بسم الله الرحمن الرحيم
تأمّلات قرآنية
* قال الله تعالى : " بسم الله الرحمن الرحيم ".
قد يتساءل البعض عن اختصاص هاتين الصفتين بالبسملة دون غيرها من الصفات الحسنى مع وجود صفات محبّبة للإنسان كالرازق والغفور والكريم والشكور ونحوها, فيقول بسم الله الرازق الكريم, أو بسم الله الشكور الغفور, ونحو ذلك.
وهناك صفات يأنس فيها المظلوم فيشعر أن حقه سوف يعاد إليه ولو بعد حين, أو في يوم القيامة, فيقول مثلا : بسم الله العادل المنتقم.
فلماذا اختص الله بهاتين الصفتين وأصبحت شعار المسلم في كلّ عمل يعمله, فلا يبدأ المؤمن طعامه أو شرابه, أو نكاحه, أو يومه, أو افتتاحه لمصنع, أو عام دراسي, ونحو ذلك إلا ببسم الله الرحمن الرحيم؟
والجواب يتضح لو عرفنا أنّ كلّ عمل ينبغي أن يبدأ بالإستمداد من صفة تعمّ آثارها جميع الكون, وتشمل جميع الموجودات, وتنقذ جميع المستضعفين في اللحظات الحساسة.
وهذه حقيقة يوضحها القرآن الكريم إذ يقول " ورحمتي وسعت كلّ شيء" ويقول على لسان حملة العرش " ربّنا وسعت كلّ شيء رحمة".
والذي يعزز هذا الجانب أنّ الأنبياء بعظمتهم كانوا يناجون الله برحمته, وقد أدّبوا أتباعهم على ذلك, فينقل الله عنهم " ونجّنا برحمتك".
وعندما كان الله ينجي القوم يخبر " فأنجيناه والذين معه برحمة منّا ".
ولو قارنّا وتأمّلنا بكلّ أسماء الله الحسنى, فإنّنا لن نجد صفة أو اسما فيه الإستمرار في الدارين معا, في الدنيا والآخرة كصفة الرحمة.
إذا عرفنا ذلك نقول :
إذا أردنا أن نبدأ بعمل فإنّنا بذلك نريد له خاتمة, وإلا لما بدأنا به أصلا. ولكي نضمن له الإستمرارية فأيّ صفة أفضل من الرحمن الرحيم التي تفيد الاستمرار, خاصّة وإنّنا نعلم بحكم الله على نفسه " كتب على نفسه الرحمة".
والرحمة لغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضّل والإحسان, وهذا يضمن لنا بقرينة كتب على نفسه الرحمة أن يستمر بالتفضل والإحسان.
أضف الى أنّ في صفة الرحمة نوعا من كسر الحاجز بين العبد وربّه, فعندما يشعر العبد بأنّ المعبود الذي يعبده ليس قاسيا, بل يحنو على العبد ويرحمه, ويفتح أمامه كلّ الأبواب نحوه, مثل هذا الشعور يجذب القلوب نحو الله.
* " يا أبت إنّي أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليّا " (مريم 45)
وقد يتساءل المتدبر للقرآن: ما هو وجه ذكر الرحمن في هذه الآية؟!
ألا يمكن أن نضع مكانها كلمة اسم الجلالة " الله" التي تتضمّن في طيّاتها المعاني الآلهيّة كافة؟
والجواب :
إنّ استعمال اسم الرحمن هنا, وإن كان بمنزلة اسم العلم, ولكنّه لا يكون علما بالمطلق, بل يبقى فيه معنى الصفاتية, أي الرحمانية.
وهنا يكمن الخطر, لأنّ مسّ العذاب من الرحمن يستكشف منه أنّ هذا الانسان قد استحوذ عليه الشيطان الى درجة عظيمة جدّا بحيث يحجب عن نفسه وصول الرحمة من الرحمن الذي ينشر رحمته الى درجة أنّ أعناق إبليس تشرئبّ لها ويظنّ أنّ الله سوف يرفع عنه العذاب, ومع ذلك فقد أضاع نفسه بملذاتها وشهواتها وعنادها ومجهودها.
وحال هذا الانسان مع ربّه, حال إنسان مع غني كريم النّفس يعطي بلا حساب حتى لألدّ أعدائه , ومسامح الى أبعد الحدود ومتجرّد عن أيّ حساسيّة, ومع ذلك تراه لا يعطي فلانا السائل. بلا شك نقطع أنّ هذا السائل قد ارتكب شيئا هائلا لا يمكن أن يتصوّره عاقل إطلاقا حتى منع من عطاء هذا الانسان بمواصفاته الكريمة.
وكذلك الأمر بالنسبة لمقامنا, فعندما يحلّ العذاب من الرحمن على شخص, فمعنى ذلك إنّ هذا الانسان قد ارتكب شيئا هائلا بحق نفسه أمام الله عز وجل, بحيث إنّ هذا الذنب بقبحه الشديد قد حجب رحمة الله التي نشرها لجميع عباده وخلقه كما تحجب الغيوم السوداء نور الشمس ودفءها.
- ثمّ إنّ هناك سؤالا آخر:
ما هو الرابط بين خوف العذاب وبين أن يصبح المعذب وليّا للشيطان؟
والجواب :
إنّ خوف العذاب قد جاء كنتيجة حتميّة للذنوب التي يقترفها الانسان, فأطلق المسبب وأراد السبب.
والمعنى : إن بقي الإنسان على كفره وشركه ومعصيته فسوف تكون النتيجة أنّه سيكون موكولا للشيطان ليتولى أمره وهو لا يغني عن عذاب الله.
أو يكون المعنى إنّ الانسان لاحق بالشيطان, فيكون قرينا له في النّار.
أو إنّه سيكون مواليا للشيطان ومحبّا له ومطيعا لأوامره.
إنّ الانسان الذي يريد أن يجمع بين الحق والباطل, بين الهدى والضلال, بين الخير والشر, سيجد أنّ الخير والهدى قد تبخرا, ولم يبق معه سوى الشر والضلالة, وإذا تمادى البشر في عبادة الشيطان فإنّ الله سوف يسلب منه ضوء العقل فيصبح وليّا للشيطان الى الأبد.
* " الرحمن فسئل به خبيرا".
إذا أردت أن أتعرّف على حقيقة شيء فإنّني أسأل عنه, وإذا أردت أن أتحرّى عن إنسان فإنّني أسأل عنه.
فالأصل في اللغة أن أستعمل مادّة السؤال متعدّية ب " عن " فأقول : إسأل عن هذا الأمر, أو سألته عن ذاك الأمر.
فلماذا استعمل الله السؤال هنا مقرونا بالباء؟
والجواب :
إنّ هذه الآية جاءت مترابطة مع ما سبقتها من الآيات الكريمة, حيث قال الله تعالى: " وتوكّل على الحيّ الذي لا يموت وسبّح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيّام ثمّ استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا".
إنّ هذا الخالق هو الرحمن الذي كان الخلق من خلال رحمته, وكان التدبير من خلالها أيضا, فهل تريد أن تعرفه بدلائله وبراهينه ومواقع معرفته, فتعال الى الرسول الذي يملك معرفة ذلك كله, فاسأله واستمع إليه فيما يبلغه من آيات ربّه, فهو الخبير بذلك كله.
وتبقى النكتة في استعمال " فاسأل به خبيرا". لو استعمل كلمة " عن " فإنّها تفيد التجاوز,. ومهما كان الانسان يعرف ربّه, وحتى النّبي وآل بيت العصمة, مهما عرفوا من الحقيقة الالهيّة فإنّهم غير قادرين على تجاوزه والإحاطة الكاملة. لذلك , لمّا كان الكلام عن الله عز وجل لم يأت بكلمة " عن " بل استعمل كلمة الباء التي توحي بالإحاطة الجزئية.
* " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين". (الأنفال 1)
ها هنا سؤال يوجّهه المسلمون لرسول الله(ص), والمفروض أن يكون هناك جواب على طبق السؤال. فما هو وجه التفريع, وما هو الرابط بين الأنفال في مفروض السؤال وبين التقوى وإصلاح ذات البين؟
والجواب :
لقد كان المسلمون يظنون أنّ الانفال والتي هي غنائم الحرب هي ملك لمن يغنمها في المعركة فتملكها هذه الطائفة من المقاتلين, أو أنّها تختصّ بشيء منها, فجاؤوا إلى رسول الله (ص) يسألونه عنها بعدما وقع خلاف بينهم, ففصل الله خصومتهم فيها بسلب ملكهم منها وإثباتها لله ورسوله.
إنّ المال سالب عقول البشر, فإذا لم يلتفت الإنسان إلى دينه وتقواه وخوف الله, فإنّ الشيطان سوف ينزغ بينهم ويضلهم عن السبيل القويم, لذلك كله فإنّ الله تعالى يذكّرهم ويأمرهم بتقواه ليحفظوا أنفسهم من الهلاك والضلال, ثمّ عليهم أن يصلحوا أنفسهم بإصلاح النفس الأمّارة بالسوء أوّلا, ثمّ إصلاح ذات البين والتي هي العلاقة بين الشخصين أو الأكثر, فصلاح ذات البين يعني إصلاح أساس الارتباط وتقوية العلاقات وتحكيمها وإزالة عوامل التفرقة بين بعضهم البعض.
فإذا اتقى الإنسان ربّه وأصلح ذاته وذات البين, فيكون مستعدّا لقبول الأمر من الله, لذلك يأمره الله بإطاعته وإطاعة رسوله إن كان مؤمنا حقا.
* " فإنّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا " (الشرح 5-6)
المتدبّر لهاتين الآيتين يقف عند سؤالين :
السؤال الأول : لماذا كرر الله تعالى الآية بنفسها, ألا يكفي فقط أن يقول الله إنّ مع العسر يسرا, ويفهم المؤمن منها مقصود ربّه؟
السؤال الثاني : لماذا قرن الله اليسر بالعسر بكلمة " مع " ولم يقل إنّ بعد العسر يسرا كما هو المألوف عند النّاس حينما تصبّرهم؟
أما الجواب عن السؤال الأول فيتضح لمن عنده ادنى إطلاع على علم البلاغة ,حيث يذكر هناك إنّ التأكيد إنّما يؤتى به لرفع وهم أو إنكار لدى السامع, وكلما كان الإنكار كبيرا كان التأكيد بما يناسبه.
إنّ الانسان في هذه الحياة يواجه كثيرا من المشاكل والمعضلات, وقد تمرّ عليه محن كثيرة وضغوط معيشية, لكنّ هذه الأمور لا تأتي عادة دفعة واحدة, بل على العكس من ذلك فإنّ الله تعالى يغمر عباده بفضله وإحسانه ويغرقه بالنعم, ولكنّ طبيعة البشر إنّهم لا يذكرون النعم والخير, ولا يرسخ في أذهانهم إلا ما هو سيّء أو سلبي أو شر. فهذا التاجر مثلا تراه في مسيرته يكسب أموالا طائلة فيشتري دارا له, ويوسع على عائلته, ويدّخر الأموال في البنوك, ويكسب مالا من هذه الصفقة ومن تلك الصفقة وهكذا, ولكن مع ذلك لأنّه مغموس بنعم الله تراه لا يلتفت إليها, فإذا ما صادف أن خسر في هذه الصفقة أو تلك ينعق وينعق, ثمّ يربح, ويربح, ويربح, ويربح, ثمّ يخسر. فإذا كانت الخسارة كبيرة فإنّه ينهزم , وإن كان ضعيف الإيمان تراه يضع اللوم على المشيئة الآلهية ويعترض على حكم الله...ولأنّ طبيعة البشر تذكر السوء ولا تذكر الخير, ولأنّ اعتراض البشر وإنكارهم كبير وكبير جدا, فقد جاء الله بسبعة تأكيدات متوالية ليرفع هذا الإنكار الشديد الراسخ في أذهان البشر.
فالمعروف في الللغة أنّ الجملة الأسمية تفيد التأكيد بخلاف الجملة الفعلية, فهذا تأكيد أوّل.
وفي الجملة الأسمية إذا تقدّم الخبر على المبتدأ فإنّه يفيد التأكيد. وهذا تأكيد ثان.
وإذا دخلت إنّ على الجملة الأسمية, فإنّها تفيد التأكيد, وهذا تأكيد ثالث.
وإذا كرر اللفظ بعينه فإنّه يفيد تأكيدا لفظيا. وهذا تأكيد رابع.
ثمّ تكررت الجملة الأسمية مع تقدّم خبرها ودخول " إنّ" عليها, فصار في المقام سبعة تأكيدات. وما هذا إلا كاشف عن الإنكار الشديد لدى الإنسان.
وأمّا الإجابة عن السؤال الثاني, فإنّ استعمال كلمة " مع " تفيد بعدا تربويا رائعا, ملخصه :
إنّ اليسر حاصل في رحم العسر, أو لإنّ اليسر موجود مع العسر, ولكن الإنسان لا يلتفت إليه وإلى الحكمة من ورائه.
إنّ هذا الاقتران أشبه ما يكون كاللقاح الذي يعطى للطفل, أو الإنسان الكبير ضدّ مرض معين. عندما نزرع في جسد الإنسان الضعيف جرثومة ضعيفة جدا تحمل كلّ خصائص الجرثومة القوية, في البداية ترتفع درجة حرارة الإنسان, ويشعر بالوجع فتراه يتذمر, ولكن في نفس الوقت لا يلتفت الإنسان عادة إلى أنّ هذا الجسم بمواجهته لهذه الجرثومة الضعيفة يكتسب مناعة قوية ضد المرض الذي تحمله.
إنّ تلقيحه بهذا اللقاح يكسب الإنسان المقاومة والمناعة الكافية حتى إذا ما هاجمه المرض القوي, فإنّ جسد الإنسان يتعرّف عليه بما اختزنه من ذاك اللقاح ويواجهه ويستطيع بسهولة القضاء عليه.
فكما كان الشفاء حاصلا مع هذه الجرثومة التي أدخلت إلى جسده وشكلت له إزعاجا وآلاما محمولة, كذلك إنّ العسر الذي يواجهه الإنسان في حياته وإن كان مزعجا ومؤلما لكنه يشكل الحصانة والتجربة التي يمكن للإنسان العاقل الواعي أن يستفيد منها.
قد يخسر التاجر في صفقة معينة, وقد يتصور أنّها آخر المطاف له , ولكن سرعان ما يقف على قدميه ويبدأ من جديد, فإذا دخل في صفقة مثلا أكبر من سابقتها, أو مماثلة لها فإنّه سوف يستفيد من تلك التجربة المريرة ولا يقع في الأمرّ, وفي ذلك الخير الكبير له.
* " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر" (التكاثر 1-2)
من عظمة القرآن أنّنا نلاحظ وبدقة أنّ كلّ كلمة توضع في محلها بحيث إنّه لو نزعت ووضعت كلمة أخرى مكانها ولو مرادفة لها فإنّ عمق المعنى يختلّ, بل إنّ المعنى يضيع كليّا.
وهذا ما نراه في هذه الاية مثلا, إذ لو نزعنا كلمة زرتم, ووضعنا ما يشابهها لأختلّ المعنى كليّا.
لو وضعنا كلمة دفنتم, أو قبرتم, أو صرتم, ونحوها, لا يمكن بأيّ شكل من الاشكال أن تحلّ محلّ كلمة زرتم بدلائلها العظيمة.
إنّ كلمة دفنتم, أو قبرتم, أو صرتم, غاية ما تفيد أنّ الإنسان صائر إلى القبر, أمّا ماذا بعد القبر, فلا تتدخل هذه الكلمات, ولا تضفي عليها شيئا آخر بخلاف كلمة" زرتم".
إنّ كلمة " زرتم " فيها إيحاءات كبيرة رائعة, ومداليل عظيمة: إنّها تفيد أنّ الإنسان صائر إلى القبر لا محالة ومدفون فيه, لأنّه عندما أقول زرت بيت فلان أكون قد دخلته.
وبالإضافة إلى كون الإنسان قد دخل القبر, فإنّ القبر ليس مرحلة فيها إقامة دائمة, وهذا ما توحي به كلمة " زرتم " لأنّ الزيارة هي مرحلة آنيّة سرعان ما ينتقل بعدها إلى أمر آخر.
إنّ كلمة زرتم المقابر هنا توحي وتدلّ على عالم آخر سوف ينتقل إليه, ألا وهو اليوم الآخر الذي هو يوم القيامة, ليجزى بما كان يكسب, فإمّا في الجنّة وروضة النّعيم, وإمّا إلى النّار وبئس الجحيم.
* " كلا سوف تعلمون , ثمّ كلا سوف تعلمون"( التكاثر3-4)
هل تكرار الألفاظ تأكيد للردع الحاصل في النفي ب "كلا" أو إنّ المعنى متغاير بين الآيتين؟
قد يبدو للوهلة الأولى أنّ هناك تأكيدا لفظيا تكرر بتكرر الألفاظ الواردة في الآيتين. فيكون المعنى : " كلا سوف تعلمون" ردع عمّا هم عليه من الاشتغال بالدنيا, أي ليس الأمر أيّها النّاس كما تتوهّمون, فسوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم أهوال القيامة. " ثمّ كلا سوف تعلمون" تأكيد لتكرار الردع والإنذار.
وفي كلمة " ثمّ " دلالة على أنّ الإنذار الثاني أبلغ من الإنذار الأول, كقولك للمنصوح أقول لك ثمّ أقول لك لا تفعل.
... ولكن في التأمل جيدا بكلمة " ثمّ " هنا , فإنّها تفيد الترتيب والتراخي في الزمن, فمن جهّة تفيد "ثمّ" الترتيب بين زمانين , ومن جهّة أخرى تفيد "ثمّ" أنّ الزمن الأوّل حاصل فعلا قبل الزمن الثاني مع تراخ بينهما.
وعليه فإنّ الردع الأوّل في قوله تعالى " كلا سوف تعلمون" يكون معناه كلا أيّها النّاس ليس الأمر كما أنتم عليه من التكاثر بالمال والولد, فإنّ هناك مستقبلا غامضا يتصل بمسألة المصير الأسود الذي تقبلون عليه عند الموت والاحتضار حينما يباشر به المحتضر من جنّة أو نار, أو في القبر حين السؤال.
بينما الردع الثاني يكون عند النشور حين ينادي المنادي : شقي فلان شقاوة لا سعادة بعدها بعدها أبدا.
وعلى هذا, فلا تكرار في الآية لحصول التغاير بينهما بتغاير زمان المعنيين, فإنّه يلقى في كلّ واحد من الزمانين نوعا آخر من العذاب.
* " كلا لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم, ثمّ لترونّها عين اليقين " ( التكاثر 5-6)
ما الفرق بين علم اليقين وعين اليقين طالما أنّ الطريق فيهما يفيد أصل اليقين؟
لقد قسّم اليقين إلى ثلاثة أقسام : علم اليقين, وحق اليقين, وعين اليقين.
وقد مثلوا لعلم اليقين بمن يعلم بوجود النّار لما يراها من ضوئها أو دخانها. ولحق اليقين كمن يرى النّار مشاهدة بعينيه. ولعين اليقين كمن يلامس النّار فيحسّ بحرارتها.
فيكون المعنى : لو تفكروا وتدبّروا واقع الأمر, وتعاطوا معه تعاطي العاقل والمتدبر لعواقب الأمور, لحصل لهم العلم اليقيني ولارتدعوا عن كثير من المواقف التي يقفونها, والأعمال التي يعملونها, فمن خلال العلم اليقيني سوف تكون النتائج الصعبة أمامكم وتتمثل جهنّم كما لو كانت ماثلة أمام أعينكم في لهيبها, وعذابها, وزقومها, وحميمها.
وبعد ذلك وفي يوم المحشر سوف ترونها عين اليقين بمشاهدتها عيانا لا من خلال الصور الذهنية التي يمكن أن يتصوّرها, بل من خلال ملامستها والوقوع فيها ليذوق الإنسان وبال أمره وتفريطه بجانب الله تعالى.
* " ويل لكلّ همزة لمزة الذي جمع مالا وعدّده يحسب أنّ ماله أخلده كلا لينبذنّ في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة " (الهمزة )
وهنا لنا وقفتان :
الأولى : ما هو وجه الإتيان بكلمة " لينبذنّ " بصيغة المجهول,إذ عادة في مورد العذاب تأتي بصيغة المبني للمعلوم, كما في قوله تعالى " فأوردهم النّار بئس الورد المورود " (هود 98) ونحوها.
الثانية : لماذا عبّر الله عن النّار بالحطمة, ولم يقل مثلا جهنّم أو النّار أو نحوها من الأسماء؟
أمّا الإجابة عن السؤال الأوّل فتقريره ما يلي :
إنّ هذا النّمط من النّاس الذين دأبهم وشغلهم الشاغل الإقبال على الدنيا وحطامها, وحرصهم الشديد على تجميع المال, وحفظ مصالحهم الخاصّة ولو على حساب الآخرين عبر التعريض لكرامتهم وخصوصيّاتهم فيتناولونها بالغيبة والنميمة , فقط بسبب أنانيتهم الدنيئة.
مثل هؤلاء عادة ما يبتلون بالكبر والغرور, وكما كانوا يتعاملون مع النّاس بنظرة دونية احتقارية , فكذلك يعاملون يوم القيامة, فينبذون ولا من يهتمّ بشأنهم ولا ينالون شفاعة الشافعين . حتى إنّ الله تعالى لم يذكر من الذي يلقي بهم إلى النّار, فجهّل الأمر كناية عن شدّة الإحتقار لهم, تماما كفعلهم في الحياة الدنيا, وكما تدين تدان.
وأمّا الإجابة عن التساؤل الثاني : فلنفس العلة التي ذكرناها سابقا, حيث إنّ شغلهم في الحياة الدنيا كان الهمز واللمز, أي الغيبة والنميمة, وهذا الفعل من قبلهم كان يعرّض النّاس لتحطيم شخصياتهم وكبريائهم, إذ إنّ ذكر العيب أمام الآخرين, أو الكذب باختراع عيوب ليس فيهم سوف يعرّض أصحابها لأن تهتز شخصيّاتهم أمام النّاس وتتحطم, فكان المناسب أن يكون هناك تماثل في التعاطي معهم, فكما كان فعلهم يؤدّي إلى التحطم, ناسب أن يكون عذابهم فيه تحطيم لهم, فلذلك عبّر عن عذاب النّار لهم بالحطمة. وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة.
