* مقدمة:
هو الإمام الثامن من أئمة المسلمين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
ارتبط اسمه بولاية العهد التي فرضها المأمون العباسي، حتى صارت هذه الحادثة أهم فصل في حياة الإمام الرضا(ع) مع ما طرح من اشكالات والتباس حتى اتهم الإمام(ع) باتهامات باطلة كان الأثر السلبي على بعض الناس، خاصة وأن المأمون قد استفاد من هذا الحدث الاستفادة القصوى.
ولتوضيح هذا الحدث الخطير ، لا بد من الرجوع إلى الوراء قليلاً للوقوف على الأسباب التي أدت إلى قيام الخلافة العباسية باعتبار ارتباط حدث الولاية بحدث قيام الخلافة ارتباطا وثيقا لا يمكن التفكيك بينهما، بالإضافة إلى دراسة شخصية المأمون.
* ظروف قيام الدولة العباسية:
بعد أن أمعن الأمويون في الانحراف عن الخط الإسلامي القويم، وأصبح واضحا لكل أحد أن هدفهم ليس إلا الحكم والسيطرة والتحكم بمقدرات الأمة ، وبعد أن لجوا في عدائهم لأهل البيت(ع) وبلغوا الغاية فيهم قتلا وتشريدا، وأكبر شاهد على هذا ، واقعة كربلاء الفجيعة, بعد هذا كله، وبفضل جهاد أهل البيت(ع) المتواصل في سبيل توعية الأمة وتعريفها بأحقيتهم وبحقيقة واقع تلك الطغمة الحاكمة ، كان من الطبيعي أن ينمو تعاطف الناس معهم، ولهذا نجد أن الثورات والفتن ضد الحكم الأموي كانت تظهر في كل جانب ومكان طيلة فترة حكمهم حتى أنهكت قواهم وأضعفتهم إلى حد كبير ، حتى لم يعد باستطاعتهم ضبط البلاد ولا السيطرة على العباد.
في هذه الظروف الملائمة انبرى العباسيون للقيام بثورات على الأمويين معتمدين في ذلك على عدة أساليب وخطوط.
أولا: كانوا يصورون أنفسهم على أنهم ما جاؤوا إلا لينقذوا الأمة من شرور بني أمية وظلمهم وتعسفهم.
ثانياً: أنهم لم يعتمدوا كثيرا على العرب الذين كانوا يعانون من الانقسامات الداخلية الحادة, وإنما استعانوا بغير العرب الذين كانوا في عهد بني أمية محتقرين ومنبوذين ومضطهدين ومحرومين من أبسط الحقوق المشروعة, حتى لقد أمر الحجاج أن لا يؤم في الكوفة إلا عربي. وكان اعتماد العباسيين على هؤلاء له الأثر الكبير في نصرهم باعتبار أنهم كانوا يمثلون القوة العظمى.
ثالثا: وهو الأبرز ، ربط العباسيون ثورتهم ودعوتهم بأهل البيت(ع) ورفعوا شعار الرضا من آل البيت(ع) . وكان لا بد للعباسيين من ربط الثورة والدعوة بآل البيت حيث أنهم كانوا بحاجة إلى :
أ- صرف أنظار الحكام عنهم.
ب- كسب ثقة الناس بهم والحصول على تأييدهم.
ج- أن لا تقابل دعوتهم بالاستغراب حيث أنهم لم يكونوا معروفين بأقطار الدولة الإسلامية.
د- وهو أهم ما في الأمر، أن يطمئن إليهم العلويون ويثقوا بهم حتى لا تكون لهم دعوة في مقابل دعوتهم ، لأن ذلك بلا شك سوف يضعفهم ويوهن موقفهم ويضعف قوتهم لما يتمتع به العلويون من نفوذ ومكانة في نفوس الناس بشكل عام.وعليه، فإن كون دعوة العباسيين في بادىء الأمر باسم العلويين لم يكن أمراً عفوياً وإنما كان من ضمن خطة دقيقة ومدروسة من أجل الوصول إلى هدفهم مع علمهم اليقيني بأنهم ليسوا هم أهل الحق وإنما الحق هو للعلويين. من هنا، فإن من الطبيعي أن يكون الخطر الحقيقي الذي يتهدد العباسيين وخلافتهم هو من جهة أبناء عمهم العلويين الذين كانوا أقوى منهم حجة وأقرب إلى النبي (ص) ، لذلك عمد الخلفاء العباسيون منذ الخليفة الأول إلى أخرهم إلى اتخاذ أهل البيت(ع) أعداء لهم ووضعوهم تحت مراقبتهم الشديدة.
* من هو المأمون:
هو سابع خلفاء بني العباس، أبوه هارون الرشيد وأمه كانت أشوه جارية في مطبخ الرشيد، وقد أتى المأمون إلى هذا الوجود بلعبة شطرنج، حيث ينقل التاريخ أن زوجة هارون زبيدة لاعبت الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا، فغلبته، فحكمت عليه أن يطأ أقذر وأشوه جارية في المطبخ، فبذل لها خراج مصر والعراق لتعفيه من ذلك فلم تقبل، فلم تجد جارية تجمع الصفات المذكورة غير "مراجل" فجاء المأمون ثمرة هذه اللعبة، غير أن أمه ماتت وهي في نفاسها.
ومن الطبيعي أن لا يكون المأمون له الخطورة في العصر العباسي كما هو الحال بالنسبة إلى أخيه الأمين لأنه أبن زبيدة.
كانت حياة المأمون حياة جد ونشاط وتقشف، على العكس من أخيه الأمين الذي نشأ في كنف زبيدة فقد كانت حياته حياة ترف ولهو ويميل إلى اللعب والبطالة.
ولعل سر ذلك يعود إلى أن المأمون لم يكن كأخيه يشعر بأصالة نسبه ، ولا كان مطمئنا إلى مستقبله وإلى رضا العباسيين له، بل كان يقطع بعدم رضاهم به خليفة وحاكما لهذا وجد أنه ليس لديه أي رصيد يعتمد عليه سوى نفسه، فشمر عن ساعد الجد وبدأ يخطط منذ اللحظة الأولى التي أدرك فيها واقعه.
وعلى كل حال ، فإن المأمون كان قد برع في العلوم والفنون حتى فاق أقرانه، بل فاق جميع خلفاء بني العباس، وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين(ع) أنه قال: وهو يصف خلفاء بني العباس " سابعهم أعلمهم".
