الامام الجواد عليه السلام

   
 


 

 

الصفحة الرئيسية

أسئلة ومراسلة لسماحة الشيخ

الامام علي بن أبي طالب

Guestbookتعليق الزوار

القرآن الكريم

تأملات قرآنية

العقائد

عباد الرحمن

العرب قبل الاسلام

قرأت لك كشكول

أسماء الله الحسنى

الأئمة الاثنى عشر

الأمام الحسن عليه السلام

الامام الحسين عليه السلام

الامام زين العابدين ع.س

الامام محمد الباقر ع.س

الامام جعفر الصادق ع.س

الامام موسئ الكاظم ع.س

الامام علي الرضا ع.س

الامام الجواد عليه السلام

الامام الهادي عليه السلام

الامام الحسن العسكري ع.س

الامام المهدي عجل الله فرجه

صور من وحي الاسلام

توقعات عن الامام المهدي

 


     
 

* مقدمة:

         هو الإمام التاسع من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

تولى مهام الإمامة بعد استشهاد أبيه الإمام الرضا(ع)  وهو صغير السن، فكان الأول من الأئمة الاثنى عشر الذين يتولون مهام القيادة وهو صغير السن، حوالي ثماني سنوات, فكان الإمام الجواد(ع) أول تجسيد حي للإمامة على حسب المواصفات التي وردت في الكتاب والسنة للإمام وأحواله وشؤونه.

 

         ولكون الإمام الجواد(ع) هو الإمام الأول الذي واجهت الإمامة فيه هذه المعضلة على رأي البعض فلا بد من معالجة هذه المشكلة ليتبين الحق فيها والرأي الصائب ، ولذلك نقول:

 

         كانت قضية الإمامة وشؤونها من أهم القضايا التي شغلت الفكر الشيعي، وقد علّم الأئمة(ع) اتباعهم وأعطوهم الضوابط العامة التي من خلالها تتحدد شخصية الإمام، فكان اتباع الأئمة يمتلكون الرؤية الواضحة والمعايير الصحيحة في تحديد شخص الإمام، فامتاز الشيعة التزاما بمنهج القرآن بالاعتماد على العقل والخضوع لقضائه والالتزام بأحكامه في عقائدهم، فلم يكونوا ليقبلوا بأمر يستبعده العقل إلا ببرهان ساطع ودليل قاطع تنقاد له عقولهم بالخضوع والتسليم. وبسبب وضوح هذا الأمر لديهم نجدهم سرعان ما يكتشفون كذب وزيف من يدعي الإمامة زورا ويفتضح أمره لديهم ويشتهر كذبه، كما كان الحال بالنسبة لعبد الله بن الأفطح بن جعفر(ع) الذي ادعى الإمامة بعد الإمام الصادق(ع) ، وكما كان الأمر أيضا بالنسبة لجعفربن علي الهادي(ع) الذي ادعى الإمامة بعد أخيه الإمام العسكري(ع) .

 

         وفي المقابل فإننا نرى التسليم الكبير في الشيعة للإمام الجواد(ع) مع صغر سنه، فهذا علي بن جعفر الذي كان طاعنا في السن، وكان من كبار العلماء، نراه يظهر للإمام الجواد(ع) على صغر سنه من الاحترام والتبجيل باعتبار أن الله قد أختصه بالإمامة، فيروي التاريخ أن عليا بن جعفر(ع) كان في مسجد رسول الله(ص) إذ دخل الإمام الجواد، فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظمه، فقال له الإمام الجواد: يا عم اجلس رحمك الله.   

فقال يا سيدي: كيف أجلس وأنت قائم ؟ فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون : أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل ؟ فقال : اسكتوا، إذا كان الله عز وجل وقبض على لحيته لم يؤهل هذه الشيبة ، وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه وأنكر فضله! نعوذ بالله مما تقولون بل أنا عبد له.

