* مقدمة:
هو الإمام الثاني من أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وهو رابع أهل الكساء الذين باهى النبي بهم نصارى نجران.
ولد الإمام أبو محمد الحسن بن علي(ع) في المدينة المنورة في الخامس عشر من شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة، وهو السبط الأول لرسول الله(ص) .ولما زفت البشرى للنبي(ص) بولادته أقبل إلى بيت الزهراء(ع) مهنئاً ومبشراً بأن الوحي نزل عليه ليسمي الوليد المبارك حسناً، ولم يكن يعرف في الجاهلية مثل هذا الاسم.وقد كان للإمام الحسن(ع) كما لسائر الأئمة(ع) مكانة عظيمة في أحاديث الرسول(ص) فضلاً عن كتاب الله، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله(ص) : "من سرّه أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي(ع)" .
والإمام الحسن(ع) هو أحد الثقلين اللذين من تمسك بهما نجا ومن تخلف عنهما ضلّ وغوى، ومن أهل البيت(ع) الذين شبههم الله بسفينة نوح، وقد قال فيه النبي(ص) وفي أخيه الحسين(ع) "اللهم أني أحبهما فاحبهما وأحب من يحبهما". وقال أيضاً (ص) : "كل بني بنت ينتمون وينتسبون لآبائهم إلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وإليّ ينتسبون".
وروي أن الزهراء(ع) أتت بالحسن والحسين(ع) إلى أبيها في شكواه التي توفي فيها فقالت له: هذان أبناي فورثهما شيئاً فقال: "أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جرأتي وجودي". كما روت عائشة عن النبي(ص) أنه كان يأخذه فيضمه إليه ويقول: "اللهم إن هذا ابني وأنا أحبه وأحبّ من يحبه"، وكان يحمله على رقبته، فلقيه رجل وهو على هذه الحالة فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال رسول الله(ص): "ونعم الراكب هو".وكان يأتيه أحياناً وهو ساجد فيركب ظهره فيطيل السجود والحسن على ظهره، فإذا فرغ يسأله المسلمون عن سبب ذلك فيجيب "لقد ترجلني ابني فكرهت أن أعجله"
ملاحظة لا بد من الوقوف عندها:
الكل يعرف أن النبي(ص) لم يكن ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وصحيح أنه بشر لا بد أن يعيش إنسانيته وعاطفته الأبوية مع أولاده، لكن حينما يتخذ ذلك التأثير العاطفي صفة الموقف بإعطائه الصفة العلنية يصبح واضحاً أن ثمة إصراراً عنيداً أكيداً على إبرازه وإظهاره على الملأ العام، وحتى على المنبر، فإنه لا بد وأن يكون ذلك في خدمة الرسالة، وعلى طريق الهدف الأسمى.
إن ما ذكرناه هو الذي يفسر لنا القدر الكبير من النصوص والآثار التي وردت عن النبي(ص) تجاه العلاقة التي تربطه بالحسنين(ع) وأن هذا الموقف المتميز من الحسنين وتلك الرعاية الفريدة لهما زاخرة ولا شك بالعديد من الدلالات والإشارات الهامة حسبما ألمحنا إليه.
* عبادته:
كان الإعداد الأصيل الذي توفر للإمام الحسن(ع) قد وفر لكيانه الروحي سمواً عالياً، فكان تقربه إلى الله تعالى وانشداده إليه سبحانه أمراً يهز القلوب ويخشع له الوجدان. وهذا ما عبر عنه الإمام الصادق(ع) بقوله: "أن الحسن بن علي(ع) كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشياً وربما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى, وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائضه بين يدي ربّه عز وجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ويسأل الله الجنة ويعوذ به من النار وكان لا يقرأ من كتاب الله عز وجل "يا أيها الذين آمنوا" إلا قال : لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكراً الله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم مقالاً".
كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال: "حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه وترتعد مفاصله".
وكان إذا بلغ باب المسجد يرفع رأسه ويقول: "الهي ضيفك ببابك، يا محسن، قد أتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم".
