلحك الله, شيخ من أشياخ قريش، في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟
- قال: فخلى عن الغلامين من يده، ثم تساند وقال أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله. فقلت: رحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني".
- قال أبو عبد الله(ع): اعتق أبو جعغر(ع) من غلمانه عند موته شرارهم وأمسك خيارهم. فقلت: يا أبت تعتق هؤلاء وتمسك هؤلاء. فقال إنهم أصابوا مني ضرباً، فيكون هذا بهذا.
- كان عليه السلام لا يسمع من داره يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا، وكان(ع) يقول: سموهم بأحسن أسمائهم.
- من وصيته(ع) لجابر بن يزيد الجعفي أحد اكبر أصحابه:
قال(ع) : يا جابر: إنه من دخل قلبه صافي دين الله أشغله عما سواه، يا جابر: ما الدنيا وما عسى أن تكون، هل هي إلا ثوب لبسته، أو لقمة أكلتها، أو مركب ركبته أو إمرأة أصبتها.
يا جابر: إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بأذانهم من الفتنة، ولم يعمهم من نور الله، ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأبرار، إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك نعمة، إن نسيت ذكروك، وأن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله.
يا جابر: أنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت منه، أو كمال أصبته في منامك، فاستيقظت وليس معك منه شيء، إنما هي مع أهل اللب والعالمين بالله تعالى كفيء الظلال فاحفظ ما استرعاك الله تعالى من دينه وحكمته
كان الخليفة الأموي عمر بن العزيز رحيماً بأهل البيت(ع) وكان يحترمهم ويجلهم، ولكن الإمام الباقر(ع) لم ير هذا كافياً في المقام، وأراد أن يتم الحجة عليه، حيث روي أنه لما دخل عمر بن عبد العزيز المدينة قال مناديه: من كانت له مظلمة أو ظلامة فليحضر، فأتاه أبو جعفر(ع) ولما رآه استقبله وأقعده مقعده فقال(ع) :
"إنما الدنيا سوق من الأسواق يبتاع فيها الناس ما ينفعهم وما يضرهم، وكم قوم ابتاعوا ما ضرهم فلم يصبحوا حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا ملومين لما لم يأخذوا ما ينفعهم في الآخرة فقسم ما جمعوا لمن لم يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم، فنحن والله حقيقيون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوف عليهم فيها، فكف عنها واتق الله، واجعل في نفسك اثنتين:
أنظر إلى ما تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك، وانظر إلى ما تكره أن يكون معك إذا قدمت على ربك فارمه وراءك، ولا ترغبن في سلعة بارت على من كان قبلك فترجو أن يجوز عنك وافتح الأبواب، وسهل الحجاب وانصف المظلوم ورد الظالم.
- من وصية له(ع):
عليكم بالورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة إلى من أئتمنكم عليها براً كان فاجراً، فلو أن قاتل علي بن أبي طالب(ع) ائتمنني على أمانة لأديتها له.
- ومن وصية له(ع) لبعض أصحابه:
قم بالحق واعتزل ما لا يعنيك، وتجنب عدوك، واحذر صديقك من الأقوام إلا الأمين من خشي الله، ولا تصحب الفاجر ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله.
- ومن وصية له(ع) لبعض أصحابه:
ليعن قويكم ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، ولينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا، وانظروا أمرنا، وما جاء عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا، فإذا كنتم كما اوصيناكم لم تعدوا إلى غيره فمات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيداً، وإن أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين، ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهيداً
ومن وصية له(ع) لشيعته:
تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة له تسبيح، البحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربه، والعلم ثمار الجنة وأنس في الوحشة، وصاحب في الغربة ورفيق في الخلوة، ودليل على السراء وعون على الضراء ودين عند الأخلاء، وسلاح عند الأعداء، يرفع الله به قوماً فيجعلهم في الخير سادة، وللناس أئمة يقتدى بفعالهم ويقتضى آثارهم عليهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وانعامه"
* من حكمه:
- ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك، وتحلم إذا جهل عليك.
- من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره باهله زيد في عمره.
- ما من عبادة عند الله أفضل من عفه بطن أو فرج وما من شيء أحب إلى الله تعالى من أن يسأل وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإن أسرع الخير ثواباً البر والعدل، وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، وأن يأمرهم بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه.
- أن أشد الناس حسرة يوم القيامة عبد وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره.
- إياك والخصومة فإنها تفسد القلب وتورث النفاق.
- من أعطى الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة، وحسن حاله في دنياه وأخرته، ومن حرم الخلق والرفق كان ذلك سبيلاً إلى كل شر وبليه إلا من عصمه.
- أعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك.
- الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أوطناه.
- الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر.
- الكمال كل الكمال: التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة.
- الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله عز وجل، وظلم لا يغفره وظلم لا يدعه، فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك بالله عز وجل، وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله عز وجل، وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد.
