* مواقف الإمام(ع) من الظروف الاجتماعية والسياسية والفكرية:
الإمام الحسن العسكري(ع) هو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
لقب بالعسكري نسبة للبلد الذي كان يقطنه وهو سامراء، حيث كانت ثكنة عسكرية وملتقى الجيوش العباسية ، فاشتهرت سامراء بهذا الاسم ، أي العسكر، فنسب الإمام إلى هذه المنطقة فلقب بالإمام العسكري.
وككل الأئمة(ع) الأطهار ، فقد تجلت العناية الإلهية في شخصيتهم منذ نعومة أظافرهم ، لذلك كانوا يعيشون عمق الرسالة علما وفهما ودراية، وكان خوف الله مجبولا بالنطفة التي انعقدت لهم، لذلك كان هذا الخوف يظهر بوضوح في شخصيتهم، فيروي لنا التاريخ قصة توضح هذا الأمر: "إن شخصا مر به وهو واقف مع أترابه من الصبيان يبكي، فظن أن هذا الصغير يبكي متحسرا على ما في أيدي أترابه، ولذا فهو لا يشاركهم لعبهم، فقال له اشتري لك ما تلعب به.
فرد عليه: لا، ما للعب خلقنا.
وبهر الرجل فقال له: " لماذا خلقنا ".
للعلم والعبادة.
من أين لك هذا.
من قوله تعالى: " أفحسبتم أنا خلقناكم عبثا ".
وبهت الرجل ووقف حائرا وانطلق يقول له: " ما نزل بك وأنت صغير لا ذنب لك ".
إليك عني إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتقد إلا بالصغار، وإني أخشى أن أكون صغار حطب جهنم.
* محنة الإمام بفقد أخيه:
ابتلي الإمام العسكري منذ طفولته بفاجعة موت أخيه أبي جعفر محمد بن الإمام الهادي(ع) الذي كان نموذجا رائعا للأئمة الأطهار وصورة صادقة لأفكارهم، وقد تميز بذكائه وخلقه الرفيع، وسعة علمه وسمو آدابه حتى اعتقد الكثير من الشيعة أنه الإمام من بعد أبيه الإمام الهادي(ع) .
لذلك ، مارس الإمام الهادي(ع) الإعلان الصريح والدعاية اللازمة لتثبيت إمامة العسكري(ع) على الشيعة ليرفع من أذهان الأمة ما قد توهموه، فأشاد بفضل العسكري(ع) قائلا: " أبو محمد ابني أصح آل محمد (ص) غريزة وأوثقهم حجة وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف واليه تنتهي عرى الإمامة وأحكامنا".
وكانت هذه المشكلة قد أرخت بظلالها على الإمام الهادي(ع) كما حدث ذلك أيضا مع الإمام الصادق(ع) بالنسبة إلى ابنه إسماعيل ، فلذلك نراه يوجه كلامه إلى الإمام العسكري(ع) بعد انتهائه من تغسيل أبي جعفر محمد قائلا: " يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا".
وإلى هذا الأمر يحدثنا ثقة الأئمة أبو هاشم الجعفري قائلا: " كنت عند أبي الحسن بعدما قضى أبنه أبو جعفر، وأني لأفكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد(ع) في هذا الوقت كأبي الحسن موسى(ع) وإسماعيل ابني جعفر(ع) بن محمد، فأقبل علي أبو الحسن الهادي قبل أن أنطق ، فقال : نعم يا أبا هاشم، بدا لله في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي وعنده علم ما يحتاج إليه الناس".
وبعد وفاة الإمام الهادي(ع) تولى الإمام العسكري(ع) مهام الإمامة الملقاة على عاتقه نصا من الله وتعيينا منه ومن الإمام الذي قبله، وله من العمر اثنتان وعشرون سنة عاصر فيها من الخلفاء العباسيين المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي.
واجهت الإمام العسكري(ع) في فترة إمامته مشاكل معضلة تمثلت في الظلم الجائر الذي كان يعيشه المسلمون بسبب تصرف حكامهم، ولعله لم يسبق لهم أن مروا بمثل ذلك مع الحكام السابقين.
* على الصعيد الاقتصادي:
مارس الخلفاء والحكام العباسيون ضغوطا شديدة على الناس ليرضوا بذلك نزواتهم مما أثقل كاهل المسلمين إلى درجة لم يجدوا معه لقمة العيش بهناء. فبينما نرى أن الإسلام أهتم اهتماما بالغا بتطوير وتنمية الدخل الفردي وازدهار الاقتصاد العام واعتبر الفقر كارثة مدمرة يجب القضاء عليها بجميع الطرق والوسائل ، فقد قارن الإسلام بين الكفر والفقر ، فاعتبر أنه كما يجب القضاء على الكفر في شريعة الإسلام كذلك يجب القضاء على الفقر، وقد ألزم حكام المسلمين وأكد على ولائهم بالعمل لإنقاذ المسلمين من خطر البؤس والحرمان اللذين هما السبب في إشاعة الانحراف الفكري والعقائدي بين الناس.