وعلى الرغم بحسب موازين الحكام أن الأجدر في خلافة هارون الرشيد هو المأمون ، ولكن العباسيين لم يرضوا به خليفة وحاكما، لأنه كان بكل بساطة أبن مراجل، والأمين أبن زبيدة الذي تربى على أخ الرشيد من الرضاعة بينما تربى المأمون على يد جعفر بن يحي البرمكي الذي لم يكن يرتاح له العباسيون ، وانصاع الرشيد لرغبات العباسيين وزوجته فجعل الأمين هو الخليفة ولي العهد من بعده رغم ميله إلى المأمون ولكنه حاول أن يضمن له نصيبه من الخلافة فجعله ولي العهد بعد أخيه الأمين وكتب بذلك العهود والمواثيق وعلقها في جوف الكعبة. وبذلك أسس الرشيد العداوة بين الأخوين .
بدأ الصراع بين الأخوين، خاصة وأن الأمين صرح بعزمه على خيانة العهد مع أخيه، والمأمون مع فطنته كان يدرك هذه الأخطار، فبدأ يدرس خياراته فتوصل إلى أن العرب لا يرضون به خليفة وحاكما، كما أن العلويين لا يرضون به فتوجهت أنظاره إلى خراسان ، حيث أثمرت وعود المأمون للخراسانيين وتحببه لهم وتقربه منهم وتظاهره بالحب لعلي (ع) وذريته، لأن الخراسانيين كانوا يريدون التخلص من أولئك الحكام الذين انقلبوا عليهم يقتلون ويضطهدون كل من عرفوه مواليا لأهل البيت(ع) .
وهكذا يتضح أن ميل المأمون للإيرانيين ما كان إلا دهاء منه وسياسة استغلها المأمون أحسن ما يكون الاستغلال حتى استطاع أن يصل إلى الحكم ويتربع على عرش الخلافة بعد أن قتل أخاه . ثم، إذا أخذنا بالحسبان الثورات العلوية التي كانت تقوم في أرجاء الخلافة نعرف كم كان وضع المأمون حرجا، وكان لتأييد الناس لهم واستجابتهم السريعة لدعوتهم دلالة واضحة على شعور الأمة بمختلف طبقاتها وفئاتها تجاه العباسيين، ولذلك لم يكن ليصعب على المأمون أن يدرك أن الكثير من المشاكل التي يعاني منها إنما كان نتيجة السياسات الرعناء التي أنتجها أسلافه مع الناس عامة ومع العلويين خاصة، وأن يدرك أن الاستمرار في تلك السياسة أو حتى مجرد الإهمال والتواني في معالجة الوضع سوف يكون من أبسط نتائجه أن تلقى خلافة العباسيين على أيدي العلويين نفس المصير الذي لقيته خلافة الأمويين على أيدي أسلافه من قبل، لذلك كان لا بد للمأمون من التحرك والعمل بسرعة شرط أن لا يزيد الفتق اتساعا والطين بله وأن يستعمل كل ما لديه من حنكة ودهاء في سبيل إنقاذ نفسه ونظام حكمه وخلافة العباسيين بشكل عام. وكان المأمون يدرك أن إنقاذ الموقف يتوقف على:
1- إخماد ثورات العلويين الذين كانوا يتمتعون بالاحترام والتقدير، ولهم نفوذ واسع في جميع الفئات والطبقات.
2- أن يحصل من العلويين على اعتراف بشرعية خلافة العباسيين فيفقدهم بذلك سلاحا قويا.
3- يأمن الخطر الذي يتهدده من الإمام الرضا(ع) .
لذلك كانت خطوته الكبيرة التي تنم عن ذكاء كبير ألا وهي أخذ البيعة لولاية العهد للإمام الرضا(ع) ، هذه الخطوة التي من الطبيعي أن تثير حفيظة العباسيين الذين ناصبوا العداء للمأمون ويزيد من حنقهم وغضبهم.ولكن دهشتهم وغضبهم لا قيمة لهما عند المأمون في جانب ذهاب الخلافة عنهم بالكلية وسفك دمائهم وقد أوضح لهم ذلك في رسالة منه إليهم حيث قال: " وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى الرضا(ع) بعد استحقاق منه لها في نفسه، فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم والزائد عنكم باستدامة المودة بيننا وبينهم".
والذي يدقق في الأمور يحكم ببساطة أن المأمون لم يقدم على اختيار الإمام وليا للعهد إلا وهو على ثقة من استمرار الخلافة في بني أبيه حيث كان الإمام الرضا(ع) يكبره بـ 22 سنة. وعليه فجعل ولاية العهد لرجل بينه وبين الخليفة الفعلي هذا فارق كبير بالسن لم يشكل خطرا على الخلافة إذ لم يكن المعروف ولا المألوف أن يعيش ولي العهد وهو بهذه السن المتقدمة لو فرض سلامته من الدسائس والمؤامرات إلى ما بعد الخليفة الفعلي
ولأن المأمون العباسي لم يكن مأمونا على أفعاله وهو الذي قتل أخاه من أجل السلطة فإنه أراد أن يثبت صدقه وإخلاصه فيما أقدم عليه وأن الناس بصفاء نيته أقدم على عدة أعمال مهمة:
1- نزع السواد وهو شعار العباسيين ولبس الخضرة شعار العلويين وكان يقول: أنه لباس أهل الجنة.
2- ضرب النقود باسم الإمام الرضا(ع) .
3- أقدم على تزويج الإمام الرضا(ع) من ابنته رغم أنها بمنزلة حفيدة الإمام(ع) .
* أهداف المأمون من البيعة:
- الهدف الأول: أن يأمن الخطر الذي يتهدده من قبل تلك الشخصية الفذة فيجعله تحت المراقبة الدقيقة والواعية من قرب وليمهد الطريق فيما بعد إلى القضاء عليه بأساليبه الخاصة بعد ما يكون قد استنفذ غرضه.
- الهدف الثاني: أن يجعل الإمام قريبا منه ليتمكن من عزله عن الحياة الاجتماعية وإبعاده عن الناس وإبعاد الناس عنه حتى لا يؤثر عليهم بما يمتلكه من قوة الشخصية فيقطع بذلك آمالهم ويشتت شملهم ويمنع الإمام من إصدار أوامره لهم، وهذا ما نلاحظه من خلال تنصيب هشام أبن إبراهيم الراشدي الذي كان يتعمد أن لا يدخل على الإمام الرضا(ع) إلا من أحب هو، وضيق على الرضا(ع) فكان من يقصده من مواليه لا يصل إليه، وكان لا يتكلم الرضا(ع) في داره بشيء إلا أورده هشام على المأمون.
