الامام الهادي عليه السلام

   
 


 

 

الصفحة الرئيسية

أسئلة ومراسلة لسماحة الشيخ

الامام علي بن أبي طالب

Guestbookتعليق الزوار

القرآن الكريم

تأملات قرآنية

العقائد

عباد الرحمن

العرب قبل الاسلام

قرأت لك كشكول

أسماء الله الحسنى

الأئمة الاثنى عشر

الأمام الحسن عليه السلام

الامام الحسين عليه السلام

الامام زين العابدين ع.س

الامام محمد الباقر ع.س

الامام جعفر الصادق ع.س

الامام موسئ الكاظم ع.س

الامام علي الرضا ع.س

الامام الجواد عليه السلام

الامام الهادي عليه السلام

الامام الحسن العسكري ع.س

الامام المهدي عجل الله فرجه

صور من وحي الاسلام

توقعات عن الامام المهدي

 


     
 

الإمام الهادي(ع)

 

هو الإمام العاشر من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

 ولد(ع) في الثالث من رجب 212هـ، سماه أبوه الإمام الجواد(ع) علياً تبركاً وتيمناً باسم جده الأعلىأمير المؤمنين(ع) وقد شابهه في بلاغته وفصاحته، كما شابه جده زين العابدين في تقواه وورعه ونسكه.

 

·       نبوغه المبكر:

استشهد الإمام الجواد(ع) وكان عمر الإمام الهادي ست سنوات وعدة أشهر.

وقد حاول المعتصم بعد اغتيال الجواد(ع) أن يمارس عملية غسل دماغ للإمام الهادي(ع) ، فعهد إلى عمر بن الفرج أن يأتي إلى يثرب ليختار معلماً للإمام الهادي(ع) ليغذيه ببغضهم، فاختار عمر هذا- شخصاً اسمه الجنيدي، وكان شديد البغض للهاشميين فأرسل خلفه وعرفه بالامر فاستجاب له, وعين له راتباً شهرياً وعهد إليه أن يمنع الشيعة من زيارته والاتصال به.

وقام الجنيدي بتعليم الإمام، إلا أنه ذهل لما رآه من حدة ذكائه، فقد التقى محمد بن جعفر بالجنيدي فقال له:

"ما حال الصبي الذي تؤدبه؟" فأنكر الجنيدي ذلك وراح يقول "أتقول هذا الصبي؟ ولا تقول هذا الشيخ، أنشدك بالله هل تعرف بالمدينة من هو أعرف مني بالأدب والعلم؟

فقال: لا. فقال الجنيدي: "إني والله لا أذكر الحرف في الأدب، وأظن أني قد بالغت فيه، ثم إنه يملي أبواباً أستفيد منه، فيظن الناس أني اعلمه وأنا والله أتعلم منه".

وانطوت أيام، فالتقى محمد بن جعفر مرة أخرى بالجنيدي فقال له: "ما حال الصبي؟ فأنكر الجنيدي ذلك وقال:

"دع عنك هذا القول، والله تعالى لهو خير أهل الأرض، وأفضل من برأه الله تعالى وأنه لربما هم بدخول الحجرة فأقول له: حتى تقرأ سورة، فيقول: أي سورة تريد أن أقرأها؟ فاذكر له السور الطوال ما لم يبلغها، فيسرع بقراءتها بما لم أسمع أصح منها وكان يقرأها بصوت أطيب من مزامير داود وأنه حافظ القرآن من أوله إلى آخره ويعلم تأويله وتنزيله.

وأضاف الجنيدي يقول: هذا صبي نشأ بالمدينة بين الجدران السود فمن أين علم هذا العلم الكبير، يا سبحان الله!

 ثم نزع عن نفسه النصب لأهل البيت(ع) ودان بالولاء لهم واعتقد بالإمامة.

وهذا دليل صارخ على أن علم أهل البيت ليس علماً اكتسابياً كما يكتسبه الواحد منا، بل هو علم يتوارثه الصاغر عن الكابر منهم بتأييد من الله تعالى.

وقد تحدثت الإمام الصادق(ع) عن كيفية علمهم وما يملكون من الكنوز العظيمة التي لا تقدر بثمن، فقال(ع) : "علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع، وأن عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة(ع) وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه".