* أخلاقه وكرمه:
مرّ به رجل من أهل الشام ممن غذاهم معاوية بالحقد والكراهية لعلي(ع) وآله، فجعل يسب ويشتم الإمام، والإمام(ع) ساكت لا يتكلم وهو يعلم أن الشامي لا يعرف علياً وآله إلا من خلال الصورة التي كان معاوية يصوّّرها لهم، وعندما انتهى الشامي من سبه وشتمه، ابتسم له وتكلم معه بأسلوب هادئ ينمّ عن سماحة وكرم، متجاهلاً كل ما سمع ورأى وقال: "أيها الشامي أظنك غريباً فلو أنك سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، وإن كنت جائعاً أطعمناك, وإن كنت محتاجاً أغنيناك, أو طريداً آويناك"، ومضى يتحدث إلى الشامي بهذا الأسلوب الذي يفيض بالعطف والرحمة حتى ذهل الشامي، وسيطر عليه الحياء والخجل، وجعل يتململ بين يديه يطلب عفوه وصفحه ويقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
قيل للحسن(ع) لأي شيء نراك لا ترد سائلاً وإن كنت على فاقة؟
فقال: إني لله سائل وفيه راغب، وأنا استحي أن أكون سائلاً وأرد سائلاً، وأن الله تعالى عوّدني عادة أن يفيض نعمه علي، وعوّدته أن أفيض نعمه على الناس فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة، وأنشد يقول:
إذا ما أتاني سائل قلت مرحباً بمن فضله علي معجل
ومن فضله فضل على كل فاضل وأفضل أيام الفتى حين يسئل
* الحسن والخلفاء الثلاثة:
توفي الرسول(ص) وحدث بعده ما حدث من استئثار أبي بكر بالأمر وإقصاء أمير المؤمنين(ع) عن محله الطبيعي الذي أهله الله سبحانه وتعالى له، وكان عمر الحسن(ع) لم يتجاوز سن الطفولة، ورغم هذا السن فقد مارس الإمام(ع) واجبه في الدفاع عن مظلومية أبيه جنباً إلى جنب مع أمه الزهراء(ع).
فيحدثنا التاريخ، وهو لا يزال في سن الطفولة، فيرى أبا بكر على منبر جده رسول الله(ص) والناس محدقون به، فيندفع نحوه مسرعاً وهو يقول له: "أنزل عن منبر أبي"، بهذه الكلمات القصار يختصر الإمام الواقع الفاسد الذي كان يعيشه الخليفة الأول، فيطلق لسانه المعصوم بهذه الكلمات الحقة.وتسارعت الأحداث وانتقلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب
والسمة البارزة في حياة الإمام الحسن في عهد الخلفاء أنه لم يشترك في المعارك والفتوحات في عهد الخليفتين الأول والثاني بالرغم من أنها قد بلغت ذروتها في مختلف المناطق والانتصارات والأموال والغنائم تتدفق على المدينة، ولعل السبب أن عمر قد فرض على الكثير من أعيان الصحابة ما يشبه الإقامة الجبرية لمصالح سياسية يعود خيرها إليه، وبقي الحسن السبط إلى جانب والدة فانصرفا إلى خدمة الإسلام ونشر تعاليمه وحل ما يعترض المسلمين من المشاكل الصعاب.
وبعد موت عمر أنضم الإمام الحسن إلى جنود المسلمين –فيما روى – الذين اتجهوا إلى أفريقيا ويجاهد معهم، ويفتح الله على أيديهم، وبعد عودته من الفتوحات اشترك الإمام الحسن مع أبيه في وضع حد للفساد الذي استشرى في جسم الدولة من عثمان وبطانته الذين استأثروا بأموال العباد.
ومما لا شك فيه أن أمير المؤمنين كان كغيره من خيار الصحابة ناقماً على تصرفات عثمان وأنصاره وعماله، ومع ذلك لم يبلغ به الحال إلى حدود الرضا بقتله والتحريض عليه، بل وقف منه موقفاً سليماً وشريفاً، أراد من عثمان أن ينتهج سياسة تتفق مع الدين والإسلام وأن يجعل حداً لتصرفات ذويه وعماله الذين أسرفوا في تبذير الأموال واستعمال المنكرات، وأراد من الثائرين عليه أن يقفوا عند حدود المطالبة بالإصلاح الشامل لجميع مرافق الدولة، وأن لا تتخذ ثورتهم طابع العدوان والانتقام واستطاع في المرحلة الأولى من وساطته أي يضع حداً للصراع القائم بين الطرفين بما يحفظ لكل منهما حقه، لولا إن مروان بن الحكم قد أفسد كل ما أصلحه الإمام(ع)، وظل الإمام إلى آخر لحظة يتمنى على عثمان أن يتخذ موقفاً سليماً حتى يتاح له أن يعالج الموقف في حدود ما أنزل الله، ولكن كانت نتيجة صلابة موقف عثمان من الثوار القتل.