- الهدف الثالث: أن يضعف الإمام الرضا(ع) في عيون أتباعه بقبول ولاية العهد ، لأن المأمون كان يقدر أن مجرد جعل ولاية العهد للإمام سوف يكون كافيا لتحطيمه اجتماعيا وإسقاطه نهائيا في أعين الناس حيث يظهر لهم بالعمل لا بالقول أن الإمام رجل دنيا فقط، وأن تظاهره بالزهد والتقوى ما هو إلا طلاء زائف لا واقع له، ولسوف تكون النتيجة هي تشويه سمعة الإمام وزعزعة ثقة الناس به، وذلك بسبب الفارق الكبير بالسن بين الخليفة الفعلي وبين ولي عهده ولسوف يتسبب بوضع علامات استفهام كبيرة حوله.
- الهدف الرابع: أن يظهر نفسه أنه يريد مصلحة المسلمين ومصلحة الإسلام بدليل أنه عندما رأى أن خير الأمة إنما هو في إخراج الخلافة من بني العباس كلية سارع إلى ذلك بكل رضى نفس وطيب خاطر، وبالتالي يظهر للناس أن مصلحة الأمة كانت بقتل أخيه لأنه كان عقبة في وجه خير الأمة.
- الهدف الخامس: إخماد ثورات العلويين في جميع الولايات والأقطار، ولعله لم تقم ثورة علوية ضد المأمون بعد البيعة للرضا(ع) سوى في اليمن، وكان سببها فقط ظلم الولاة وجورهم ولم يكن اعتراضهم على أصل الخليفة.
- الهدف السادس: وهو هدف مهم جدا، أنه كان يسعى من خلال البيعة للرضا(ع) الاعتراف من العلويين وعلى أعلى المستوى بشرعية الخلافة العباسية ، ولقد صرح المأمون بأن ذلك كان في جملة أهدافه حيث قال: " فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا " وهذا النص يظهر أن المأمون أراد أن يفهم الناس أن إقرار الإمام بالخلافة للمأمون معناه أن الخلافة ليست له دون غيره ولا في العلويين دون غيره وأنه كما يمكن أن يكون الإمام جديرا للخلافة فكذلك بكون هو جديرا لها، وبالتالي فإنه لا مجال للثورة من العلويين فيما بعد إدعاء بأن الخلافة ليست للعباسيين.
- الهدف السابع: يحصل المأمون على اعتراف ضمني من الإمام بشرعية تصرفاته طيلة فترة ولاية العهد وتكون النتيجة أن الحاكم هذا هو سلوكه، وهذه هي تصرفاته، كائنا من كان ، وعليه فلا يحق لهم بعد موت الرضا(ع) أن يعترضوا على تصرفات الحكام لأن الإمام(ع) يكون قد أمضى تصرفات الهيئة الحاكمة.
* عرض الولاية على الإمام وموقفه منها:
تحدثنا كتب التاريخ أن المأمون كان قد عرض الخلافة على الإمام أولاً، ولكن الإمام الرضا(ع) كان يدري بما يخطط له المأمون، فرفض قبولها أشد الرفض.
قال المأمون للإمام(ع): "… يا أبن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك وأراك أحق بالخلافة مني " فقال الإمام(ع) "… بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله".
قال المأمون " فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك " فقال الإمام(ع) " إن كانت هذه الخلافة لك ، فلا يجوز أن تخلع لباسا البسكه الله وتجعله لغيرك ، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك " قال المأمون " لا بد لك من قبول الأمر" فقال الإمام(ع) " لست أفعل ذلك طائعا أبدا.
واستمرت الضغوطات على الإمام من أجل قبول ولاية العهد حتى وصل الأمر بهم إلى التهديد بالقتل مباشرة حيث ورد أن المأمون قال له: "يا أبن رسول الله إنما تريد بذلك التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس : أنك زاهد في الدنيا".
فقال الرضا(ع) : " والله ما كذبت منذ خلقني ربي عز وجل وما زهدت في الدنيا للدنيا وأني لأعلم ما تريد " فقال المأمون: ما أريد ؟ قال : الأمان على الصدق ؟ قال : لك الأمان. قال: تريد بذلك أن يقول الناس أن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا ، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة ". فغضب المأمون وقال له: إنك تتلقاني أبدا بما أكرهه وقد آمنت سطوتي فبالله أقسم: لئن قبلت ولاية العهد وألا أجبرك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك ". وقال الإمام(ع) لبعض أصحابه عن سر قبوله لولاية العهد" … قد علم الله كراهيتي لذلك ، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل ، اخترت القبول على القتل ، ويحهم ، إلى أن قال: " ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إجبار وإكراه بعد الإشراف على الهلاك ".
*** ولكن يبقى السؤال:
هل كان المأمون جادا فيعرضه الخلافة على الإمام ؟ ويتفرع على الإجابة على هذا السؤال سؤال آخر : ما هو موقف المأمون لو أن الإمام قبل أن يتقلد الخلافة ويضطلع بشؤونها ؟.
أما عن السؤال الأول، فإن جميع الشواهد والدلائل تدل على أنه لم يكن جادا في عرضه للخلافة وهو الذي قتل أخاه ووزراءه من أجل السلطة لأن المأمون قد وقع في ارتباك كبير، وهو يعلل سبب طلبه تسليم الخلافة فتارة يعلل بأنه نذر أن يوليه الخلافة لو ظفر بأخيه الأمين، فإذا كان كلامه صادقا فكيف جاز له الاكتفاء بتوليه للعهد .
ثم، كيف استطاع أن يجبره على قبول ولاية العهد ولم يستطع إجباره على قبول الخلافة. أيضاً ، لو كان غرضه فعلا توليته الخلافة، لماذا حينما أحضره من مدينة رسول الله إلى مرو أمر عامله أن لا يمر به عن طريق الكوفة وقم حتى لا يفتن به الناس.
وأيضاً ، هل يتفق ذلك مع إرجاعه للإمام عن صلاة العيد مرتين لمجرد أن جاءه من ينذره بأن الخلافة سوف تكون في خطر لو أن الإمام وصل إلى المصلى. بل كيف يمكن أن نوفق بين تهديداته بالقتل وجدية عرضه للخلافة وبين قوله: أنه لم يقصد إلا أن يوليه العهد ليكون دعاء الإمام له وليعتقد فيه المفتونون به.