وسئل الإمام عن تفسير هذه الجوانب من حديثه فأجاب عنها فقال: "أما العلم الغابر فالعلم بما يكون، وأما المزبور فالعلم بما كان، وأما النكت في القلوب فهو الإلهام والنقر في الأسماع حديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم.

وأما الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله(ص) ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت.

وأما الجفر الأبيض فوعاء فيه توراى موسى وأنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى.

وأما مصحف فاطمة(ع) ففيه ما يكون حادث وأسماء كل من يملك إلى أن تقوم الساعة. وأما الجامعة فهي كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول الله(ص) من خلق فيه، وخط علي بن أبي طالب بيده والله ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، حتى أن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة".

 

 

 

·       هيبته ووقاره:

 

اللافت في شخصية الإمام الهادي(ع) أن هيبته ووقاره كانت تفرض نفسها على الواقع السياسي والاجتماعي على رغم صغر سنه، فعادة لا تكون للصغير أية هيبة، بل العكس من ذلك فإن شخصية الطفل غالباً ما تكون منطقية بالصبيانية والهوج، وقد تحدث عن مدى هيبة الإمام محمد بن الحسن الأشتر العلوي قال:

"كنت مع أبي على باب المتوكل في جمع من الناس ما بين طالبي وعباسي وجعفري، فبينما نحن وقوف إذا جاء أبو الحسن، فترجل الناس كلهم إجلالاً وإكباراً له، حتى دخل القصر، وانبرى بعضهم وأنكر هذا التكريم للإمام وقال:

" لمن تترجل، لهذا الغلام؟ ما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا سناً، والله لا نترجل له إذا خرج، فرد أبو هاشم الجعفري وقال: "والله لتترجلن له صغاراً وذلة".

وخرج الأمام(ع) فعلت أصوات التكبير والتهليل وقام الناس بأسرهم تعظيماً له، فالتفت أبو هاشم إلى القوم قائلاً: " أليس زعمتم انكم لا تترجلون له؟" قالوا: "والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا".

 

·       الإمام(ع) في يثرب:

عاش الإمام الهادي(ع) أوائل أيامه مقيماً في مدينة جده رسول الله(ص) منصرفاً إلى إشاعة العلم وتهذيب الأخلاق وتربية الناس بالآداب الإسلامية، وقد اتخذ الجامع النبوي مدرسة له، فكان بحق، المصدر الوحيد الذي يمد أهل العلم بكل ما يحتاجونه، والمصدر الذي يرعى شؤون الناس واحتياجاتهم حتى تغلغل في قلوب الناس وأسرهم بإحسانه لهم, فالتف الناس حوله لما كانوا يرون من صدقه في تعامله معهم وإخلاصه للناس في مقابل حرمان الحكام لحقوق الناس وظلمهم.

 

ولكن هذا الالتفاف الجماهيري كلف الإمام غالياً، فحقد عليه بعض من لا حريجة له في الدين من الحاقدين على آل بين الرسول(ص)، فحاولوا جاهدين تأليب الخليفة العباسي على الإمام(ع) حاشدين كل أساليب الحقد والضغينة.

 

ومن هؤلاء، حاكم المدينة المنورة الذي ملأ قلبه الحقد فأرسل للمتوكل العباسي رسالة تحذره تحذيراً شديداً من الإمام الهادي(ع) مبيناً له التفاف الجماهير حول الإمام مما يشكل خطراً على الدولة وورود الأموال الطائلة إلى الإمام من مختلف أنحاء العالم وأنه لا يؤمن أن يشتري بها السلاح لمقاومة الدولة العباسية، وأنه لا يؤمن عليه من أن يقوم بثورة عارمة للإطاحة بالخلافة العباسية.

 

هذه الرسالة من والي المدينة أرعبت المتوكل العباسي كأشد ما يكون الرعب فأحاط وزراءه علماً بالأمر، وبدأ بدراسة الأمر محاولاً القضاء على الإمام.

هذه التطورات لم تكن خافية على الإمام الهادي(ع) لأنه كان يراقب الوضع خطوة خطوة, لذلك رأى أن المصلحة تقتضي أن يلتف على المتوكل لعلمه الجازم بمدى حقد المتوكل على آل بيت الرسول(ع) وعدم تورعه عن التعرض لهم بشتى أنواع الظلم لذلك بعث برسالة ذكية يشكو فيها أحقاد عامله وسوء معاملته له وقيامه بما يسؤوه، كما أحاطه علماً بكذب وشايته وأنه لا يبغي للمتوكل سوءاً ولا يرى الخروج على حكومته.