وبينما نجد أن من بين المناهج الخلاقة التي يركز عليها الاقتصاد الإسلامي أنه حدد تصرفات المسؤولين والحكام فلم يجز لهم التلاعب بخزينة الدولة لأنها ملك المسلمين، وقد طرح الإسلام نموذجا رائعا وهو الإمام علي(ع) .
ومع ذلك، فقد أتبع الحكام العباسيون في زمن الإمام العسكري(ع) سياسة مخالفة تماما لمنهج الإسلام وعدالته وعملوا على ترسيخ العديد من القضايا التي كان لها دور أساسي في حرمان طبقة من الناس وإثراء طبقة أخرى.
فعلى صعيد واردات الدولة التي كان مصدرها الخراج والصدقات، لم تكن هذه الأموال تنفق على تطوير الحياة العلمية والاقتصادية، وإنما كانت تذهب إلى جيوب الحكام وقصورهم حيث أسرفوا إسرافا هائلا، فأنفقوا مئات الملايين من الدنانير الذهبية على بناء القصور وتزيينها، فقد بنى المتوكل_مثلا_ قصره المعروف بالمرج، فجعل جدرانه ملبسة بالفسيفساء والرخام الملون المذهب وجعل فيه شجرة عظيمة من الذهب عليها صورة كل طائر… وجعل له سريرا من ذهب. وبعد بناء هذا القصر وجلوس المتوكل فيه، جاء دور المتزلفين، حيث قال له يحي بن خاقان: " أرجو يا أمير المؤمنين أن يشكر الله لك بناء هذا القصر فيوجب لك الجنة. فقال وكيف ذلك ؟ قال : لأنك شوقت الناس بهذا القصر إلى الجنة".
وكانت الأموال تغدق بلا حساب على الجواري والمغنيات وعلى الشعراء، وكان الجانب الأكبر من اقتصاد الدولة ينفق على سيدات البلاط العباسي، فكانت السيدة زبيدة مولعة بالوشي الثمين حتى بلغ الثوب الواحد الذي تلبسه خمسين ألف دينار، وهو وحده كاف لإطعام خمسين ألف فقير لأسبوع تقريبا.
هذا الوضع الاقتصادي المزري أرخى بظلاله على الناس بشكل ضاغط مما جعلهم يعيشون في فقر وبؤس وشقاء.
وعلى هذا الصعيد ، كان الإمام العسكري يمثل الجبهة المعارضة للحكام العباسيين، وكان أبرز ألوان المعارضة التي اتخذها الإمام أنه حرم على نفسه الاتصال أو التعاون بجميع صورة مع أولئك الملوك الذين اتخذوا مال الله دور كتعبير منه على نزع أية صفة شرعية لحكمهم.
وقد فهم العباسيون موقف الإمام وأحسوا بالخطر من ذلك، لذلك جهدوا على أدراج الإمام في جهازهم وضمه إليهم فلم يستطيعوا ذلك فقابلوه بمنتهى الشدة والقسوة وضيقوا عليه حياته الاقتصادية وتركوه في ضائقة مالية خانقة، فقد منعوا وصول المال إليه من الشيعة حتى لا ينفق على نفسه وعلى شيعته وأنصاره ولكن الله سخر بعض الذين كانوا يهربون المال بزقاق من السمن رغم كل الحصار الشديد الذي كان يفرضه عليه العباسيون.
*على الصعيد السياسي:
أفرزت الممارسات التعسفية التي قام بها الحكام العباسيون في عصر الإمام العسكري تجاه الناس جوا من الخوف والرعب، فعمت الفتن وكثرت الثورات الداخلية، ولعل ذلك كان ناشئا من:
1- تسلط الأتراك على زمام الحكم واستبدادهم بجميع شؤون الدولة وهم لا يفقهون السياسة ولا يعرفون الإدارة فظلموا الرعية ونشروا الرعب ووصلوا إلى مرحلة استطاعوا من خلالها تقديم من يشاؤون لزعامة الدولة وعزل من يريدون، وأصبحت السلطات الدستورية كلها في أيديهم، والخليفة إنما هو الاسم لا غير، حيث انتزعت منه جميع الصلاحيات الإدارية وجرد من كل شيء عدا الانغماس في اللهو والطرب. ومن القضايا التي تكشف لنا هذا الواقع أن المعتز لما ولي الخلافة استدعي بعض أصحابه جماعة من المنجمين فسألوهم كم يبقى الخليفة في الحكم ؟ وكم المدة التي يعيش فيها ؟ فانبرى بعض الظرفاء فقال لهم: أنا أعرف ذلك، فقالوا أخبرنا، فقال : إن الأمر بيد الأتراك فهم الذين يقرون مدة حكمه وحياته، فغرق الجميع في الضحك وعرفوا صدق قوله.