وأما بالنسبة للإجابة عن سؤال ما هو موقف المأمون لو فعلا قبل الإمام ؟
من الطبيعي أن المأمون وهو المعروف عنه بكياسته وذكائه كان يعلم بأن الإمام يرفض رفضا قاطعا القبول بذلك خصوصا في تلك الظروف من دون إعداد مسبق لها وتعبئة شاملة لجميع القوى وفي مختلف الشؤون ولسوف يكون قبوله لها بدون ذلك عملا انتحاريا لا مبرر له ولا منطق يساعده. الإمام كان يعلم بصفته القائد الحقيقي للأمة أنه لو حكم فلا بد أن يقيم دولة الحق والعدل ويحمل الناس على المحجة ، وحكمه هذا سوف يكون مرفوضا، لأن الناس وإن كانوا عاطفيا مع أهل البيت(ع) إلا أنهم حيث لم يتربوا تربية إسلامية صحيحة وصالحة وبالتالي لو حكم الإمام فيهم بالعدل فلسوف لا ينقادون له بسهولة وعليه فالنتيجة سوف تكون أن الإمام وإن كان يمتلك القدرة على الإصلاح لكن الأمة لم تكن تتحمل هذا الإصلاح خصوصا وأن الحكام كانوا قد أدخلوا في أذهان الناس صورا خاطئة عن الحكم والحكام الذين يفترض فيهم أن يقودوا الأمة في مسيرها إلى مصيرها.
وقد يسأل إنسان: إنه كان على الإمام أن يقبل لما في ذلك مصلحة الأمة وخيرها. نقول : أن المأمون هو الذي كان يمتلك القدرة والسلطان، فإذا لم يكن حكم الإمام على وفق ما يشتهي وحسبما يريد فلن يصعب عليه تصفيته والتخلص منه، فتكون النتيجة أن الإمام سوف يكون بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يحاول تحمل المسؤولية الحقيقية بكل أبعادها وتبعاتها ويقدم على كل الإصلاحات الجذرية مما سوف يكون من نتائجه أن يعرض نفسه للهلاك حيث لا يستطيع الناس والمأمون وأشياعه تحمل ذلك ويكون له ولهم العذر في تصفيته. وإما أن لا يتحمل مسؤولية الحكم ولا يأخذ على عاتقه قيادة الأمة وإنما تكون مهمته فقط تنفيذ اراداة المأمون.. وواضح أن نتيجة ذلك سوف تكون أعظم خطرا على الإمام وعلى الأمة بأسرها.
من أجل ذلك كله فإننا نرى لماذا كان يرفض الإمام الرضا(ع) الخلافة أو ولاية العهد وهو الذي كان يفهم دواعي المأمون بعمق، وهو الذي تتلمذ على يد أبيه القائل له: "والله لو نازعتني أنت هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك عقيم".
ولقد عمل المأمون عمليا بهذه القاعدة لذلك نراه حينما لم يعد للأمين نجاة من براثن أخيه يتذكر هذه القاعدة فيقول "هيهات الملك عقيم لا رحم له". وفعلا طبق هذه القاعدة فقتل أخاه وأعطى الذي جاءه برأسه مليون درهم بعد أن سجد لله ونصب الرأس على خشبه ليلعنه الناس.
* خطة الإمام في إفشال مخططات المأمون:
عندما أراد المأمون أن ينفذ خطته في البيعة له بولاية العهد وعرف الرضا(ع) أن لا مناص له، كان من الطبيعي أن يعد(ع) العدة ويضع خطة لمواجهة خطط المأمون وإحباط أهدافه الشريرة والتي كان أهونها القضاء على سمعة الإمام وتحطيمه معنويا واجتماعيا.
ولقد كانت خطة الإمام(ع) هذه في منتهى الدقة والإحكام ، وقد نجحت ايما نجاح في إفشال المؤامرة وتضييع الكثير من أهدافها وجعل الأمور في صالح الإمام(ع) وفي ضرر المأمون، حتى لقد ضاع رشد المأمون وهو أفعى الدهاء والسياسة ولم يعد يدري ما يصنع وكيف يصنع.
- الموقف الأول: حينما أحضر المأمون العباسي الإمام الرضا(ع) من مدينة رسول الله (ص) إلى مرو في خراسان وأثناء وقوفهم في نيشابور أزدحم عشرات الألوف من المسلمين ليسلموا على الإمام، وضجت الجموع من أجل أن يكشف الإمام عن وجهه البهي، وفي ذلك المشهد أطلق الإمام كلمته الخالدة في التاريخ " كلمة لا إله إلا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي" ونلاحظ هنا الإمام(ع) في هذا الظرف لم يحدثهم عن مسألة فرعية ترتبط ببعض مجالات الحياة كالصوم والصلاة، ولم يلق عليهم موعظة تزهدهم في الدنيا وترغبهم في الآخرة ، كما أنه لم يحاول أن يستغل الموقف لأهدافه الشخصية أو السياسية كما جرت عليه عادة الآخرين في مثل هذا الموقف، وإنما كلم الناس باعتباره القائد الحقيقي الذي يفترض فيه أن يوجه الناس إلى أهم مسألة ترتبط بحياتهم ووجودهم ألا وهي مسألة التوحيد، التوحيد الذي ينجي الأمم من كل عناء وشقاء والذي إذا فقده الإنسان فإنه يفقد كل شيء في الحياة حتى نفسه.
وفي هذا الموقف بالذات ، نرى أن الإمام يتصرف تصرفا لفت النظر، حيث أنه عندما سارت به الناقة وفي حين كانت أنظار الناس كلهم وقلوبهم مشدودة إليها نراه يخرج رأسه من العمارية فيسترعي ذلك انتباه الناس الذين يكونوا يترقبون ذلك منه ثم يقول: "وأنا من شروطها". وبهذه الكلمة يكون قد ضيع على المأمون أعظم هدف كان يرمي إليه من استقدام الإمام(ع) إلى مرو ألا وهو الحصول على اعتراف بشرعية خلافته وخلافة العباسيين، فحينما قال " وأنا من شروطها" أي أنه هو بنفسه من شروط التوحيد لا من جهة أنه ولي الأمر من قبل المأمون وإنما لأن الله تعالى جعله من شروطها.