* " ولمّا ورد ماء مدين وجد عليه أمّة من النّاس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثمّ تولى إلى الظلّ فقال ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا.."
يحكي الله تعالى قصّة النّبي موسى (ع) حينما فرّ بدينه من فرعون خائفا يترقب إلى مدين, وفور وصوله إلى هناك وجد قوما من الرعاة يسقون حيواناتهم, ووجد من دونهم امرأتين تنتظران دورهما, وتحاولان أن لا تختلطا بالنّاس.
يدرك موسى (ع) بأنّ هاتين المرأتين لهما شأن عند الله وأنّهما من عباد الله الصالحين, فقام بفعل صغير له مدلول كبير وأثر تربوي قلّ نظيره. إنّ هذا العمل مستوحى من حرفين وردا في هذه الآية , إنّهما حرف "الفاء" وحرف" ثمّ ".
حرف الفاء في اللغة يفيد الترتيب من دون فاصل زمني. وحرف ثمّ في اللغة يفيد الترتيب ولكن مع فاصل زمني.
فإذا قلت جاء زيد فعمرو, معناه أنّ زيدا جاء في الأول وفورا جاء من بعده عمرو.
أمّا إذاقلت جاء زيد ثمّ عمرو, فمعناه أنّ الذي جاء في الأوّل هو زيد وبعده جاء عمرو, ولكنّ مجيء عمرو قد يكون بعد ساعة, أو يوم, أو أكثر ونحو ذلك.
وإذا عدنا إلى الآية تظهر الحكمة من استعمال الفاء في قوله تعالى " فسقى لهما " إذ تدلّ أنّ المؤمن يهبّ على نحو السرعة لمساعدة أخيه المؤمن حيث وجده بحاجة للمساعدة, ولا ينتظر طلب العون, بل يهبّ ومن دون فاصل زمني , لذلك استخدم "الفاء". بينما لمّا تكون الحاجة راجعة لنفسه فهو بطيء لتلبية حاجة نفسه قياسا لحاجة الآخرين لها, لذلك عطف الله ب "ثم ".
ثمّ إنّ موسى (ع) دعا ربّه بأنّه فقير إلى خير الله, ومحتاج في غربته إلى عون ومدد من دون أن يكون ذليلا لأحد, وهنا أيضا يأتي دور استعمال الفاء لتدلّ على أنّ المؤمن وخاصّة النّبي إذا دعا ربّه فإنّه يستجاب دعاؤه فورا , فلذلك قال الله تعالى فورا بعد دعاء النّبي موسى (ع) " فجاءته إحداهما " حيث كان الفرج على يد نبيّ الله شعيب(ع) حيث شغله عنده, بل وزوّجه من ابنته , وهذا عطاء من الله بلا حساب.
* " الذي خلقني فهو يهدين والذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ويحيين". ( الشعراء78-79-80-81)
إنّ حاجة العبد إلى الهداية ضرورية جدا حتى لا يكون له حجّة أمام الله, وإذا كان الإنسان خليفةالله على الأرض لا بدّ أن يكون مستكمل الشروط, فلا يعقل أن يمارس دوره على غير هدى , لذلك كانت الهداية مقترنة بخلقه مباشرة ومن دون فاصل زمني وهو المستوحى من " الذي خلقني فهو يهدين "
وفي ختام هذه السلسلة من الآيات يعطف الله ب "ثمّ " وهذه إشارة إلى عالم البرزخ, أو عالم القيامة, إذ هناك فاصل زمني طويل بين عالم الدنيا الذي انتقلنا عنه, وعالم البرزخ, أو يوم القيامة , لذلك استعمل الله تعالى كلمة " ثمّ ".
ثمّ يشير الله تعالى إلى لطيفة مهمة جدّا وهي : إنّه عندما يتحدّث الله عن الكمال, فإنّه ينسبها إلى نفسه كما في قوله تعالى " والذي خلقني فهو يهدين, والذي يطعمني ويسقين, وبعد ذلك يقول " وإذا مرضت فهو يشفين " فإنّه من أدب العبد مع ربّه أن لا ينسب المرض إلى الله المقترن في ذهنه بأنّه شيء مزعج وسيّء وفيه الشر الذي يعود إليه, بل ينسبه إلى نفسه كما في قوله تعالى " وإذا مرضت فهو يشفين " ليلفت الله تعالى إلى هذه اللطيفة, وإلى شيء آخر مهمّ ألا وهو إنّ الله تعالى قد خلق الأمور على أكمل وجه ولا ينقصها شيء.
إنّ الله قد أوجد الأمور بكلّ دقة وتنظيم دقيق, وأودع في الأمور قوانينها, وأجرى الأسباب بمسبباتها, إلا أنّ الإنسان هو الذي يفسد الأمور على نفسه حينما يتجاوز هذه القوانين ويسعى في خراب الأرض والبحر والسماء, " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس" (الروم 41) فالإنسان هو عدو البيئة الأوّل لأنّه كثيرا ما يتجاوز حدّه, فلو نظرنا إلى عالم الحيوان لوجدنا أنّ الحيوان بما أودع الله فيه الغريزة الصحيحة التي يمارس من خلالها دوره لا يؤذي الطبيعة التي يعيش فيها, بل يمارس التوازن الدقيق, فلا يقتل إلا إذا كان جائعا, وإذا قتل فإنّه لا يتجاوز حدّه, بينما نرى الإنسان يمارس طمعه ويتعدّى حدوده, ثمّ في النهاية يرمي الزائد من حاجته في مكبّ النفايات. كما إنّ الإنسان هو الذي يجلب المرض لنفسه حينما يخلّ في توازن البيئة. لذلك كله ينسب الله تعالى المرض للإنسان, ولا ينسبه لنفسه جلّ وعلا.
* " ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين "( القصص 5)
في العادة عندما يعطف بالواو لا يفيد هذا العطف ترتيبا ولا اهمّية في تقديم المعطوف والمعطوف عليه.
ولكن في كلام الخالق لا يوجد عمل بلا حكمة, وفي هذه الآية يقدّم الله ذكر الإمامة, أي الخضوع لتجربة الإيمان والخضوع لامتحان التقوى على الوراثة, لأنّ الإنسان بذاته إذا ورث من دون أن يكون تقيّا بكلّ معنى التقوى, فإنّ هذه الوراثة سوف تقوده إلى سبيل الشيطان, فلا بدّ أن يكون إماما كي لا يطغى , بل يحافظ على الإسلام.
ولو أردنا أن نتمثل لهذا الأمر أمثلة لملأت هذه الأمثلة صفحات من الكتب المثيرة, فكلّ حاكم أو متسلط يتسلم السلطة من دون أن يكون هناك وازع من ضميره ولا تقوى يحكّمها في علاقته بالعباد, فإنّ ذلك سوف يجعله عدوّا لله تعالى , والله سبحانه يأمر رسوله بذكر الله وتجديد التقوى بعد النصر حيث يقول " إذا جاء نصر اله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " (النصر) لكي لا ينسى الإيمان عند السيطرة , ولكي لا ينسى التقوى عند الوراثة.
* " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة" ( النساء 100)
قال المفسرون عن المراغم بأنّها الأرض المفتوحة الميسّرة. وإذا جئنا لنتدبّر هذه الكلمة لغويا فإنّنا نجد أنّ الرّغام معناهها التراب الدقيق.
وعندما تقول : رغم أنفك لأيّ شخص, أي ستضعه على التراب.
والقرآن الكريم يقول : إنّك إذا هاجرت لا تفكر في الأمور التي ستخلفها وراءك, ولا بالأمور التي ستواجهك وتظنّ صعوبتها, لأنّ الله تعالى يعدك بأنّ هذه الصعوبات ستذلل كلها, ليتشوّق المؤمن المجاهد إلى الفرار بدينه وعدم الركون إلى الذين ظلموا.
واللطيف في الأمر أنّ كلمة " كثيرا " جاءت صفة " مراغما " لأنّ الصعوبات كثيرة فالإرغام كثير أيضا , وعطايا الله أكثر للمؤمن المجاهد, وهذا ما يفهم من كلمة " وسعة " أي ليس فقط على الله سلب الصعوبات وتذليلها , بل زيادة على كلّ هذا هناك السعة من الله العلي القدير.
* " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّا وهو كظيم " (النحل58)
في العادة عندما يراد إعلام الأب بولادة ولد له فإنّهم يستعملون الألفاظ : أخبر , أعلم , ونحو ذلك .
وهنا يستعمل الله كلمة " بشر " ليدلّ على أنّ البشرى لا تكون إلا للأمور الجيّدة وإن اعتبرها الجاهل مصيبة.
لقد اعتبر الإسلام البنت رحمة إلهيّة نزلت في بيت أبيها, والله سبحانه يحاسب على النعمة, ولا يحاسب على الرحمة. فإذا كانت البنت رحمة فأيّ بشارة وخبر سعيد أعظم من هذه البشارة.
* "وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " (الغاشية 3)
هذه الآية مصداق للنظرية السابقة التي ذكرناها في آية الهمزة, فلأنّ الكافرين كانوا في الدنيا متكبرين, رافعي رؤوسهم وأنوفهم, كان جزاؤهم أن يرغم أنوفهم, وتخشع قلوبهم ووجوههم, لأنّهم لم تخشع في الدنيا للباري , فأجبروا على الخشوع جزاءا لهم. وبعدما كانوا مترفين على حساب الفقراء والمستضعفين ومرفهين على حساب راحة الآخرين, فإنّ الآية أصبحت مقلوبة عليهم, فها هم في جهنّم في نصب, وتعب, وإرهاق, وذلة.
بينما يصف الله المتقين ب " وجوه يومئذ ناعمة " لأنّها سجدت لله, وعفرت جبينها بالتراب رضا لله تعالى, و خشعت قلوبهم لذكر الله فجزاؤها التنعيم.
من هنا يظهر الفرق بين خشوع المؤمن وخشوع الكافر, فالمؤمن خاشغ مهابة وإجلالا لربّه باختياره. أمّا الكافر فهو مجبر على الخشوع لأنّه لم يعش الذلّ لله تبارك وتعالى.
* "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم "( النحل 98)
قد يبدو لقارىء هذه الآية الشريفة أنّ مدلولها واضح جدا, ولا معنى لإطالة الكلام حولها .
ومع التعمّق فيها يظهر للمتدبّر أنّ فيها احتمالات عدة, كلها واردة في المقام, إذ إنّ الجملة الشرطية مركبّة من مقدّم وتال, والتالي متوقف على المقدّم عادة, فإذا قلت مثلا : إذا جاء زيد فأكرمه, فإنّ الإكرام متوقف على مجيء زيد.
وهنا , المقدّم هو قرأت القرآن, والتالي:استعذ بالله من الشيطان الرجيم. فهل المقصود أنّ الإستعاذة تحصل بعد القراءة؟
وما هو النفع الحاصل منها؟
أم إنّ هناك أمرا مخفيّا لم يذكر في الآية .
الإحتمال الأول :إنّ في المقام حذفا لم يذكره الله لوضوح المقصود, إذ المقصود إذا أردت قراءة القرآن, فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم, تماما كما هو الحال في آية الوضوء " يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرفقين وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (المائدة 6) فإنّ المقصود منها أيّها المؤمنون إذا أردتم القيام لتؤدّوا صلاتكم عليكم أن تتوضؤوا.
الإحتمال الثاني : وهو ما ذكره صاحب تفسير الميزان رحمه الله , إذا قرأت القرآن فاطلب منه تعالى ما دمت تقرؤه إن يعينك على الشيطان الرجيم من أن يغويك, ويجعلك عير ملتفت للتفكر في معانيه, وفهم الأوامر التي أرادها الله منك, فالإستعاذة المأمور بها حال نفس القارىء ما دام يقرأ , وقد أمر أن يوجدها لنفسه ما دام يقرأ.
الإحتمال الثالث : إنّ الأمر على طبيعة الجملة الشرطية, وإنّ التالي مترتب على المقدّم, وليس في المقام أيّ حذف أو تأويل, وإنّما المقصود أنّ على المؤمن الذي يقرأ القرآن ويتعرّف على المعارف الإلهية, والأوامر والنواهي, وعرف المصير الأسود الذي ينتظره إن هو خالف الأوامر والنواهي , فلذلك عليه أن يطلب النصرة, والعون, والمدد الإلهي عبر استعاذته بالله من الشيطان الذي يتربّص به الدوائر.
وأيّا يكن الإحتمال الصحيح من هذه الوجوه الثلاثة, فإنّ المطلوب أثناء تلاوتنا وبعدها أن نتدبّر في مقاصد القرآن لنصل إلى الحقيقة والعمل بها.
وثمّة شرطان لمعرفة الحقائق :
الشرط الأول : وضوح الحقيقة.
الشرط الثاني : وجود وسيلة للنظر إليها وإدراكها.
فهل يمكن للأعمى أن يرى قرص الشمس يوما مع البقاء على حالة العمى؟
وهل يمكن للأطرش أن يسمع نغمات هذا العالم الجميلة؟
فكذا الحال بالنسبة لفاقد البصيرة الثاقبة, والأذن المرهفة السميعة, فإنّه محروم من رؤية جلال الحق, ومحروم من سماع آياته الرائعة.
ولكن لماذا يفقد الإنسان قدرته على المعرفة؟
هذا لأنّه قد أوجد الأحكام المسبقة الخاطئة عنده, وسمح للأهواء النفسية والتعصّبات العمياء المتطرفة أن تتغلب على توجّهه ووقوعه في أسر الذات والغرور, ولوّث صفاء قلبه وطهارة روحه بأمور جعلها موانع أمام فهم وإدراك الحقائق. وجاء في الحديث الشريف " لولا أنّ الشياطين يحرمون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات "
وكم من أناس قد طلبوا آيات القرآن بتعصّب وعناد وأحكام مسبقة, وحمّلوا القرآن بما يريدون لا بما يريده القرآن, فإزدادوا ضلالا بدلا من أن يكون القرآن هاديا لهم ...
فالمقصود بالآية عدم الإكتفاء بذكر " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " بل ينبغي أن نجعل من هذا الذكر فكرا, ومن الفكر حالة داخلية, وعندما نقرأ أيّة آية نستعيد بالله من أن نستحوذ وساوس الشيطان عينا, أو أن تحول بيننا وبين كلام الله جل وعلا. ( الأمثل ج 8 ص 288).
* " لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوّجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنّه عليم قدير " ( الشورى 50)
ما هو معنى يزوّجهم؟
هل هو بمعنى النكاح ؟ أو معناه شيء آخر؟
ولماذا قدّم الله ذكر الأنثى ونكرها ؟ بينما ذكر الذكور وعرّفها؟
ولماذا لم يقل الله تعالى ويهب لمن يشاء ذكرانا وإناثا ؟
التبست هذه الكلمة على البعض حتى وقع في الإنحراف الجنسي كما حصل مع أحد القضاة العباسيين, فكان يستشهد بهذه الآية " أو يزوّجهم ذكرانا " ليستدلّ على أنّ الله تعالى قد أباح الذكور للذكور.
وقد دار مرّة حوار بين يحي بن الأكثم وبين الإمام الهادي (ع) في هذا الصدد . فقد سأل الإمام عن قوله تعالى " أو يزوّجهم ذكرانا وإناثا " فأجاب الإمام : أي يولد له الذكور, ويولد له إناث, ويقال لكلّ اثنين مقرنين زوجان, كلّ واحد منهما زوج. وأضاف الإمام وهو يضرب على الوتر الحساس : " ومعاذ الله أن يكون عنى الجليل ما لبست به على نفسك , تطلب الرخص لارتكاب المآثم ومن يفعل ذلك يلق أثاما , يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا " واستدلّ الإمام قائلا " إن لم يتب ". ( سفينة البحار ج 1 ص 367).
فإذن ليس معنى يزوّجهم النّكاح أصلا لا من قريب ولا من بعيد. بل إنّ الآية الكريمة تذكر مشيئة الله في خلق الإنسان وهي تعني أنّ أناس تجاه إنجاب الذرية على أربعة أقسام :
فقسم لا يولد إلا الإناث, وقسم لا يولد إلا الذكور, وثالث يولد له الإثنان معا, أو يهبه الله التوائم ذكورا وإناثا, ورابع لا يولد له أيّ واحد منهما , بل يظلّ عقيما. كل ّ ذلك بمشيئة الله تعالى التي ترى الحكمة في نفس الأمر والواقع.
والذي يؤيد هذا الأمر أنّ التزويج في اللغة معناه الجمع, والآية في معرض التفصيل لنوع الخلق لا في معرض النّكاح خاصّة إنّ الله تعالى قد أنهى الكلام ب " ويجعل من يشاء عقيما " وابتدأ ب
" يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور" وبينما ذكر " أو يزوّجهم ذكرانا وإناثا " .
ولقائل يقول : لماذا لم يقل الله أو يهب لمن يشاء ذكرانا وإناثا . والجواب إنّ كلمة " أو يزوّجهم " أشمل من " يهب " وأكثر دلالة على المقصود فقد يهب الله ذكورا وإناثا, ولا يكون فيهم توائم, وقد يهب الله التوائم فقط ذكورا وإناثا في نفس البطن, أو توائم ذكورا فقط, أو إناثا فقط.
إنّ كلمة " يزوّجهم " أشمل في الدلالة وأكثر إصابة للمعنى من كلمة " يهب لمن يشاء الذكور والإناث ". والله أعلم.
وأمّا الوجه في تنكير الإناث وتقديمها على الذكور " يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور " أن يقال إنّ أعراب الجاهلية كانوا لا يرون للإناث اعتبارا, وكانوا يعاملون الإناث معاملة البهائم غير المحترمة النفس , ولذا كانت المرأة إذا ولدت أنثى فكأنّما ولدت بهيمة ليست بذات حرمة, أو إنّها ليست من جنس الإنسان, من أجل ذلك كان أبوها تتغيّر حاله ويسودّ وجهه كما قال سبحانه وتعالى " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب " ( النحل 58) وكأنّ ذلك المولود عار عليه وتقبيحا لحظه, فالله سبحانه إرغاما لأنوف جاهليتهم الرعناء, وتأديبا لهم قدّم ذكرالإناث أوّلا مع تنكيرها للدلالة على أهميّة الموضوع, بينما عرّف الذكور لأنّهم المطلوبون من النّاس عادة , والمعهودون في أذهانهم.
* " قال ربّ أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك يفعل الله ما يشاء" (آل عمران 40)
" قالت ربّ أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق مايشاء إذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون "( آل عمران 47)
الآية الأولى تتحدّث عن قصّة نبي الله زكريا (ع) بعد أن بشرته الملائكة بابنه يحي (ع). بينما الآية الثانية يتحدّث فيه الله تعالى عن السيّدة مريم (ع) وتبشيرها بالنّبي عيسى (ع9.
وفي كلا الموردين يستغرب النّبي زكريا (ع) والسيّدة مريم (ع) أن ينجبا, ولكن الملاحظ أنّ في قصّة النبي زكريا يستعمل الله " كذلك يفعل الله مايشاء" بينما في قصّة مريم يستعمل الله " كذلك الله يخلق ما يشاء".
فلماذا استعمل " يخلق " و " يفعل "؟
ولماذا أتت كلمة " كذلك " ؟
في قصّة النّبي زكريا (ع) كانت عوامل الولادة طبيعية, فهناك زوج وزوجة, ولكن كانت هناك موانع في طريق الإنجاب, إذ الشيخوخة عامل أساسي في عدم الإنجاب, وامرأته عاقر, والله سبحانه وتعالى رفع هذه الموانع بقدرته, ولذلك كان التعبير ب "يفعل " وإنّ هذا ليس عجيبا , تماما كما لو أنّ العلم توصّل إلى علاج لرفع العقم, وإعادة الشيخ إلى صباه قوّة وقدرة, فهذا لا يعتبر خلقا للجنين, وإنّما فعلا رفع العقبة عن الطريق .
وأمّا في قصّة السيّدة مريم (ع) فلم تكن عوامل الولادة الطبيعية متوفرة, وإنّما كان تكوينا إعجازيا يرتبط بالغيب. من هنا كان التعبير عنه بالخلق.
وأمّا وجه استعمال كلمة " كذلك " فإنّها تفيد وتضيف إليها بعدا جديدا وهو الدلالة على الدأب والإستمرارية. فعندما تعجّب النّبي زكريا (ع) وقد بلغ من الكبر عتيّا وامرأته عاقر كان الردّ أنّ هذه الولادة ليست بدعا من الأمور, وإنّما هي أمر مألوف ومكرّر بالنّسبة إلى مشيئة الله وفعله الذي يتمّ في أوقات كثيرة على هذا النّحو, ولذلك فلا داعي للتعجب من أمر هذه الولادة.
وعندما تعجبت السيدة مريم (ع) من أن يهب لها غلاما من دون أن يمسّها رجل كان الردّ أنّ هذه العملية ليست بدعا من الأمور, فها هو آدم (ع) لم يخلق لا من أب ولا امّ, وها هي ناقة صالح تخرج من الصخر مع فصيلها, وها هي كلّ أصناف الخلق وأنواعها خلقت في البداية لا من أب ولا من أمّ.
وهكذا ... دلت كلمة " كذلك " في هاتين الآيتين على سنّة قديمة لله تعالى في هذا الكون لا تدع مجالا للإستغراب من ظواهرها الجديدة.
ثمّ إنّه في كثيرمن الآيات حينما يتكلم الله عن النّاس يُنهي بقوله " إنّ الله على كلّ شي قدير " أو " إنّ الله بكلّ شيء عليم" ونحوذلك.
وقد يتساءل الإنسان هنا لما لم يقل الله مكان " كذلك "إنّ " فيقول مثلا ردّا على استغراب زكريا (ع) ومريم (ع) "إنّ الله يخلق ما يشاء" أو " إنّ الله يفعل ما يشاء ".
والجواب : إنّ زكريا (ع) النّبي ومريم الصدّيقة لم يكونا في مقام الإنكار, او الجحود حتى يرفع الله وهمهما, أو إنكارهما بالتوكيد, إنّما أخذتهما الدهشة فذهلا فقالا : أنّى يكون لي ولد أو غلام, فذكّرهما الله تذكيرا بقوله كذلك يخلق الله, أو يفعل الله ما يريد ويشاء.
* " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعلها الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا" (النساء 56)
المألوف عادة استعمال كلمة " من " بعد كلمة ارزقوهم , فما هو وجه استعمال كلمة " في " بعد ارزقوهم , هذا اوّلا.
وثانيا : من الطبيعي أن لا يعطي الإنسان ماله لأيّ كان, فضلا عن إعطائه للسفيه, فلماذا هذا النهي من الله لإعطاء المال للسفيه؟
إنّنا نستطيع أن نفهم من استبدال كلمة " منها " ب " فيها " ضرورة استثمار الولي لمال السفيه وعدم تجميدها على حالتها التي استلم فيها المال, ذلك لأنّك تقول : أكلت من الطعام, وهذا يعني أنّ الطعام هو الذي قد أكل , وأنّ النقص قد ورد عليه لا على غيره.
امّا عندما تقول أكلت في الصحن, فهذا بالطبع لا يدلّ على أنّك أكلت الصحن, بل استخدمت الصحن للأكل.
ولو أنّ الله قال " وارزقوهم منها " للزم من ذلك أن ينقص رأس المال شيئا فشيئا, ولربّما انتهى المال ببلوغ الصبي ولا يكون لديه مال. ولمّا قال وارزقوهم فيها فإنّ هذا الإستخدام يدلّ على التنمية المالية وما يتولد من هذا المال هو الذي ينفق على السفيه.
إذن من استبدال كلمة بسيطة مكان أخرى نستنتج هذه القاعدة الإقتصادية المهمّة.
أمّا كلمة " أموالكم " في قوله تعالى " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " فإنّها لا تعني بالضرورة أنّ المال هو لنا بالأصل, ثمّ نهينا عن تسليطه من قبل السفيه, بل لعلّ المقصود هو مال السفيه, ولمّا جعله الله أمانة عند الولي ليحفظه للسفيه حتى يرشد أو للصّبي حتى يبلغ فنزّله منزلة المال ونسبه للولي مجازا.
على أنّ البعض يفسره على أصل الظاهر من أنّ المال للرجل العامل, ولكن ينهى الله عن إعطائه للمرأة السفيهة أو للأولاد السفهاء الذين لا يعرفون قيمة المال فيضيّعونه ويبذرونه.
* " وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول الله إليكم " (الصف 6)
" وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أنّي رسول الله إليكم" الصف 5)
فالملاحظ عندما يتكلم الله عن موسى (ع) يأتي به مجرّدا عن أبويه, وعندما يتكلم عن عيسى (ع) عادة يأتي به مقرونا باسم أمّه, وقد تكرّرت النّسبة هذه اثنان وعشرون مرّة.
لقد تركز الضغط القرآني على كلمة " ابن مريم " تأكيدا على الجانب البشري في المسيح, ونفيا مشدّدا لما ادعته النّصارى من وجود جانب إلهي فيه.
ثمّ إنّ ها هنا تساؤل : إنّ عيسى (ع) خاطب بني إسرائيل بتأكيدين وهو قوله " إنّي رسول الله " حيث أكد ب "إنّ" والجملة الإسمية, بينما موسى (ع) خاطب قومه بثلاثة توكيدات وهي قد مع الفعل المضارع الذي يفيد هنا التحقيق, وإنّ, والجملةالإسمية, فما الوجه في ذلك؟
والجواب : إنّ عيسى (ع) قد كُذب منذ اللحظة الأولى من رسالته, وقد أكدّ لهم بشتى الوسائل نبوّته من الله ابتداءا من خلقه المعجزة, ووصولا إلى المعاجز الأخرى, وخاطبهم بقوله تأكيد القول بالفعل المقرون بالإعجاز " إنّي رسول الله إليكم".
أمّا موسى (ع) فكان يخاطبهم خطاب الإنكار لا خطاب التأكيد على نبوّته لأنّهم آمنوا بنبوّته وصدّقوا بها, فالرسول يجب أن يعظم ويبجّل, لا أن يؤذى, وقد لاقى موسى (ع) أنواع الأذى وهو قولهم : اجعل لنا ألهة, إذهب انت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون, وما روي في قصّة قارون من أنّه دسّ إليه امرأة وزعم أنّه زنى بها, ورموه بقتل هارون ونحو ذلك. فلذلك جاء كلامه على سبيل الإنكار الشديد الذي جاء مؤكدا ب " قد تعلمون " الذي يفيد التأكيد الشديد والإيمان الراسخ منهم بنبوته.
· " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم" ( الأنعام 151)
· " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم " ( الإسراء 31)
فلماذا قدّم في الآية الأولى رزق المخاطبين على رزق أولادهم؟ بينما في الاية الثانية قدّم في الاية الثانية قدّم رزق الأولاد على المخاطبين؟
وعلى قول : هل جاءت المسألة عفوية؟ أو إنّها نوع من أنواع التفنّن التعبيري؟ أم إنّ وراءها شيئا آخر؟
في الاية الأولى, نلاحظ العبارة التالية " من إملاق " التي توحي بأنّ الفقر موجود بالفعل. وما دام الفقر موجودا بالفعل فاهتمام الإنسان يكون برزق نفسه قبل أن يهتمّ برزق ولده, فهو يخاف أن يبقى جائعا لو أراد أن يطعم أولاده, وهنا يطمئنه الله تعالى على نفسه أوّلا, وعلى رزق أولاده ثانيا فيقول : نحن نرزقكم يا أصحاب الإملاق وإياهم.
بينما في الآية الثانية يقول الله تعالى " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " أي خوفا من فقر يقع مستقبلا, ولكنّ الأب يخاف إن جاءه أولاد أن يأتي الفقر معهم فيقول له الله تعالى : لا... أنا سأتكفل لهم برزقهم نحن نرزقهم وإياكم.
إذن, فالمعنى ليس واحدا في الآيتين, وإن كان يبدو في ظاهره واحدا. فمرّة يكون فقيرا بالفعل, وهنا يشغل برزقه قبل أن يشغل باله برزق ولده, فقتل الأولاد يكون نتيجة لوجود الفقر, وهنا تحمل العبارة ضمانا لرزقه أوّلا ثمّ رزق ولده ثانيا.
ومرّة يكون غنيّا ولكنه يخاف أن يأتي الفقر إذا جاء ولد, فيكون باله مشغولا برزق ولده فيقتله تحسّبا من الفقر المتوقع بمجيء الولد, وهنا تعطيه الآية بشارة برزق الولد مع مجيئه " نحن نرزقهم وإياكم".
* " إنّما وليّكم الله ورسوله والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ".
في اللغة عادة عندما تعطف وتريد أن تخبر عن شيء تأتي به بصيغة الجمع, كأن تقول المجاهدون في سبيل الله هم محمد وعلي وحسن وحسين وهكذا.
وهذه الآية تعطف وتحصر الولاية بأشخاص, ومع ذلك فإنّ ما تتكلم عن الآية جاءت بصيغة المفرد.
نزلت هذه الآية في شأن الإمام علي (ع) حينما تصدّق بخاتمه وهو راكع. وهي تثبت الولاية لكلّ من الله سبحانه وتعالى, والرسول الأعظم, (ص) والإمام علي (ع) ولكن :
لماذا عبّرت الآية الكريمة بكلمة وليّكم بصيغة المفرد؟
ولماذا لم تأت الآية هكذا " إنّما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا "
والجواب :
إنّ التعبير بهذه الطريقة يشير إلى مفهوم هامّ وهو : إنّ الولاية هي لله سبحانه وتعالى, فالله هو الوليّ الحقيقي الذي لا وليّ سواه.
أمّا ولاية النّبي (ص) والأئمّة (ع) فهي مستمدّة من ولاية الله سبحانه. وهكذا, تكون ولاية الله سبحانه ولاية بالأصالة, وولاية النّبي والإمام ولاية بالتبع.
ومن ذلك نستنتج أنّ النّبي والإمام ممثلان لله سبحانه في الأرض.. ولذلك فلا يحق لهما أن يقوما بسنّ الأحكام وتشريع القوانين وفقا لرغباتهما الشخصية, وإنّما يجب أن يكون ذلك بقرار يهبط من السماء.
وفي هذا المجال يقول سبحانه في القرآن الكريم " ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ولقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين "(الحاقة 44-46)
* " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النّور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ".
لماذا استخدم الله كلمة "سبل " والظلمات بصيغة الجمع, بينما جاءت نور وصراط بصيغة المفرد؟ وهل يفرق " صراط مستقيم عن الصراط المستقيم ؟
والجواب :
إنّ الصراط المستقيم هو صراط واحد, ذلك لأنّ الحق واحد, من هنا فإنّ الطريق إلى الحق واحد أيضا. لذلك يقول القرآن في آية أخرى " وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله " ( الأنعام 153) والنّور هو الحق , والحق هو الله سبحانه , لذلك جاء استعماله بصيغة المفرد.
وعلى العكس من ذلك " الظلمات " فإنّ المقصود منه هو الباطل, والباطل له سبل كثيرة ينفتح فيها الشيطان على أوليائه ليصدّهم عن سبيل الله تعالى " ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله "( الأنعام 153)
أمّا بالنّسبة إلى سبل السلام فإنّ الحياة حقل ألغام, والمشاكل فيها كثيرة, نفسية, وجسدية, وإجتماعية, وإقتصادية, ونحو ذلك, والسلام هو التخلص من مجموعة هذه المشاكل , كما إنّ الصحة هي التخلص من مجموعة الأمراض.
ولأنّ التخلص من كلّ واحد من هذه المشاكل يحتاج إلى طريقة وأسلوب, لذلك جاء التعبير القرآني ب " سبل السلام " وليس ب " سبيل السلام ".
وعليه يكون المعنى : إنّ الله تعالى جعل القرآن سبيلا واسطة وآلة لحلّ مشاكل البشريّة بشرط أن يتبع الناس هداه ويحرصون على رضا الله, ومن حرص كذلك فإنّ الله سبحانه يخرجهم من باطل الشيطان, وطواغيت العصور, والمنحرفين عن الجادّة المستقيمة الذين يتمثل الباطل بهم إلى نور الحق والإيمان والهدى, ومن سار على هذا الطريق فإنّه سائرلا محالة على صراط مستقيم الذي هو الإيمان بالله " إنّ الله هو ربّي وربّكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم "(الزخرف 64)
وإنّما نكّر الله " صراط مستقيم " ليدلّ على تفخيم المعنى وهالته في نفوس المؤمنين .
* " ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون " ( الحشر 9)
الملاحظ هنا إنّ الله سبحانه استعمل كلمة " يُوق " مبنية للمجهول, والمفروض أنّ الإنسان بذاته يجب أن يقي نفسه الشحّ والبخل حتى يصفه الله ب " أولئك هم المفلحون " لماذا؟
الجواب :
إنّ الشحّ ملتصق بالنفس الإنسانية , والإنسان بطبعه يحبّ أن يستأثر بالمال " وإنّه لحب الخير لشديد " (العاديات "وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله " (التوبة 81) " ويلٌ لكلّ همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده" ( الهمزة 1-2)
وهذا الإلتصاق الطبيعي يمكن أن نستفيده من إضافة " الشحّ " للنفس في الآية الكريمة.
من هنا , فإنّ من العسير على الإنسان أن يقاوم شحّه بنفسه لأنّه يصعب عليه أن يقاوم طبيعته, لذلك فهو يحتاج إلى إمداد غيبي, ووقاية خارجية كما تعبّر الآية " ومن يُوق شحّ نفسه ".
وبالطبع فإنّ هذه الوقاية الإلهية لا تهبط من السماء بدون مقدّمات على قلب الإنسان, وإنّما يوفرها الإنسان بالإيمان الحقيقي بالله, وطلب الهداية, ووضع نفسه في طريق الحق, ويسعى بجهده, ثمّ يطلبها من الله.
* " وإن تصبروا وتتقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور " (آل عمران 186)
وقال :" واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور " ( لقمان 17)
وقال :" ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " (الشورى 43)
في الآية الأولى جاء هذا التوكيد في معرض الحديث عن الصبر في مواجهة البلاء في الأموال والأنفس من قبل أهل الكتاب والمشركين " لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور"(آل عمران 186)
وفي الآية الثانية يوصي لقمان ابنه بما يصيبه في طريق الحق " يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبرعلى ما أصابك إنّ ذلك من عزم الأمور" ( لقمان 17)
بينما الآية الثالثة تتحدّث عن حالة الصبر والمقدرة والغلبة " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنّما السبيل على الذين يظلمون النّاس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأمور "( الشورى 43)
والسؤال : لماذا أضيفت " اللام " في الآية الثالثة التي تفيد زيادة في التوكيد؟
والجواب :
إنّ الصبر على الغريم الذي ستطيع أن يردّ عليه بأذى مثله يحتاج من الإنسان إلى عزم أكبر, فالصبر هنا ليس كالصبر على مصيبة لا حيلة للإنسان فيه, فالإنسان بعد ضغط شديد كان قد تعرّض له وأذى كبير قد أحاط به, وربّما هجّر من أرضه, وافتقر, وخرّب داره,وانتكست تجارته ونحو ذلك, ثم بعد ذلك ظفر على غريمه, فطبع الإنسان هنا الميل إلى الإنتقام والأخذ بالثأر. لذلك يزيد الله التأكيد على الصبر فيقول له :" ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ".
* " إيّاك نعبد وإيّاك نستعين "
في اللغة إذا تقدّم المعمول على العامل في الأفعال والضمائر فإنّه يفيد الحصر. فإذا قلت مثلا لشخص : أحبّك, هذا معناه أنّك تنسب فعل الحبّ لك , ويقع هذا الحبّ على شخص معين, وفي ذات الوقت لا ينفي نسبة هذا الحبّ إلى أيّ شخص آخر. وبالتالي لو نسب الحبّ لشخص ثمّ نسبه إلى شخص آخر لا يكون كاذبا في نسبته الأولى .
بينما لو قال إيّاك أحبّ, فإنّه ينسب الحبّ لشخص ويدّعي حصره فيه, فلو أحبّ شخصا آخر يكون كاذبا في ادّعائه الأوّل.
ومن هذا الباب أتت هذه النسبة من العبد لربّه, فعندما يقرّ العبد بإيّاك نعبد وإيّاك نستعين, فهذا معناه أنّه حصر العبودية بالله تعالى وحده لا شريك له, ونسب الإستعانة وحصرها بالله تعالى. فإذا استعان العبد بغير الله استقلالا يكون مشركا بالله وكاذبا في ادعائه, وهكذا لو عبد وأطاع إبليس فيكون مشركا وكاذبا في ادّعائه.
وإنّما قلنا لو استعنا استقلالا لأنّ الله تعالى أمرنا أن نكون خدما للمؤمنين لنقضي حاجتهم, ونرى طلباتهم طلبا لمرضاة الله, وابتغاء عفوه ورحمته ورضوانه, وهذا لا يكون إلا عندما يرى الإنسان المستطيع أنّ النّعمة كلها من الله وأنّ كلّ شيء لله, ويرى الفقير أنّ العبد المستطيع إنّما هو وسيلة من الوسائل التي أوجدها الله.
من هنا يأتي قول أمير المؤمنين (ع) :" من شكا الحاجة لمؤمن فكأنّما شكاها إلى الله,ومن شكا الحاجة لكافر فكأنّما شكا الله"( نهج البلاغة قصار الحكم).
إن هذه النسبة تفيد توحيد العبادة وتوحيد الأفعال.
* " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ".
إنّ مشكلتنا في تعاملنا الخاطىء مع القرآن الكريم عبر نظرتنا التجزيئية في فهمنا للقرآن, علما إنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا كما ورد , وجاء أيضا " يشهد بعضه ببعض وينطق بعضه ببعض"
وما هذه الآيات إلا كنموذج حيّ حول ما نتكلم عنه. فنحن نعرف منذ البداية أنّ لكلّ آية مفهوما ومصداقا, إذ إنّ مفهوم الصراط مثلا واضح نعرفه من المعنى اللغوي للكلمة في لسان العرب مثلا, أو في أيّ قاموس معتدّ به.
فالصراط بمعنى الطريق المعبد للسير. والمستقيم بمعنى المعتدل, وغير المعوج, وأقرب الطرق إلى المقصد. فمفهوم الآية واضح لا غبار عليه. ولكنّ مصداق الآية غير واضح لا ندري ما هو الصراط المستقيم الذي يجب أن نسير عليه. ولا ندري من هم الذين أنعم الله عليهم حتى نهتدي بطريقتهم, إذ إنه غير واضح من الآية, واللغة, ولسان العرب ما هو الصراط المستقيم, فماذا علينا أن نفعل ؟
الجواب : علينا أن نعرف ذلك من خلال الربط بين هذه الآية والآيات الأخرى ونكتشف مصداق الآية.
فلنقرأ في سورة يس 60 قوله تعالى " وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم " وفي آل عمران51 " إنّ الله ربّي وربّكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " وفي آل عمران 101 " ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم " وفي سورة الأنعام 125_ 126 " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ... وهذا صراط ربك مستقيما ".
وفي سورة الشورى 52-53 " وإنّك لتهدي إلى صراط الله الذي له ملك السماوات وما في الأرض"
فنعرف أنّ الصراط المستقيم هو عبادة الله والتزام منهجه في الحياة والإعتصام بحبله.
ونقرأ في آية اخرى قوله تعالى في سورة النساء 68 " ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين " فنعرف أنّ المراد من الذين أنعمت عليهم هم الأنبياء, والصديقون, والشهداء, والصالحون.
والآن لنتساءل : من هم الضالون؟
من هم الذين ندعو الله تعالى كلّّ يوم عشر مرات على الأقلّ لكي يبعدنا عنهم؟
من خلال مراجعة الآيات الأخرى نجد أنّ القرآن الكريم يحدّد الضلال فيما يلي :
1- الكفر بكافة أشكاله وألوانه "ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالا بعيدا" (النساء 136)
"ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالا بعيدا" (النساء 116)
" ومن يتبدّل الكفر بالإيمان فقد ضلّ سواء السبيل "(البقرة 108)
2- التعدّي على حقوق الآخرين " بل الظالمون في ضلال مبين " ( لقمان 11)
3- الإنحراف بكافة ألوانه وأشكاله " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " (ص 26)
" ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا " (الأحزاب 36)
وهكذا استطعنا أن نكتشف من خلال الآيات الأخرى أنّ المراد " بالضالين " هم كلّ المنحرفين فكريا, والمنحرفين سلوكيا والذين يتعدّون على حقوق الآخرين. وهذا ما يطلق عليه بتفسير القرآن بالقرآن.
وهكذا نعرف من هم المغضوب عليهم من خلال تتبّع الآيات الكريمة :
1- الذي يقتل النفس المحترمة " ومن يقتل مؤمنا متعمّدا فجزاؤه جهنّم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما " ( النساء 93)
2- اليهود " قل أئنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله وغضب الله عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شرّ مكانا وأضلّ عن سواء السبيل " (المائدة 60)
3- المنافقون والمشركون " ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظنّ السوء وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيرا " (الفتح 6)
4- الكافرون " بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزّل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ( البقرة 90)
5- الذين يفرون من الزحف " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرّفا لقتال أو متحيّزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير " (الأنفال 16)
فإذن المغضوب عليهم هم أهل الكتاب خاصّة منهم وقاتل النفس المحترمة الذي بقتل نفس يقتل البشرية, والمنافقون الذين يسعون إلى إفساد الدين وتخريب عقيدة المؤمنين, والمشركون, والكافرون الذين ارتضوالأنفسهم حالة العداء مع المؤمنين, ومن يخلخل قوة المسلمين عبر الفرار من مواجهة الأعداء.
وطالما أنّنا عرّجنا في الكلام على تفسير القرآن بالقرآن, والمعبّر عنه بالتفسير الجمعي الذي يعتمد على أسلوب استخراج الآيات حسب المواضيع من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم والذي يسهّل إلى أبعد حدّ في تحديد الآيات التي تتحدّث عن مادّة معينة, تماما كما ذكرنا في تحديد مصاديق المغضوب عليهم ولضالين.
ثمّ إنّ هناك جمعا آخر وهو الجمع الترتيبي. وذلك يعني فرز مجموعة من الايات وترتيبها ترتيبا منطقيا. ولهذا النوع من الجمع معطيات وفوائد : منها :
1- حلّ التناقض المتوهّم بين الآيات القرآنية, ذلك أنّنا حين ننظر إلى الآيات بشكل غير منظم, فقد نتصوّر اختلافا بين مفاهيم هذه الايات, ولكنّنا بعد تنسيقها وتنظيمها لا نجد أيّ اختلاف, بل نجد الأمر من قبيل الخصوص والعموم, والتقييد والإطلاق, أو ما أشبه ذلك.
2- فهم مرحلية هبوط الأحكام الإلهية, ذلك أنّ الأمر أو النّهي عندما يتعلق بقاعدة أساسية من قواعد التصوّر الإيماني, أي بمسألة اعتقادية فإنّ الإسلام يقضي فيها قضاءا حاسما منذ اللحظة الأولى.
ولكن عندما يتعلق الأمر أو النّهي بعادة أو تقليد, أو بوضع إجتماعي معقد, فإنّ الإسلام يتريّث فيه, ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرج, ويهيّء الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة.
وكمثال على ذلك نأخذ قضية تحريم الخمر:
إنّ مسألة تحريم الخمر لم يكن النّهي عنها أمرا يتعلق بالتوحيد, أو الشرك, أو أيّة مسألة اعتقادية, وإنّما كان عادة تعوّد عليها النّاس. والعادة يحتاج فيها إلى علاج, لذلك تدرّج القرآن من مرحلةإلى مرحلة حتى وصل إلى التحريم النهائي. وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) " ما بعث الله نبيّا قط إلا وفي علم الله تعالى أنّه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر, ولم يزل الخمر حراما وإنّما ينقلون من خصلة إلى خصلة " و" ولو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين".
وعنه (ع) :" ليس أحد أرفق من الله تعالى فمن رفقه تبارك وتعالى أنه ينقلهم من خصلة إلى خصلة ولو حمل عليهم جملة لهلكوا "
والآن لننظر كيف بدأ القرآن الكريم في تحريمه للخمر:
المرحلة الأولى : بدأ القرآن بتحريك الوجدان الديني, والمنطلق العقلي في نفوس المسلمين , وذلك ببيان أنّ الإثم في الخمر أكبر من النفع , فقال تعالى " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للنّاس وإثمهما أكبر من نفعهما " ( البقرة 219) وفي هذا إيحاءٌ بأنّ تركها أولى.