* أسطورة كون الإمام الحسن عثمانياً:
يدّعي بعض الكتّاب القدامى والمحدثين أن الإمام الحسن(ع) كان على خلاف دائم مع أبيه، وأضاف إلى ذلك الدكتور طه حسين في كتابه "علي وبنيه: أنه كان عثمانياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة وأنه أقام مع أبيه وشهد مشاهده كلها على غير حب لذلك أو رغبة منه فيه.
والواقع أن هذه المصادر لهذا النوع من التحريف والتضليل لا يشك الباحث أصلاً في سندها، والهدف من هذه المرويات انهم كانوا يحاولون براءة عثمان مما وصفه به التاريخ، وإعطاء تصرفاته صفة الشرعية، وفي الوقت ذاته إيجاد فجوة بين موقف كلّ من الإمام علي(ع) وولده الحسن السبط من عثمان والسياسة التي انتهجها الإمام علي(ع). وأما الروايات التي تعلق بها أصحاب هذا الرأي، وعلى رأسهم عميد الأدب العربي فهي:
1. جاء في رواية البلاذري وشرح النهج، أن الحسن قال لأبيه: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أم أكلمك، وبكى فقال له: تكلم ولا تحن حنين الجارية، فقال: إن الناس قد حصروا عثمان فأمرتك أن تعتزلهم وتلتحق بمكة حتى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها فأبيت ذلك، ولما قتل عثمان أمرتك أن تعتزل الناس، فلو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الإبل حتى يستخرجوك فغلبتني، وأنا آمرك اليوم أن لا تقدم على العرق فإني أخاف عليك أن تقتل بمضيعة.
2. قال الدكتور طه حسين: وقد روى الرواة أن علياً أمر بابنه الحسن وهو يتوضأ فقال له: اسبغ الوضوء، فأجابه بالكلمة التالية المرّة على حد زعم الرواة: لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يسبغ الوضوء فلم يزد أمير المؤمنين على قوله: لقد أطال الله حزنك على عثمان.
ومن هذه المرويات استنتج بعض الكتّاب أن الحسن(ع) كان على خلاف مع أبيه، وكان يرى أن لا يشترك في شيء، وأن يعتزل الناس والمدينة ويقيم في ماله أو يذهب إلى مكة فيعتصم بها ولا يطلب البيعة وأن عرضت عليه.
ومضى الدكتور طه حسين يقول: ولو استطاع الحسن أن يعتزل الفتنة كما فعل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهما لفعل، وكان يكره لأبيه أن يترك المدينة ويذهب إلى العراق لحرب طلحه والزبير وكان أبوه يعصيه في كل ما يشير عليه من ذلك، ولم يفارقه حزنه على عثمان، وكان عثمانياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة.
ولكن في هذه الروايات ما لا يخفى، إذ السند ضعيف جداً وهي من الموضوعات التي وضعت من اجل تبييض صفحة عثمان، وإظهاره ولياً من أولياء الله. يدافع عنهم سبط النبي(ص) ومن ناحية ثانية.
ومن ناحية الدلالة، فإن مضامينها تشتمل على بعض الكلمات التي لا يحسن صدورها من عوام الناس مع آبائهم كما في الرواية الثانية " أمرتك فعصيتني" والحسن(ع) ارفع شاناً من أن يستعمل هذا الأسلوب مع أبيه.
وأما الرواية الثانية ففيها من المبكي ما فيها: الحسن بعظمته ومكانته في الإسلام وعمره في الثلاثين ولا يعرف كيف يسبغ وضوءه، فإن هذا ما لا يستطيع لأحد تصديقه على الإطلاق، ويكفي في الرد عليها ضعف الروايات ووضعها. فإن هذا كافٍ في المقام.