- الموقف الثاني: أنه كان لا يدع فرصة تمر إلا ويؤكد فيها على أن المأمون لم يجعل له إلا ما هو حق له وأنه لم يفعل شيئا سوى انه أرجع الحق إلى أهله بعد أن كانوا اغتصبوه منهم بل وإثبات أن خلافة المأمون ليست صحيحة ولا شرعية ، وهذا ما نستكشفه من جعل تنصيب الإمام(ع) وليا للعهد حيث ذكر المؤرخون أن الإمام(ع) رفع يده فتلقى بظهرها وجه نفسه، وبطنها وجوههم فقال له المأمون: أبسط يدك للبيعة، فقال له الإمام: إن رسول الله هكذا كان يبايع، فأمر المأمون الناس أن يعودوا للبيعة من جديد بعدما أعلمه الإمام(ع) بأن كل من بايعه قد بايعه على فسخ البيعة إلا الشاب الأخير وهاج الناس بسبب ذلك وعابوا على المأمون على عدم معرفته بالعقد الصحيح والكيفية الصحيحة للبيعة.
وقد أراد الإمام من خلال هذا الموقف أن يقول لناس أن بيعتهم للمأمون باطلة، فإذا كان الناس قد بايعوه بمثل هذه البيعة التي بايعتموني إياها، فكما أن هذه البيعة باطلة فكذلك بيعتهم له باطلة. وعليه فإنه ليس الخليفة.
- الموقف الثالث: وهو إبطال خلافة العباسيين بحسب منطقهم الذي كانوا كثيرا ما يدعون أحقيتهم بالخلافة لقرابتهم من رسول الله ، فأراد المأمون مرة أن ينتزع من الإمام(ع) اعترافا بأن العباسيين والعلويين سواء بالنسبة لقربهم من النبي (ص) وذلك من أجل أن يثبت بزعمه أن له ولبني أبيه حقا في الخلافة، فكانت النتيجة أن نجح الإمام(ع) في انتزاع اعتراف من المأمون بأن العلويين هم الأقرب وتكون النتيجة على حسب منطق المأمون أن العلويين هم الأحق بالخلافة والرياسة وأنه هو وآباؤه غاصبون معتدون.
يروي التاريخ لنا، أنه بينما كان المأمون والإمام الرضا(ع) يسيران إذ قال المأمون: "… يا أبا الحسن، إني فكرت في شيء فنتج لي الفكرالصواب فيه، فكرت في أمرنا وأمركم ونسبنا ونسبكم فوجدت الفضيلة فيه واحدة ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولاً على الهوى والعصبية، فقال له أبو الحسن الرضا(ع) : إن لهذا الكلام جوابا إن شئت ذكرته لك وإن شئت سكت. فقال له المأمون: إني لم أقله إلا لأعلم ما عندك فيه. قال له الرضا(ع) : أنشدك الله يا أمير المؤمنين لو أن الله تعالى بعث نبيه محمداً (ص) فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام يخطب إليك ابنتك كنت مزوجه إياها ؟.فقال : يا سبحان الله وهل أحد يرغب عن رسول الله (ص) ؟ فقال له الرضا(ع) : افتراه كان يحل له أن يخطب إلي ؟. قال : فسكت المأمون هنيئة ثم قال: " أنتم والله أمس برسول الله رحماً " وكانت هذه ضربة قاضية وقاصمة للمأمون لم يكن قد حسب لها أي حساب.
فبحسب منطق المأمون الذي كان يدعي الخلافة لهم من جهة القرابة برسول الله يكون الإمام(ع) قد انتزع منه اعترافا بأن العلويين هم أمس رحماً منهم وأولى منهم بالخلافة.
- الموقف الرابع: وهو الأهم، وإذا ما رجعنا إلى وثيقة العهد الذي عهد فيه المأمون بولاية العهد إلى الإمام الرضا(ع) نجد أن الإمام(ع) قد تدخل شخصيا بصياغة بنود العهد وقد حرص الإمام(ع) أن يفهم الأمة ومن ورائهم التاريخ أنه لم يكن راضيا بالمطلق لهذا العهد، بل أنه كان مجبرا عليه ، وهذا ما نفهمه من خلال بداية الوثيقة التي بدأ فيها الإمام كلامه الذي كتبه المأمون بخط يده بداية تختلف اختلافا كبيرا عن أي عهد من العهود التي يذكرها الخلفاء أو الولاة حيث تبدأ الوثيقة بقوله: " الحمد لله الفعال لما يشاء ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور".
فهو(ع) لم يذكر بعد قوله ولا راد لقضائه مثلا بما يناسب المقام ويتلاءم مع سباق الكلام من تمجيد الله والثناء عليه على أن ألهم أمير المؤمنين !! بل أنه قال: " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" لأن الإمام(ع) أراد أن يوجه أنظار الناس إلى أن الأمر ينطوي على خيانة مبيته وأن هناك صدورا تخفي غير ما تظهر.
ثم عندما ننتقل إلى فقرة أخرى من الوثيقة نراه يقول: " وصلاته على نبيه محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين" فإننا إذا لاحظنا أنه لم تجر العادة في الوثائق الرسمية في ذلك العهد بعطف الآل على محمد ثم توصيفهم بالطيبين الطاهرين نعرف أن هذا ليس إلا ضربة أخرى للخليفة المأمون حيث أنه يتضمن التأكيد على طهارة أصل الإمام وعلى أن الآل قد اختصوا بهذه المزية وليس لكل من سواهم حتى الخليفة المأمون مثل هذا الشرف ولا مثل هذه المزية.
وأيضاً عندما ننتقل إلى فقره أخرى جاء فيها: " أن أمير المؤمنين … عرف من حقنا ما جهله غيره … وأنه جعل إلي عهده وإلا مرة الكبرى أن بقيت بعده… ؟
فهو(ع) يريد أن يفهم الآخرين أن آباء المأمون قد ظلمونا حقنا وأن ما وصل إلى المأمون هو واصل عن طريق مغصوب باطل، وكل ما بني على باطل فهو باطل، ثم أن قوله " أن بقيت بعده" فيها من الإشارات ما تكفي أنه لن يبقى بعده ، للمكائد التي سوف يكيدها المأمون له وأنه لن يبقيه ليستلم الخلافة أصلاً.
- الموقف الخامس: أنه اشترط في قبوله لولاية العهد " أن لا يولي أحدا ولا يعزل أحدا ولا ينتقص رسما ولا يغير شيئا مما هو قائم ويكون في الأمر مشيرا من بعيد".