        

إلا أننا رغم كل ذلك، لا يمكننا الإنكار أنه بمجرد استشهاد الإمام الرضا(ع) واستلام الإمام الجواد(ع) للإمامة بهذا العمر الصغير ولأول مرة حدوث أول مخاض عقائدي عنيف عند الشيعة وتعرضهم لزلزال عقائدي عنيف من الناحية العلمية، فوضوح قضية الإمامة وشؤونها لدى الشيعة نظريا لا يعني أن لا يتعرض عامة الناس والضعفاء لهذا الزلزال الخطير بل أننا سوف نرى أن هذا الحدث قد أثر حتى على بعض كبار الشيعة وعلمائهم لا سيما بعد أن كان الأئمة(ع) قد ربوا شيعتهم على احترام الفكر والعقل وأصبحوا عقليين إلى حد كبير.

        

ويروي الطبري في هذا المجال: " ولما بلغ عمره ست سنوات وشهور قتل المأمون أباه وبقيت الطائفة في حيره، واختلفت الكلمة بين الناس, واستصغر سن أبي جعفر(ع) وتحير الشيعة في سائر الأمصار".

         ويروي عن السيد المرتضى: "ولما قبض الرضا(ع) وكان سن أبي جعفر(ع) نحو  سبع سنين فاختلفت الكلمة بين الناس ببغداد والأمصار، واجتمع الريان بن الصلت وصفوان بن يحي ومحمد بن حكيم وعبد الرحمن بن الحجاج ويونس بن عبد الرحمن وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجاج يبكون ويتوجعون من المصيبة ".

فقال لهم يونس بن الرحمن: دعوا البكاء، من لهذا الأمر؟ إلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا، يعني أبا جعفر.

فقام إليه الريان بن الصلت ووضع يده في حلقه ولم يزل يلطمه ويقول له: أنت تظهر الإيمان لنا وتبطن الشك والشرك ، إن كان أمره من الله فلو كان أبن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ وقوته، وإن لم يكن من عند الله فلو عمر ألف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي أن يفكر فيه ؟

 

فقد كانت تلك، حالة بعض العلماء والفقهاء من أمثال يونس الذي هو من أصحاب الاجماع، فكيف حال عوام الشيعة ممن لم يستضيئوا بنور العلم ولا يملكون قناعات ثابتة لا سيما في الأمور التفصيلية.

 

كما نجد صفوان بن يحي وهو من أصحاب الإجماع لا يكاد يتعقل أن يكون الإمام طفلا صغيرا حتى يؤكد له الإمام الرضا(ع) ويستدل بقوله: "وما يضره، وقد قام عيسى بالحجة وهو أبن أقل من ثلاث سنين ".

وفي محاولة أخرى من الإمام الرضا(ع) لتقريب هذا الأمر إلى أذهان أتباعه يقول: "هذا أبو جعفر، قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني، وقال: إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا أكابرنا القذه  بالقذه ". بل الظاهر أن هذا التمهيد لهذا الأمر بدأ من عهد الإمام الصادق(ع) فقد قال أبو بصير: " دخلت عليه، ومعي غلام يقودني خماسي لم يبلغ ، فقال كيف أنتم إذا أحتج عليكم بمثل سنه ؟ وقال: سيلي عليكم بمثل سنه".

 

* موقع الحكام من هذا الصراع:

         لم يكن الحكام آنذاك بعيدين عن ساحة الصراع وتتبع الأحداث السياسية والعقائدية والفكرية بل كانوا يرصدونها بدقة فائقة ومهارة مزيده ، فكانوا يهتمون بهذا الأمر اهتمامهم بمستقبلهم وبمصيرهم ويعملون علنا تارة وفي الخفاء أخرى على تقوية هذا الفريق الذي يجدون أن التعامل معهم يخدم مصالحهم وقضيتهم ووجودهم في الحكم، فلذلك نراهم في عصر المأمون العباسي يشجعون الفكر الاعتزالي القائم على اعتماد العقل بشكل كبير جدا في الحكم على الأمور مقابل الفكر الاشعري  الذي يعتمد في ذلك على الأحاديث والجمود عليها ، ولعل المنشأ في ذلك أنهم لو شجعوا الفكر الاشعري لربما ضعفوا في مواجهة الفكر الشيعي فيما لو حاججوهم بروايات معتبرة، بينما تأييدهم للفكر الاعتزالي سوف يخلق جوا من التحدي الكبير لفكره أن يقوم بأعباء الإمامة التي هي أهم منصب في الإسلام صبي صغير لم يبلغ الحلم.