 

وكان الإمام(ع) يهدف من خلال هذه الرسالة تطمين المتوكل وإظهار مدى حسن النية وأن الإمام(ع) عندما يشكو والي المتوكل فهذا معناه أن الإمام يرى أن المرجعية في شؤون البلاد هو الخليفة، فلذلك نرى أن المتوكل يطمئن من براءة الإمام مما نسب إليه من الخروج على حكومته، فلذلك رتب أثراً على هذه الرسالة فعزل واليه وعين أخراً آمراً إياه بحسن معاملته للإمام ولكنه في الوقت نفسه طلب من الإمام الشخوص إلى سامراء ليكون تحت ناظريه ومراقبته الدقيقة بأسلوب ظاهره الرقة وباطنه الحقد والغضب, لذلك يرسل إليه برسالة تبين كل الذي ذكرناه حيث جاء فيها:

"أما بعد فإن أمير المؤمنين عارف بقدرتك، وراع لقرابتك، موجب لحقك، مقدر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما يصلح الله به حالك ويثبت بع عزك وعزهم، ويدخل الأمن عليك وعليهم يبتغي رضا ربه وأداء ما افترض عليه فيك وفيهم.وقد رأى أمير المؤمنين صرف محمد عبد الله بن محمد عما كان يتولاه من الحرب والصلاة بمدينة الرسول(ص) إذا كان على ما ذكرت من جهالته بحقك واستخفافه بقدرك ..

وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل وأمره بإكرامك وتبجيلك والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب أحداث العهد بك والنظر إليك، فإن نشطت لزيارته والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت وتسير كيف شئت، وإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحلك ويسيرون بسيرك، فالأمر في ذلك إليك، وقد تقدمنا إليه بطاعتك فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين، فما أحد من إخوانه وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ولا أحمد لهم أثرة ولا هو لهم انظروا ولا عليهم أشفق وبهم أبر، وإليهم أسكن منه إليك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

 

وكلف المتوكل ابن هرثمة بالسفر إلى المدينة المنورة لإحضار الإمام الهادي(ع) والتحري عما نسب إليه من اقتنائه السلاح وتجميعه للأموال.

وعندما وصل إلى المدينة وعلم أهلها بالمهمة التي جاء من أجلها خاف أهل المدينة خوفاً شديداً على الإمام. وقد ظهر مدى عشقهم له نتيجة لإحسانه إليهم. فلذلك حاولوا الضغط على ابن هرثمة، ولكنه هدأ روعهم وفرقهم وحلف لهم أنه لم يؤمر فيه بسوء. ثم قام ابن هرثمة بتفتيش دار الإمام تفتيشاً دقيقاً فما وجد مالاً ولا سلاحاً فتبين له كذب إدعاء الوالي عليه.

 

أكره الإمام(ع) على السفر إلى سامراء، غير أن مكانة الإمام ظهرت جلياً حتى عند خصومه وأعدائه، فعندما وصل موكب الإمام إلى بغداد قال واليها لابن هرثمة: "إن هذا الرجل قد ولده رسول الله(ص) وقد عرفت انحراف المتوكل فإن بلغته عنه كلمة قتله ويكون النبي(ص) خصمك يوم القيامة".

وعندما وصل الموكب إلى سامراء دخل ابن هرثمة على وصيف التركي وهو من كبار رجال الدولة، فبادره وصيف محذراً ابن هرثمة من ان ينقل للمتوكل ما يسوء الإمام قائلاً: "يا يحيى والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك"

 

وعندما علم المتوكل بقدوم الإمام الهادي(ع) تعمد أن ينزله في خان الصعاليك إمعاناً منه في الحط من شأن الإمام والتقليل من أهميته أمام الرأي العام وفرض عليه الإقامة الجبرية ليبقى تحت ناظرية ومراقبته الدقيقة.