المرحلة الثانية : التضييق وشدّ الخناق على شاربي الخمر ليقلعوا عنها أكثر فأكثر. " يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون "(النساء 43).
والصلاة في خمسة أوقات, أو ثلاثية متقاربة لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة. وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لشرب الخمر, ولكسر عادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي, إذ المعروف أنّ المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر, أو مخدر في الموعد الذي اعتاد تناوله, فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرّر هذا التجاوز فترة كسر العادة وأمكن التغلب عليها .
المرحلة الثالثة : مرحلة التحريم النهائي.
" إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ".( المائدة 90-91)
الجمع الإستنباطي :
الجمع الإستنباطي يعني الجمع بين آيتين من القرآن الكريم أو أكثر لإستنباط حكم تشريعي معين أو فكرة معينة.
والتراث الذي خلفه لنا الأئمة الأطهار غنيّ بهذا النوع من الجمع, لذلك نقتصر على نماذج منه.
النموذج الأوّل :
عن الدؤلي قال : " رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر, فأراد عمر أن يرجمها (باعتبار أنها ولدت قبل إكمال تسعة أشهر من زواجها ممّا أثار ريبة عمر في ارتكابها للفحشاء قبل زواجها) فجاءت أختها إلى عليّ بن أبي طالب فقالت : إنّ عمر رجم اختي, فأنشدك الله إن كنت تعلم أنّ لها عذرا لما أخبرتني به. فقال عليّ : إنّ لها عذرا. فكبّرت تكبيرة سمعها عمر ومن عنده.
ثمّ انطلقت إلى عمر فقالت : إنّ عليّا زعم أنّ لأختي عذرا . فأرسل عمر إلى عليّ, فقال : ما عذرها؟
قال (ع) :" إنّ الله يقول :" والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين"(البقرة 233) وقال " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا"(الأحقاف15) وكان الحمل هنا ستة أشهر.
قال الراوي: ثمّ إنّها ولدت آخر لستة أشهر".
وهكذا استطاع الإمام عليّ أن يبيّن للنّاس من خلال هذه الآيات التي قد لا يبدو عند النظرة العابرة وجود أيّ ترابط فيما بينها أنّ فيها حكما عظيما من أحكام الإسلام, وأن ينقذ المرأة البريئة من حكم الرجم.
النموذج الثاني :
ورد في كتاب العقوبات في الإسلام "إنّ سارقا اعترف على نفسه بالسرقة فأحضروه إلى مجلس المعتصم الملك العباسي كي يجري عليه الحدّ, ولكنّ المعتصم لم يعرف حدّه, فأحضر فقهاء بغداد وفيهم ابن أبي داود والإمام الجواد (ع) فسألهم : من أين تقطع يد السارق؟
فقال إبن أبي داود : من مفصل الكفّ, واستدلّ بآية التيمم " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم".
ولكنّ العلماء الآخرين اطبقوا على قطع اليد من المرفق مستدلين بآية الوضوء " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق".
كلّ ذلك والإمام الجواد (ع) ساكت لا يتكلم بشيء حتى التفت إليه المعتصم قائلا : ما تقول؟
غير أنّ الإمام (ع) لم يكن يريد الرذّ على هؤلاء. فقال : قالوا وسمعت!
فتطلع المعتصم إلى رأي جديد يضمره الإمام (ع) فألحّ عليه قائلا : لا رأي لي عند هؤلاء... بالله عليك إلا ما حكمت.
فقال الإمام (ع) :" إنّ النّبي (ص) أمر أن توضع المواضع السبعة ( التي منها الكفان) في السجود على الأرض, ويقول الله الحكيم ( إنّ المساجد لله) فلا تقطع الكفّ التي هي من المساجد ( بل تقطع الأصابع الأربعة فحسب )
وهكذا كشف الإمام (ع) حدود قطع يد السارق بالجمع بين آيتين كريمتين هما قوله تعالى " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " وقوله تعالى " وأنّ المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا".
النموذج الثالث :
عن علي بن يقطين أنّه قال : " سأل المهدي العباسي أبا الحسن الكاظم عليه السلام عن الخمر فقال : هل هي محرّمة في كتاب الله؟ فإنّ الناس يعرفون النّهي, ولا يعرفون التحريم.
فقال أبو الحسن (ع) : بل هي محرّمة .
قال : في أيّ موضع هي محرّمة بكتاب الله يا أبا الحسن؟
قال (ع) : قول الله تبارك وتعالى " قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق "(الأعراف33) فأمّا قوله " ما ظهر منها " فيعني الزنا المعلن, ونصب الرايات التي ترفعها الفواجر في الجاهلية.
وأمّا قوله " وما بطن " يعني ما نكح من الآباء, فإنّ النّاس كانوا قبل أن يبعث النّبي (ص) إذا كان لرجل زوجة ومات عنها تزوّجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمّه , فحرّم الله ذلك.
وأمّا الإثم فإنّها الخمر بعينها, وقد قال الله في موضع آخر " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس"(البقرة219) فأمّا الإثم في كتاب الله فهي الخمر, وأمّا الميسر فهي النرد, وإثمهما كبير.
فقال المهدي : هذه والله فتوى هاشمية.( من تفسير الصافي ج2)
الجمع الموضوعي :
وهو عبارة عن فرز الآيات التي تتحدّث حول موضوع معين, وتصنيفها إلى مجموعات , وترتيب هذه المجموعات حسب تسلسلها المنطقي, ومن ثمّ استخراج الحكم القرآني النّهائي حول ذلك الموضوع.
ويختلف الجمع الموضوعي عن عن الجمع الإستنباطي في نقاط كثيرة. منها :
1- إنّ الجمع الإستنباطي يتمّ عادة ضمن آيتين أو ثلاث, فهو جمع محدود, بينما الجمع الموضوعي يتمّ عادة ضمن مجموعة كبيرة من الآيات.
2- إنّ الجمع الإستنباطي تكون نتيجته غالبا حكما شرعيا , بينما تتسع آفاق الجمع الموضوعي لتشمل كثيرا من القضايا السياسية, والإجتماعية, والثقافية, وغيرها.
3- إنّ الجمع الإستنباطي يقتصر على فئة محدودة من الراسخين في العلم باعتبار صعوبة استخراجه, بينما تفتح أبواب الجمع الموضوعي لمجموعة أكبر من الباحثين.
والحقيقة إنّ الجمع الموضوعي لآيات القرآن الكريم يعتبر من أهمّ أنواع الجمع القرآني , وذلك لسببين :
السبب الأوّل : للميّزات السابقة التي أشرنا إليها.
السبب الثاني : إنّ المعطيات والنتائج التي يفرزها هذا النوع من الجمع مهمّة جدّا, والتي من أهمّها : الخروج برؤية قرآنية متكاملة حول موضوع معين.
والآن نستعرض نموذجا واحدا من الجمع الموضوعي لآيات القرآن الكريم مع مراعاة الإختصار لتكون نافذة متواضعة تفتح أمام القراء الآفاق الواسعة لفهم الجمع الموضوعي لآيات القرآن الكريم. وهذا النموذج هو الشفاعة.
الشفاعة :
لقد وجدت على امتداد التاريخ الإسلامي مذاهب كثيرة منحرفة, وكان آخرها مذهب الوهّابية التي كانت وما زالت تستند إلى بعض الايات القرآنية في دعم أفكارها الخاطئة.
وكان الخطأ الذي ارتكبته هذه المذاهب ناتجا عن الفهم التجزيئي لآيات القرآن الكريم.
لقد كانوا يجدون آية تتحدث عن موضوع معين, وكان ظاهرها يعطي معنى معين ,فكانوا يتمسّكون بهذا الفهم, ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في نفس الموضوع وتكامل الايات مع بعضها البعض, حتى وصل الأمر بهم إلى نفي الشفاعة, أو تضييق الأمر بنحو يخرج الموضوع عن النظرة الإلهية الصحيحة له.
وعندما نلقي نظرة موضوعية على الآيات التي تتحدّث حول الشفاعة نجدها تنقسم إلى أربع مجموعات:
المجموعة الأولى : لا شفاعة
ويندرج ضمن هذه المجموعة كلّ الآيات التي تنفي الشفاعة, والتي تنقسم إلى أربعة أقسام
القسم الأوّل : الآيات التي تنفي الشفاعة بشكل مطلق, وينحصر هذا القسم في الآية الكريمة
" يا أيّها الذين آمنوا أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون" (البقرة 254)
القسم الثاني : الآيات التي تنفي الشفاعة التي كان يتصوّرها اليهود
" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون " ( البقرة 47-48)
" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون " ( البقرة 122- 123 )
القسم الثالث : الآيات التي تؤكد أن لا شفاعة للكفار يوم القيامة:
" يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربّنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نردّ فنعمل غير الذي كنّا نعمل قد خسروا أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يعملون " ( الأعراف 53)
" وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كانوا تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنّا لفي ضلال مبين إذ نسوّيكم بربّ العالمين فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " ( الشعراء 91...100)
" وكنّا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين " ( المدثر 46..48)
القسم الرابع : الآيات التي تنفي أن تملك الأصنام المعبودة الشفاعة :
" وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون " ( الأنعام 94).
" ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبؤون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عمّا يشركون " ( يونس 18)
" ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين " ( الروم 13 )
"ءأتخذ من دونه إلهة إن يردن الرحمن بضرّ لا تغني عنّي شفاعتهم شيئا ولا ينقذون " ( يس 13)
" أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يماكون شيئا ولا يعقلون " ( الزمر 43 )
المجموعة الثانية : الشفيع هو الله تعالى
المجموعة الثانية هي مجموعة آيات تصرّح بأنّ الشفاعة مختصّة بالله تعالى وليس هناك شفيع غيره:
" وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع لعلهم يتقون " (الأنعام51)
" وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرّتهم الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع " ( الأنعام 70)
" الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيّام ثمّ استوى على العرش ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع أفلا تتذكرون " (السجدة 4)
" قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثمّ إليه ترجعون " (الزمر 44)
المجموعة الثالثة : هناك شفعاء ولكن بعد إذن الله تعالى :
" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" (البقرة 255)
" ما من شفيع إلا من بعد إذنه " ( يونس 3 )
المجموعة الرابعة : هناك شفعاء ولكن بشروط خاصّة :
" ونسوق المجرمين إلى جهنّم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " ( مريم 86 87)
" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " ( الأنبياء 28 )
" وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " (النجم 26)
" يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا " (طه 109)
والآن لنلق نظرة تحليلية موجزة حول هذه المجموعات القرآنية :
1- المجموعة الأولى من الايات الواردة حول الشفاعة لا تتناقض مع بقيّة المجموعات, وذلك لأنّ سائر المجموعات تثبت أقساما معيّنة من الشفاعة, وهذه تنفي أقساما أخرى لا ترتبط بالأولى لا من قريب ولا من بعيد, فهذه المجموعة تنفي :
أ ) الشفاعة الإعتباطية التي لا تتقيّد بقيد أو شرط, كما هو مورد القسم الأول من المجموعة الأولى.
ب ) الشفاعة التي كان يحلم بها اليهود الذين كانوا يقولون إنّنا أولاد الأنبياء, ومهما كانت ذنوبنا ثقيلة فإنّ آبائنا سوف يشفعون لنا.
هذا النوع من الشفاعة مرفوض في رؤية القرآن, وذلك لأنّ مجرّد الإنتساب إلى عائلة الرسالة لا تكفي لتبرير الإنحراف عن خط الله تعالى, ومن ثمّ انتظار الرحمة والغفران الإلهيين من دون أيّ جهد أو تعب.
ج ) كما إنّ الكفار الذين قطعوا كلّ علاقاتهم مع الله, واتخذوا من دونه أوثانا وشركاء , هؤلاء لا يمكن أن تقلّ شفاعة أحد في حقهم يوم القيامة.
د ) من الطبيعي أنّ الأصنام المعبودة من دون الله لا يمكن أن تقوم بمهمّة الشفاعة خلافا لكلّ التصوّرات الجاهلية التي كانت تقدّس الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى, ولتقوم بمهمّة الشفاعة لهم عند الله تعالى .
وإذا تجاوزنا هذه الأقسام الأربعة من الشفاعات المرفوضة من المجموعة الأولى نصل إلى الشفاعة المقبولة.
هذه الشفاعة كما تؤكد ذلك المجموعة الثانية هي مختصة بالله تعالى, ويعني ذلك : إنّ من سوى الله لا يستطيع أن يشفع للعصاة باستقلاله.
إذن : فالشفاعة الإستقلالية هي مختصّة بالله سبحانه, بينما الشفاعة التبعية يمكن أن تكون نصيب الاخرين.
إذن: فإنّ هنالك شفعاء آخرين من دون الله إلا أنّهم لا يستطيعون أن يشفعوا إلا من بعد إذنه, وهو ما تؤكده المجموعة الثالثة من آيات الشفاعة.
ولكنّ السؤال : متى يأذن الله سبحانه بالشفاعة؟
إنّ المجموعة الرابعة هي التي تجيبنا عن هذا السؤال , فهي تحدّد شروطا خاصّة في المشفوع له, ومن دون توفر هذه الشروط فإنّ الله سبحانه لا يأذن بالشفاعة.
وهذه الشروط هي : أن يكون المشفوع له مرضيّا عند الله, ومتخذا عند الرحمن عهدا.
وبعبارة اخرى : أن يكون الخط العام في حياته خطا إلهيّا سليما, وعندئذ تتكفل الشفاعة بسائر انحرافاته الجزئية.
* " وذا النّون إذ ذهب مغاضبا فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيّناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين "(الأنبياء87)
في هذه الآية جملة من التساؤلات التي قد تطرح لأوّل وهلة :
السؤال الأول : هل يمكن للنّبي أن يذهب مغاضبا قد استحكم عليه الغضب؟ وأين سعة الصدر التي يجب أن يتحلى بها الداعية إلى الله, فكيف إذا كان هذا الداعية نبيّا؟
السؤال الثاني :هل يمكن أن يظنّ النّبي لحظة واحدة بأنّ الله لا يقدر ويستطيع عليه؟
السؤال الثالث : كيف تقولون إنّ النّبي معصوم لا يذنب ولا يظلم, والآية صريحة باعتراف النّبي بظلمه, والإقرار سيّد الأدلة؟
وبالجملة, من خلال هذه التساؤلات قد يظهر منها أن النّبي يونس (ع) غير جدير بتحمّل اعباء الخلافة وقيادة الأمّة التي بعث فيها ليخرجها من الظلمات إلى النّور.
ولكن بالرجوع إلى قصّة النّبي يونس مع قومه, وبالنّظرة التحليلية الصافية لهذه الآية ينقلب الأمر انقلابا جذريا, وسوف تكون النتيجة أنّ يونس (ع) نبيٌ ممدوح مجبول بحبّ وعشق الله, ولم يعص الله طرفة عين أبدا, معصية تستوجب غضب الله, وفقدان العصمة الإلهية, وكلّ تلك التساؤلات لا واقع لها.
ومجمل الأمر, إنّ النّبي يونس (ع) بعث إلى قومه وظلّ دهرا يدعوهم وهم يرفضون دعوته,ويستهزئون به وبدعوته حتى يئس منهم ويئسوا منه, ووصل الأمر إلى طريق مسدود.من هنا دعا يونس ربّه أن ينزل عليهم العذاب الأليم باعتبار أنّهم أصبحوا الصخرة المنيعة في وجه الدعوة, ولم يعد يأمل منهم خيرا على الإطلاق.
خرج يونس (ع) مغاضبا , غضبوا عليه, وغضب عليهم, والغضب منه كله لله, وقد اعتبر نفسه أنّه قد أُعذر إلى الله, واستنفذ كلّ طاقته وأساليبه, وكان واسع الصدر إلى أقصى درجة, ولكنّهم ركنوا إلى الدنيا, وأقفلوا الطريق أمام دعوة الله تعالى.
ولكنّ خروج يونس لم يكن بأمر مباشر من الله, وإذن صريح منه باعتبار أنّ يونس النّبي يعلم تمام العلم ومتيقن بوعد الله, وأنّ الله لا يمكن أن يخلف دعاء النّبي, فإذا دعا النّبي ربّه فإنّ الله لا محالة سوف يستجيب لطلبه. هذا اوّلا.
وثانيا إنّ النّبي يعلم بعلم الله أنّ العذاب إذا حلّ على قوم فإنّه سوف يعمّ, ويشمل حتى المؤمن والكافر الذي يكون في مكان حلول العذاب, أمّا الكافر فنصيبه جهنم, وأمّا المؤمن فنصيبه الجنّة.
لذلك نرى أنّ الله إذا أراد أن يعذب قوما فإنّه يأمر نبيّه بأن يخرج مع القوم المؤمنين حتى لا يشملهم العذاب, وإذا أراد أن يغرق قوما فإنّ الله يهيّء للنّبي وللمؤمنين وسيلة للنّجاة,تماما كما حصل مع نبي الله نوح (ع) إذ أمر نبيّه أن يصنع الفلك, أي السفينة لتحمل المؤمنين معه.
يونس (ع) يعلم ذلك كله, لذلك حكم من تلقاء نفسه أنّه قد دعا على قومه, وأنّ دعاءه مستجاب لا محالة, وأنّ العذاب إذا حلّ شمل وعمّ, لذلك فإنّه رتب الأثر على نفسه بهذه السنن الإلهية فخرج غضبان على قومه متيقنا بأنّ الله سوف يحلّ عليهم العذاب الأليم, وقد غاب عنه أنّه لا بدّ من أن يأخذ الإذن الصريح من ربّه, ولذلك أراد سبحانه أن يلقن عبده درسا فيه العبر والدروس.
نزل يونس إلى البحر وصعد مع قوم في سفينة, ورأى فيه القوم سيماء الصالحين فاستبشروا به خيرا, غير أنّ الله سبحانه سلط على هذه السفينة حوتا ضخما, واستمرّ الحوت في ملاحقة وإزعاج السفينة حتى علم القوم بأنّ الحوت مسلط عليهم, فاقترعوا أن يلقوا بأحدهم ليلهو الحوت عنهم, فكانت القرعة في المرّة الأولى, والثانية, والثالثة من نصيب يونس (ع).
ألقي يونس في البحر, فالتقمه الحوت. وهنا يبدأ مشوار العشق الإلهي. فمع أنّ يونس في بطن الحوت , والمفروض أن يكون طعاما للحوت, ولكنّ الرحمة الإلهية عطلت قانون الهضم وإفرازاته الأسيدية, والمفروض في مثل هذه الحالة أن يحلّ اليأس بالضحية, ولكنّ يونس كان يعلم علم اليقين بأنّ الله تعالى سوف لن يقلل رحمته عليه, وأنّ الله سوف يخرجه من هذه المحنة, وهذا ما نفهمه من كلمة " فظنّ " إذ إنّ كلمة ظنّ في اللغة العربية تتضمن معنيين :
الأوّل : الظنّ ترجيح أحد طرفي الأمرعلى الآخر.
الثاني : الظنّ بمعنى اليقين.
فيونس (ع) كان عنده اليقين بأنّ الله سوف لن يقدر عليه أي يقلل عليه الرحمة , لا أنّه لا يستطيع عليه كما قد يتوهّم الساذجون.
وهذا المدلول له نظير في القرآن الكريم " ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه الله"( الطلاق7)
" وأمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربّي أهانن "(الفجر16) أي إذا قللنا عليه الرزق.
والعبد الشكور المطمئن برحمة الله يعترف بتقصيره , لذلك فإنّ يونس (ع) أقرّ بأنّه ظلم نفسه حينما خرج من بلده وقومه من دون ان يأخذ الإذن الصريح بذلك.
والدليل على أنّ الظنّ بمعنى اليقين إنّ الله تعالى يعلم أنّ عبده متيقن برحمته, وإنّ الله لايمكن أن يتخلى عنه طرفة عين, وبمجرّد إقراره على نفسه بترك الأولى جاءه الفرج مباشرة " فاستجبنا له ونجيناه من الغمّ, إذ الفاء تفيد الترتيب والتعقيب مباشرة.
إذن يونس (ع) ضرب لنا مثلا في الإيمان الراسخ والعقيدة الصلبة بارتباط العبد بربّه وحسن الظنّ به والتسليم لمشيئته.
فالدروس المستفادة من هذه الآية هي :
1- على الإنسان أن يكون منقادا للقيادة وملتزما بالقانون الصريح.
2- أن لا ينفذ الإنسان ما في رأسه حتى ولو كان ضمنا يعلم بأنّ القيادة راضية.
3- على الإنسان المؤمن أن يكون منسجما مع عقيدته وأن يعيش دائما الإحساس برحمة الله.
4- أن يتهم الإنسان دائما ولا يبرّىء نفسه " وما أبرّىء نفسي إنّ النفس لأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي" (يوسف53)
5- الإستغفار سبب من أسباب دوام النّعم والنّجاة من الأزمات الصعبة.
* " إنّ ربّكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة ايّام ثمّ استوى على العرش يغشي الليل النّهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين "
قد يتساءل البعض ويقول : إنّ الإسلام دين العلم, فما يثبته العلم يقرّه الشرع, ولا تعارض بينهما كما تزعمون, وإنّ الثابت علميّا أنّ تكوّن السماوات والأرض استغرق مليارات السنين, وهذا صار من البديهيات العلمية. فكيف يقول القرآن الكريم أنّ خلق السماوات والأرض قد استغرق ستة أيام؟
إذن هناك تكاذب بين العلم والدين الإسلامي, وقد سقطت مقولة أنّ الإسلام دين العلم.
وإذا كان الله قادرا بالقدرة المطلقة, فما وجه خلق السماوات والأرض بهذه المدّة, أليس الله هو القائل : إنّما أمره أن يقول للشيء كن فيكون؟
ثمّ ما معنى الإستواء؟ وهل هناك فرق بين الخلق والأمر؟
والجواب :
إنّ المتتبّع لمعنى كلمة " يوم " في اللغة أو في الإستعمالات العرفية, أو في السنّة النّبوية, أو على لسان الأئمّة الأطهار, أو في القرآن الكريم يعرف ممّا لا شكّ فيه ولا ريب يعتريه أنّ كلمة " يوم " تستعمل لما هو أشمل بكثير من تعاقب الليل والنهار , والذي هو عبارة عن الأربع والعشرين ساعة.