 

         نعم، إن حدثا عقائديا فريدا من نوعه وخطيرا كهذا، ولهذه الفرقة بالذات، من شأنه أن يلفت أنظار خصومها ويشد عقولهم إليه ولسوف تغريهم السلطة وطبيعة الحدث بالاستفادة من هذه الحالة العارضة لشن هجوم عنيف وحاسم يستهدف الفكر العقائدي لهذه الفرقة  في الصميم، ولسوف يثلج ذلك، صدر السلطة التي لن تألو جهدا في خلق الظروف الملائمة لإنجاح هذه الهجمة وإزاحة الفكر العقائدي لهذه الفرقة من الطريق.

وقد حاولت السلطة جاهدة لتأجيج هذا الصراع الفكري من أجل ضرب الفكر الشيعي ولإيصال الأمور إلى خيارات أحلاها مر، فيما لو فشل الشيعة في تبرير صغر سن الإمام الجواد(ع) . وهذه الخيارات هي:

1-  أن يرمي بها إلى الأصقاع  النائية ، إلى مناطق الجهل والحرمان والبداوة بعيدا عن مناطق الصراع والتحدي كما حصل لعامة فرق الخوارج ، التي كانت مبادؤها منافرة لحكم العقل والفطرة والوجدان، فلم تستطع  الثبات أمام الفكر والمنطق والتحدي، فلذلك انزوت إلى أماكن بعيدة لتتجنب مر الصراع الفكري.

2-  أن تعدّل الكثير من أفكارها وعقائدها وتجعلها تتوافق وتتلاءم مع النظرة العامة التي ارتضاها الحكام لعامة الناس، أو على الأقل لا تتناقض معها.

3-     أن تتحول إلى عقيدة باطنية منغلقة على نفسها، تعيش ظلام الإبهام والغموض ولا تجرؤ على الظهور إلى النور.

 

* الإمامة في مضمونها العام:

         وإذا كانت الإمامة في نظر أهل البيت(ع) وشيعتهم هي ذلك الإمتداد الحي لمسيرة النبوة في قيادتها الإلهية نحو الهدف الأسمى فمن الطبيعي أن تكون شرعية  تمثيل النبوة قائمة على ركنين أساسين:

الأول: النص.

الثاني: العلم الخاص الذي أختص به الأئمة عن آبائهم عن النبي(ص).

 

وأما بالنسبة للأمر الأول: فقد حاول خصوم آل البيت إنكار وجود نص على ذلك بدءا من أمير المؤمنين إلى بقية الأئمة(ع)  وحاولوا تهميش الآيات الواردة بخصوص الإمام أمير المؤمنين(ع)  مع وضوح الدلالة عليه، بالإضافة إلى تحوير النصوص الواردة بحقه وتمييعها عن الاتجاه الوارد فيه  ، كما رووا من عشرين طريقا، في أن الخلفاء بعد النبي (ص) اثنا عشر خليفة كلهم من قريش. وقد تخبطوا خبط عشواء في تحديد هؤلاء الاثنى عشر.

 

فإذا كان الأمر هكذا مع أمير المؤمنين(ع)  ، فكيف الحال مع من بعده من الأئمة (ع). ومع ذلك فإن الواقع فرض نفسه واستمرت الإمامة شامخة رغم كل المؤمرات وبقيت الإمامة مستمرة إماما بعد إمام بنص من الإمام الذي قبله ، مع  وجود نصوص عن النبي (ص) في تحديد هؤلاء الأئمة الاثنى  عشر.

 

وأما بالنسبة إلى العلم الخاص: فقد أثبت الإمام الجواد(ع)  جدارته وكفاءته العالية حتى رضخ له الأعداء قبل الموالين. وقد تجسد هذا العلم في المراحل الأولى من عمر الجواد(ع) . فيروي  المؤرخون أنه لما استشهد الإمام الرضا(ع) وطعن الناس في المأمون واتهموه بقتل الرضا(ع) أراد أن يبرىء نفسه من ذلك ، فلما أتى من خراسان إلى بغداد كاتب الجواد(ع)  إلى المدينة يستدعي قدومه عليه بالإغراء والإكرام . فلما ورد بغداد أتفق أن المأمون قبل ملاقاته له خرج إلى الصيد ، فاجتاز بطرف البلد في طريقه، وكان ذلك بعد موت الإمام الرضا(ع) بسنة، فاجتاز المأمون بالإمام الجواد(ع) وهو بين صبيان فهربوا سواه.