* الإمام الحسن(ع) في حياة أبيه
كان دور الإمام الحسن(ع) طوال الفترة التي عاشها مع والده الإمام علي(ع) يتجلى في تجسيد مفهوم الانقياد لإمامه وملهمه، وقد برز دوره في حياة أبيه في الوقائع التالية:
1. عندما تحرك البغاة في الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان أثر تمرد طلحه والزبير، فاحتاج الإمام علي إلى مساندة الجماهير في الكوفة للزود عن الحق الذي يمثله، فاختار لهذه المهمة نجله الإمام الحسن وذلك لشحذ همم أهل الكوفة وحملهم على دعم الموقف الإسلامي الأصيل، فانطلق الإمام الحسن برفقة عمار بن ياسر إلى الكوفة حاملاً كتاب علي إلى أبي موسى الأشعري، عامله على الكوفة يبلغه فيه باستغنائه عن خدماته بسبب تحريضه الناس على القعود عن نصرة الإمام علي وقد نجح الإمام الحسن في استنفار الجماهير لنصرة الحق والزود عن الرسالة.
ومجمل القول فيها، أن أمير المؤمنين كان قد أرسل وفداً إلى الكوفة ليستنهض أهلها فعارضهم عاملة على الكوفة أبو موسى الأشعري، ولم يستجب لطلب أمير المؤمنين، ومضى الإمام الحسن بمن معه باتجاه الكوفة، ولما دخلوها استقبلهم أهلها، فقرأ عليهم كتاب أبيه، ووقف أبو موسى الأشعري نفس الموقف الذي وقفه مع الوفد الأول، وافتعل حديثاً عن النبي(ص) ليثبط الناس عن مساندة أمير المؤمنين وادعى أنه سمعه يقول: "ستكون بعدي فتنة القاعد فيها خير من القائم، والنائم خير من القاعد، فرد عليه عمار: إذا صح أنك سمعت رسول الله يقول: ذلك فقد عناك وحدك فالزم بيتك أما أنا فاشهد أن رسول الله(ص) قد نهاك وحدك وحذرك من الدخول في الفتنة"
ووقف الإمام الحسن يستنفر الناس، فحمد الله وصلى على رسوله، ثم قال: "أيها الناس إنا جئناكم ندعوكم إلى الله وكتابه وسنة رسوله، وإلى أفقه من تفقه من المسلمين، وأعدل من تعدلون، وأفضل من تفضلون، وأوفى من تبايعون، من لم يعبه القران، ولم تجهله السنة، ولم تقعد به السابقة، ندعوكم إلى من قرّبه الله ورسوله قرابتين: قرابة الدين وقرابة الرحم، إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة، إلى كل من كفى الله به رسوله، والناس متخاذلون، فقرب منه وهم متباعدون, وصلى معه وهم مشركون، وقاتل معه وهم منهزمون، وبارز معه وهم محجمون، وصدقه وهم يكذبون, وهو سائلكم النصر ويدعوكم إلى الحق، ويأمركم بالمسير إليه لتؤازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه، ومثلوا بعماله ونهبوا بيت ماله فاشخصوا إليه رحمكم الله"
وكانت كلماته هذه لها وقع كبير في نفوس المسلمين فتهيؤا وانطلقوا مسرعين لنجدة أمير المؤمنين(ع).
2. موقفه في معركة صفين، عندما انتهت معركة الجمل، وتحرك معاوية لقتال الإمام علي(ع) وقف الإمام الحسن(ع) خطيباً بين الجماهير موقظاً للهمم، باعثاً العزم والنشاط في النفوس حيث يشهد له التاريخ بقدرته على الخطابة وإلهاب مشاعر المسلمين وقدرته على استنهاض الأمة.
3. بعد النزاع الذي ساد جيش أمير المؤمنين(ع) على اثر قضية التحكيم في معركة صفين وانقسام الجيش بين مؤيد ومعارض استطاع الإمام الحسن(ع) وبتكليف من أبيه أن يحكي للقوم حقيقة الأمر في كون التحكيم فاسداً حتى لا تنطلي الحلية على ما تبقى من جيشه.
4. اشترك الإمام(ع) في جميع حروب الردة في البصرة والنهروان وصفين وكان له دوره الحاسم فيها حيث خاض تلك المعارك وأخمد تلك الفتن متجرداً من كل دافع أو باعث عاطفي أو قبلي عشائري أو عائلي، ولم يكن له هدف سوى الحرص على منهج الإسلام الذي يمثله أبوه الإمام علي بن أبي طالب(ع).