ففي اللغة ربّما يطلق اليوم على الزمن بين طلوع الشمس وغروبها, وربّما على مقدار من الزمان مهما كان مقداره.
قال الراغب في كتاب المفردات " اليوم يعبّر به عن وقت طلوع الشمس إلى غروبها , وقد يعبّر به عن مدّة من الزمان أي أيّ مدّة كان ".
وفي الإستعمالات العرفية يستعمل النّاس كلمة اليوم لتدلّ على حقبة معيّنة تطول وتقصر بحسب بداياتها ونهاياتها.
فكثيرا ما نسمع في المحاورات اليومية , أو نقرأ أشعار الشعراء في اللغات المختلفة أنّ كلمة يوم بمعنى الدورة والعهد, فيقال : اغتصبت خلافة رسول الله (ص) , فيوما اغتصبها بنو أميّة, ويوما اغتصبها بنو العباس. في حين إنّ فترة اغتصاب الأمويين للخلافة استغرقت عشرات السنين, بينما استغرق اغتصاب بنو العباس لها مئات السنين .
وجاء في روايات أئمة أهل البيت استعمال اليوم بمعنى الدهر, كما روي عن أمير المؤمنين في نهج البلاغة " الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك".
وجاء في القرآن الكريم " وإنّ يوما عند ربّك كألف سنة ممّا تعدّون "( الحج 47) و " تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " (المعارج 4 ).
إذن, ليس المقصود من اليوم هو الليل والنهار حتى يأتي هذا الإشكال, وإنّما المقصود من اليوم هو الحقبة, أو الدورة, أو المرحلة.
وقد ورد في تفسير البرهان في تفسير هذه الآيةعن تفسير علي بن إبراهيم أنّ الإمام (ع) قال " في ستة أيام أي في ستة اوقات "
ومن مجموع الحديث السابق نستنتج أنّ الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض في ستة دورات متتالية وإن استغرقت كلّ دورة من هذه الدورات ملايين أو مليارات السنين, وفي هذا الأمر تطابق مع ما يقوله العلم.
أمّا لماذا كان الخلق في ستة أيّام ولم يكن دفعة واحدة ,فلهذا الأمر حكمة عالية من الخالق الحكيم القدير.
إنّ الخلق لو تمّ في لحظة واحدة لكان ذلك أقلّ دلالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه. ولكن لما تمّت عملية الخلق والتكوين في مراحل مختلفة, وأشكال متنوعة وفق برنامج منظم محسوب, كان ذلك دلالة أوضح على معرفة الخالق.
ففي المثل لو كانت النطفة البشرية تتبدّل في لحظة واحدة إلى وليد كامل لما كان ذلك يحكي عظمة الخالق والتكوين, ولكن عندما ظهر الوليد خلال تسعة أشهر, وضمن برنامج دقيق, واتخذ في كلّ يوم وشهر شكلا خاصّا وصورة خاصة استطاعت كلّ واحدة من هذه المراحل أن تقدّم آية جديدة من آيات العظمة الإهية, وتكون دليلا جديدا على قدرة الخالق.
صحيح إنّ الإنسان لو تزوّج وبعد مواقعته لزوجته بساعة يولد له طفل فإنّ في ذلك معجزة , وتتجلى قدرة الخالق في مخلوقاته, ولكن إذا كان هناك مراحل مختلفة,ففي كلّ مرحلة تتجلى آيات الله في خلقه, بدءا من إنزال المنيّ في فرج المرأة, ووصول حيمن واحد فقط إلى البويضة, وتشكيل هالة مخاطية حول البويضة لتمنع دخول مئات الملايين من الحيوانات المنوية إليها, وهذه آية عظيمة, وصولا إلى انكسار الكروموزونات وبدء تشكيل المخلوق الجديد, إلى المضغة , إلى تكوين العظام إلى كسو العظام لحما وصولا إلى أخذ مواصفات من الأب ومن الأمّ وانتهاءا بتكوين هذا الإنسان العظيم, وكذلك الأمر في خلق السماوات , وما زال العلم يكشف الكثير من هذه الآيات التي تتجلى فيها عظمة الخالق.
والعرش في اللغة هو ما له سقف, وقد يطلق العرش على نفس السقف مثل قوله تعالى " أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها" ( البقرة 259).
وربّما يأتي بمعنى الأسرّة الكبيرة المرتفعة مثل أسرّة الملوك والسلاطي, كما جاء في قصّة نبيّ الله سليمان (ع) .
وهكذا يطلق لفظ العرش على الأسقف التي يقيمها المزارعون لحفظ بعض الأشجار وبخاصة المتسلقة منها " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات" ( الأنعام 141)؟.
ولكن عندما يستعمل في شأن الله سبحانه وتعالى ويقال عرش الله ويراد منه مجموعة عالم الوجود الذي يعدّ في الحقيقة سرير حكومة الله تعالى.
وأما الإستواء فأفضل وسيلة لمعرفة معناه أن نفسرها بالقرآن. قال الله تعالى " ولمّا بلغ أشدّه واستوى آتيناه حكما وعلما " القصص 14) أي لمّا استتمّ شبابه وصار راشدا.
وقال تعالى " كزرع أخرج شطأه فاستغلظ فاستوى على سوقه " (الفتح29)أي استتمّ ذلك الزرع وصار كاملا تكاملت فيه العناصر الغذائية. فيكون المعنى" ثمّ استوى على العرش" معطوفا بكلمة
" ثم " التي تدلّ على التراخي لأنّ الإستواء في العرف هو الجلوس بعد الإنتهاء من العمل, ولا يتمّ الجلوس على العرش إلا بتمامية العرش, وليس تمامية العرش إلا بتمامية السماوات والأرض.
وما هذا إلا كناية عن الإحاطة الكاملة لله تعالى وسيطرته على تدبير أمور الكون سماءا وأرضا بعد خلقها.
ما هو الخلق والأمر؟
بالنّظر إلى القرائن الموجودة في هذه الآية والآيات القرآنية التي تتحدّث عن الخلق والأمر يستفاد أنّ المراد من الخلق هو الإيجاد والإبتداع, والمراد من الأمر هو السنن والقوانين الحاكمة على عالم الوجود بأسره بأمر الله والتي تقود الكون في مسيره المرسوم له.
إنّ هذا التعبير في الحقيقة ردّ على الذين يتصوّرون أنّ الله خلق الكون ثمّ تركه لحاله وأهله, وجلس جانبا. أو بعبارة اخرى إنّ العالم بحاجة إلى الله في وجوده وحدوثه دون بقائه واستمراره.
إنّ هذه الجملة تقول : كلا, بل إنّ العالم كما يحتاج في حدوثه إلى الله كذلك يحتاج إليه في تدبيره واستمرار حياته ودارة شؤونه إلى الله. ولو أنّ الله صرف عنايته ولطفه عن الكون لحظة واحدة لتبدّد النظام وانهار وانهدم بصورة كاملة.
وهناك من فصّل بين الخلق والأمر , فاعتبر أنّ الخلق هو ما سار على السنن الإلهية من المراحل التي لا بدّ منها, بينما الأمرهو كلّ ما طوى تلك المرحلة لمعجزة ونحوها " إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون" ( يس 82)
وعليه فكلّ فرد من الإنسان يوجد بعملية خلق, بينما آدم وعيسى وناقة صالح أمر من الله تعالى.
* " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين "
إنّ "لا " هنا نافية للجنس, ومقتضاها نفي جنس الريب في القرآن, مع إنّنا نرى الكثيرين يشكون في القرآن ويشكون في نسبته, ويشككون في مداليل الآيات القرآنية, فما هو إذن وجه استعمال نفي الجنس هنا؟
وهل القرآن الكريم نزل لهداية المتقين فقط, وبالفرض هم مهتدون؟
الجواب :
الريب هو الشك بل هو أدنى مراتبه, وكون لا نافية للجنس, أي إنّها تنفي جنس الريب,فهو مبرّأ من كلّ عيب وشكّ لأنّ نفي الطبيعة يقتضي نفي جميع أفرادها المتصوّرة في تحققها, فنفي الريب بقول مطلق يقتضي نفيه في نظمه, وبلاغته, وفي علومه, ومعارفه, وتشريعاته, وجميع الجهّات المتصوّرة.
وليس المقصود من لا ريب فيه إنّه لا يرتاب به في الخارج أحد, بل المقصود : إنّ الإنسان العارف الذي عنده العلم والمعرفة بحقائقه سوف لن يرتاب فيه.
إنّ هذا الإخبار بنفي الريبة فيه لهو تحدّ صارخ للنّاس أن ابحثوا فيه وتدبّروا أياته فإنّكم لن تجدوا فيه إلا المعجزة والحقيقة الثابتة أنّه من لدن خبير لطيف.
وأمّا الذين ينكرونه ويحاولون أن يطمسوا الحقيقة بعنادهم, فما هو إلا جحود به وإنكار أعمى له
" جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا " ( النمل 14)
وبالنسبة إلى السؤال الثاني: إنّ القرآن الكريم نزل لأجل البشرية جمعاء, ولم يكن لطائفة من النّاس طرفة عين أبدا" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان "( البقرة 185) " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله"(التوبة 33) والنّبي (ص) أرسل للنّاس كافة " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين "(الأنبياء 107)
إذن القرآن نزل هداية للناس جميعا, وقد أمرهم الله باتباع ما فيه لأجل مصلحتهم ومنفعتهم " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتبعوا من دونه أولياء " ( الأعراف 3).
أمّا المتقون فهم أولئك الذين انفتحت قلوبهم وعقولهم على فكر الحق من خلال التأمّل حتى عاش القرآن في وجدانهم قناعة واطمئنانا, يربطهم بالقاعدة الصّلبة من الفكر, واندمجت أرواحهم في لقاء الله حتى أحسّوا بحضوره معهم في يقظتهم ومنامهم.
ولأنّهم انفتحوا على الحق ويعرفون أنّهم مكلفون منه, فإنّهم يحتاجون إلى من يهديهم إلى الطريق المستقيم, ولا شيء اعظم من القرآن هاديا.
إنّ المتقين هم الذين يخافون الله ويحبّونه بإخلاص وإيمان ويشعرون من خلال ذلك بالمسؤولية التي تتحوّل إلى مراقبة ومحاسبة في الفكر والعمل فيندفعون في عملية ملاحقة للأسس التي يرتكز عليها الهدى من أجل أن تكون موضع تفكير ومناقشة.
أمّا الآخرون من غير المتقين فهم الذين لا يشعرون بالمسؤولية تجاه أنفسهم وتجاه ربّهم بل واتجاه الحياة كلها...
إنّهم يواجهون الحياة مواجهة اللامبالاة, والهروب من كلّ شيء يتعب الفكر والوجدان, فلا يحاولون أن يهتدوا ولا يريدون أن يفكروا بالهدى, فلا يمكن للكتاب أن يكون هدى لهم لأنّ الهدى لا بدّ له من عقل مفتوح ووجدان سليم.
* " إنّ الذين كفروا سواء سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون, ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم "( البقرة 6-7)
وقال تعالى " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنّهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة وأنّ الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون " (النحل 106-107)
يتحدّث الله سبحانه في هذه المجموعة من الآيات عن الكافرين. والملاحظ في مجموعة يختم الله على القلوب والسمع, وفي مجموعة يطبع على القلوب والسمع والأبصار .
فهل هناك فرق بين الختم والطبع؟
ثمّ إنّ الله تعالى حكم عليهم ب " ختم على قلوبهم " فلا يجدي بعد الحكم أن يؤنوا حتى لو تراجعوا عن كفرهم, أليس هذا مخالفا لرحمة الله بأن يقفل الباب عليهم؟
والجواب :
بالرجوع إلى الآيات التي مادّة ( طبع ) في القرآن الكريم في صيغة الماضي نلاحظ أنّ الله سبحانه يتحدّث فيها عن الذين كانوا يؤمنون بالرسالات ولو ظاهرا ولكنّهم آثروا العناد حتى بلغوا الكفر علما إنّ المفسرين فسّروا الختم والطبع بمعنى واحد, وهو آخر الشيء ومنه قوله تعالى " ختامه مسك " ومنه خاتم النبيين, أي آخرهم, ومنه ختم الكتاب لأنّه آخر حال الفراغ منه. والختم الطبع, والخاتم الطابع ( التبيان ج1 ص63).
وبالرجوع إلى مادة ختم نلاحظ فيها أنّ الله سبحانه يتحدّث عن الذين ارتضوا من الأصل أن يأخذوا جانب الكفر.
وعليه يكون المعنى : إنّ الذين ارتضوا من الأول أن يقفلوا على أنفسهم باب الحق ولم يحاولوا أصلا أن ينفتحوا على الإيمان ليتعرّفوا سبيل نجاتهم , فلذلك ختم الله على قلوبهم وسمعهم, وأقفل عليهم باب الهداية لأنّهم هم الذين أقفلوا أصلا على أنفسهم هذا الباب, فأولئك لهم قلوب ولكنّها غير واعية, ولهم أسماع ولكن لا يسمعون بها, وعلى أبصارهم غشاوة وهي حالة تجعل أبصارهم بسبب كفرهم لا تجتلي الآيات التي تجتليها أعين المستبصرين, وإنما نكّر الله سبحانه الغشاوة فقال " غشاوة " ليكون معنى التنكير : إنّه على أبصارهم ضرب من الغشاوة خارج ممّا يتعارف عليه النّاس وهي غشاوة التعامي عن الآيات.
بينما في المجموعة الثانية نلاحظ أنّ الله يحكم عليها " بالطبع " فيقول " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم " لأنّهم رأوا الحق وعرفوه فتضارب الحق مع مصالحهم, فآثروا دنياهم على دينهم, فأولئك حق عليهم أن يطبعهم الله طبعا بطابع الكفر.
هل إذا ختم أو طبع الله على قلوب الكافرين معناه أنّ الباب قد أقفل أمام توبتهم, وأنّ في ذلك ظلما للعباد؟
ذكرنا أنّ الختم هو النّهاية من الشيء فختم الكتاب أي آخر حال الفراغ منه, ولا يعني إذا فرغ من الكتاب أنه يمتنع الأخذ مرة أخرى منه, فيمكن له أن يعيد قراءته من جديد ويختمه بختمة أوعى من الختمة الأولى فيمكن له الإستفادة مرّة أخرى, هذا أوّلا.
وثانيا : نستفيد من الفكرة الإسلامية التي أوضحها أهل البيت (ع) في القول المأثور عنهم " لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين " الذي يجعل أفعال العباد منسوبة إليهم من جهّة باعتبار صدورها منهم المباشرة والإرادة والإختيار, ومنسوبة إلى الله من جهّةأخرى, باعتبار أنّ الله هو السبب الأعمق في كلّ شيء لأنّه هو الذي يهب العباد القدرة, ويستطيع أن يمنعها عنهم, وهو الذي سخر لهم كلّ ما لديهم وما حولهم ممّا يستخدمونه في المعصية, أو في الطاعة من دون أن يتدخل في الإختيار وبذلك تصحّ نسبة الفعل إلى الله تعالى لأنّه سبب كلّ الأسباب. فإذا اختار الإنسان الكفر وأصرّ عليه يكون قد اغلق قلبه وسمعه عن سماع أيّ كلمة للإيمان, وأغشى بصره عن الرؤية. فالفعل يبدأ من الإنسان واختياره وينتهي إلى هذه النتيجة من موقع الإختيار وأيّ حكم يترتب عليه هو الذي أوقع نفسه به, وبالتالي لا تستلزم نسبة القبح إلى الله من قريب أو بعيد.
* " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون " ( البقرة 9 )
وقال تعالى :" وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها قالوا إنّما نحن مصلحون ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون " ( البقرة 11-12 )
ما هو وجه استخدام عملية الخداع من المنافقين لله وللمؤمنين ب " يخادعون " بدل يخدعون؟
وهل يمكن لمن يمارس الخداع وهو على علم مسبق وبشكل يقيني بما يخطط له, إن لا يشعروا بعملية الخداع والإفساد؟
أمّا بالنّسبة للسؤال الأوّل :فيقال فيه :
إنّ استعمال كلمة يخدعون الله توحي أنّ الخداع قد تمّ وانطلت الحيلة على من وقع الخداع عليهم, وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
إنّ المعنى : إنّ المنافقين يحاولون ويريدون الخداع بأن يظهروا الإيمان ويبطنوا الكفر, فتنطلي الحيلة على المسلمين, فيدخلون في المجتمع الإسلام ليكون ظاهر الحال هو إيمانهم , ولكنّهم يريدون لأنفسهم أن يكونوا الجرثومة التي تسبب هلاك المسلمين.
وبهذا المعنى أيضا يصحّ تفسير " يخادعون " بالمخادعة التي لا تحصل أصلا إلا من طرفين مثل المشاركة أو المزارعة ونحو ذلك. فمن جهّة يحكم الله والمسلمون عليهم بالإسلام, ويدخلون في المجتمع, ويدخلون في المجتمع الإسلامي, ويحلّ نكاحهم ونحو ذلك من الأحكام التي تترتب على المسلمين , ومن جهّة أخرى يستبطنون الكفر والأذى للمسلمين.
أمّا الإجابة عن السؤال الثاني فنقول فيه :
إنّ الإنسان لمّا يتمادى في الغيّ والضلال يفقد التشخيص, بل تنقلب لديه الموازين ويصبح الذنب والإثم جزءا من طبيعته. والمنافقون بإصرارهم عىإنحرافهم يتطبّعون بخط النفاق, وتتراءى لهم أعمالهم بالتدريج وكأنّها أعمال إصلاحية. والخداع الذي يمارسونه على الله وعلى المؤمنين لا محالة يرتدّ عليهم لأنّهم فاتهم أنّهم يخادعون من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.ولذلك قال عنهم " وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ".
وبنفس الإجابة يجاب على " وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن النّاس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنّهم هم السفهاء ولكنّهم لا يعلمون "(البقرة 13)
* " في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون" (البقرة 10)
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق وصف المنافقين, فهل يمكن ان نصف النفاق بالحالة المرضية؟ وكيف يكون؟
وإذا كان النفاق مرضا, فمقتضى أن يكون الإنسان مريضا أن يأتي الطبيب فيعالجه, لا أن يزيده مرضا. فكيف يزيدهم الله مرضا؟
والجواب :
إنّه كما إنّ للأبدان صحة ومرضا, وداءا ودواءا, فكذلك للقلوب صحة ومرض, وداء ودواء, ذلك أنّ الصّحة عبارة عن صفة توجب صدور الأفعال عن موضوعها مستقيمة سليمة, والمرض صفة له توجب الوقوع الأفعال عنه مختلة.
وإنّما سمّي الشكّ مرضا لأنّ المرض هو الخروج عن حدّ الإعتدال, فالبدن ما لم تصبه آفة يكون صحيحا سويّا, وكذلك القلب ما لم تصبه آفة الشكّ يكون صحيحا.
ولمّا كانت حياة القلب إنّما هي بنور الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر, كما إنّ حياة البدن بالأكل والشرب وإعطاء حاجة البدن ما يحتاجه, وكان الفعل الخاصّ بالقلب إنّما هو ذكر الله وطاعته وعبوديته, فإذا وقع في القلب من الصّفات ما يبعده عن ذكر الله تعالى والتفكر في آياته كانت تلك الصفات أمراضا.
وتلك الصفات بعضها سموم قاتلة كالجهل المركب, والنفاق, والجحود, والشك, والعناد, والحسد, وغير ذلك من الصفات, وبعضها ليس كذلك , فإذا استحكمت تلك الصفات ورسخت في القلب فهي غير قابلة للعلاج. لذلك كله اعتبر النفاق مرضا, بل مرض خطير يهدّد مصيرالإنسان الأخروي أيّما تهديد.
وأمّا بالنّسبة إلى الإعتراض على الله بزيادة المرض فوجه الإجابة عنه أن يقال :
إنّ المنافقين كانوا كلما أنزل الله آية أو سورة كفروا بها, فازدادوا بذلك كفرا إلى كفرهم, وشكّا إلى شكّهم, فجاز لذلك أن يقال " فزادهم الله مرضا " لمّا ازدادوا هم مرضا عند نزول الآيات,تماما كالمريض الذي يهمل مرضه فلا يعالجه ممّا يوجب تطوّر المرض إلى الأسوأ, فهم يتحمّلون المسؤولية الكاملة والموقف والعمل. ومهما كانت الظاهرة مرضية فإنّها لا تبرّر أيّ عمل من أعمالها لأنّ المرض اختياري في بداياته, فقد كانوا قادرين على أن لا يقعوا, وفي نهاياته لأنّهم يستطيعون أن يتخلصوا منه إذا شاؤوا.
* " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون " ( البقرة 17 ).
لماذا استعمل بالتحديد كلمة استوقد نارا؟
لقد استعمل القرآن عبارة " استوقد نارا " ليدلّ على أنّ المنافقين إنّما أرادوا أن يستهدوا الطريق تماما كمن يوقد نارا لتكون السبب في الإضاءة, ولكن الإستيقاد ينتج عنه دخان يغمّ الطريق, ويعمي القلوب, ويذرّ الرماد في الأعين, ويتطاير منها الشرر, بينما المؤمنون يستنيرون بنور الإيمان الخالص, وبضوئهالساطع, فباطن المنافقين ينطوي على مثل هذه النّار بلوازمها وإن تظاهروا بنور الإيمان, وإذا كان ثمّة نور فهو ضعيف في قوّته وقصير في مدّته.
هذا النور الضعيف المؤقت إمّا أن يكون إشارة إلى نور الضمير والفطرة التوحيدية, أو إشارة إلى إيمان سابق أسدلت عليه ستائر مظلمة على أثر التقليد الأعمى والتعصّب المقيت فتحوّلت حياتهم لا إلى ظلمة بل إلى ظلمات في التعبير القرآني.
والمثال المذكور يصوّر بدقة عمل المنافقين على ساحة الحياة الإنسانية, فهذه الحياة مملؤة بطرق الإنحراف والضلال, وليس فيها سوى طريق مستقيم واحد للهداية, وهذا الطريق مليء بالمزالق والعاصير, ولا يستطيع الفرد أن يهتدي من بين الطرق الملتوية إلى الصّراط المستقيم, كما لا يستطيع أن يتجنّب المزالق, ويقاوم أمام الأعاصير إلا بنور العقل والإيمان, وبمصباح الوحي الوهاج.