2- ومن جهل الملوك العباسيين وانغماسهم في الشهوات واللذات وإهمالهم شؤون الرعية مما سبب حدوث الأزمات السياسية في ذلك العصر ، وكان الهم الأساسي للحكام العباسيين هو تضييق الخناق على الموالين لأئمة أهل البيت(ع) . وقد عبر عن هذا الواقع دعاء الإمام العسكري بقوله: "اللهم وقد شملنا زيغ الفتن واستولت علينا غشوه الحيرة وقارعنا الذل والصغار وحكم علينا غير المؤمنين في دينك، وابتز أمورنا معادن الاين ممن عطل حكمك وسعى في إتلاف عبادك وإفساد بلادك .
اللهم وقد عاد فيئنا دولة بعد القسمة وإمارتنا غلبة بعد المشورة وعدنا ميراثا بعد الاختبار للأمة فاشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة وحكم في إيثار المؤمنين أهل الذمة وولى القيام بأمورهم فاسق كل قبيلة ، فلا زائد يذودهم عن هلكة ولا راع ينظر إليهم بعين الرحمة ولا ذو شفاعة يشبع الكبد الحرى من مسغبة"
فقد تحدث الإمام في هذا الدعاء عن انتشار الفتن المروعة بين المسلمين.
- ذل المسلمين وهوانهم.
- إن الحكم قد استولى عليه السفلة والمجرمون فحكموا بغير ما أنزل الله وكان البارز في سياستهم تعطيل أحكام الله.
- إن فيء المسلمين صار دولة وألعوبة في أيدي أعوان السلطة.
- إن أموال الخزينة العامة التي يجب أن تنفق على اليتامى والأرامل والفقراء صارت تنفق على المغنين والملاهي.
- إن أغلبية الوظائف عهد بها إلى أهل الذمة من اليهود والنصارى.
هذا الواقع المزري كان وضعا مثاليا لنشأة الأفكار المنحرفة التي تسقط أمام الضغوط وتنهزم وتنحرف إلى حد الإلحاد.
وقد تصدى الإمام العسكري لهذا الواقع بكل جهد وما أوتي من قوة. فقد نقلوا أن إسحاق الكندي فيلسوف العراق راودته بعض الشبهات حول القرآن الكريم فأشاع في الأوساط العلمية أنه ألف كتابا أسماه " تناقض القرآن " وقد اشغل نفسه بذلك وانتهي الخبر إلى الإمام العسكري فالتقى ببعض تلامذة الكندي وقال له: " أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن ؟
- فقال التلميذ: نحن من تلامذته، فكيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره.
- فقال له الإمام(ع) : أتؤدي إليه ما ألقيه إليك ؟ فقال : نعم.
- فقال لتلميذه: " صر إليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الانسه ، فقل : قد حضرتني مسألة أسألك عنها ، فإنه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن، هل يجوز أن يكون مراده بما يتكلم منه غير المعاني التي ظننتها أنك ذهبت إليها. فإنه سيقول لك : إنه من الجائز لأنه رجل يفهم إذا سمع ، فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله أراد غير هذا الذي ذهبت أنت إليه، فيكون واضعا لغير معانيه ".
وسار الرجل حتى التقى بأستاذه الكندي ، وتلطف معه وألقى عليه ما تفضل به الإمام(ع) وأخذ يفكر ويطيل النظر في الأمر أي في الحق والصواب في ذلك، فإنه أمر وسائغ في اللغة والتفت إلى تلميذه فقال له:
أقسمت عليك إلا ما أخبرتني من أين لك هذا ؟
إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك.
كلا ما مثلك من يهتدي إلى هذا … عرفني من أين لك هذا.
أمرني به الإمام أبو محمد.
الآن جئت به وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت.
فعمد الكندي إلى كتابه فأحرقه وتلفه.
هذه الرواية تكشف عن دلالات عديدة أهمها :
الأولى: أن الإمام العسكري كان يتابع الحركة الثقافية في زمانه فكان يتحرك على كل الاتجاهات من أجل تصحيح المسار الإسلامي في كل ما يمكن أن يعرض عليه من انحرافات.
الثانية: عندما تريد أن تحاور إنسانا وتجادله فلا يكن العنف سبيلك إلى ذلك ولا يكن القلب القاسي وسيلتك إلى الانفتاح عليه، بل حاول أن تتلطف به أولا وأن تؤانسه ثانيا لتربح قلبه قبل أن تخاطب عقله،فإنك إن ربحت قلبه فإنك يمكن أن تنفذ إلى عقله.