-         فقال المأمون علي به، فقال: مالك لا هربت في جملة الصبيان.

-         فقال: ما لي ذنب فأفر منه، ولا الطريق ضيق فأوسعه عليك، سر من حيث شئت. 

-         فقال : من تكون أنت.

-         فقال: أنا محمد بن  علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

-         فقال: ما تعرف من العلوم.

-         قال: سلني عن أخبار السماوات ، فودعه ومضى وفي يده باز أشهب يطلب به الصيد.

 

فلما بعد عنه، نهض عن يد الباز فنظر يمينه وشماله فلم ير صيدا والباز يثب عن يده، فأرسله، فطار يطلب الأفق حتى غاب عن ناظره ساعة ، ثم عاد إليه وقد صاد حية فوضع الحية في بيت الطعم. وقال لأصحابه، قد دنا حتف ذلك الصبي في هذا اليوم علي يدي ، ثم عاد وأبن الرضا في جملة من الصبيان.

-         فقال: ما عندك من أخبار السماوات ؟

-    فقال : نعم يا أمير المؤمنين، حدثني أبي عن آبائه عن النبي (ص) عن جبرائيل عن رب العالمين أنه قال: بين السماء والهواء بحر عجاج يتلاطم به الأمواج، فيه حيات خضر البطون رقط الظهور، يصيدها الملوك بالبزاة الشهب يمتحن به العلماء.

-         فقال: صدقت وصدق أبوك وصدق جدك وصدق ربك فأركبه.

 

وبعد هذا الحدث يثبت للمأمون مكانة الجواد العلمية ، ولذلك حينما أراد أن يتآمر على الإمام الجواد عبر تزويجه من ابنته أم الفضل وكان الإمام دون سن البلوغ، استنكر العباسيون فعل المأمون وأنكروا هذا الفعل قائلين: " أتزوج ابنتك وقرة عينك صبيا لم يتفقه في دين الله، ولا يعرف حلاله من حرامه ولا فرضا من سنته ؟ ولأبي جعفر إذ ذاك تسع سنين فلو صبرت حتى يتأدب ويقرأ القرآن ويعرف الحلال من الحرام.

فقال المأمون: " إنه لأفقه منكم وأعلم  بالله ورسوله وسنته وأحكامه، وأقرأ لكتاب الله منكم وأعلم بمحكمه ومتشابهة، وناسخه ومنسوخة وظاهره وباطنه وخاصه وعامه وتنزيله وتأويله منكم، فأسالوه ، فإن كان الأمر كما وصفتم قبلت منكم ".

 

ثم أنهم أجمعت ارآؤهم على إحضار يحي بن أكثم ليسأل الإمام وهو يومئذ قاضي الزمان فسأله يحي بن أكثم: " ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا ؟ فقال(ع) : قتله في حل أو حرم ؟ عالما كان المحرم أو جاهلا ؟ قتله عمدا أو خطأ ؟ حرا كان المحرم أو عبدا ؟ صغيرا كان أو كبيرا ؟ مبتدئا بالقتل أو معيدا ؟ من ذوات الطير كان الصيد أو غيرها ؟ من صغار الصيد أم من كبارها ؟ مصرا على ما فعل أو نادما ؟ ليلا كان قتله للصيد أم نهارا ؟ محرما كان بالعمرة إذا قتله أو بالحج كان محرما ؟

فتحير يحي بن أكثم وتلجلج وبان في وجهه العجز والانقطاع.

ثم إن المأمون قال للجواد(ع) : إن رأيت أن تسأل يحي مسألة كما سألك ؟ فقال (ع)  ليحي أسألك ؟ قال يحي، ذلك إليك ، جعلت فداك فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلا استفدته منك، فقال أبو جعفر(ع): "أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار وكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه ، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة ؟ وبماذا حلت له وحرمت عليه ؟ ".

-         فقال يحي: لا والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدنا.