وهل تستطيع الشعلة المحدودة المؤقتة التي يضيئها الإنسان أن تهدي الكائن البشري في هذا الطريق الشائك الطويل؟!
وعلى أيّ حال, فإنّ هذا التشبيه يوضح أنّ عمر النفاق لا يدوم طويلا إذ قد يستطيع المنافقون أن يتمتعوا بمصونية الإسلام, وبصداقةالكافرين, لكنّ هذه الحالة مثل تلك الشعلة الضعيفة سرعان ما تنطفىء ويظهر الوجه الحقيقي للمنافقين, ويظلون مطرودين حائرين مثل إنسان يتخبط في ظلام دامس.
ثمّ إنّ هناك تساؤلا آخر في المقام وهو : إنّ ها هنا تشبيه تمثيلي إذ يصوّر الله صورة بصورة, صورة المنافق بصورة من يستوقد نارا في ظلمة حالكة, فمن الطبيعي أن يقال مثله كمثل الذي استوقد نارا فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنوره ( بالمفرد), فلماذا قال الله تعالى " فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ( بالجمع )؟
والجواب :
إنّ المنافق يسعى دائما أن يعمي الصورة على الآخرين, ويمارس الغواية والتضليل عليهم, فهو يحاول أن يتلاعب عليهم, ويظهر لهم أنّه يريد لهم الخير, ويهديهم سواء السبيل, فلمّا انقادوا له وأعاروا له جماجمهم ناسب في المقام أن تكون صورتهم وحالهم كحال من استوقد نارا لجماعة من أجل أن يضيء لهم الطريق ونحو ذلك, فما أن أضاءت الشعلة وانكشف خيال الطريق حتى أتت ريح فأطفأت تلك الشعلة, وبقي الجميع في ضلال لا يدرون ماذا يفعلون.
وكذلك صورة المنافق الذي أراد أن يضلّ الناس, فما أن اجتمعوا حوله وتأثروا به وأرادوا أن يسيروا على خطاه حتى أتى الحق وفضحهم, وتاهوا في ضلالهم, فساروا على غير هدى, وتخبّطوا بجهلهم.
* " الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناءا وأنزل من السّماء ماءا فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " ( البقرة 22 )
ما هو السرّ في استعمال كلمة " فراشا" للأرض وبناءا للسماء ؟
أروع من صوّر لماذا استعمل الله كلمة الفراش الإمام زين العابدين (ع) بقوله " جعلها ملائمة لطباعكم, وموافقة لأجسادكم, ولم يجعلها شديدة الحماء والحرارة فتحرقكم, ولا شديدة البرودة فتجمدكم, ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم, ولا شديدة النتن فتعطبكم, ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم, ولا شديدة الصلب فتمنع عليكم في دوركم وأبنيتكم وقبور موتاكم... فلذلك جعل الأرض فراشا "( نور الثقلين ج1 ص 41 ).
فتصوّر الأرض كم تسير بسرعة هائلة, وكم تتجلى الأرض بعظمة الخالق حين نلاحظ دور الجاذبية فيها التي تؤمّن لنا إمكانية الإستقرار وإنشاء الأبنية والمزارع وسائر مستلزمات الحياة, فلو انعدمت الجاذبية لاندثر كلّ شيء فيها ولما قامت حياة على هذه الأرض.
إنّ تعبير " فراشا لكم " يصوّر بشكل رائع الراحة التي يشعر فيها الإنسان من خلال القوانين الطبيعية المودعة فيها .
ولعل هناك لطيفة يمكن الإستفادة منها أنّه كما أنّ الإنسان بعد عناء وتعب الحياة اليومية يلجأ أخيرا إلى الفراش ليرتاح من عناءه ليقوم من جديد إلى يوم جديد وعمل له آثاره الدنيوية عليه, وكذلك فإنّ الإنسان لمّا يمضي في هذه الدنيا إلى سبيله, ويقضي عليه الله الموت, فإنّه يلجأ إلى الأرض التي تصبح فراشا له, ويتوسّد التراب ليكون من بعد هذه الليلة التي يقضيها في قبره الحساب ونتائج عمله فإمّا إلى خير وإمّا إلى شرّ.
وأمّا وجه التعبير " بالبناء " فإنّ اقتران كلمة " السماء " مع " البناء " يوحي بوجود سقف يعلو البشر على هذه الأرض , والسقف في البناء مهمّته أن يحمي الإنسان من أذى الشمس والمطر, ويستر عليه, فكذلك فإنّ الله سبحانه جعل السماء بمنزلة السقف الذي يحمينا من الشهب والنيازك
" وجعلنا السماء سقفا محفوظا " ( الأنبياء 32 ).
* " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا لكم قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها "
للمتسائل أن يتساءل بحيرة : لماذا جهّل الله الفاعل برزقوا ., ورزقنا , وأتوا, علما أنّ الرازق معروف جدّا وهو الله, والآتي هم الولدان المخلدون ؟
والجواب :
إنّ الله سبحانه بكرمه أراد أن يكرم أهل الجنّة برزق لا يعلمه إلا هو, وبمقدار لا يعلمه إلا هو, فلذلك جهّل الله نسبة الرزق, ليعبّر ب " رزقوا منها من ثمرة رزقا " فأتى بالنّكرة ليعلم أنّ العطاء من فيضه وكرمه ليشعر أنّ الرزق حاصل بلا حساب.
إنّ كلمة " رُزقوا " تشعر أنّ الرزق قد تمّ وحصل بهذا الكمّ والكيف.
ثمّ إنّ كلمة أوتوا أيضا جاءت بصيغة المبني للمجهول لأنّ الفاعل فيه ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, فناسبه أن يجهّل ليحافظ على هالتهم تشويقا إليهم.
وأمّا قوله تعالى " هذا الذي رزقنا من قبل وأوتوا به متشابها " فلها وجوه يحار الإنسان من أيّها يأخذ, وفي ظنّي إنّها تصلح للجميع.
الوجه الأول : إنّ هذه النعم أغدقت علينا بسبب ما أنجزناه من عمل في الحياة الدنيا, وغرسنا بذوره من قبل.
الوجه الثاني : عندما يؤتى بالثمار إلى أهل الجنّة ثانية يقولون هذا الذي تناولناه من قبل , ولكنّهم حين يأكلون هذه الثمار يجدون فيها طعما جديدا ولذة أخرى, فالعنب أو التفاح الذي نتناوله في هذه الدنيا مثلا له في كلّ مرّة نأكله نفس الطعم, أمّا ثمار الجنة فلها في كلّ مرّة طعم وإن تشابهت أشكالها, وهذه من امتيازات ذلك العالم الذي يبدو أنّه خال من كلّ تكرار.
الوجه الثالث : إنّ أهل الجنّة حين يرون ثمار الجنة يلقونها شبيهة بثمار هذه الدنيا ولكنّهم حين يتناولونها يجدون فيها طعما جديدا لذيذا.
* " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إلينا ترجعون "( البقرة 28)
وقال :" قالوا ربّنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " (غافر11).
في الآية الأولى هناك موتان وإحياءان. وفي الآية الثانية كذلك,. فهل الآيتان تؤدّيان نفس المعنى؟
أم إنّ هناك اختلافا بينهما في مدلولهما؟
وما هي فائدة " الفاء " و " ثمّ " هنا في الآية الأولى؟
قبل أن نبدأ بالتفريق نشيرإلى أنّ الموت غير الإماتة, إذ الموت هو نتيجة الإماتة, والإماتة هي حدث الموت, أي الفعل الذي يؤدّي إلى الموت, والفرق كبير بينهما كما هو واضح.
في الآية الأولى يستنكر الله على الكافرين الكفر بالله بدليل وجداني, فيذكّرهم أنّهم كانوا أمواتا, أي لم يكونوا مخلوقين أبدا " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " ( الإنسان 1), ثمّ كان, وكانت الحياة له, ثمّ بعد أن يستنفذ ما كتب له من عمر يميته الله, ثمّ يحييه في القبر, ثمّ بعد ذلك يرجع فيها العبد إلى الله.
إذن مؤدّى هذه الآية : إنّ هناك حياة في الدنيا وحياة في القبر, وموت قبل أن يخلقوا وموت في آخر حياته.
بينما مدلول الآية الثانية أنّ المقصود من " أمتنا اثنتين" هو الموت في نهاية العمر, والموت في نهاية عالم البرزخ. أمّا المقصود من " أحييتنا اثنتين " هي الإحياء في نهاية البرزخ, والإحياء يوم القيامة.
ولتوضيح ذلك نقول : نرى أنّ للإنسان حياة اخرى بعد الموت تسمّى الحياة البرزخية, وهذه الحياة هي نفس حياة الشهداء التي يحكي عنها الله تعالى بقوله " بل إحياء عند ربهم يرزقون"(آل عمران169) وهي نفس حياة النّبي (ص) والأئمة (ع) حيث يسمعون سلامنا ويردّون عليه.
وهي أيضا نفس حياة الطغاة والأشقياء كالفراعنة الذين يعاقبون صباحا ومساءا, بمقتضى قوله تعالى " النار يعرضون عليها غدوّا وعشيا " (غافر 46)
وعلى هذا الأساس فإنّ هناك حياة جسمانية وحياة برزخية, ففي نهاية العمر يحلّ الموت بحياتنا الجسمانية, لكن في نهاية العالم يحلّ بحياتنا البرزخية.
ويترتب على ذلك أن تكون حياتنا بعد هاتين الموتتين : حياة برزخية, وحياة في يوم القيامة.
وهنا يطرح البعض هذا السؤال : إنّنا في الواقع نملك حياة ثالثة هي حياتنا في هذه الدنيا, وهي غير هاتين الحياتين, وقبلها أيضا كنّا في موت قبل أن نأتي إلى هذه الدنيا, وبهذا سيكون لدينا ثلاث موتات وثلاث إحياءات.
لكنّ الجواب يتوضّح عند التدقيق في نفس الآية الثانية, فالموت قبل الحياة الدنيا كما ذكرنا في البداية يعتبر موتا لا إماتة. وأمّا الحياة في هذه الدنيا فبالرغم من أنّها مصداق للإحياء إلا أنّ القرآن الكريم لم يشر إلى هذا الجانب في هذه الآية لأنّ هذا الإحياء لا يشكل عبرة كافية بالنسبة للكافرين, إذ الشيء الذي جعلهم يعون ويعترفون بذنوبهم هو الحياة البرزخية أوّلا, والحياة عند البعث بما فيها من عذاب, فبعد عذابهم أرادوا أن يستدرّوا العطف الإلهي قائلين : "اعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ".
وبالعودة إلى الآية الأولى نلاحظ جليّا بركات حروف العطف في الدلالة على معان رائعة : لم يكن الإنسان مذكورا, ولم يكن هناك حياة له, وتعلقت إرادة الله بخلقه, وإنّما أمره أن يقول للشيء كن فيكون, فلا فاصل بين إرادته وبين فعله, فلذلك عبر الله بقوله " وكنتم أمواتا فأحياكم " فالفاء تدلّ على الترتيب من دون تراخ في الزمن.
ثمّ قال " ثمّ يميتكم " فالفارق الزمني بين حياة الإنسان في هذه الدنيا وموته يطول ويقصر بحسب إرادة الله سبحانه لهذا الإنسان, ولكنّه في الجملة له حيّز زمني فاصل بين الحياة والموت, ولذلك عبّر ب " ثمّ ".
ثمّ إنّ قوله " ثمّ يحييكم " إشارة إلى حياة البرزخ الذي يتنعّم فيها المؤمن النعيم المؤقت قبل الجنّة الخالدة, ويتعذب فيه الكافر والفاسق قبل عذاب جهنم. ومن الطبيعي أنّ هناك فارقا بين موت الإنسان ودفنه وحسابه ثمّ عالم البرزخ, ولذلك استعمل "ثمّ ".
" ثمّ إليه ترجعون " إشارة إلى الحياة الآخرة في نفس الجنّة والنّار, ومن الطبيعي أنّ هناك فاصلا زمنيا ضخما يستمر إلى خمسين ألف سنة , وهي مدّة يوم الحساب.
* " وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون" ( البقرة 30).
هل يمكن أن نستوحي من كلمة " خليفة " طبيعة هذا المخلوق الجديد الذي خلقه الله؟
وما هو الوجه الذي انطلق فيه الملائكة في تساؤلهم؟
إنّ كلمة خليفة تعني أنّ هناك مستخلِف ومستخلَف, والمستخلفَ ينبغي أن يكون له دائرة يمكن أن يتحرّك فيها, لا أن يكون اداة لا إرادة لها ولا علم ولا قرار, فلا معنى للمدير مثلا أن يدير شركة إن لم يكن له هامش واسع من قبل مالك الشركة يمكن أن يستعمله لينفذ إرادته وعلمه وخبرته, فإذا كان في كلّ شاردة وواردة عليه أن يرجع إلى المالك ليأخذ رأيه, فلا يكون ساعتئذ مديرا بل سيكون مدارا.
وعليه, فإنّ طبيعة الإستخلاف يقتضي أن يكون هذا المخلوق الجديد مخيّرا, له أن يفعل, وله أن لا يفعل ضمن الإرادة الإلهية التي تعطي له الضوابط العامّة.
إذن, هذا المخلوق مخيّر غير مسيّر, كما هو الحال في البهائم أو الملائكة , غاية الأمر إنّ تخييره لا يمكن أن يصل إلى حال التفويض له بكلّ شيء.
وأمّا تساؤل الملائكة فوجهه أنّهم نظروا فقط إلى أنّ دور هذا الخليفة فقط التسبيح والتحميد والتقديس, وبالفرض إنّ طبيعة هذا المخلوق فيه الشهوة, والنقص, وحبّ السلطة ونحو ذلك, ومؤدّى هذا سوف تكون لا محالة سفك الدماء, والإفساد في الأرض, لذلك قال لهم ربّهم : إنّي أعلم ما لا تعلمون" وكما ذكر السيد الطبطبائي في ميزانه :
" والخلافة, وهي قيام شيء مقام آخر لا تتمّ إلا بكون الخليفة حاكيا للمستخلف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف , والله سبحانه في وجوده مسمّى بالأسماء الحسنى متصف بالصفات العليا, من أوصاف الجمال والجلال, منزّه في نفسه عن النقص, ومقدّس في فعله عن الشر والفساد جلت عظمته. والخليفة الأرضي بما هو كذلك لا يليق بالإستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكلّ نقص وشين الوجود الإلهي المقدس المنزّه عن جميع النقائص, وكلّ الأعدام, فأين التراب وربّ الأرباب" ( الميزان ج1 ص115).
* " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين " ( البقرة 34)
إذا كان الأمر الإلهي موجّها للملائكة فما هو وجه استثناء إبليس من هذا الأمر؟
ولماذا كان الأمر بالسجود ولم يكن بغيره؟
وهل يصح السجود أصلا لغير الله ؟
والجواب :
نَزّل إبليس منزلة الملائكة في شمول الأمر جميعا باعتبار أنّ إبليس قد بلغ مرتبة من العلم والعبادة مرتبة جلية حتى لقب بطاووس الملائكة, فصار كأنّه واحد منهم في الرتبة عند الله, ولكنّ مشكلة إبليس كانت تتجلى بظهور علامات الحسد والكبر, وهذان الأمران يقصمان ظهر العابد.
وفي مرحلة التكامل لا بدّ من اختيار, وابتلاء ليستحقّ الفرد هذه الدرجة أو تلك, وكان ابتلاء إبليس بخلق آدم عبر السجود له.
لماذا السجود؟
لأنّ في السجود إظهارا للتواضع عبر القرب من التراب , وفيه مظهر الذلّ والمسكنة, ليرى إبليس هل يعبدالله كما يريد المولى, أو كما يريد إبليس.
ولا يظنّ البعض أنّ السجود لا يجوز لغير الله, فإنّ ذلك يحتاج إلى توضيح, إذ إنّ قوله تعالى" اسجدوا لآدم " يستفاد منه جواز السجود لغير الله في الجملة إذا كان تحيّة وتكرمة للغير, وفيه خضوع لله تعالى بموافقة أمره.
ونظيره قوله تعالى في قصّة يوسف (ع) " ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجّدا قال يا أبت هذا تأويل رؤياي قد جعلها ربّي حقا "( يوسف 100) فإنّ السجود المحرّم لغير الله إنّما يكون بقصد ونيّة العبادة بأن ينصّب العبد نفسه في مقام العبودية.
نعم, إنما تعيّنت العبادة في السجود فيما بعد لما فيها من الخرور على الأرض, ووضع الجبهة عليها, ولكنّ هذا التعيّن لا يجعل السجود عبادة ذاتية, لكنّ الذوق الديني المتخذ من الإستئناس بظواهره يقضي باختصاص هذا الفعل به تعالى, والمنع عن استعماله في غير مورده تعالى, وإن لم يقصد به إلا التحية والتكرمة فقط.
وأمّا المنع عن كلّ ما فيه إظهار الإخلاص لله بإبراز المحبّة لصالحي عباده, أو لقبور أوليائه, أو آثارهم فممّا لم يقم عليه دليل عقلي أو نقلي أصلا.
* " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين حقا على المتقين " ( البقرة 180)
قال الله تعالى :" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيّاي فارهبون " ( البقرة 40 )
في مقام التعاهد من الطبيعي جدّا أن يطلب من المتعاهدين أن يفي كلّ واحد ما عاهد به, ومن الطبيعي أن يقال مثلا : وأوفوا بعهدكم أوف بعهدي, لأنّ كلّ طرف عليه أن يفي بما عاهد هو, لا بما عاهده الطرف الآخر.
فلماذا قال تعالى إذن " وأوفوا بعهدي اوف بعهدكم" على خلاف المتصور؟
والجواب :
تارة يكون التعاهد بين النّاس فيُطلب ساعتئذ من كلّ طرف أن يؤدّي ما التزم به على نحو الإلزام, وأخرى يكون التعاهد بين العبد وربّه, فليس للعبد أصلا الحق على ربّه شيئا إلا بما تفضّل به الله على عبده.
وفي مقام الربوبية إنّ من الطبيعي جدّا أن يملي الربّ على عبده بالإلتزام بما يأمره ويعهد إليه من أوامر, ونواهي, والإلتزام بتعاليمه وتوصياته وإرشاداته ونحو ذلك, وما يتفضّل به الله على عبده, ويعده به, ويصبح عهدا في ذاكرته يجب أن يتكرّم به الله عليه.
من هنا جاءت الآية الكريمة لتذكّر بني إسرائيل وتأمرهم أن يتمّوا بلا نقيصة ولا يتركوا العهد الذي عهده إليهم ربّهم في التوراة من اتباع النّبي محمد (ص) واتباع دينه والإلتزام بشريعته, وفي المقابل يفي الله لهم بما تفضّل عليهم ورسخ في أذهانهم إن حافظوا على عهد الله أن يدخلهم جنته ورضوانه.
ثمّ إنّ هناك ملاحظة مهمّة في هذه الاية : إنّ الأوامر الثلاثة التي تذكرها الآية الشريفة وهي : ذكر النعم , والوفاء بالعهد, والخوف من الله تشكل المنهج الإلهيّ الكامل للبشرية إذ إنّ شكر النعم يحفز الإنسان للإتجاه نحو معرفة الله سبحانه وشكره. واستشعار العهد الإلهي الذي يستتبع النعم الإلهية يدفع الكائن البشري إلى النهوض بمسؤولياته.
ثمّ إنّ الخوف من الله وحده دون سواه يمنح الإنسان العزم على تحدّي كلّ العقبات التي تقف بوجه تحقيق أهدافه والإلتزام بعهده لأنّ التخوّف الموهوم من هذا وذاك من أهمّ موانع الإلتزام بالعهد الإلهي.
* " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون " ( البقرة 42)
جاءت هذه الآية في سياق التحذير الذي كان يحذر الله منه بني إسرائيل حيث حذرهم من إلباس الحق بالباطل وكتم الحق.
إنّ إلباس الحق بالباطل سوف يؤدّي بلا شكّ إلى ضياع الحق وكتمانه خاصّة إنّ فعل الإلباس جاء بوعي منهم وقصد. فهل هناك تفنن في التعبير أو أنّ هناك فرقا فارقا بين الإلباس والكتم؟
إنّ الإلباس مشتق من اللباس أصلا, فكما إنّ اللباس يستر عورة الإنسان وجسده ويخفي ما تحته من بدن, ويمنع من إثارة الشهوة عادة, كذلك فإنّ إلباس الحق بالباطل سوف يؤدي إلى ضياع الحق, وإخفاء الحق من أن يظهر.
والكتم هو الإخفاء, فحينما تقول أكتم عليّ أمري, أي أخفي أمري ولا تظهره لأحد, فكلا الأمرين مؤدّاهما واحد في النتيجة.
ولكن بالتأمل الدقيق يظهر بينهما فارق مهمّ إذ إنّ الفرق بين حالة الكتمان وحالة تلبيس الحق بالباطل هو إنّ هناك قضايا لا يستطيع فيها الإنسان اللعب عليها لعدم قابليتها لذلك في مدلولها الفكري والعملي فيلجأ فيها المعاند إلى كتمانها عن النّاس لئلا يعرف الناس وجه الحق فيرتبطوا به. وهناك قضايا لا تخلو من الغموض والخفاء في تفاصيلها الدقيقة, فيلجأ من خلالها المنحرف عن الخط الإلهي إلى خلطها بالباطل ليلبس على الناس دينهم ويلعب من خلال ذلك فيما يريد من شؤون اللعب بالحق والباطل.
هذا ما كان يمارسه اليهود إذ إنّهم كانوا يقولون بأنّ هناك نبيّا معروفا عندهم وينتظرونه ليخلصهم, وفي الوقت ذاته ينكرون مجيئه, ويعدون بمجيئه بعد فترة انتهاء جكمهم ورئاستهم, ويخفون في الوقت ذاته صفات هذا النّبي (ص) الموجودة في توراتهم المنزل من الله.
ثمّ إنّ هناك نقطة مهمّة : إننا نلاحظ أنّ القرآن يتوجّه إلى أهل الكتاب, ولا يتوجّه إلى المسلمين في قضية كتمان الحق أو تلبيسه بالباطل, مع إنّ المفروض فيما يبدو أن يطلب من الأمّة أن تتعرّف وجه الحق, وخلوصه من الباطل من خلال قراءة التوراة والتدبّر فيها.