الثالثة: الانفتاح على علم الغير حتى ولو كان خاطئا، حيث رأينا أن الإمام انفتح على علم ذلك الرجل لأنه يرى حتى ولو كان مسيئا لكنه عالم يفكر ، لذلك ألقى إليه الفكرة على سبيل الاحتمال ليدفعه إلى التفكير، وبالفعل استطاع أن يوصله إلى بر الأمان.
الرابعة: نعرف من هذه الرواية كم هي الثقة العلمية التي كان يحملها الفلاسفة في علم أهل البيت مما يثبت أنهم كانوا قد بلغوا القمة في العلم حتى خضع الآخرون لعلهم وانحنوا لهذا المستوى الكبير من الثقافة.
وكشف الإمام العسكري النقاب عن شعوذة راهب أراد أن يضلل المسلمين ويشككهم في دينهم، وبيان ذلك حسبما ذكره الرواة: أن الناس أصابهم قحط شديد، فأمر المعتمد العباسي بالخروج إلى الاستسقاء ثلاثة أيام ، فخرجوا ولم يغاثوا بالمطر، وخرج النصارى ومعهم راهب، كلما مد يده إلى السماء هطلت، وفعل ذلك مرارا، فشك بعض الجهلة في دينهم، وارتد البعض الآخر، فشق ذلك على المعتمد ففزغ إلى الإمام العسكري وكان في سجنه وقال له: " أدرك أمة جدك رسول الله، قبل أن يهلكوا، فقال له الإمام يخرجوا غدا وأنا أزيل الشك إن شاء الله ، فأخرجه المعتمد من السجن وطلب منه أن يطلق سراح أصحابه من السجن، فاستجاب له وأخرجهم. وفي اليوم الثاني خرج الناس للاستسقاء ، فرفع الراهب يده إلى السماء فغيمت ومطرت، فأمر الإمام(ع) بإلقاء القبض على يده وأخذ ما فيها، فإذا فيها عظم آدمي فأخذ منها، وأمره بالاستسقاء فرفع يده إلى السماء فزال ما فيها من غيم، وطلعت الشمس فعجب الناس من ذلك وبادر المعتمد قائلا: ما هذا يا أبا محمد.
هذا عظم نبي ظفر به هذا الراهب من بعض القبور ، وما كشف عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر.
هذه المواقف والخدمات الجليلة التي قدمها الإمام(ع) للإسلام والمسلمين فرضت نفسها حتى على الأعداء والخصوم، فحتى الذين ناصبوه العداوة والبغضاء والكره لم يستطيعوا أن ينفوا فضله ومكانته بين القلوب، فها هو أحقد الناس عليه وأشدهم انحرافا الوزير عبيد الله بن يحي بن خاقان يقول في حق الإمام: "ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا من هديه وسكونه وعفافه ونبله وكبرته عند أهل بيته وبني هاشم كافة وتقديمهم على ذوي السن منهم والخطر".
والملاحظ من كلام هذا الوزير مدى احترامه للإمام ، فقد زاره الإمام مرة وقابله في مجلس قصير لكي يفهم منهم أن وقوفه إلى جنب الوزير في انتقاده للظلم والانحراف الذي يمارسه الجهاز الحاكم إنما يقفه لتأييد كل حق أينما وجد لأن المسألة عنده مسألة أمة ورسالة وهي تسمو على العدوات الشخصية والاختلافات وربما أراد كذلك أن يوهمهم بعدم الخروج على سياستهم أو الاحتجاج ضدهم، وربما كانت سببا تدفع الحاكم للتخفيف عن أصحابه من الضغط والمطاردة التي يلقونها من الدولة والحكام.
وقد أراد الإمام أن يلتقي بالوزير في محل عام، وفي أثناء الجلوس مع الوزير جاء حاجب الوزير يخبره بأن أبا محمد بن الرضا بالباب فيأخذ هذا الخبر اهتماما في نفس الوزير فقال ولده أحمد: فتعجبت مما سمعت منهم ومن جسارتهم أن يكنوا بحضرة أبي ولم يكنى عنده إلا خليفة أو ولي عهد يقول: فدخل رجل حسن القامة جميل الوجه جيد البدن حديث السن له جلالة وهيئة حسنة قال أحمد: فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى فعانقه وقبل وجهه وصدره وأجلسه على مصلاه ، وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه وجعل يكلمه ويفديه بنفسه.
وقد بقي أحمد بن عبيد الله متحيرا في أمر أبيه وأمر الإمام حتى استأذن أباه وقال:" يا أبه ، من الرجل الذي رأيتك بالغداة ، فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتبجيل.