-    فقال أبو جعفر(ع) :  " هذه أمة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أول النهار وكان نظره إليها حراما، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان الظهر اعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت الظهر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهرها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان وقت نصف الليل طلقها طلقة واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له ".

 

وعلى صعيد آخر ، كان للإمام الجواد(ع) مناقشات محرجة للغاية حول شخصية الخليفتين الأول والثاني أراد من خلالها المناقش أن يوقع بالإمام الجواد ويقضي عليه، خاصة وأن النقاش جرى في محضر الخليفة وبين العباسيين . وقد استطاع الإمام بحكمته العالية جدا أن يسقط محاوره، ويبقى الإمام على فكره واعتقاده ولكن بموضوعية مطلقة من دون أن يثير الإحن المذهبية .

 

منها: ما سأله يحي بن أكثم في محضر الخليفة المأمون: " ما تقول يا أبن رسول الله في الخبر الذي روي أنه نزل جبرائيل على رسول الله (ص) وقال له: يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك سل أبا بكر هل هو راض ، فإني راض عنه ؟    

-      فقال الإمام (ع) : لست بمنكر فضل أبي بكر ، ولكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ الخبر الذي قاله رسول الله (ص) في حجة الوداع  بعين الاعتبار ، لقد كثرت علي الكذابة، وستكثر بعدي فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه  على كتاب الله وسنتي فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به، وهذا الخبر لا يوافق كتاب الله، قال تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، فالله سبحانه وتعالى خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سره، وهذا مستحيل في العقول.

-      ثم قال يحيى بن أكثم: لقد روي أن أبا بكر وعمر بن الخطاب في الأرض كجبرائيل وميكائيل في السماء، فقال الإمام(ع)  وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه لأن جبرائيل وميكائيل ملكان لله مقربان لم يعصيا الله قط ولم يفارقا طاعته لخطيئة واحدة، وهما قد أشركا بالله عز وجل وإن أسلما بعد الشرك، ولكن أكثر أيامهما كانت على الشرك فمحال أن يشبههما بهما.

-    فقال يحي بن أكثم: وقد روي أيضا أنهما سيدا كهول أهل الجنة ، فما تقول في ذلك يا أبا جعفر ؟ فقال(ع) : وهذا الخبر لا صحة له أيضا ، لأن أهل الجنة ليس فيهم كهل وشيخ، وقد وضع هذا الخبر بنو أمية في مقابل ما جاء به النبي (ص) الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

-         فقال يحي: وقد روي أن النبي (ص) قال: لو لم أبعث لبعث عمر بن الخطاب، فقال (ع) : كتاب الله أصدق من هذا الحديث، فقد قال الله في كتابه: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح، فقد أخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه وكل الأنبياء لم يشركوا بالله طرفه عين، فكيف يبعث الله من أشرك وكانت أكثر أيامه على الشرك بالله.

 

بهذه الأجوبة ونظائرها استطاع الإمام(ع) أن يفرض نفسه كقوة علمية لا تضاهى ، وثبت نفسه بكفاءة لا متناهية  في الإمامة وأبعد كل توهمات وإشكاليات صغر السن في تأثيرها السلبي على الإمامة.

 

ومن الطبيعي أن يحي بن أكثم كان يقصد من تلك الأسئلة الإيقاع  بالإمام وبالتالي بكل اتباعه لا أنه يريد أن يستفهم عن المسألة لأنه إذا قبل الإمام بتلك الكرامات والفضائل التي تنسب إليهما فإن شيعته واتباعه لسوف يرتابون بالأمر لعلمهم  بأن ذلك خلاف ما عرفوه عنه وعن آبائه وخلاف ما ثبت لديهم في هذا المجال ولسوف يوقعه ذلك في تناقض صريح معهم. وإذا أنكر تلك الفضائل وردها ، فإن عامة الناس وأرباب سائر الفرق لسوف يثورون ضده وقد لا يرضيهم حينئذ إبعاده عن موقعه، بل أنهم سوف يطالبون بما هو أشد وأعظم ليس بالنسبة للإمام الجواد(ع) فحسب بل لعامة اتباعه في سائر الأمصار ولكننا نجد الإمام(ع) قد استطاع في إجاباته على تلك  الأسئلة أن يحتفظ بخطه الصحيح ويعطي رأيه الصائب في الأمور التي طرحت عليه من جهة, ومن جهة أخرى فقد استطاع أن يسد الطريق أمام ظهور أي تشنج غير مسؤول  سواء على مستوى العامة أم على مستوى أهل العلم والمعرفة الذين يخالفونه في الرأي في هذه المسائل، بالإضافة إلى أنه لم يبق أي مجال لاستغلال غير مسؤول من قبل من كانوا يترصدون الفرصة لذلك حيث أنه(ع) قد طرح القضية بشكل علمي هادىء قائم على الاستدلال والمنطق الذي لم يجد أحد عنه محيصا، مع التركيز على التهذيب في الكلمة والرصانة في التعبير.