* الإمام الحسن في الحكم:
بدأت المرحلة الثانية من حياة الإمام الحسن السياسية في دنيا الإسلام باستلامه الخلافة والإمامة من أبيه حيث أوصى الإمام علي بعد تعرضه للاعتداء الأثيم الذي ارتكبه ابن ملجم ولده الإمام الحسن بقوله: "يا بني امرني رسول الله(ص) أن أوصي إليك، وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثم أقبل إلى ابنه الحسين وقال: "وأمرك رسول الله(ص) أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: "وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي فأقرأه من رسول الله ومني السلام".
وبعد أن فرغ الإمام الحسن من تجهيز أبيه، اتجه الإمام الحسن إلى حشد كبير من أهل الكوفة الذين غص بهم الجامع على سعته، فوقف خطيباً حيث كان يقف أمير المؤمنين وحوله من بقي من وجوه المهاجرين والأنصار، فابتدأ خطابه عن مصابه بابيه، وقال بعد أن حمد الله وصلى على محمد وآله "لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله(ص) فيقيه بنفسه وأينما وجهه رسول الله(ص) كان جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها عيسى ابن مريم إلى السماء، وقبض فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلف خضراء ولا بيضاء سوى سبعمائة درهم فضلت عن عطائه، أراد أن يبتاع فيها خادماً لأهله، وقد أمرني أن أردها إلى بيت المال، ثم تمثل له أبوه وما كابد في حياته من الآلام والمتاعب فاستعبر باكياً، وبكى الناس من حوله حتى ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب, وعاد إلى حديثه بعد أن استنصت الناس وقال: "أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبي(ص) وأنا ابن البشير النذير والداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين كان جبرائيل(ع) ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وافترض مودتهم على كل مسلم، فقال في كتابه: "قل لا أسألكم أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له منها، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت".
وبهذا الخطاب الذي قلّ نظيره في التاريخ طرح الإمام الحسن مواصفات القائد الراحل كما طرح مؤهلاته للحكم ومكانته في دنيا الإسلام والمسلمين وانه مفترض الطاعة بحسب المواصفات الإلهية.
ولما أنهى الإمام خطابه قام عبيد الله بن العباس، فدعا الناس إلى بيعته وقال: "معاشر الناس، هذا ابن بنت نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه، فاستجاب الناس لهذه الدعوة المباركة وأعلنوا الرضا والانقياد، وكان أول من تقدم إليه ليبايعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري,فقال له أبسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيك وقتال المحلين، فالتفت إليه الإمام بعطف ورفق وقال: إن البيعة على كتاب الله وسنة نبيه تغني عن هذا الشرط لأن فيهما تبيان كل شيء وهما يأمران بقتال المحلين والباغين والمفسدين كما يأمران بالصلاة والصيام والزكاة وغيرهما من الفرائض.
وأقبل الناس يتسابقون على بيعته وتمت البيعة في الكوفة والبصرة كما بايعه أهل الحجاز واليمن وفارس وسائر المناطق التي كانت تدين بالولاء والبيعة لأبيه.
ولما بلغ نبأ البيعة إلى معاوية واتباعه بدأوا يعملون بكل ما لديهم من قوة ومكر وخداع لإفساد أمره والتشويش عليه، وبادر معاوية فوراً إلى وضع خطط المؤامرة موضع التنفيذ فشكل شبكة تجسسية، وعيّن للنهوض بها رجلين من أمكر رجاله، أرسل أحدهما إلى الكوفة والآخر للبصرة واستطاع الإمام كشف هذه الخطط وأرسل إلى معاوية رسالة يهدده فيها ويتوعده وأرسل معاوية رسالة جوابية يدعي فيها عدم شماتته بشهادة الإمام علي وكثر تبادل الرسائل بين معاوية والإمام الحسن وكان أهمها كتاب الإمام له بوجوب التخلي عن انشقاقه والانضواء تحت لوائه الشرعي، ثم تصاعد الموقف بعدها حين كتب معاوية للإمام كتاباً يطلب منه التنازل عن الحكم، وانقطعت الرسائل بعد ذلك، وأعلنت حالة الحرب بين الطرفين.