فقال يا بني ذاك إمام الرافضة الحسن بن علي ثم سكت وأنا ساكت. ثم قال: يا بني لو زالت الإمامة عن خلفائنا بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره لفضله وعفافه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه".
ولسنا نريد من خلال هذه الشهادة أن ندخل في تقييم الإمام لمجرد أن هذا الرجل شهد له، فالإمام يتميز بموقع إمامته بالدرجة الرفيعة عند الله وبالمحل الكبير في الواقع الإسلامي كله، لكننا نريد أن نأخذ من هذه الشهادة الدلالة على أن الإمام قد استطاع أن يدخل في مجتمعه علما وفضلا وحركة ومنهجا وزهدا وعبادة.
* دور الأمام العسكري(ع) في التمهيد أبنه المهدي:
من المفاصل المهمة في مهام الإمام العسكري كيفية التمهيد لغيبة أبنه المهدي. فالإمام العسكري حينما يعلم بكل وضوح تعلق الإرادة الإلهية بغيبة ولده من أجل إقامة دولة الله على الأرض وتطبيقها على الإنسانية جمعاء والأخذ بيد المستضعفين يعرف أن عليه مسؤولية التمهيد لغيبة ولده وذلك لأن البشر اعتادوا الإدراك والمعرفة الحسية ، ومن الصعب على هذا الإنسان المعتاد على المعرفة الحسية أن يتجاوز إلى تفكير أوسع.
ولم يكن مجتمع الإمام الذي عاصر بواقعة المنحرف وسقوط مستواه الفكري والروحي أن يسمو إلى عمق هذا الإيمان خاصة وأن غيبة الإمام حادث لا مثيل له في التاريخ. والأمر الأصعب الذي تحمله مسؤولية الإمام العسكري بصفته ولداً للمهدي (عج) هو إقناع الناس بفكرة حلول زمان الغيبة وتنفيذها في شخص ولده المهدي، وهو أمر أصعب بالنسبة إلى الفرد العادي إذ أنه سوف يفاجأ ويصدم بإيمانه بفكرة الغيبة، فإن هناك فرقا كبيرا في منطق إيمان الفرد العادي بشكل مؤجل لا يكاد يحس الفرد بأثره في الحياة وبين الإيمان بالغيب مع الاعتقاد بتنفيذه في زمان معاصر ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الافتراض التوضيحي التالي:
إذا أخبرنا شخص لا تشك بصدقه بقرب حدوث قيام الساعة أو قرب حدوث أجلنا فإن مثل هذا الخبر سوف يولد لنا صدقه للإيمان بها، لأن الإيمان بحدوثها يحتاج إلى قوة مضاعفة من الإيمان والإدارة وإن نحشد كل قوانا الإيمانية والروحية كي نتوصل معها للإيمان بهذا الأمر الغيبي.
من هنا، نحس بكل وضوح دقة التخطيط الملقاة على كاهل الإمام العسكري وحرج موقفه وهو يدعو لفكرة ولده المهدي. وقد اتجه نشاط الإمام العسكري في تحقيق هذا الهدف إلى عملين ممهدين.
الأول : حجب المهدي (عج) عن أعين الناس مع إظهاره لبعض خاصته فقط.
الثاني: شن حملة توعية لفكرة الغيبة وإفهام الناس بضرورة تحملهم لمسؤولياتهم الإسلامية تجاهها. لذلك نرى الإمام يتوجه بالخطاب إلى المؤمنين مختلفة.
أ- بيان عام: كالتعرض إلى صفات المهدي (عج) بعد ظهوره وقيامه في دولته العالمية كجوابه (ع) عن سؤال بعض أصحابه عن قيام المهدي قائلا: " فإذا قام بين الناس بعلمه كقضاء داود لا يسأل البينة ".
ب- توجيه نقد سياسي للأوضاع القائمة يقرنها بفكرة المهدي وضرورة تغييرها لها، فمن ذلك قوله: "إذا خرج القائم أمر بهدم المنابر والمقاصر في المساجد " وكانت تبنى هذه المقاصر لفرض الأمن من الاعتداء على الخليفة وزيادة الهيبة في نفوس الآخرين.
ج- توجيه عام لقواعده وأصحابه، يوضح لهم أبعاد فكره الغيبة وضرورة التكيف لها من الناحية النفسية والاجتماعية تمهيدا لما يعانونه من غيبة الإمام وانقطاعه عنهم، فمن ذلك كتب الإمام لأبن بأبويه يقول فيها: "عليك بالصبر ، وانتظار الفرج، قال النبي (ص) أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، لا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي (ص) يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن علي ، وأمر جميع شيعتي بالصبر فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ".