 

·       مواجهة الإمام الهادي(ع) لابتلاءات عصره:

بالإضافة إلى مهام الإمام(ع) الأساسية  في إغناء الأمة بالأحكام الشرعية وتفصيلاتها والتي بحثها لا يجد له متسعاً في باب السيرة، إنما يرجع في أمرها إلى المطولات الفقهية، بالإضافة إلى هذا الأمر فقد واجه الإمام(ع) جملة ابتلاءات وتحديات واجهته أهمها:

1.     إنحراف الحكام وصلافتهم

2.     الانحرافات الدينية

3.     المواجهات الفكرية التي كان يفرضها عليه الحكام لمحاولة تضعيف موقعه.

 

وقد تصدى الإمام(ع) لك لهذه المحاولات بكل ما أوتي من قوة واستطاع بكل جدارة أن يبطل كل هذه المؤامرات وأن يرد كيد الأعداء إلى نحورهم.

 

·       انحراف الحكام وصلافتهم:

يروي المؤرخون أن بعض اللئام أوعزوا إلى المتوكل أن الإمام الهادي(ع) يسعى إلى قلب النظام وأن عنده كتباً وأسلحة وأموالاً، فأوجس المتوكل في نفسه خيفة، فأوعز إلى جماعة من شرطته الأتراك بالهجوم على دار الإمام ليلاً واعتقاله، فهجموا عليه على حين غفلة منه، فوجدوه في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر وليس بينه وبين الأرض من بساط إلا الرمل والحصاد وهو مستقبل القبلة وهو يتلو قوله تعالى:

"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم مماتهم ساء ما يحكمون". وحملوه إلى المتوكل وهو بتلك الحالة التي تمثل زهد الأنبياء وروحانية المرسلين وكان المتوكل على موائد الخمر ثملاً سكراناً، فلما بصر بالإمام ناوله كأساً من الخمر، فزجره الإمام وصاح به:

"والله ما خامر لحمي ودمي قط ...". فقال المتوكل: أنشدني شعراً، فأجاب الإمام: إنني قليل الرواية للشعر، فرد المتوكل لا بد ان تنشدني، فأجابه الإمام بقصيدة قضت مضاجعه فقال(ع) :

         باتوا على قلل الإجبال تحرسهم          غلب الرجال فما أغنتهم الحيل

         واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم           فأودعوا حفراً يا بئس ما زلوا

         ناداهم صارخ من بعد ما قبروا           ابن الأسرة والتيجان والكحل

ابن الوجوه التي كانت منعمة             من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم                  تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا        فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

 

         اهتز المتوكل وطار السكر من رأسه، فلم يملك إهابه وأخذ يبكي بكاءاً شديداً وأشفق من حضر المجلس على الإمام من بطش المتوكل، ولكن كلام الإمام السحري فعل فعله في نفس المتوكل فأمر برفع الكؤوس والتفت إلى الإمام بخضوع وخشوع قائلاً:

"يا أبا لاحسن عليك دين" فأجاب نعم، أربعة ألاف دينار. فأمر المتوكل بدفعها ورده إلى منزله مكرماً.

ويروي المؤرخون أن المتوكل أصيب بخراج أشرف من خلاله على الهلاك فأشار عليه الفتح بن خاقان أن يبعث رسولاً إلى الهادي(ع) ويخبره بحاله لعل عنده علاجاً له، فوصف له الإمام وصفة فاستعملها المتوكل فبرء من مرضه.

 

ولما بشرت أمه بعافيته حملت إلى الإمام بدرة وكيساً فيه عشرة ألاف دينار ختمته بختمها. فوشى أحد المغرضين بالإمام الهادي بأن الأموال تجبى إليه، فبعث المتوكل جنوده لمداهمة بيت الإمام واعتقاله بقيادة سعيد الحاجب، وبادر سعيد إلى بيت الإمام فوضع سلماً وصعد سطح الدار وقد اشتد الظلام فلم يدر كيف يصل إلى البيت. وبينما هو في حيرة إذ سمع صوت الإمام يناديه: يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة، فنزل فوجد الإمام عليه جبة من صوف وقلنسوة من صوف وسجادة على حصير ففتش البيت فلم يجد سوى البدرة والكيس فأخذها إلى المتوكل. ولما رأى ختم أمه أرسل وراءها فأخبرته إنها هي التي أرسلتها إيفاءاً لنذر نذرته. فاستحى المتوكل وأضاف إلى البدرة بدرة واعتذر له.