 

* خاتمة المطاف:

         لقد ابتلي الشيعة عبر الزمن بمحاربة الحكام لهم، وبقهر الدولة لهم سواء على صعيد التصفية الجسدية أم بمجرد الاشتباه بهم، فكان الرجل يقتل على تهمة أنه موال للأئمة.

         وأثار الحكام في وجه مذهب أهل البيت(ع)  المدارس الفكرية والمذاهب الإسلامية وحاول الحكام أن يفرغوا محتوى الإمام عبر شن حملة فكرية كان يثيرها وعاظ السلاطين ومرتزقتهم، وذلك هو السر الحقيقي الكامن وراء إصرار الحكام وغيرهم من الخصوم من أرباب الفرق الأخرى على اغتيال الإمامة عن طريق إفراغها من محتواها الفكري والعلمي حتى إذا فشلوا في ذلك اعتمدوا أسلوب التصفية الجسدية.

 

         وفي هذا المقام كان المأمون العباسي أعظم بني العباس خطرا وأكثرهم علما وأبعدهم نظرا وأشدهم  فكرا وأخفاهم مكيدة، كما صرحت به النصوص التاريخية العديدة، فبعد أن أدرك خطأ الخلفاء السابقين في معاملتهم للأئمة (ع)  حيث كانوا يقتلونهم علنا مما كان يثير المشاعر في قلوب المسلمين ويزيد من أنصار الأئمة(ع) ، حاول المأمون أن يتعامل معهم بأسلوب جديد مزيد من نوعه يخفي وراءه فكرا أشد وكيدا أعظم ، فقد نقل الصدوق(ع) : كان المأمون يجلب على الإمام من متكلمي الفرق وأهل الأهواء المضلة كل من سمع به حرصا على انقطاع المعصوم عن الحجة مع واحدة منهم، وعلى حد تعبير الأصحاب : جلب المأمون على الإمام المتكلمين من البلدان طمعا في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة مكان لا يكلمهم خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية ولا خصم من فرق المسلمين إلا قطعه وألزمه الحجة إلى أن قال: فلما أعيته الحيلة في أمره فقتله بالسم.

 

         وكان وجود الإمام الجواد(ع) وهو بهذه السن بالذات كإمام يتحمل مسؤولية القيادية يعتبر بحد ذاته تحديا للسلطة ولجميع الفرق على مختلف مشاربها، وعليه فمن الطبيعي أن يحتاط المأمون ويعد العدة لكل المفاجئات المحتملة في هذا المجال ، ولأجل ذلك فقد استقدم المأمون الإمام الجواد(ع) إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية ليكون تحت المراقبة الشديدة من قبل السلطة وليطلعوا على مجمل تحركاته واتصالاته مع شيعته.

 

         وقد اتخذ المأمون أسلوبا ماكرا مع الإمام (ع) فزوجه ابنته ودس له مائه وصيفة حيث كن يراقبن بدقة التصرفات الكاملة للإمام.

 

         وبعد أن أدركت السلطة أن اغتيال الإمامة عن طريق إفراغها من محتواها العلمي باعتماد أسلوب الخصام والمحاججة قد أفاد دعوة أهل البيت وخطهم، وأن السلطة بإعدادها أجواء المحاججة هذه إنما كانت تبحث عن حتفها بيدها، بل على العكس من ذلك فإنها كانت تهيء أسباب انتشار الدعوة ورسوخها وتعريف الناس بها وبخصائصها.