والواقع أن هذه الشروط قد أفشلت جميع مخططات المأمون لأنه كان يسعى من وجود الإمام معه أن يضفي الشرعية على أفعاله ، فعندما اتخذ موقفا سلبيا ورفض أن يقوم بأي عمل فإنه يكون قد حكم عليهم بأن نظام الحكم لا يصلح حتى للتعاون معهم فضلا عن أن يكون واحدا منهم ، وبمعنى آخر أن السلبية تعني الاتهام.
والأهم من ذلك كله أن شروطه(ع) كانت بمثابة الرفض القاطع لتحمل المسؤولية عن أي تصرف يصدر من الهيئة الحاكمة وليس للناس بعد هذا الرفض أن ينظروا إلى تصرفات وأعمال المأمون وحزبه على أنها تحظى برضا الإمام(ع) .
وإنطلاقا مما تقدم نرى أن الإمام(ع) يرفض ما كان يعرضه المأمون من كتابة بتوليه أو عزل أي إنسان ويرفض أيضاً أن يؤم الناس في الصلاة مرتين ، وفي كل مرة كان يرفض فيها الإمام مطالب المأمون نراه يحتج عليه بشروطه تلك، فلا يجد المأمون حيلة لما يريده وتضيع الفرصة من يده.
- الموقف السادس: أراد من خلاله الإمام الرضا(ع) أن يبطل مزاعم المأمون من أن الإنسان عندما يصل إلى السلطة فإنه يتغير وإن متطلبات السلطة تقتضي ذلك، وبالتالي فإنه أراد للإمام أن يقع في هذه التجربة حتى يضعف في نظر أتباعه ويحقق ما يريد.
وقد أعطى لنا الإمام الرضا(ع) في هذا المجال نموذجا رائعا لا يمكن أن يوصف بعمقه. فقد بعث المأمون له يسأله أن يصلي بالناس صلاة العيد ويخطب لتطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضله وتقر قلوبهم على هذه الدولة المباركة فرفض الإمام معتذرا بالشرط الذي كان قد اشترطه عليه فألح المأمون ولم يزل يلح حتى قال له الإمام: يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحب إلي وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله (ص) وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) . قال المأمون: أخرج كيف شئت. وأمر المأمون القواد والحجاب والناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن(ع) ، فلما طلعت الشمس قام الرضا(ع) فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء ثم أخذ عكازه وخرج وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة وخرج رافع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات فما تمالك القواد أنفسهم حتى شمروا وخلعوا أحذيتهم وطلع الرضا ووقف وقفة على الباب وقال الله أكبر الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام والحمد لله على ما ابلانا ، فتزعزعت مرو بالبكاء فقالها ثلاثا فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة وسمعوا تكبيره سقطوا كلهم عن الدواب إلى الأرض ورموا نجفافهم وصارت مرو ضجة واحدة ولم يتمالك الناس من البكاء والضجة ، فكان أبو الحسن يمشي ويقف في كل عشر خطوات وقفة يكبر الله أربع مرات.
هذه الصورة أرعبت زبانية المأمون فبعثوا إليه: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا(ع) المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا فالرأي أن تسأله أن يرجع. فبعث المأمون إلى الإمام الرضا(ع) أنه قد كلفه شططا وأنه ما كان يحب أن يتعبه، ويطلب منه أن يصلي بالناس من كان يصلي بهم. فرجع الإمام.
وكانت نتيجة خروج الإمام بهذا الموكب الإلهي أنه قد أفهم الناس جميعا أن أسلوبه وسلوكه وحتى مفاهيمه تختلف عن أساليب ومفاهيم وسلوك الآخرين، وأن خطه هو خط محمد ومنهاجه هو منهاج علي(ع) وليس هو خط المأمون وسواه من الحكام الذين اعتاد الناس عليهم وعلى تصرفاتهم وأعمالهم.
ولم يعد المأمون يستطيع أن يفهم الناس أن الحاكم من كان ومهما كان هذا هو سلوكه وهذه هي تصرفاته وإن كل شخصية مهما كانت وإن كانت من قبل أن تصل إلى الحكم تتخذ العدل والحرية وغير ذلك من الشعارات إلا أنها عندما تصل إلى الحكم فإنها لا يمكن إلا أن تكون قاسية ظالمة لأن هذا هو مقتضى الحكم، لم يعد المأمون يستطيع أن يقول ذلك لأن الواقع الخارجي اثبت عكس ذلك تماما.
* شذرات من حياة الإمام الرضا(ع):
- عبادته: عن الإمام الرضا(ع) أنه كان يقول " لو أني أردت أن أختمه ( القرآن ) في أقرب من ثلاث لختمت ولكن ما مررت بآية قط إلا فكرت وفي أي شيء نزلت" وكان قليل النوم بالليل كثير الصوم ولا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر وكان يقول: " إن ذلك يعدل صيام الدهر".
- حلمه: عندما حصلت ثورة محمد بن جعفر في المدينة بعث هارون الرشيد بقائده ويسمى الجلودي وأمره إن ظفر بمحمد أن يضرب عنقه، وأن يغير على دور آل أبي طالب وأن يسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلا ثوبا واحدا ، ففعل الجلودي ذلك، فلما وصل إلى دار الرضا(ع) وأصر على سلب النساء قال الرضا له: " أنا أسلبهن وأحلف أني لا أدع عليهن شيئا إلا أخذته، فلم يزل يطلب إليه ويحلف له حتى سكت، وفعل ذلك الرضا(ع) . فلما ولي الإمام الرضا(ع) العهد، وأدخل الجلودي على المأمون، قال الرضا(ع) : يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ. فقال المأمون: يا سيدي هذا الذي فعل ببنات محمد ما فعل من سلبهن ! فنظر الجلودي إلى الرضا(ع) وهو يكلم المأمون وهو يسأله أن يعفو عنه ويهبه له، فظن أنه يعين عليه لما كان الجلودي فعله، فقال يا أمير المؤمنين أسألك بالله وبخدمتي للرشيد أن لا تقبل قول هذا في. فقال المأمون يا أبا الحسن قد استعفى ونحن نبر قسمه ثم قال: لا والله لا أقبل قوله فيك، الحقوه بصاحبيه فقدم فضرب عنقه.
- دخل الرضا(ع) إلى الحمام فقال له بعض الناس: دلكني فجعل يدلكه، فعرفوه، فجعل الرجل يعتذر منه وهو يطيب قلبه ويدلكه.