 

وتوالت الأحداث وثقل الإمام على المتوكل وضاق به ذرعاً، فقد ساءه ما يتحدث به الناس عن فضله وسعة علومه وزهده وتقواه وذهاب الشيعة إلى إمامته وأنه أحق بالخلافة وأولى بها فحاول اغتياله والقضاء عليه، إلا أنه باء بالفشل، فيروي المؤرخون أن المتوكل توعد الهادي(ع) بقوله له: "والله لا قتلن هذا .. هذا الذي يدعي الكذب ويطعن في دولتي".

 

أمر المتوكل أربعة من الخرز من الذين لا يفقهون شيئاً وأعطى لكل واحد منهم سلاحاً وأمرهم بقتل الإمام إذا دخل عليه، وجعل يتوعد ويتهدد وهو يقول بنبرات تقطر غضباً "والله لأحرقن جسده بالنار بعد القتل".

 

أقبل الإمام وقد أحاط به حراس القصر وقد رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير تعظيماً له وهم يقولون: "هذا ابن الرضا"

        

         ولما بصر به المتوكل أخذته الهيبة وألقى الله الرعب في قلبه فوثب من سريره واستقبله استقبالاً حاراً وقبل مات بين عينيه وهو يقول بخضوع: يا سيدي يا ابن رسول الله يا خير من خلق الله يا ابن عمي، والإمام ينصحه ويعظه ويحذره من عقاب الله فقال المتوكل: "ما جاء بك في هذا الوقت".

         فأجاب الإمام: "جاءني رسولك يقول لي المتوكل يدعوك". فقال المتوكل: "كذب ابن الفاعلة، ارجع من حيث أتيت" والتفت المتوكل إلى وزيره وأبنائه قائلاً: "يا قبح يا عبد الله يا معتز شيعوا سيدكم".

 

         ونخر الحسد قلب المتوكل وقد سلك جميع الوسائل للحط من شأن الإمام(ع) والتقليل من اهميته المتصاعدة أمام الرأي العام حتى أصابه من الأذى ما لم يعد يتحمله الإمام(ع) فدعا عليه الإمام بدعاء طويل اشتهر فيما بعد بدعاء المظلوم على الظالم.

         وبالفعل، استجاب الله سريعاً للإمام فلم تنقض ثلاثة أيام إلا وكان المتوكل مقتولاً شر قتله بإيعاز من ابنه المنتصر، فقتل هو ووزيره الفتح بن خاقان وقطعوهما إرباً إرباً بحيث لم يعرف لحم أحدهما من الآخر. وانطوت بذلك حقبة مليئة بالمكائد والحقد على الإمام الهادي عليه السلام.

 

·       المواجهات الفكرية

طلب المتوكل من العالم الكبير يعقوب بن اسحاق المشهور بابن السكيت أن يسأل الإمام الهادي(ع) عن مسألة معقدة غامضة لعله لا يهتدي لحلها فيتخذ من ذلك وسيلة للتشهير بالإمام والحط من شأنه فمضى ابن السكيت فأعد للإمام مسألة لامتحانه، وعقد في البلاط العباسي مؤتمر علمي ضم كبار العلماء والفقهاء والمتكلمين، وعلى رأسهم المتوكل.

 

تقدم ابن السكيت بمسألة من الإمام قائلاً: "لما بعث الله موسى بالعصا واليد البيضاء، وبعث عيسى بإبراء الكمه والأبرص وإحياء الموتى وبعث محمداً بالقران والسيف".

وأجاب الإمام عن الحكمة في ذلك بما أصبح الآن جواباً عادياً ليس محلاً للتأمل والتفكير حول معجزة موسى وعيسى ومحمد(ص) وعندنا وصل إلى السيف قال(ع) :

وأيد الله تعالى نبيه بالسيف القاهر وهو سيف الإمام أمير المؤمنين(ع) الذي حصد به رؤوس المشركين والملحدين، وقد جبن شجعان العرب عن مقاومته، وقالوا أن الفرار من الحرب عار إلا من سيف علي، فقد كان كالصاعقة، فأباد به جموع الشرك، وفرق كلمة الأحزاب ونصر به الإسلام وأعز به الدين ورفع به كيان المسلمين وانبرى ابن السكيت بعد هذا الجواب الحاسم الذي أدلى به الإمام(ع) فقال له: "فما الحجة الآن". فقال(ع): "العقل يعرف به الكاذب على الله فيكذب".