ولكنّ الظاهر أنّ الناس كانوا لا يملكون سبيلا إلى الإطلاع على التوراة ليطلعوا على ما فيها لأنّهم كانوا يحتكرونها, ويخفونها عن الناس, ولا يظهرون لهم إلا ما يريدون إظهاره, كما إنّها لم تكن التوراة المعرّبة حتى يعرف النّاس لغتها لو قدروا الحصول عليها فكانت طريقة المعرفة الوحيدة هي طريقة الأخذ من علماء الكتاب.
ولهذا رأينا أنّ القرآن الكريم يتحدّاهم ليظهروا ما فيها من معارف " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" (آل عمران 93)
* " واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون " ( البقرة 48)
الأخذ يمكن ان يتصوّر على ضربين :
الأول : الأخذ بالقوّة ومن دون إذن.
الثاني : الأخذ بطلب من المعطي.
الأول لا يمكن أن يتصوّر في حق المولى عزّ وجلّ, ويتعيّن الأمر الثاني.
فهل يمكن ويعقل أن يعطي, أو يعرض الإنسان العدل يوم القيامة ويرفضه الله؟
والجواب :
ليس المقصود في الآية أنّ العبد يعرض على ربّه أن يحاسبه بالعدل, وإنّما المقصود أنّ العبد يعرض الفداء ليتخلص من العذاب المهين.
وقد حذر رسول الله (ص) من مجيء تلك اللحظة بما روي عنه " من كانت عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس فيه دينار ولا درهم, وإنّما يؤخذ من حسناته وتضاف إلى حسنات صاحبه, وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه وتضاف إلى سيئاته"
* " وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنّكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبواإلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم فتاب عليكم إنّه هو التوّاب الرحيم " ( البقرة 54 )
ما هو وجه استعمال كلمة " بارئكم " ؟
ولماذا لم يقل أصلا فتوبوا إلى ربّكم أو توبوا إلى الله؟
إنّ استعمال هذا الإسم من أسماءالله الحسنى يتناسب مع المقام الذي ورد فيه خطاب الله تعالى, إذ جاء في سياق الحديث عمّا فعله بنو إسرائيل من صنع العجل الذي كان له خوار, حيث صنعه لهم السامري بطريقة أو باخرى بأنّه برأ لهم أو خلق لهم خلقا على صورة الإله, فناسب أن يتحدّث الله عن نفسه بأنّه وحده البارىء الذي يخلق ويصوّر الأشياء ويخلقها من العدم. فكأنّه تعالى يقول لهم : هذه التوبة وقتلكم أنفسكم وإن كان أشقّ ما يكون من الأوامر, لكنّ الله الذي أمركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الذي برأكم , فالذي أحبّ وجودكم وهو خير لكم, يحبّ الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم.
* " ولتجدنّهم أحرص النّاس على حياة , ومن الذين أشركوا يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر والله بصير بما يعملون " ( البقرة 96)
وردت هذه الآية في سياق الحديث عن تعنّت اليهود ومشاكستهم, ثمّ تطرق الحديث فيها إلى المشركين.
والملفت في هذه الآية أمران : تنكير الحياة الدنيا " حياة " واستعمال كلمة " يُعمّر " بصيغة المجهول. لماذا؟
كلّ الآيات التي تتحدّث عن الحياة الدنيا في القرآن الكريم وهي كثيرة جدّا وردت معرفة ومقرونة بالدنيا إلا هذه الآية فقد جاءت نكرة وغير مقترنة بالدنيا.
ولعلّ الوجه في ذلك الإشارة إلى احتقار الله لهذا النّمط من الحياة التي يرغب بها بنو إسرائيل, فهم متكالبون عليها ومستعدّون أن يفرّطوا بكلّ النّعم الإلهية والتكريم اللامتناهي الذي كرّمهم به ربّهم وفضلهم في العطاء وأنجاهم من مصيبة تلو مصيبة, ولكنّهم آثروا أن يخلدوا إلى هذه الدنيا الغرّارة. فلشدّة مقت الله لهذا النّمط من الحياة فقد نكّر الله كلمة " حياة " ليشعر بحقارة هذه الدنيا والذي يرضى بها. والأنكى من ذلك كله إنّهم يحرصون عليها كلّ الحرص, وكان أولى بهم أن يحرصوا على رضا الله تعالى.
ثمّ إنّ استعمال كلمة " يُعمّر " بصيغة المبني للمجهول أتت لتخبر أنّ المشركين أصلا لا يؤمنون بالله تعالى وبربوبيته على هذا الكون وسلطته, لذلك كانت أمنيتهم أن يعيشوا طويلا, ولكنّ العمر بيد الله وهم غير مستعدين للإيمان به كما يكون الإيمان الحقيقي, لذلك نسبوا هذه النسبة في التعمير إلى المجهول مع علمهم الواقعي بأنّ هذا الأمر لا يكون إلا لله , ولكن " جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ".
* " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم " ( البقرة 104)
قد يتساءل البعض : ما قيمة الألفاظ إذا كان المعنى المقصود مفهوما؟
أليس هذا تحجرا؟
أليس هذا من ضعف شخصية من يقف عند هذه الأمور؟
ولماذا توقف الله مليّا عند استعمالنا لبعض الألفاظ؟
وما هو الدرس المستفاد من هذا كله؟
والجواب :
لقد كانت هذه الآية من أجل توجيه المسلمين إلى استبدال الكلمات التي يمكن أن تعبّر عن معنى سيّء في لغة أخرى ممّا يمكن أن يستغله أعداء الإسلام في الإنتقاص من الإسلام والمسلمين من دون أن يكون لنا حجّة عليهم في ذلك لأنّهم يحاولون الإيحاء بأنّهم يريدون بها المعنى الظاهري الذي يقصده منها سائر الناس.
وهذا هو الذي حدث في عهد الرسالة الأولى في المدينة في كلمة " راعنا " التي كان المسلمون يخاطبون بها النّبي (ص) طالبين منه أن يصغي إليهم بسمعه. فقد ورد في اللغة " أرعيته سمعي " إذا أصغيت إليه, ولكن لها معنى آخر عند اليهود يوحي بالسبّ والإنتقاص.
قال الشيخ البلاغي : قد تتبعت العهد القديم فوجدت أنّ كلمة " راع " بفتحة مشالة إلى الألف وتسمّى عندهم " قامص " تكون بمعنى الشرّ أو القبيح, ومن ذلك ما في الفصل الثاني والثالث من السفر الأول من توراتهم, وبمعنى الشرير واحد الأشرار, ومن ذلك ما في الفصل الأول من السفر الخاص , ومن الرابع والستين والثامن والسبعين من مزاميرهم, وفي ترجمة الأناجيل بالعبرانية. و
" نا " ضمير المتكلم في العبرانية تبدل ألفها واو, أو تمال إلى الواو فتكون " راعنا " في العبرانية بمعنى شريرنا ونحو ذلك. فتكون الكلمة في لغتهم راعينو موافقة للعربية في نبرتها ولهجتها. ويكون النّهي عن استعمالها لئلا يتخذها اليهود الذين عرفوا بسوء الأدب مع أنبيائهم وسيلة للسبّ والطعن في الدين , فهم يقتدون بالمؤمنين في اللفظ ويقصدون المعنى الفاسد منه (مواهب الرحمن – تفسير الاية )
إذن, أراد الله سبحانه وتعالى للمسلمين أن لا يتركوا لليهود مجالا للتنفيس عن حقدهم بهذه الطريقة ولا يدعوا لهم بابا للإستهزاء, فعلمهم أن يقولوا " انظرنا " أي انظر إلينا أو أقبل علينا.
وهذه قاعدة إسلامية توحي للمسلمين في كلّ زمان ومكان بالتدقيق في مداليل الكلمات أو المصطلحات التي يستعملونها, ودراسة الآفاق التي يمكن أن تثيرها فيما لها من مفاهيم ضيّقة أو واسعة لدى النّاس ممّا قد يلتقي بالمعنى الأصيل, وممّا قد لا يلتقي به لئلا يساء استغلالها من قبل الآخرين في مقاصد شريرة.
ومن ذلك استعمال مصطلح الحريّة التي أصبح لها من المعاني الكثير الكثير ممّا قد لا يتوافق مع الحدود التي يقف التشريع الإسلامي عندها في أوضاع الإنسان وأفعاله, وعلاقاته, وأقواله.
وهكذا القول في الديمقراطية التي يستعملها البعض من المسلمين في الأسلوب الذي يضاد الإستبداد والفردية والتسلط في الحكم, ويتناسب مع الطريقة السمحة المتواضعة في صفات الناّس فيقال : إنّ الإسلام ديمقراطي , للتدليل على ما فيه من معاني الشورى والتسامح, ولكنّ الكلمة تحمل في داخلها معنى يختلف عن ذلك كله في حدوده الفكرية, والتشريعية, والإقتصادية ممّا يوجب اختلالا في المفهوم الأساسي, الأمر الذي قد يتجه بالتفكير إلى غير ما نريد , فيخلق في حياتنا ذهنية غريبة لا ترتضي التشريعات أو الأفكار التي لا تنسجم مع الإتجاه الديمقراطي للحكم فيما تعنيه كلمة الديمقراطية.
وهكذا ما نعيشه اليوم من استعمال كلمة الإرهاب الذي لا يريد المستكبرون أن يحدّدوا معنى هذا الإصطلاح حتى تبقى هذه الكلمات في دائرة الضباب ليستغلها المستكبرون كما يحلو لهم ويريدون, فيختلط على الناس معنى الإرهاب فلا يعرفون هل تشمل مقاومة المحتلّ أو لا , وهل تتميّز عن الجريمة العادية أو لا؟
إنّ اهتزاز المصطلحات في أذهان النّاس يربك العلاقات بين الأمم, ويوقع في مفاسد كبيرة, كما إنّ الإستخدام الساذج لها يوقع الإنسان في مهانة أو عملية تحقير وما شابه ذلك. والله سبحانه وتعالى يريد للمؤمن أن يكون كيّسا فطنا.
* " ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتى تتبع ملتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير " ( البقرة 120)
يطلق لفظ الهدى ليراد منه طريق الخير وبيان الحق, وهذا لا يكون إلا من الله تعالى, فإذا كان الهدى من الله , والله هو الهادي, فما معنى أن يضيف كلمة الهدى إلى الله طالما أنّها أصلا متعيّنة له تعالى, فيكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه؟
وما هو وجه الحصر في قوله تعالى : قل إنّ هدى الله هو الهدى؟
والجواب :
لقد كان المشركون من أهل الكتاب يعتبرون أنّ دينهم هو الهدى فقط, وما سواه فهو باطل, فهم أجدر وأحقّ بهذا الأمر من غيرهم, فلا بدّ من اتباع ملتهم " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى" ( البقرة 111) و " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " ( البقرة 135)
لذا ردّ الله تعالى عليهم بقوله " قل إنّ هدى الله هو الهدى " لأنّ الله تعالى هو العالم بالهداية وطرقها, والقادر على جزاء متبعيها وليست الهداية من المقترحات النّفسية.
إنّ الإتباع الذي طالب به أهل الكتاب إنّما هو لغرض الهدى, ولا هدى إلا هدى الله, والحقّ الذي يجب أن يتبع, وغيره أي ملتهم ليس بالهدى, فهي أهواؤهم ألبسوها بلباس الدين وسمّوها باسم الملة.
ففي قوله " قل إنّ هدى الله" جعل الهدى كناية عن القرآن النازل ثمّ أضيف إلى الله, فأفاد صحّة الحصر, والقرآن هو كتاب الله أنزله على النّبي محمّد (ص) وهو كتاب الإسلام, إذن يصبح مفاد الآية أنّ الإسلام فقط وفقط هو الهدى. وعليه تكمل الآية " ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من وليّ ولا نصير" وهو مفاد الآية " إنّ الدين عند الله الإسلام "
" وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهن قال إنّي جاعلك للنّاس إماما قال ومن ذرّيتي قال لا ينال عهدي الظالمين" ( البقرة 124)
كلّ التفاسير التي تعرّضت لهذه الآية الشريفة فسّرت أنّ الظالمين من ذرية إبراهيم (ع) لا يمكن أن ينالوا عهد الله أي الإمامة, ومقتضى هذا التفسير أن تكون كلمة " الظالمين " مرفوعة باعتبار أنّها الفاعل, فيكون الأمر على هذا النّحو " لا ينال الظالمون عهدي" على جواز تأخير الفاعل وتقديم المفعول به مع الأمن من الإلتباس. فما هو إذن وجه نصب الظالمين ؟
وما هو مؤدّى المعنى ساعتئذ؟
وما هو المقصود من الكلمات التي توجّه بها إبراهيم إلى الله؟
وهل الإمامة أعظم؟
وهل يمكن أن يستفاد من الآية دليل على وجوب عصمة الإمام ؟
تطلق الكلمة في اللغة ليراد منها الكلام, وكلمات الله التي يبتلي بها الله نبيّه لا يمكن إلا أن تكون أوامر وطلب منه أن يفعل أمرا أو أن يترك أمرا.
أمّا ماهي هذه الأمور, فقد وقع فيها كلام كثير, منها ذبح ابنه, ومنها الحجّ.
وأيّا تكن هذه الأوامر, فإنّ إبراهيم قد حققها فورا ومن دون إبطاء ولا تأخير, حتى إنّ نفسه لم تراوده إطلاقا على عدم ذبح ابنه, وهو ما تقوله لنا آيات أخرى, والذي يدلنا على ذلك دلالة لا لبس فيها أنّ الله تعالى قال فورا " فأتمّهنّ " إذ الفاء تدلّ على الترتيب من دون تراخ في الزمن.
وكان بعد ذلك الفيض الإلهي, قال : إنّي جاعلك للنّاس إماما , وهذا يدلّ على أنّ الإمامة التي نالها إبراهيم إنّما هي مرتبة متأخرة عن مرتبة النبوّة, وما نالها أصلا إلا بهذا الإبتلاء والنّجاح فيه.
ويمكن ان يكون المقصود من الإمام هنا إنّه يقتدي بك في أفعالك وأقوالك فها هو إبراهيم (ع) ما زالت مناسكه في الحجّ يقتدى بها نبيّا من بعد نبي إلى عصرنا هذا, وملة إبراهيم التوحيدية ما زالت إلى يومنا هذا عبر نبيّنا محمّد (ص).
ويمكن أن يكون المقصود من الإمام إنّه الذي يقوم بتدبير الأمّة, وسياستها, والقيام بأمورها, وتأديب جناتها, وتولية ولاتها, وإقامة الحدود على مستحقيها , ومحاربة من يكيدها ويعاديها.
فعلى الوجه الأوّل لا يكون نبيّا إلا وهو إمام, وعلى الثاني لا يكون كلّ نبيّ إماما, بل بعض الأنبياء هم أئمّة. ولعلّ هذا الوجه هو الأصحّ, وبذلك يعلم أنّ مقام الإمامة اعظم من مقام النبوّة بدليل أنّه لا يستحقها كلّ نبيّ بل بعض الأنبياء ممّن لا عظمت نفوسهم وجهادهم وتضحياتهم.
وبعد نيله لهذا المقام يتوجّه إبراهيم (ع) في استفهام مستشرق يحمل طابع الأمنية التي يحملها الإنسان في فطرته لذرّيته في كلّ خير يحصل له فقال : " ومن ذريتي " فأراد (ع) أن يعرف هل من ذريته من ينال هذه الرتبة أو أنّه تمنّى لبعض ذريته أن ينال هذا المقام. وجاء الجواب : "لا ينال عهدي الظالمين" لكان هناك منع من أن يكون أيّ واحد من ذرّية إبراهيم ينال هذا المقام لأنّه جاء في مقام الإجابة عن هذا التساؤل.
ولكن لمّا قال الله " لا ينال عهدي الظالمين " جاء الجواب بنحو القضية الشرطية أي لا ينال عهدي من كان من الظالمين. وهذا يستوجب أنّه إذا لم يكن من الظالمين فيمكن أن ينالها. أو إنّ المقصود وهو الأقوى أنّ عهد الله لا ينال الظالم, أي إنّ العهد الذي جعله الله لا يقع على الظالم إذ لا يستحقه.
وأمّا الإستدلال على عصمة الإمام من هذه الآية فيمكن تقريبها على الوجه التالي :
إنّ النّاس بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام :
القسم الأول : من كان ظالما في جميع عمره.
القسم الثاني : من لم يكن ظالما في جميع عمره.
القسم الثالث : من هو ظالم في أوّل عمره دون آخره.
القسم الرابع: من هو غير ظالم في أوّل عمره ولكنّه صار ظالما في آخر عمره.
وإبراهيم (ع) أجلّ شانا من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع. فبقي القسم الثاني والثالث, والله تعالى نفى أن يكون الظالم إماما, وهذا يشمل الذي ظلم ثمّ تاب لأنّه ينطبق عليه ذلك العنوان ولو آنا ما, فتعيّن أن يطلب الإمامة لمن لم يكن ظالما في جميع عمره. وهذه هي العصمة بعينها وذاتها.
والمقصود من الظلم ليس أن يظلم الآخرين فقط, بل أن يظلم نفسه بأن يسلك بها سبيل المهالك.
* " وإذ جعلنا البيت مثابة للنّاس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم واسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود" ( البقرة 125)
إنّ لإيحاءات المفردات القرآنية لسحرا وذوقا لا يتذوّقه ولا يشعر به إلا من يتامل بمعانيها, ويقف الإنسان أمامها مشدوها بحلاوتها وطلاوتها.
من هذه المفردات التي تحمل في طياتها معان, من أين أتيتها تجد لها معان مختلفة, وهي " مثابة للنّاس ".
منذ أن كلف الله نبيّه إبراهيم بأن يرفع القواعد للبيت العتيق تعلقت إرادته تعالى بأن يبقى البيت معمورا بالنّاس المؤمنين يطوفون حوله, ويتعبّدون ويتنسّكون وينهلون من مناهل رجاء الله فيه.
ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم الشرعي أنّه لا يجوز أن يخلى البيت من الحجيج, وإذا صار هناك فقر بين المسلمين وجب على الإمام أن يدفع للنّاس حتى يحجّوا إذا لم يحجّ أحد. وهنا يأتي دور هذه الكلمة لتدلّ على هذا المقصود.
إنّ كلمة مثابة مشتقة من ثاب يثوب مثابة, ومثابا إذا رجع, ومنه ثاب إليه عقله أي رجع إليه عقله, والتاء فيه للمبالغة أي لكثرة الرجوع إليه, ويفهم منه أنّ على النّاس أن يرجعوا إلى البيت فوجا بعد فوج كلما استطاعوا, وأن يرجع إليه مرّة بعد أخرى , وأن لا يقتصر على مرّة واحدة, وبقرينة الأدلة الشرعية الأخرى لا يكون هذا الرجوع على نحو الوجوب.
ويستوحى أيضا من كلمة المثابة أنّ هذا الرجوع يشكل الحنين الذي يحنّ إليه المؤمن, فمنذ أن خلق الإنسان وارتبط بالمادة وتأثر بها وانسلخ إلى حدّ ما عن عالم الروحانيات بعدما كان في عالم الذر وعالم الأرواح يعيش في البيت الإلهي كان لهذا الرجوع إلى البيت العتيق عودة إلى الله ليشعر معها بانغماسه بالرحمة الإلهية والكرم الإلهي بضيافة الرحمن له عبر الكرم اللامتناهي.
ومن الكرم يأتي معنى جديد لهذه الكلمة إنّها الثواب والأجر عبر التوبة التي يتوبها الإنسان من ذنوبه فيرجع عليه بالحسنات والرضا ويعيده كيوم ولدته أمّه بلا ذنب.
* " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوف بهما ومن تطوّع خيرا فإنّ الله شاكر عليم" ( البقرة 158)
إنّ لفظ " لاجناح عليه " يوحي ويشير إلى عدم حرمة السعي بين الصفا والمروة, وإنّ ذلك أمر جائز ولا يوحي بالوجوب, علما إنّه من البديهي بمكان أنّ السعي بين الصفا والمروة أمر واجب في الحجّ وشرطا في صحّة العمرة المستحبّة من جهّة, وواجب بما أوجبه المكلف على نفسه في الإحرام من جهّة اخرى. فكيف يفسر ذلك؟
والجواب :
إنّ هذه الآية تستهدف إزالة ما علق في أذهان المسلمين بشأن الصفا والمروة, إذ إنّ الجاهليين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة, وقد وضعوا على الصفا صنما اسمه " أسأف " وعلى المروة صنما آخر سموه " نائلة " وكانوا يتمسّحون بهما في السعي. من هنا خال المسلمون أنّ السعي بين الصفا والمروة عمل غير صحيح, وكرهوا أن يفعلوا ذلك.
وقيل إنّ هذه الآية نزلت في عمرة القضاء, أي بعد سنة من صلح الحديبية حيث كان من شروط النّبي (ص) مع المشركين في هذه الإتفاقية رفع الصنمين من الصفا والمروة, وقد عملوا بهذا الشرط, لكنّهم أعادوها إلى محلها, وقد أدّى هذا الأمر إلى كراهة المسلمين السعي بينهما.
نزلت هذه الآية لترفع هذا الوهم من أذهان المسلمين ولتؤكد أنّ الصفا والمروة من شعائر الله, وأنّ عبارة " لاجناح " جاءت لإزالة ما تصوّروه من كراهة هذا العمل وأنّه لا إثم من وراء هذا العمل, لا أنّ هذا العمل بذاته مباح أو مستحب.
وبعد تثبيت شعيرة هذا العمل فإنّ الوجوب أو عدمه يحتاج إلى دليل آخر من آية أو رواية . وقد اكدت الروايات القطعية وجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج.
* " إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين " ( البقرة 161)
هذه الاية تذكر بصراحة أنّ الذين كفروا وماتوا متلبّسين بكفرهم عليهم لعنة الله مشفوعة بلعنة الملائكة والنّاس أجمعين.