         وبعد أن فشلت الجهود في عملية التزوير والافتراء على الإمام بهدف إيجاد المبرر لتصفيته بشكل علني وسافر على النحو الذي يسمح بملاحقته بعد ذلك بحملة إعلامية مركزة لتشويهه والنيل من قداسته في نفوس الناس، بعد ذلك كله رأت السلطة أنه من المفيد لها أن تفكر في التخلص منه(ع) بنفس الطريقة التي كان ينتهجها أسلافهم الجبارون مع الأئمة (ع) وهي دس السم حيث أنها الطريقة الوحيدة التي يمكنهم الاعتماد عليها من دون أن تعرضهم لمشاكل وأخطار.

 

         ويروي المؤرخون أن ابنة المأمون زوجة الإمام الجواد(ع) هي التي كانت الوسيلة في تحقيق هدف أبيها، فدست له السم، واستشهد (ع) في آخر ذي القعدة سنة 220 هـ. وبعد كل ما تقدم، نستطيع أن نسجل الحقيقة التالية:

أن الإمام الجواد(ع) قد قام بأعظم المهمات وأخطرها ، ولو أنه لم يقم طول حياته الشريفة بأي نشاط أخر سوى ما ذكرناه من تثبيت دعائم الإمامة وحفظ خط الوصاية لكفاه رفعة وعزا وعظمة ومجدا على مدى الحياة ، فإن نفس وجوده (ع) على أنه الزعيم والقائد والوصي والإمام الذي لم يمكن لكل الأعداء والخصوم أن ينالوا من موقعه ولا من شخصيته ولا تمكنوا من مواجهته في أعظم ما يدعيه رغم صغر سنه ورغم أنه لم يتلق العلوم والمعارف من أحد من الناس سوى أبيه الذي عاش معه لفترة  وجيزة .

 

* من وصاياه(ع):

-    قال له رجل أوصني / فقال (ع) : أو تقبل ؟ قال : نعم. فقال (ع) : توسد الصبر واعتنق الفقر وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم أنك لن تحلو من عين الله فانظر كيف تكون.

-         من وصية له(ع) : إياك ومصاحبة الشرير فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره.

-    لا تعاد أحدا حتى تعرف الذي بينه وبين الله، فإن كان محسنا فإنه لا يسلمه إليك، وإن كان مسيئا فإن علمك به يكفيه فلا تعاده.

-    لا تعالجوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولن عليكم الأمر فتقسو قلوبكم ، وارحموا ضعفاءكم، واطلبوا من الله الرحمة فيهم.

-         لا تكن وليا لله تعالى في العلانية وعدوا له في السر.

-         اصبر على ما تكره فيما لزمك الحق واصبر عما تحب فيما يدعوك إلى الهوى.

-    تأخير التوبة اغترار ، وطول التسويف حيرة ، والاعتلال على الله هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر الله، ولا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون.

-         المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله ، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه.

-         القصد إلى الله بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.

-         من أطاع هواه أعطى عدوه مناه.

-         من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس.

-         من سلامة الإنسان قلة حفظه لعيوب غيره وعنايته بإصلاح عيوب نفسه.

-         من انقطع إلى غير الله وكله الله إليه.

-    من وثق بالله واتكل عليه نجاه الله من كل سوء  وحرزه من كل  عدو، ولو كانت السماوات رتقا على عبد ثم أتقى الله لجعل الله له مخرجا.

-    العفاف زينة الفقر، والشكر زينة البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، والحفظ زينة الرواية، وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الأدب زينة الورع، وبسط الوجه زينة القناعة، وترك ما لا يعني زينة الورع.

-    أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه، لأن لهم أجره وفخره وذكره فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبتدىء فيه بنفسه.

-         ما عظمت نعمة الله على أحد إلا وعظمت إليه حوائج الناس، فمن لم يتحمل تلك المؤونة عرض تلك النعمة للزوال.                 

 

  

 

 

                       

          

 

 

 

        

           

 

 

 
 

Today, there have been 100 visitors (109 hits) on this page!

 

 
This website was created for free with Own-Free-Website.com. Would you also like to have your own website?
Sign up for free