 

وبان عجز ابن السكيت فانبرى يحيى بن أكثم فأخذ يندد به قائلاً: "ما لابن ومناظرته، إنما هو صاحب نحو وشعر ولغة". وتوجه ابن أكثم بثلاثة عشر سؤالاً نذكر أهمها:

1-  قال الله تعالى: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب". فإن كان المخاطب هو النبي(ص) فقد شك، وإن كان المخاطب غيره فعلى من إذن أنزل الكتاب".

فقال(ع) : إن المخاطب بذلك هو رسول الله(ص) ولم يكن في شك مما أنزل الله إليه ولكن قالت الجهلة: كيف لم يبعث نبياً من الملائكة، ولم لم يفرق بينه وبين الناس في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق، ولك بهم أسوه يا محمد، وإنما قال "فإن كنت في شك ولم يكن شك ولكن للنصفة كما قال تعالى: "قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين".

         ولو قال تعالوا فنجعل لعنة الله عليكم لم يكن يجيبوا إلى المباهلة، وقد علم الله أن نبيه مؤد عنه رسالته وما هو من الكاذبين، وكذلك عرف النبي(ص) بأنه صادق فيما يقول ولكن أحب أن ينصف من نفسه".

 

2-     صلاة الفجر لما يجهر فيها بالقرآن مع انها من صلاة النهار وإنما يجهر في صلاة الليل؟

 فأجاب الإمام(ع): أما صلاة الفجر والجهر فيها بالقراءة لأن النبي(ص) كان يغلس فيها فقرأ منها في الليل.

 

3-     أخبرني عن رجل أقر باللواط على نفسه أيحد أم يدرأ عنه الحد؟

فأجاب الإمام(ع) أما الرجل الذي أقر باللواط فإنه أقر بذلك متبرعاً من نفسه ولم تقم عليه بينه، وإنما تطوع بالإقرار من نفسه، وإذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله، كان له أن يمن عن الله، أما سمعت قول الله "هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب فبدأ بالمن قبل المنع".

 

         وقد بهر الجميع من هذه الأجوبة المفحمة والتفت يحيى بن الأكثم إلى المتوكل فأسدى له النصيحة قائلاً: "ما نحب أن تسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي فإنه لا يرد عليه شيء بعدها إلا دونها، وفي ظهور علمه تقوية للرافضة.

 

         ولأجل المكانة العلمية التي خضع لها الجميع لم يجد المتوكل بداً من الرجوع إلى الإمام الهادي في المسائل التي ابتلى بها وتقديم فتواه على سائر فتاوى فقهاء عصره وكان من تلك المسائل:

 

-         أنه كان للمتوكل كاتب نصراني وكان أثيراً عليه، فكان لحبه إياه يكنيه (أبا نوح) فأنكر عليه جماعة من كتابه ذلك، وقالوا لا يجوز أن يكنى الكافر، فاستفتى فقهاء عصره فاختلفوا فطائفة أجازوا وطائفة أخرى منعت فرفع بذلك استفتاءاً للإمام فكتب في الجواب بعد البسملة "تبت يد أبي لهب وتب" وكانت هذه الإجابة  من أبدع ما أثر في عالم الفتيا، فقد استشهد بالآية الكريمة، وقد أعلنت بوضوح جواز تكنية الكافر.

 

-    اعتل المتوكل، فنذر إن عافاه الله أن يتصدق بدنانير كثيرة، فلما شفي اختلف الفقهاء في تحديد هذه الكثير، فاستفتى الإمام(ع) فأجاب أن يتصدق بـ 83 ديناراً، فعجب الفقهاء وقالوا للمتوكل من أين له هذا؟ فأرسل إليه يطلب المدرك، فأجاب(ع) : أن الله يقول: "ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة وقد روى أهلنا جميعاً أن المواطن في السرايا كانت 83 موطناً. وأضاف الإمام في آخر الجواب وكلما زاد أمير المؤمنين في فعل الخير كان أنفع له وأجدى عليه في الدنيا والآخرة.