وهنا يتبادر سؤال إلى الذهن : أليست لعنة الله كافية حتى يشفعها بلعنة الملائكة والنّاس؟
ثمّ إنّ من بين النّاس الذين أكدّ الله بصفتهم أجمعين من دون استثناء من هم كفار, أيعقل أنّهم يلعنون أنفسهم وبعضهم بعضا؟
والجواب :
بلا شك إنّ لعنة الله على الكافرين كافية في نزول الغضب الإلهي عليهم, وإقفال باب الرحمة الواسعة عليهم لأنّهم أقفلوها بأنفسهم على أنفسهم, ولكن ذكر الملائكة والنّاس جاء كتأكيد على هذا الأمر حيث إنّ عالم الملائكة الذي هو طهر كله المتصل طهرهم بطهر الله لا يمكن إلاأن يلعنهم تبعا للعنة الله. وأمّا عالم النّاس فإنّ لعنتهم على الكافرين جاءت لتؤكد كراهة هذا الكفر, فهم كارهون لأعمال أولئك, فهؤلاء يكرهون مثلا كتمان الحقائق عنهم ويلعنون من يستر عنهم الحقيقة ويمارس الغواية عليهم
" يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنّهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له اندادا" ( سبأ 31 -33)
" حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنّهم كانوا كافرين قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجنّ والإنس في النّاركلما دخلت أمّة لعنت أختها حتى إذا ادّاركوا فيها قالت أخراهم لأولاهم ربّنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النّار قال لكلّ ضعف ولكن لا تعلمون " ( الأعراف 37-38)
وقد يقول قائل : إنّ قول الله " النّاس أجمعين " يشمل كلّ النّاس, جميع النّاس كافة بلا استثناء بمن فيهم نفس المجرم. أيمكن للإنسان أن يلعن نفسه؟
والجواب :
مرّ في المنطق أنّ القضية لا تشمل نفسها, فحينما أقول لخادمي : أكرم النّاس جميعا معناه أنّ الإكرام المأمور به هذا العبد متوجّه إلى النّاس جميعا ما عدا نفس القائل.
وعليه, فإنّ اللعن من النّاس جميعا على هذا الكافر أو ذاك يتوجّه من النّاس المؤمنين ومن غير المؤمنين عليهم لأنّ الكفر قد طال المؤمن بآثاره السلبيّة عليهم من قتال ونقمة وما شابه ذلك, وطال الكافر لأنّهم صدّوهم عن الهدى ومارسوا عليهم الغواية والضلال.
* " إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنّهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كلّ دابّة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " (البقرة 164)
أمرنا الله سبحانه بالتدبّر في آيات القرآن وأن لا نمرّ على الآيات مرور الكرام. وها هي هذه الآية تخاطب عقولنا لتتوقف أمام ظواهر كونية يريدنا الله تعالى أن نتخذها آلة ووسيلة للوصول إلى الحق لنكتشف من خلالها ما يريدنا الله أن نصل إليه من دروس وعبر. فما هي هذه الآيات؟
والجواب :
هناك كلمة قيّمة لأهل المعرفة وهي : إنّ الطرق إلى معرفة الله بعدد أنفاس الخلائق, فإنّ لكلّ ظاهرة من الظواهر الطبيعية وجهين : أحدهما يحكي عن وجودها وحدودها وخصوصياتها, والآخر يحكي عن اتصالها بعلتها ونشوئها منها.
فهذه الظاهرة الطبيعية من الوجه الأوّل تقع موضوع البحث في العلوم الطبيعية فيأخذ كلّ باحث جهّة خاصّة, فواحد يبحث عن التراب والمعادن وآخر عن النّبات والحيوان وهكذا.
كما إنّها تقع طريقا لمعرفة الله والتعرّف عليه من ناحية آثاره. والفرق بينهما واضح بينهما, فالماديّ ينظر إلى الطبيعة بما هي هي من دون أن يتخذها وسيلة لتعرّف آخر, في حين إنّ الإلهي يتخذها وسيلة للتعرف على كلّ ما يسودها من نظم وسنن.
وبعبارة أوضح : إنّ الماديّ يقتصر في عالم معرفة الشيء , ويغفل عن معرفة أخرى, وهي معرفة مبدأ الشيء من طريق آثاره وآياته. فلو اكتفينا في معرفة الظواهر بالمعرفة الأولى لحبسنا أنفسنا في زنزانات المادّة. ولكن لو نظرنا إلى الكون بنظرة وسيعة آلية للوصول إلى المعرفة الكبرى فإنّنا نصل إلى عالم مليء بالقدرة والعلم والكمال والجمال. وعند ذلك يتجلى لنا صدق ما قلنا من أنّ الطرق إلى معرفة الله بعدد الظواهر الطبيعية بدءا من الذرّة وانتهاءا إلى المجرّة.
إنّ وجه الدلالة في " إنّ في خلق السماوات والأرض " يدلّ على أنّ لها خالقا لا يشبهها ولا تشبهه, وهذه الدلالة تبتني على برهان النظم, وبدوره يبتني هذا البرهان على مقدمات أربعة:
المقدمة الأولى : إنّ وراء الذهن الإنساني عالما مليئا بالموجودات, لا أنّه خيال كما يدّعي المثاليون.
المقدمة الثانية : إنّ عالم الطبيعة خاضع لنظام محدّد, وإنّ كلّ ما في الكون لا ينفكّ عن النّظم والسنن التي كشفت العلوم الطبيعية عن بعضها, وكلما تطوّرت العلوم خطا الإنسان خطوات أخرى أوسع في معرفة الكون والقوانين السائدة عليه.
المقدمة الثالثة : كلّ ما في الكون من سنن وقوانين لا ينفكّ عن علة توجده, فكلّ مخلوق له خالق.
المقدمة الرابعة : إنّ دلالة الأثر تتجلى بصورتين:
الصورة الأولى : وجود الأثر يدلّ على وجود المؤثر, كدلالة البعرة على وجود البعير, وأثر الأقدام تدلّ على المسير. وهذه الدلالة ممّا لا يفترق فيها المادي والإلهي.
الصورة الثانية : إنّ دلالة الأثر لا تنحصر في الهداية إلى وجود المؤثر, بل إنّ لها دلالة أخرى في طول الدلالة الأولى, وهي الكشف عن خصوصيات المؤثر من عقله, وعلمه, وشعوره, أو تجرّده من تلك الكمالات والصفات.
فلو فرضنا أنّ هناك مخزنا حاويا لأطنان عدّة من مواد البناء من حجر, وحديد, واسمنت, ونحو ذلك, ثمّ وضع نصف ما في هذا المخزن تحت تصرّف أحد المهندسين, أو المعماريين لينشىء به عمارة ذات طوابق عدة. وبعد فترة من الزمن جاء سيل جارف وجرف ما تبقى من المخزن من مواد الإنشاء وتركها على شكل تلّ على وجه الأرض.
إنّ العمل الأوّل قد أنتج عن عمل وإرادة مهندس عالم, وأمّا الثاني فقد حدث بالفعل الطبيعي من دون إرادة وشعور.
فالعقلاء بمختلف مراتبهم يحكمون بعقلانية صانع العمارة ومدى قوّة إبداعه, وتلك التلّ التي تكوّنت بفعل العوامل المادية غاية ما نراه منها هو انعدام النّظام والترتيب.
وهذه القاعدة التي يدركها العقل لا بفضل التجربة, بل في ظلّ التفكر والتعقل هي روح برهان النّظم الذي هو أوضح براهين الإلهيين في إثبات الصانع ورفض الإلحاد.
وملخص بياننا في هذ المجال أن نقول :
إنّ العلم لم يزل يتقدم ويكشف عن الرموز والسنن الموجودة في عالم المادّة والطبيعة والعلوم كلها تكشف أنّ العالم الذي نعيش فيه من الذرّة إلى المجرّة منسجم تسود أدقّ الأنظمة والضوابط, فما هي هذه العلة؟
إنّها تتردّد بين أمرين :
الأوّل : إنّ هناك موجودا خارجا عن إطار المادّة, عالما قادرا واجدا الكمال والجمال, قام بإيجاد المادّة وتصويرها بأدقّ السنن.
الثاني : إنّ المادّة الصمّاء العمياء القديمة هي التي قامت بإجراء القوانين الدقيقة على أنفسها .
فإذا عرضنا هاتين النظريتين على المقدّمة الرابعة لبرهان النظم, فلا شكّ أنّها ستدعم أولاهما, لأنّه أوّلا وأخيرا لا يمكن لفاقد الشيء أن يعطيه, فكيف للمادّة الصماء أن تعطي نفسها هذا التنظيم والجمال.
إنّ في خلق السماوات والأرض بكلّ عظمتها لا يمكن إلا أن يكشف عن أنّ هناك خالقا لهما متصفا بالجمال والقدرة والعقل ومعهم الحكمة المتعالية.
ثمّ أينما كان التنسيق فهو دليل على الوحدة, وحيثما كان النظم والإنسجام فهو دليل على وجود العلم والمعرفة.
من هنا نشاهد مظاهر النّظم والإنسجام في الكون من جهّة, والتنسيق ووحدة العمل من جهّة أخرى نفهم وجود مبدأ واحد للعلم والقدرة والحكمة صدرت منه كلّ هذه المظاهر من اختلاف الليل والنهار وما يتبع ذلك من تعاقب الفصول الأربعة وتكامل النّبات وسائر الحياء في ظلّ هذا التكامل الذي يكشف عن قدرة الله وحكمته إذ لو انعدم هذا التغيير التدريجي, أو انعدم النظام في هذا التدريج, أو انعدم تعاقب الليل والنّهارلانمحت الحياة من وجه الكرة الأرضية.
وهكذا تنكشف أيضا القدرة والحكمة في جريان الفلك أي السفن وما أجرى الله سبحانه في الماء والرياح لتجري من مكان لآخر لينتفع الإنسان من خدماتها. وما أظهر الله من قدرة وحكمة في تصريف الرياح لتلقح الزهور وتسحب الغيوم المثقلة بالماء من بلد إلى بلد لتزرع فيه الحياة.
وبكلمة واحدة إنّ هذه الآية الشريفة تحث اصحاب العقول النيرة أن تبحث في ما وراء المادّة لتكتشف علة وجودها والكشف عن خصوصيات المؤثر الذي هو الله من قدرة وحكمة وجمال.
* " ومن النّاس من يتخذ من دون الله أندادا يحبّونهم كحبّ الله والذين آمنوا أشدّ حبّا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوة لله جميعا وأنّ الله شديد العذاب " ( البقرة 165 )
هل يمكن للمشركين الذين يتخذون من دون الله أندادا وشركاء ولا يعرفون الله أن يحبّوا الله حتى يكون هناك تساو في الحبّ بين شركاء الله والله في قلب هذا النّمط من النّاس؟
وما هو هذا الحب؟
وكيف يكون ؟
والجواب :
إنّ المحبّة هي الميل النفسي مع إرادة نحو المحبّ, فإذا قلت أحبّ زيدا فهذا معناه أنّي أريد منافعه, أو مدحه, وإذا أحبّ الله تعالى عبدا فمعناه أنّه يريد ثوابه وتعظيمه, وإذا قال العبد أحبّ الله معناه أريد طاعته واتباع أوامره.
والمشرك ليس كالملحد لا يعترف بوجود الله, بل إنّ ظاهر حاله أنّه يؤمن بأصل وجود الله غاية الأمر أنّهم ضلوا الطريق وانحرفوا عن الصراط المستقيم حتى جعلوا له أندادا وساووه في الحب
" ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله " (العنكبوت 61) ففي أصل الخلق هم يؤمنون بوجود الخالق الذي هو الله, ولكنّ تدبير الأمور وشأن المخلوقين أشركوا فيه بأن جعلوا لله أندادا يتقرّبون إليها ويجعلونها وسيلة تقربهم إلى الله زلفى " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " ( الزمر3)
إذن, أصل الحبّ يمكن أن ينسب إليهم , لكنّ هذا الحبّ أصبح فارغا من مضامينه, على أنّ البعض يقول إنّ المشركين لا يعرفون الله, وعليه يكون المعنى " كحبّ الله " أي كما ينبغي أن يُحبّ الله. ولكن ما ذكرناه أوّلا هو الأصوب والله العالم, لأنّ السؤال الذي سئل للمشركين عمّن خلق السماوات والأرض وأجابتهم بأنّ الله هو الخالق يكشف عن أنّهم يعرفون الله معرفة إجمالية ناقصة, ثمّ إنّهم نسبوا أنّهم إنّما يعبدون الأصنام لتقرّبهم إلى الله زلفى, وهذه تصحّح نسبة الحبّ النّاقصة بنقصان معرفتهم لله.
* " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " ( البقرة 178)
قد يتساءل الواحد منّا أليس المقصود من الحرّ والعبد والأنثى جنسهم؟ بلا شك نعم.
إذن , الحرّ كما يشمل الذكر من الإنسان فإنّه يشمل الأنثى, والعبد كما يشمل الذكر فإنّه يشمل الأنثى. والإنسان لا يخلو إمّا أن يكون ذكرا او أنثى, فإذن ما معنى أن يفرد الله ذكر الأنثى في هذه الآية.
والجواب :
إنّ المقصود من الآية الشريفة أنّ الحر إذا قتل حرّا, أو العبد إذا قتل عبدا, أو الأنثى إذا قتلت أنثى استحقوا القصاص بالقتل.
ولكن إذا قتل الحرّ العبد فلا قصاص عليه. نعم ورد عن الإمام الصادق (ع) " ولا يقتل حرّ بعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم ديّة العبد "( مجمع البيان تفسير الاية).
ولو قتلت الأنثى الرجل استحقت القصاص, وكذلك لو قتل الرجل الأنثى غاية الأمر أنّ الذكر إذا قتل الأنثى واقتصّ منه وجب دفع نصف ديّته إلى أهله لأنّ المرأة لا تعاقل ديّة الرجل, بل إنّها تساوي نصف ديّة الرجل, لذلك وجب دفع النّصف الباقي لأهله. فالآية إذن في مقام ذكر التساوي من حيث المبدأ, فإنّ الحرّ يقتل بالحرّ, ولا شيء عليه من الديّة, والعبد يقتل بالعبد ولا ديّة زائدة, والأنثى تقتل بالأنثى ولا شيء عليها.
أمّا إذا قتل الحرّ العبد فالآية ليست ناظرة إلى حكمها فيرجع فيها إلى التفاصيل, وكما بيّنا ذكر حكمه فإنّه يضرب الحرّ ضربا شديدا ويدفع ديّة العبد.
وإذا قتل الذكر الأنثى فإنّه يستحق القتل ولكن يدفع لأهله نصف ديّته.
* " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصيّة للوالدين والأقربين حقا على المتقين " ( البقرة 180)
المتبادر بدوا من الآية أنّ على الإنسان الذي حان أجله أن يوصي على نحو الوجوب لوالديه وللأقربين من عائلته خاصّة إذا استقرأنا مادّة " كتب " في القرآن الكريم التي ظاهرها عند الخطاب فرض الوجوب. " يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " ( البقرة178) والتي ظاهرها أنّ القصاص حكم الله الذي فرض على المجتمع ليكون به قوامه " يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"(البقرة 183) ووجب الصوم من أبده البديهيات عند المسلمين. " كتب عليكم القتال وهو كره لكم " ( البقرة 216) ومن المعروف أنّ القتال للدفاع عن الأوطان واجب كفائي وقد يتحوّل إلى واجب عيني.
ولكن عند الرجوع إلى الفتاوى العملية نجد أنّ الوصيّة ليست واجبة على الإطلاق, فكيف يفسر الأمر؟ وما هو الخير؟
ولماذا أثبت الأمر على المتقين وحدهم دون بقية الناس؟
والجواب :
إنّ " كتب " بمعنى بمعنى قضي, وهو الحكم الذي يوحي بالإلتزام, وظاهر به, فلا بدّ من الإلتزام به إلا أن يدلّ دليل من كتاب وسنة على خلاف ذلك, تماما مثل صيغة إفعل التي ظاهرة في الوجوب إلا أن يدلّ دليل خاصّ على الإستحباب.
ولمّا كان إجماع المسلمين قائما على عدم وجوب الوصية للوالدين والأقربين فلا بدّ من أن نلتزم بذلك فيحمل معنى الكتابة على أصل التشريع والجعل, أي إنّ الله تعالى قد جعل الوصية للوالدين والأقربين من التشريعات الإسلامية التي ينتقل من خلالها المال من مالك لآخر, ولكن لا على نحو الوجوب بل على نحو الإستحباب.
وأمّا الخير, فإنّ المقصود منه المال الكثير, لا أصل المال " وإنّه لحبّ الخير لشديد " إذ إن طبيعة البشر يميلون إلىتجميع المال وتكديسه, ولا يصبح المال مجمعا ولا مكدّسا إلا إذا كثر.
وقد اختلفت الروايات في تحديده, ولكن الظاهر منها هو المقدار المعتدّ به الذي يمكن أن يبقى منه مقدار زائد على حصّة الإرث حسب حالة الورثة كما ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (ع) " إنّ عليّا دخل على مولى له في الموت وله سبعمئة درهم أو ستمئة درهم فقال : ألا أوصي؟ قال (ع) : لا, إنّما قال الله تعالى " إن ترك خيرا" وليس لك كثير مال, فدع مالك لورثتك " ( من وحي القرآن تفسير الاية ).
ولو كان أصل الوجوب ثابتا في الوصية لذيّل الله الآية ب " حقا على المؤمنين" أو " حقا على المسلمين " بدل " حقا على المتقين ". فيكون المراد من حقا على المتقين أنّ التقوى هي موضوع كلّ عمل ينتفع به الإنسان في الاخرة لا لتخصيص الوصية بهم, فالمتقون هم الذين يحرصون أن ينفذوا أمر الله باعتبار أنّهم يعلمون أنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في نفس الأمر والواقع.
* " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للنّاس والحجّ وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البرّ من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون " ( البقرة 189)
قد يتساءل الواحد منا إذا كان السؤال عن الهلال , وأتى الردّ بأنّه مواقيت للنّاس يعرفون متى يبدأ شهر رمضان, وشوال, ورجب, وذو القعدة, وذو الحجة, ومحرم, باعتبارها محلا للأحكام الشرعية الواجبة أو المحرّمة, كما إنّ لها دورا في تحديد بدايات الشهر من ناحية استحباب الصيام في أوّل الشهر ليتحدّد بعده النّصف والآخر من كلّ شهر.
ولكنّ السؤال : ما هو وجه الربط بين هذا الجواب وبين قوله تعالى " وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها؟
والجواب :
يتحدّد الجواب إذا عرفنا سبب نزول هذه الآية من أنّ جماعة من العرب كانوا إذا أحرموا للحجّ لم يدخلوا بيوتهم عند الحاجة من الباب, بل اتخذوا نقبا من ظهورها ودخلوا منه, فنهى الإسلام عن ذلك وأمرهم بدخول البيوت من أبوابها.
لقد غزت الخرافة والتقاليد غير الصحيحة بين العرب وضيّقوا على أنفسهم بما لم يطلبه الله منهم, فحتى لا يعبد الإنسان ربّه كما يريد هو, بل كما يريد الله, قمع الله تعالى هذه الحالة بأن رفضها رفضا قاطعا معتبرا أنّ تقوى الله تكون بالإبتعاد عن مثل هذه النظائر والإلتزام بما يأمر الله في ساحة طاعته.
* " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبيّن الله لكم الآيات لعلكم تتفكّرون في الدنيا والاخرة " ( البقرة 219-220)
قد يستغرب الإنسان حين يتأمّل في هذه الآية ويقول : ما وجه الربط سؤال الإنسان عن النفقة وجواب الله بأنّه عليه أن ينفق العفو. وهل العفو ممّا ينفق؟
والجواب :
إنّ هناك ألفاظا كثيرة في اللغة مشتركة في معانيها, وتتضمّن أكثر من معنى, فإذا لم يكن هناك قرينة صارفة للمعاني الأخرى فإنّ هذا اللفظ يبقى مجملا مبهما لا يفهم منه الإنسان المعنى المقصود. فالعين مثلا تطلق ويراد منها عدّة معان كالباصرة, والنابعة, والذهب , والذات, وحتى يعين المقصود منها لا بدّ أن يصاحبها قرينة لفظية أو معنوية, فإذا قال مثلا : رأيت عينا تلمع عرف أنّ المقصود منها هو الذهب.
وكلمة العفو هنا أيضا من هذه الألفاظ, إذ تطلق ويراد منها المسامحة مع الإقتدار ويراد منها أيضا ما فضل عن الأهل والعيال, أو الوسط من غير إسراف ولا إقتار أو ما فضل عن قوت السنة أو أطيب المال وأفضله.
والمقصود من العفو هنا بقرينة السؤال عن النفقة هو المعنى الثاني أي غير المسامحة. وقد روي عن الإمام الصادق (ع) أنّ العفو ها هنا الوسط ( التبيان تفسير الاية )
وفي المجمع عن الإمام الباقر (ع) : العفو ما فضل عن قوت السنة .
وفي تفسير العياشي عن الإمام الصادق (ع) في الآية " الذين إذا أنفقوا ولم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " قال : هذه بعد هذه ,هي الوسط"
ثم إنّ السؤال كان عاما عن النفقة بشكل عام, ولذلك كان الجواب أيضا عاما لم يحدّد الله سبحانه شيئا في الجواب " لأنّ تعيين ذلك لا يمثل شيئا في حساب القيمة الأخروية عند الله ما دامت القضية ترتكز على حلّ مشكلة الفقير من جهّة, وعلى تربية المؤمن على روح العطاء من جهّة اخرى, ولذلك اكتفى بكلمة العفو التي تعني الفضل, فلا يكلف الإنسان الإنفاق من ضرورياته المعيشية, بل يكفيه في إطاعة هذا التشريع أن ينفق من فواضله التي تزيد عن حاجاته الأساسية " ( من وحي القرآن تفسير الاية )
وبذلك كان الإسلام منسجما مع الطبيعة البشرية التي قد لا تستجيب للإيثار دائما.
ثمّ يختم الله سبحانه الآية بأنّه كما أنّه أوضح لكم الضرر في الخمر والميسر, فكذلك يبيّن الله لكم هنا الآيات والحجج في أمر النفقة لتتفكروا ولتتدبّروا في أمر الدنيا والآخرة فتعلمون أنّ الدنيا دار بلاء, وعناء, وفناء, والآخرة دار جزاء وبقاء فتزهدوا في هذه وترغبوا في تلك.
ويكفي في ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين " إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة حسرة رجل كسب مالا في غير طاعة الله فورثه رجل فأنفقه في طاعة الله سبحانه, فدخل به الجنّة ودخل الأول به النّار " ( نهج البلاغة قصار الأحكام ).
|