وقد اتخذ الإمام العسكري موقفا آخر يمهد فيه للغيبة عندما احتجب بنفسه عن الناس إلا عن خاصة أصحابه وأوكل مهمة تبلغ تعليماته وأحكامه بواسطة عدد من خاصته وذلك بأسلوب المكاتبات والتوقيعات ممهدا بذلك إلى نفس الأسلوب الذي سوف يسير عليها ابنه المهدي (عج) في غيبته الصغرى.
من هنا، كان أسلوب الإمام العسكري منهاجا خاصا في تهيئة ذهنيات الأمة وتوعيتها لكي تتقبل هذا الأسلوب وتستسيغه من دون استغراب ومضاعفات غير محمودة.
* معاناة الإمام العسكري من خلفاء عصره:
نذكر هذا الأمر لنعلم مدى المعاناة والقهر الذي عاشه الإمام العسكري مع شيعته وانعكاس هذا الأمر على مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية.
من الخلفاء الذين عاصرهم الإمام العسكري(ع):
- المتوكـــل:
تقلد المتوكل بن المعتصم الحكم في نفس السنة التي ولد فيها الإمام (ع) 232 هـ ، وحينما ولي المتوكل الملك، أصيب الناس بكارثة سماوية لم يعهدوها من قبل، فقد هبت ريح بالعراق شديدة السموم، أحرقت الزرع في الكوفة والبصرة وبغداد وقتلت المسافرين ودامت خمسين يوما وسرت إلى همدان والموصل وسنجار وأحرقت الزرع والمواشي ومنعت الناس من المعاش في الأسواق والمشي في الطرقات وأهلكت خلقا عظيما.
ومن أهم صفات المتوكل أنه كان ميالا لحياة اللهو والهزل حتى ذكر المؤرخون أنه لم يكن أحد ممن سلف من خلفاء العباس ظهر في مجلسه اللعب والمضاحك والهزل. وكان منهمكا في اللذات وشرب الخمر والعبث مع الجواري وكان متجاهراً بالمعاصي ، فقد كان يلعب بالنرد مع وزيره الفتح بن خاقان فاستؤذن للقاضي أحمد بن داود فأراد الفتح رفع النرد، فمنعه المتوكل وقال له: " أجاهر الله بشيء وأستره عن عباده!" وشاع استهتاره بالمعاصي بين الناس، فقد طلب من زوجته ريطة بنت العنبس أن تسفر وتضفر شعرها مثل الغلمان فأبت، فطلقها ، وتحدث الناس بذلك ، فلم يحفل به ولم يعتن بأي نقد يوجه إليه.
ومن صفات المتوكل الأساسية عداوته للعلويين، فكان شديد العداوة لعتره رسول الله (ص) وذريته فقد جهد في ظلمهم وإرهاقهم، وقد عانوا في عهده ضرورباً قاسية من الجور والظلم لم يعهدوها من خليفة سابق ففرض عليهم الحصار الاقتصادي ، وبلغ بهم الحال من الفقر والبؤس أن القميص يكون بين جماعة من العلويات تصلي فيه واحدة بعد واحدة بعد واحدة وكن يرقعنه، بينما كان جواري وغواني المتوكل يعشن عيشه الملوك. وإترعت نفس المتوكل بالحقد والبغض للإمام أمير المؤمنين، فجاهر ببعضه والاستهانة به.
فقد اتخذ مخنثا من حاشيته ليشبه نفسه بأمير المؤمنين ليستهزئ به، فأثار هذا العمل حفيظة ولده المنتصر، وكان هذا التصرف من جملة الأسباب التي أدت إلى مقتله فيما بعد.
وكان المتوكل يتحرق غيظا لما يسمعه من تهافت الناس على زيارة قبر الإمام الحسين(ع) وروى المتأخرون السبب في إقدامه على هدم القبر الشريف أن بعض المغنيات كان تبعث إليه بجواريها ليغنين له إذا شرب الخمر وذلك قبل أن يتقلد الملك والسلطان ، فلما صار ملكا بعث إليها لترسل له مغنية فأخبر أنها غائبة، فانتهى إليها الخبر فأسرعت راجعة إلى بغداد وبعثت إليه بعض جواريها التي كان يألفها فقال لها: " أين كنتم" فقالت: " إن مولاتي قد خرجت إلى الحج وأخرجتنا معها، وكان ذلك في شهر شعبان، فبهر المتوكل وراح يقول: إلى أين حججتم في شعبان ؟ فقالت: إلى قبر الحسين، فانتفخت أوداجه وورم أنفه وأمر باعتقال مولاة الجارية ومصادرة أموالها وأوعز إلى العمال بهدم القبر الشريف، فامتنع العمال المسلمون فأوعز إلى اليهود وعلى رأسهم الديزج ، فاستجابوا له وهدموا القبر، وأداروا الماء عليه ولكن الماء لم يصل إليها فصار يدور حول القبر ولذلك سمي بالحائر.