 

-    فجر نصراني بإمرأة مسلمة فأراد المتوكل أن يقيم عليه الحد، فأسلم النصراني، فقال يحيى ابن أكثم: "هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعض الفقهاء يضرب ثلاث حدود، وذهب آخرون إلى خلاف ذلك، فأمر المتوكل أن يستفتى الإمام في هذه المسألة فأجاب(ع):

"يضرب حتى الموت"، فأنكر يحيى وسائر الفقهاء ذلك وقالوا لم يجئ بذلك كتاب ولا سنة فكتب المتوكل إلى الإمام(ع) أن فقهاء المسلمين قد أنكروا ذلك وقالوا أنه لم تجئ به سنه ولم ينطق به كتاب فبين لنا لم اوجبت الضرب حتى الموت؟ فاجاب(ع) بعد البسملة:

"فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا مشركين فلم يكن ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا". فأخذ المتوكل بفتوى الإمام وأمر بضربه حتى مات.

 

·       الانحرافات الدينية:

واجه الإمام الهادي(ع) انحرافات خطيرة على الصعيد العقيدي والمسلكي الديني سواء ممن أدعى الانتساب إلى  مدرسة أهل البيت(ع) أم من أهل السنة.

فعلى الصعيد الأول: اندست في صفوف الشيعة زمرة خبيثة من الملاحدة والمارقين من الدين فأشعلوا نار الفتنة ونشروا البدع والأضاليل في صفوفهم، وقد امتحن بهم الاسلام كأشد ما يكون الامتحان وذلك لما اذاعوه من الباطل الذي أضلوا به البسطاء والسذج الذين لا يميزون الحق والباطل.

ومن هؤلاء علي بن حسكة القمي، الذي ادعى أن الإمام الهادي(ع) هو الرب الخالق والمدبر لهذه الأكوان، وأن ابن حسكة هو النبي والمرسل من قبل الإمام لهداية الناس زاعماً أن الفرائض الإسلامية من الزكاة والحج والصوم قد اسقطت عن الذين اعتنقوا مذهبه.

وأعلن الإمام(ع) براءته من ابن حسكة ودعا إلى نبذه ونبذ اتباعه وقتلهم.

ومن هؤلاء أيضاً محمد بن نصير الفهري الذي ادعى أيضاً ان الإمام الهادي هو الخالق والرب. وادعى أيضاً إباحة نكاح المحارم من الأمهات والبنات والأخوات وغيرهن من سائر المحارم وإباحة اللواط وأنه إحدى الشهوات والطيبات التي لم يحرمها الله تعالى وأنه من جملة التواضع لله.

 

·       القول بالتناسخ:

وكذلك أعلن الإمام(ع) البراءة من الفهري حيث جاء في رسالة الإمام(ع) إلى أحد أصحابه: "أبرأ إلى الله من الفهري والحسن بن محمد بابا القمي فأبرأ منهما .. وإني ألعنهما, عليهما لعنة الله مستأكلين يأكلان بنا الناس فتانين مؤذنين لعنهما الله، أرسلهما في اللعنة وأركسهما في الفتنة ركساً، بزعم ابن بابا أني بعثته وأنه باب، عليه لعنة الله سخر منه الشيطان فأغواه، فلعن الله من قبل منه ذلك، يا محمد إن قدرت أن تخدش رأسه بالحجر فافعل فإنه قد آذاني آذاه الله في الدنيا والآخرة".

وقد استغل هؤلاءما يلي:

1-  ما ظهر للإمام(ع) من المعاجز والكرامات التي منحها الله له ولآبنائه فاستغلها المنحرفون عن الدين والحاقدون عليه لإظهار البدع وإماته الإسلام والإجهاز عليه.

2-     التحلل من القيم والآداب الإسلامية، فقد أباحوا كا ما حرمه الإسلام ونهى عنه

3-     الطمع بأموال الناس وأخذها بالباطل والاستيلاء على الأموال التي تدفعها الشيعة إلى الأئمة(ع)

 

ومن المشاكل التي عاصرها الإمام الهادي(ع) مشكلة خلق القرآن التي ابتلي بها المسلمون والتي اثارها الحكام العباسيون للقضاء على خصومهم، وقد قتل خلق كثيرون من جرائها وانتشرت الأحقاد والأضغان بين المسلمين.

وقد اتخذ الإمام الهادي(ع) موقفاً حكيماً من هذه الفتنة معتبراً أن الخوض في خلق القرآن والجدل فيه بدعة وضلال، والسائل والمجيب يشتركان في الاثم، وعلى المسلم أن يقتصر على أن القرآن كلام الله تعالى وليس له ان يضفي عليه أنه مخلوق أو غير مخلوق فإنه بذلك يكون من الظالمين.