· ظروف الصلح:
بعد المكاتبات الحامية التي جرت بين معاوية والإمام الحسن بدأ الطرفان يعبآن جيشيهما، فأخذ معاوية يكتب لعماله بموافاته لغزو العراق، وبدأ الإمام يستنهض همم أهل الكوفة للجهاد والمسير لقتال المحلين، ولكن المشكلة في جيش الإمام الحسن أنه كان يتكون من خليط غريب قد تجمعت فيه عدة اتجاهات معاكسة وعناصر متضادة. ويمكن بالنظرة الأولية تصنيف جيشه إلى عدة فئات:
- الفئة الأولى: الخوارج وقد وجدوا في الإمام الحسن حلاً وسطاً فانضموا إليه لمحاربة معاوية
- الفئة الثانية: الفئة الممالئة للحكم الأموي وهي على قسمين:
- الأول: وهم الذين لم يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم فاضمروا ولاءهم للشام مترقبين سنوح الفرصة للوثوب على الحكم وتسليم الأمر إلى معاوية
- الثاني: وهم الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في نفوسهم أورثتها العهود السابقة.
- الفئة الثالثة: الفئة المتأرجحة التي ليس لها مسلك معين وإنما هدفها ضمان السلامة.
- الفئة الرابعة: الفئة التي تثيرها بعض العصبيات القبيلية.
- الفئة الخامسة: الغوغاء وهم الذين ينعقون مع كل ناعق.
- الفئة السادسة: الفئة المؤمنة وهي القلة المؤمنة.
وكان معاوية قد عرف نقاط الضعف التي ابتلى فيها جيش الإمام الحسن، فرسم للموقف خطة حاسمة تحسم الأمر بينه وبين الإمام وذلك عبر دعوته للصلح وإعطائه الشروط التي يريدها، وإن لم يقبل ذلك فإن الأحبولة التي حاكها حول قادة الإمام ورؤساء جيشه كافية لأن تمنع الالتحام بين المعسكرين، وتدفع بالإمام الحسن إلى التسليم بالواقع، وهذا ما كان بالفعل.
فقد كان الإمام قد بعث على مقدمة جيشه عبيد الله بن العباس في اثني عشر ألفاً وكانت الطلائع قد بلغت "مسكن" حيث وقفت في مواجهة جيوش الشام، وكان عبيد الله قد جعل على مقدمة جيشه قيس بن سعد، وكان الإمام قد أودع ثقته التامة بابن عمه وقدمه على قيس، حيث أن معاوية كان قد قتل أولاده في اليمن، ولم يكن يتصور فيه الخيانة.
وفي مسكن بدأت تظهر بوادر الفتنة بوضوح وانطلقت دسائس معاوية تشق طريقها إلى المعسكر، فبث شائعة مفادها "أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلم تقتلون أنفسكم" .
ارتبك عبيد الله بن العباس من هذا الموقف، وبدأت الألسن بين مصدق لها ومكذب ومرتبك ولم يحاول عبيد الله أن يتأكد من الخبر، ولم تكن الاستقالة واردة في حسبانه، لأنها لا بد أن تكون مشروعة ولها سبب مشروع، فالتمس المخرج لنفسه خاصة بعد أن كتب معاوية رسالة له يخبره فيها "أن الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلّم الأمر لي، فان دخلت في طاعتي كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع".
وبهذا الإغراء الشديد آثر عبيد الله بن عباس معاوية على ابن عمه الحسن، وانبلج الصبح والمعسكر يفتقده إذ انسحب عبيد الله إلى معسكر معاوية.
وبدأت تشيع أجواء المحنة في النفوس ويشعر بالطعنة في الصميم وتتسرب إليه أنباء عن مكاتبة بعض الرؤساء والقواد لمعاوية وطلبهم الأمان، ولكن القائد المؤمن قيس بن سعد حاول الحفاظ على البقية الباقية من الجنود ووقف خطيباً "أيها الناس لا يهولنكم ولا يعظمنّ عليكم ما صنع هذا الرجل الموله، إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إنّ أباه عم رسول الله خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر فأتى به رسول الله فأخذه فداءه فقسمه بين المسلمين، وأن أخاه ولاه على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين فاشترى به الجواري وزعم أن ذلك له حلال، وان هذا ولاه على اليمين فهرب من بسر ابن أرطأة وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع".
وهكذا بدأت نسبة الفرار تتزايد في صفوف الإمام الحسن فمن بين اثني عشر الفاً بقي في مسكن أربعة آلاف، وانهار ميزان القوى بين الجيشين، وبدأ معاوية يزيد من حرب الشائعات، فبعدما اطمأنت البقية لموقف قيس، بث معاوية شائعة مفادها: "أن قيس وهو قائد مسكن بعد فرار ابن عباس قد صالح معاوية وصار معه". ثم زاد فبث "إلا أن قيس بن سعد قد قتل فانفروا" فنفروا بسرادق الحسن فنهبوا متاعه، فنازعوه بساطاً كان تحته فازداد لهم بغضاً ومنهم ذعراً.