وإلى ذلك أشار أبن الرومي في قصيدة يتحدث عن هذا الأمر بقوله:
ولـم تقنعـوا حتـى استثـارت قبورهـم كلابكـم منهـا بهيـم وديـزج.
وانتهت حياة المتوكل على يد ابنه المعتصم حيث مزقته سيوف الأتراك هو والفتح بن الخاقان وزيره ولم يعرف لحمه من لحم وزيره وقد وافته وبطنه مليئة بالخمر. وقد كشفت القصيدة التي رثت المتوكل عن المستوى الكبير من الانحلال والتمرد على الأحكام الشرعية، فقد رثاه البحتري:
هكــذا فلتكــن منايــا الكــرام بيـن نـاي ومزهـر ومــدام
بيــن كأسيــن أو رثــاه جميعــا كـاس لذاتـه وكـاس الحمـام
لـم يـذل نفسـه رســول المنايــا بصنـوف الأوجـاع والاسقـام
- المنتصـــر:
تسلم المنتصر الحكم بعد أبيه وكان يميل إلى آل البيت وأول ما فعله أنه :
1- رد فدك إلى العلويين
2- رفع الحجر عن أوقاف العلويين وإرجاعها إليهم.
3- عزل والي المدينة الذي كان يسيء إلى العلويين وجعل مكانه واليا جديدا وقال له: إنما وليتك لتخلفني في بر آل أبي طالب وقضاء حوائجهم فقد نالتهم جفوة، وخذ هذا المال ففرقه فيهم ، وفي أهلك على أقدارهم ، وأصدر إعلانا يقضي بالسماح بزيارة قبر الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين(ع) بعد المنع الذي أصدره المتوكل.
ولم تطل حياة المنتصر فتآمر عليه الأتراك الذين كانت مقاليد السياسة بأيديهم إذ خافوا أن يقضي على نفوذهم.
- المستعيــن:
تسلم المستعين زمام الحكم لينفذ مآرب الذين اغتالوا المنتصر وكان معاندا للحق مسرفا يكن العداء للأئمة الأطهار.لقد كان المستعين أمام الأتراك كالميت بيد الغاسل لا حول ولا قوة ، لقد حقد المستعين كأشد ما يكون الحقد على الإمام العسكري لجملة أسباب منها:
- انتشار فضل الإمام(ع) وتحدث الأندية والمجالس عن سمو مكانته وعظيم منزلته والقول بإمامته والتدين بالولاء له في حين أنه مع سيطرته على الحكم لم يحظ بأي منزلة أو مكانة في نفوس المسلمين.
- كثرة الوشاية بالإمام من المتزلفين لأهل السلطة وأن الأموال تجبى إليه ليقوم بثورة على العباسيين.
- الخوف من ولده المنتظر الذين كانوا ينتظرون قدومه.
هذه العوامل أدت إلى اعتقال الإمام وإيداعه السجن وتعمد المستعين أن يضعه في سجن علي اوتامش الذي كان من أنصب الناس وأشدهم عداوة لآل بيت رسول الله، فأوكل بالإمام رجلين ليضيقا على الإمام، ولم يفلح هذا الأمر في التضييق على الأمام ، وحينما طالبوا مسؤول السجن عن هذا التقصير أجابهم: "وما أصنع وقد وكلت به رجلين من أشر من قدرت عليه فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم فقلت لهما ما فيه ؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله ، لا يتكلم ولا يتشاغل وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا ".
وقد عبر الشيعة عن قلقهم ورعبهم من اعتقال الإمام وأرسلوه بالسر واستطاع الإمام أن يهرب الجواب من سجنه وفيه: " إني نازلت الله – أي راجعته وطلبت منه- في هذا الطاغي- المستعين- وهو آخذه بعد ثلاث". فلما كان اليوم الثالث قدم الأتراك على خلعه وقتله فيما بعد.
- المعتــــز:
استلم الخلافة بعد المستعين المعتز، وهو في ريعان شبابه وغضارة العمر ولم تصقله التجارب ، ولم تكن له أية خبرة في الشؤون السياسية والإدارية ، وقد نصبه الأتراك جسرا يعبرون عليه لنيل أهدافهم، لكن ورث عن آبائه خبرة التنكيل والحقد والعداوة لآل بيت رسول الله(ص)، فقد عمد المعتز إلى اعتقال الإمام وأودعه السجن لما كان يسمعه من فضله والقول بإمامته وأسرف في ظلمه والاعتداء عليه فتضرع الإمام(ع) إلى الله ودعاه بإخلاص أن ينقذه من شروره وبعث إلى شيعته : "بعد ثلاثة يأتيكم الفرج".