 

وعلى الصعيد الثاني:

فإننا نرى أن الإمام الهادي(ع) يحذر أصحابه وسائر المسلمين من الاتصال بالصوفيين والاختلاط بهم لأنهم مصدر غواية وضلال فهم يظهرون التقشف والزهد لإغراء لابسطاء والسذج وغوايتهم.

فقد ورد أن الإمام كان جالساً مع بعض أصحابه في المسجد إذا دخل جماعة من الصوفيين فجلسوا في جانب منه وأخذوا بالتهليل فالتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم:

"لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخداعين فهم خلفاء الشياطين ومخرجو قواعد الدين، يتزهدون لإراحة أجسادهم، ويتهجدون لصيد الأنعام، يتجرعون عمراً حتى يديخوا للأيكاف حمراً، لا يهللون إلا لغرور الناس ولا يقللون الغذاء إلا لملأ العساس واختلاف قلب الأفناس، يتكلمون الناس بأملائهم في الحب ويطرحونهم بأداليلهم في الجب، أورادهم الرقص والتصدية ، واذكارهم الترنيم والتغنية، فلا يتبعهن إلا السفهاء ولا يعتقد بهم إلا الحمقاء، فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حيا أو ميتاً فكأنما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان، ومن أعان واحداً منهم فكأنما أعان معاوية ويزيد وأبا سفيان"

 فسأله أحدهم: "وإن كان معترفاً بحقوقكم".

فزجره الإمام الهادي(ع) وصاح به قائلاً: "دع ذا عنك، من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أما تدري انهم اخس طوائف الصوفية، والصوفية كلهم مخالفونا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة، أولئك يجتهدون في إطفاء نور الله بأفوافهم والله متم نوره ولو كره الكافرون.

وفي هذا النص يثبت الإمام الهادي(ع) في أذهان اتباعه ما يلي:

1.     إن الصوفيين خلفاء الشياطين في إغرائهم وخداعهم الناس.

2.     إنهم حملوا معول الهدم على الإسلام في سلوكهم المنحرف الذي أضافوه إلى الدين وهو منه بريء

3.     إن زهدهم في الدنيا لم يكن حقيقياً وإنما لا راحة أبداً منهم.

4.     إن تهجدهم في الليل وإظهارهم النسك لم يكن لله وإخلاصاً في طاعته وإنما كان لصيد الناس واستلاب أموالهم

5.  إن أورادهم ليست عبادة وإنما هي رقص لأنها لم تنبعث عن قلوب مؤمنة بالله تعالى وكذلك أذكارهم فأنها غناء لأنها خالية من الإخلاص في الطاعة لله تعالى.

6.      إن الذي يملك عقله واختياره لا يتبعهم وإنما يتبعهم الحمقاء والسفهاء الذين لا رشد لهم.

 

·       من وصاياه:

-    ألقوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها، واعلموا أن النفس أقبل شيء لما أعطيت وامنع شيء لما منعت، فاحملوها على مطيه لا تبطئ.

-    لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه، ولا الوفاء ممن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإن قلب غيرك كقلب له.

-         إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يعمل في عدوك.

-         من جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك.

-         إن الظالم الحاكم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه، وأن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه.

-    إن الله تعالى جعل الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى،و جعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الآخرة من بلوى عوضاً.

-    الحسد ماحي الحسنات، جالب المقت، والعجب صارف عن طلب العلم، دراع إلى الغمط والجهل، والبخل اذم الأخلاق، والطمع سجية سيئة، الهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، والعقوق يعقب القلة ويؤدي إلى الذلة.

-         خير من الخير فاعله، وأجمل من الجميل قائله, وأرجح من العلم حامله، وشر من الشر حالبه، وأهول من الهول راكبه.

-  المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنان.

-         الشاكر أسعد بالشكر من النعمة التي أوجبت الشكر، لأن النعم متاع والشكر نعم وعقبى.

-         المراء يفسد الصداقة القديمة ويحلل العقد الوثيقة, وأقل ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أساس أسباب القطيعة.

 

 

 

 
 

Today, there have been 84 visitors (90 hits) on this page!

 

 
This website was created for free with Own-Free-Website.com. Would you also like to have your own website?
Sign up for free