- مناظراته: أمتاز عصر الإمام الرضا(ع) برواج سوق العلم وإفساح المجال إمام علماء الكلام من مختلف المذاهب والنحل لخوض المسائل العلمية في العقائد وغيرها. وكان الإمام(ع) هو المرجع للفلاسفة وغيرهم في مناظراتهم ، كما ان المأمون العباسي كان يجلب على الإمام(ع) كبار علماء الأديان ومتكلميهم أملا في أن يعجز الإمام في محاورة فيهبط في عين الجمهور ولكنه صلوات الله وسلامه عليه كان يقطع الجميع ويلزمهم الحجة حتى دهش علماء الأديان بعلمه وأحاطته بكتبهم المنزلة وأسلم بعضهم على يده بعدما ذكر لهم من الحجج والأدلة. وبالحقيقة، لو تصدى الباحث لجمع مناظراته(ع) الكتب كتابا في ذلك، ونحن نذكر في هذه القصاصات بعضا من هذه المناظرات.
* مناظره حول عصمة الأنبياء:
لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا(ع) أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئبين وسائر أهل المقالات ، فلم يقم أحد إلا وقد ألزمته الحجة، قام إليه علي بن محمد الجهم فقال له: يا أبن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء ؟ قال(ع) : فما تعمل في قوله عز وجل:
1- وعصى آدم ربه فغوى . 2- وقوله عز وجل: وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه. 3- وفي قوله عز وجل في يوسف: " ولقد همت به وهم بها. 4- وفي قوله عز وجل في داود : " فظن داود إنما فتناه. 5- وقوله تعالى في نبيه محمد (ص) : وتخفي في نفسك ما الله مبديه" .
فقال الرضا(ع) : ويحك يا علي : اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ، ولا تتأول كتاب الله برأيك ، فإن الله عز وجل قد قال: " ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم".
1- أما قوله عز وجل في آدم(ع): وعصى آدم ربه فغوى، فإن الله عز وجل خلق آدم حجة في أرضه وخليفته في بلاده ولم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض، وعصمته يجب أن تكون في الأرض ليتم مقادير أمر الله، فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عز وجل: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ".
2- وأما قوله عز وجل "وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه" وإنما الظن بمعنى استيقن أن الله عز وجل لن يضيق عليه رزقه، ألا تسمع قول الله عز وجل " وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه" أي ضيق عليه رزقه، ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.
3- وأما قوله عز وجل في يوسف (ع): "ولقد همت به وهم بها " فإنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله فصرف عنها قتلها والفاحشة وهو قول الله عز وجل " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " يعني القتل والزنا.
4- وأما داود(ع)، فما يقول من قبلكم فيه ؟
فقال علي بن محمد الجهم: يقولون أن داود(ع) كان في محرابه يصلي فتصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح، فصعد في طلبه فسقط الطير في الدار اوريا بن حنان فأطلع داود في أثر الطير، فإذا بأمرأة اوربا تغتسل فلما نظر إليها هواها، وكان قد أخرج اوربا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه: إن قدم اوربا أمام التابوت، فقدم فظفر اوربا بالمشركين فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية ، إن قدمه أمام التابوت، فقدم اوربا فقتل فتزوج داود بامرأته.
- قال : فضرب الرضا(ع) بيده على جبهته وقال: أنا لله وأنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيا من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل.
- فقال يا أبن رسول الله فما خطيئته ؟
- فقال (ع): ويحك إن داود(ع) إنما ظن أنه ما خلق الله عز وجل خلقا هو أعلم منه، فبعث الله عز وجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا: "خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط وأهدنا إلى سواء الصراط ، إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي واحدة ، فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب" إلى قوله نعجتك إلى نعاجه فجعل داود على المدعى عليه فقال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ولم يسأل المدعى البينة على ذلك ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول: فكان هذا خطيئته وسم الحكم لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع الله عز وجل يقول: " يا داود أنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى إلى آخر الآية .
- فقال : يا أبن رسول الله فما قصته مع اوريا ؟
- فقال الرضا (ع): إن المرأة في أيام داود(ع) كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده، وأول من أباح الله أن يتزوج بامرأة قتل بعلها كان داود(ع) فتزوج بامرأة اوريا لما قتل وانقضت عدتها منه، فذلك الذي شق على الناس من قبل اوريا.
5- وأما محمد (ص) وقول الله عز وجل " وتخفي ما في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " فإن الله عز وجل عرّف نبيه أسماء أزواجه في دار الآخرة وأنهن أمهات المؤمنين، وإحدى من سمى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة ، فأخفى اسمها في نفسه ولم يبده لكي لا يقول أحد من المنافقين أنه قال في امرأة في بيت رجل أنها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، فقال الله عز وجل: " وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " يعني في نفسك وإن الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم(ع) ، وزينب من رسول الله (ص) بقوله : " فلما قضى زيد وطرا زوجناكها " وفاطمة من علي. قال: فبكى علي بن محمد الجهم فقال : يا أبن رسول الله أنا تائب إلى الله من أن أنطق في أنبياء الله بعد يومي هذا إلا بما ذكرته.
* مناظرة حول عبودية عيسى (ع) :
كان جاثليق يناظر المتكلمين فيقول: نحن نتفق على نبوة عيسى وكتابه وأنه حي في السماء, ونختلف في بعثة محمد ونتفق في موته ، فما الذي يدل على نبوته، فيحيرهم.
فأحضر عند الرضا(ع) والمأمون فقال: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه، وهل تنكر منهما شيئا ؟
فقال الرضا(ع): أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقر به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه ولم يبشر به أمته فانقطع .
ثم قال الرضا(ع): يا نصراني، والله أنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد وما ننقم على عيساكم إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته.
- فقال : والله مازال عيسى صائم بالنهار قائم بالليل.
- قال(ع) : لمن كان يصلي ويصوم ؟ فخرس.
- وقال الجاثليق: إن من أحيا الموتى وأبرأ الأكمة والأبرص مستحق أن يعبد.