وفعلا بعد ثلاثة خلع الأتراك المعتز بعد عذبوه عذابا شديدا مارسوا فيه أشد أنواع التنكيل حتى قضى تحت التعذيب.
- المهتــدي:
تسلم المهتدي الخلافة وارثا بذلك النصب والعداوة لآل البيت فأوعز من جديد إلى جلاوزته باعتقال الإمام، وقد عزم على قتله، كما وعزم على إبادة شيعة أهل البيت فكتب له الأنصار إلى داخل السجن أن المهتدي بتهدد شيعتك ويقول : " والله لأجلينهم عن جديد الأرض". فوقع الإمام "إن ذلك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام فإنه يقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف وذل يلحقه"
وفعلا ، نقم الأتراك على المهتدي وثاروا عليه وهجموا عليه بالخناجر، فكان أن جرحه أحدهم في أوداجه فالتقم الجرح والدم يفور منه، وأقبل يمص الدم حتى روى منه وكان التركي سكرانا…
وأخيرا أفضت الخلافة إلى المعتمد العباسي وكان مما يقول فيه المؤرخون أنه كان ميالا إلى اللهو واللذات، وانشغل عن الرعية إلى العزف والغناء واقتراف المحرمات. وفي عهده توفي الإمام العسكري بعد معاناة وقهر حيث ظل الإمام يعاني صنوفا مرهقة من الخطوب والتنكيل من المعتمد العباسي فقد أحاطه بقوى مكثفة من الأمن وهي تحصي عليه أنفاسه وتطارد كل من يريد الاتصال به من الفقهاء والعلماء من الشيعة، وبقي تحت المراقبة الشديدة حتى اغتاله الطاغية المعتمد بالسم.
* من وصاياه(ع) :
- من وصية له(ع) لشيعته: "أوصيكم بتقوى الله والورع في دينكم والاجتهاد لله، وصدق الحديث وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر ، وطول السجود ، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد (ص).
- صلوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل هذا شيعي فيسرني ذلك.
- اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا ، جروا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك، لنا حق في كتاب اله وقرابة من رسول الله وتطهيرا من الله، لا يدعيه غيرنا إلا كذاب، اكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي (ص) فإن الصلاة على رسول الله عشر حسنات، احفظوا ما أوصيتكم به واستودعكم الله واقرأ عليكم السلام".
- ومن وصية له(ع): أنكم في آجال منقوصة وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة ، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، لكل زارع ما زرع، لا يسبق بطيء بحظه ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من أعطى خيرا فالله أعطاه ، ومن وقي شرا فالله وقاه.
- ومن وصية له (ع) لوالد الشيخ الصدوق: أوصيك بتقوى الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإنه لا يقبل الصلاة من مانع الزكاة، وأوصيك بمغفرة الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم ومواساة الإخوان والسعي في حوائجهم في العسر واليسر والحلم عند الجهل والتفقه في الدين، والتثبت في الأمور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الله تعالى: " لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" واجتناب الفواحش كلها، وعليك بصلاة الليل فإن النبي (ص) أوصى عليا(ع) فقال : يا علي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل ، عليك بصلاة الليل، ومن استخف بصلاة الليل فليس منا فأعمل بوصيتي، وأمر شيعتي بما أمرتك به حتى يعلموا عليه، وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبي (ص) قال: أفضل أعال أمتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي (ص) وأنه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا فأصبر يا شيخي ومعتمدي أبا الحسن، وأمر جميع شيعتي بالصبر فإن الأرض لله يورثها من عباده والعاقبة للمتقين والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
* من حكمه:
- من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله وملائكته يصلون عليه حتى يقوم.
- ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله.
- خير من الحياة ما إذا فقدته الحياة بغضت الحياة، وشر من الموت ما إذا نزل بك أحببت الموت.
- من الفواقر التي تعصم الظهر جار إن رأى حسنة أخفاها وإن رأى سيئة أفشاها.
- بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا ، إن أعطى حسده وإن ابتلى خذله.
- أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام على الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام ، أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب.
- جرأة الولد على والده في صغره تدعو إلى العقوق في كبره.
- من وعظ أخاه سرا فقد زانه ومن وعظه علانية فقد شانه.
- جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب.
- إن للجود مقدارا فإذا زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقدارا فإذا زاد عليه فهو جبن, وللاقتصاد مقدارا فإذا زاد عليه فهو بخل ،وللشجاعة مقدارا فإذا زاد عليه فهو تهور
- كفاك أدبا لنفسك تجنبه ما تكره من غيرك.
- لا يشغلك رزق مضمون من عمل مفروض.
- ما من بلية إلا ولله فيها حكمة تحيط بها.
- لا تمار فيذهب بهاؤك ولا تمازح فيجترئ عليك.
|