- ثلاث من أشد ما عمل العباد: إنصاف المؤمن من نفسه، ومواساة المرء أخاه، وذكر الله على كل حال وهو أن يذكر الله جز وجل عند المصيبة يهم بها فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية وهو قوله عز وجل: إن الذين اتقوا أذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون".
- سئل(ع) فما النجاة غداً؟ قال(ع): إنما النجاة في أن لا تخادعوا الله فيخدعكم فإنه من يخادع الله يخدعه ويخلع الله منه الإيمان ونفسه يخدع لو يشعر. قيل له: وكيف يخادع الله؟ فقال(ع) يعمل بما أمر الله عز وجل به ثم يريد به غيره فاتقوا الله والرياء فإنه شرك بالله عز وجل، إن المرائي يدعي يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، وبطل أجرك ولا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له.
- من وصية له(ع) لبعض أصحابه
أوصيك بخمس: إن ظلمت فلا تظلم، وإن خانوك فلا تخن، وإن كذبت فلا تغضب، وإن مدحت فلا تفرح، وإن ذممت فلا تجرع. وفكر فيما قيل فيك، فأن عرفت من نفسك ما فيك فسقوطك من عين الله عز وجل عند غضبك من الحق أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من اعين الناس، وإن كنت على خلاف ما قيل فيك فثواب اكتسبته من غير أن تتعب بذلك، ولو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا إنك رجل سواء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا إنك رجل صالح لم يسرك ذلك، ولكن اعرض نفسك على كتاب الله، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وابشر فإنه لا يضرك ما قيل فيك، وإن كنت مبايناً للقرآن فما الذي يغرك من نفسك. إن المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها، فمرة يقيم أودها ويخالف هواها في محبة الله, ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه الله فينتعش، ويقيل الله عثرته فيتذكر ويفزع إلى التوبة والمخالفة.
- يا جابر: استكثر لنفسك من قليل الرزق تخلصاً إلى الشكر، واستقلل من نفسك كثير الطاعة لله أزراء على النفس وتعرضاً للعفو، وإياك والثقة بغير المأمون، وأعلم أنه لا علم كطلب السلامة، ولا عقل كمخالفة الهوى، ولا فقر كفقر القلب، ولا غنى كغنى النفس، ولا معرفة كمعرفتك نفسك، ولا نعمة كالعافية، ولا عافية كمساعدة التوفيق ولا شرف كبعد الهمة، ولا زهد كقصر الأمل، ولا عدل كالانصاف ولا جور كموافقة الهوى ولا طاعة كأداء الفرائض، ولا معصية كعدم العقل، ولا معصية كاستهانتك بالذنب ورضاك بالحالة التي أنت عليها، ولا جهاد كمخالفة الهوى، ولا قوة كرد الغضب، ولا ذل كذل الطمع، وإياك والتفريط عند إمكان الفرصة فإنه ميدان يجري لأهله الخسران.
قال(ع) لبعض أصحابه:
- أيدخل أحدكم يده في جيب صاحبه فيأخذ منها ما يريد وهو لا يعلم؟ فقالوا لا يا ابن رسول الله(ص) فقال(ع) : اذهبوا فلستم إخواناً كما تزعمون.
- لا يكون العبد عالماً حتى لا يكون حاسداً لمن فوقه ولا محقراً لمن دونه.
- ثلاث خصال لا يموت صاحبهن حتى يرى وبالهن: البغي وقطيعة الرحم واليمين الكاذبة يبارز الله فيها، وأن أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم، وأن القوم ليكونون فجاراً فيتواصلون فتنموا أموالهم ويترون، وإن اليمين الكاذية وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها.
- إن هذا اللسان مفتاح كل شر وخير، فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على ذهبه وفضه فإن رسول الله(ص) قال: رحم الله مؤمناً أمسك لسانه عن كل شر، فإن ذلك صدقة منه على نفسه ولا يسلم أحد من الذنوب، حتى يخزن لسانه من الغيبة، فيقول في أخيه ما سره الله عليه، فإن قال ما ليس فيه بهته.
- ومما أوصى به ولده الصادق(ع)
- إن الله خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من طاعة شيئاً، فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئاً فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرن أحداً فلعله ذلك الولي
- ما من عبد يمتنع في معونة أخيه المسلم، والسعي في حاجته، قضيت أو لم تقض إلا ابتلي بالسعي في حاجة فيما يؤثم عليه ولا يؤجر، وما من عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يرضي الله إلا ابتلى بأن ينفق أضعافها فيما اسخط الله.
- والله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين وتعهد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلا من خير.
- تعدد الشموس والأقمار
عن الإمام الباقر(ع): إن من وراء شمسكم هذه أربعين عين شمس، ما بين عين شمس إلى عين شمس أربعون عاماً، فيها خلق كثير ما يعلمون أن الله خلق آدم أو لم يخلقه، وأن وراء قمركم هذا أربعين قرصاً بين القرص إلى القرص أربعون عاماً فيها كثير لا يعلمون أن الله عز وجل خلق آدم ولم يخلق، قد ألهموا كما ألهمت النحلة.
|