- فقال الرضا(ع) : وإن اليسع صنع ما صنع ، مشى على الماء وأبرأ الأكمة والأبرص، وحزقيل أحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة، وقوم من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فأوحى الله إلى نبي مر على عظامهم بعد سنين إن نادهم، فقال :أيتها العظام البالية ، قومي بإذن الله، فقاموا. وذكر(ع) حديث إبراهيم(ع) والطير "فصرهن إليك، " وحديث موسى(ع) " واختار موسى " لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فاحترقوا ، فأحياهم الله من بعد قول موسى(ع) لو شئت أهلكتهم وسؤال قريش رسول الله (ص) إن يحييهم ثم قال : والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان من أحيا الموتى يتخذ ربا من دون الله، فاتخذوا هؤلاء أربابا. فأسلم النصراني.
* مناظرة حول فضيلة علي عند رسول الله:
- قال المأمون يوما للرضا(ع) أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين(ع) يدل عليها القرآن ؟
- فقال له الرضا(ع) : فضيلة المباهلة، قال الله جل جلاله: " فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " فدعا رسول الله (ص) الحسن والحسين(ع) فكانا أبنيه ، ودعا فاطمة(ع) فكانت في هذا الموضع نساءه ، ودعا أمير المؤمنين(ع) فكان نفسه بحكم الله عز وجل. وقد ثبت أنه ليس أحد من خلق الله سبحانه أجل من رسول الله (ص) وأفضل، فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله (ص) بحكم الله عز وجل.
- فقال المأمون : أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله (ص) أبنيه خاصة، وذكر النساء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله ابنته وحدها، فلم لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين(ع) ما ذكرت من الفعل ؟ فقال الرضا(ع) : ليس بصحيح ما ذكرت يا أمير المؤمنين، وذلك أن الداعي إنما يكون داعيا لغيره كما يكون الآمر آمرا لغيره ، ولا يصح أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة، وإذا لم يدع رسول الله (ص) رجلا في المباهلة إلا أمير المؤمنين فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله تعالى في كتابه وجعل حكم ذلك في تنزيله.
* مناظرة حول الخلافة بعد رسول الله (ص):
كان المأمون في باطنه يحب سقطات الرضا(ع) وإن يعلوه المحتج وإن أظهر غير ذلك، فاجتمع عنده الفقهاء والمتكلمون، فدس إليهم أن ناظروه في الإمامة . فقال لهم الرضا(ع) اقتصروا على واحد منكم يلزمكم ما يلزمه، فرضوا برجل يعرف بيحي السمرقندي ولم يكن بخراسان مثله، فقال له الرضا سل عما(ع) شئت.
- فقال: تكلم في الإمامة كيف ادعيت لمن لم يؤم وتركت من أم ووقع الرضا به ؟
- فقال له(ع) : يا يحي أخبرني عمن صدق كاذبا على نفسه أو كذب صادقا على نفسه أيكون محقا مصيبا أو مبطلا مخطيا ؟
فسكت يحي: فقال له المأمون: أجب.
- فقال : يعفيني أمير المؤمنين من جوابه.
- فقال له المأمون: يا أبا الحسن عرفنا الغرض من هذه المسألة.
- فقال : لا بد ليحي من أن يخبر عن أئمته أنهم كذبوا على أنفسهم أو صدقوا، فإن زعم أنهم كذبوا فلا إمامة لكذاب، وإن زعم أنهم صدقوا، فقد قال أولهم : وليتكم ولست بخيركم، وقال تاليه: كانت بيعة فلته فمن عاد لمثله فاقتلوه، فوالله ما رضي لمن فعل مثل فعلهم إلا القتل، فمن لم يكن بخير الناس، والخيرية لا تقع إلا بنعوت منها العلم ومنها الجهاد ومنها سائر الفضائل وليست فيه، ومن كانت بيعته فلته يجب القتل على من فعل مثلها كيف يقبل عهده إلى غيره وهذه صورته!
ثم يقول على المنبر أن لي شيطانا يعتريني فإذا مال بي فقوموني، وإذا أخطأت فأرشدوني فليسوا أئمة بقولهم أن صدقوا أو كذبوا، فما عند يحي في هذا الجواب.
فعجب المأمون من كلامه وقال: يا أبا الحسن ما في الأرض من يحسن هذا سواك .
- تواضعه:
كان الرضا(ع) في سفره إلى خراسان فدعا بمائدة فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم فقال له بعض أصحابه: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة.
فقال (ع): إن الرب تبارك وتعالى واحد والأم واحدة والأب واحد والجزاء بالأعمال.
- من وصاياه(ع) :
- صل رحمك ولو بشربة من ماء وأفضل ما توصل به الرحم كف الأذى عنها.
- أحسنوا جوار النعم فإنها وحشية، ما نأت عن قوم فعادت إليهم.
- أحسن الظن بالله، فإن من حسن ظنه بالله كان الله عند ظنه، ومن رضي بالقليل من الرزق قبل منه اليسير من العمل، ومن رضي من الحلال خفت مؤونته ونعم أهله ، وبصره الله داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام.
- أبلغ عني أوليائي السلام وقل لهم: لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلا، ومرهم بالصدق في الحديث وأداء الأمانة، ومرهم بالسكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم، وإقبال بعضهم على بعض ، والمزاورة فإن ذلك قربة إلي، ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضا، فإني آليت على نفسي أنه من فعل ذلك أو أسخط وليا من أوليائي دعوت الله ليعذبه في الدنيا أشد العذاب وكان في الآخرة من الخاسرين.
- لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: الفقه في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا .
- من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله.
- الإيمان أربعة أركان: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لآمر الله والتفويض إلى الله.
- لا يتم عقل امرىء حتى تكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه، ولا يسأم من طلب الحوائج إليه، ولا يمل طلب العلم طول دهره، والفقر في الله أحب إليه من الغنى ، والذل في الله أحب إليه من العز، والخمول أشهى إليه من الشهرة، والعاشرة أن لا يرى أحدا إلا قال: هو خير مني وأتقى.
- إن الله عز وجل أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة: أمر بالصلاة والزكاة، فمن صلى ولم يزك لم تقبل منه صلاته، وأمر بالشكر له وللوالدين، فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله عز وجل، وأمر باتقاء الله عز وجل صلة الرحم، فمن لم يصل رحمه لم يتق الله تعالى.
- الصغائر من الذنوب طريق إلى الكبائر، ومن لم يخف الله في القليل لم يخفه في الكثير، ولو لم يخوف الله بجنة ونار لكان الواجب أن يطيعوه ولا يعصوه لتفضله عليهم وإحسانه إليهم، وما بدأهم من إنعامه الذي ما استحقوه.
|