وهكذا طوقت موجة الشائعات المتدفقة بمكر معاوية وخبثه جناحي الجيش في مدائن ومسكن، والذي زاد الطين بلة، أن معاوية أرسل المغيرة بن شعبه وعبد الله بن كريز وعبد الحمن بن الحكم ليعرضوا الصلح على الحسن، ولكنهم خرجوا خائبين، فبثوا شائعة بين أفراد الإمام ظاهرها حسن وباطنها حقد ولؤم وخديعة فقالوا: "أن الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن الفتنة وأجاب إلى الصلح"
إلى هنا لم يتخذ الإمام موقفاً من الصلح حتى يتعرف على موقف الجيش فخرج خاطباً فيهم: " ألا إن معاوية قد دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفه، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبا السيوف، وإن أردتم الحياة قبلنا وأخذنا لكم الرضا" فناداه الناس: البقية البقية امض إلى الصلح.
هكذا فرض الصلح على الإمام فرضا ولكن اتخاذ الصلح لم يكن غوغائياً، بل إن الإمام الحسن فرض شروطاً أراد من خلالها فضح نوايا معاوية وأراد أن يكشف زيف ما قد رسخ في أذهان المسلمين من أن الصراع هو بين بني هاشم وبني أمية، فكانت بنود الصلح على النحو التالي:
- البند الأول: تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه وبسيرة الخلفاء الصالحين
- البند الثاني: أن يكون الأمر من بعده للحسن، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد.
- البند الثالث: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر علياً إلا بالخير.
- البند الرابع: استثناء ما في بيت مال الكوفة للإمام، وعلى معاوية أن يحمل للحسن مليوني درهم وان يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين في يوم الجمل وصفين مليون درهم.
- البند الخامس: أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل البيت رسول الله(ص) غائلة سراً ولا علانية.
إذن، لم يكن أمام الإمام الحسن إلا اختيار أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن يصالح أو يضحي بنفسه وجميع أهل بيته وأنصاره.
وبالموازنة الصحيحة لا مجال لاختيار الشق الأول هنا، حيث أن اختيار التضحية معناه التفريط بأهل بيته وأصحابه من دون أن يترتب أي أثر على ذلك إلا إنهاء هذه الذرية الطيبة للنبي الأعظم(ص) والثلة الصالحة من أعوانهم، فإن احتمال النصر على الجيش الشامي أمر بعيد في عالم الحساب العسكري مع قابلية الجيش العراقي للتفكك والتمزق والانهيار, واختيار الحرب والحال هذه لا تعدو نتائجه أحد أمرين: إما قتل الإمام الحسن وخاصته وإما بقاؤه حياً وأسره.فلو قتل الإمام وقتل معه أهل بيته وأنصاره، وهذا يعني انتصار الأموية.
وطبعاً يستطيع معاوية أن يبرر فعلته لما عودنا على حبائله مع ما لمعاوية من الصحبة للنبي(ص) وكونه خال المؤمنين وموضع ثقة عمر وعثمان وقد ولاه عمر ولم يحاسبه على شيء, وهو القائل له المقولة المشهورة عندما رأى عمر منه القصور والنبوغ وبرّر له معاوية أن ذلك يعكس عزاً أمام الأعداء فقال له "لا آمرك ولا أنهاك". ولو لم يقتل الحسن بل بقي حياً فإنه سيواجه الأسر، ولا أقل من أنه سيفسح المجال لمعاوية لكي يملي عليه الشروط التي يريدها أو يترك الأمر له بلا شروط.إذن لا مجال للتضحية واختيار طريق الحرب
وكان الرد الأول الذي جعل المسلمين يتعرفون على واقع معاوية خاصة أن الإمام عرف كيف يشترط عليه، فإن العرب مع همجيتهم وجاهليتهم ومع غض النظر عن إسلامهم فهم يعيبون على الإنسان عدم الوفاء بالوعد والعهد، وكان أول ما صنعه معاوية أنه قال: "والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا, أو لتحجوا, ولا لتزكوا إنكم تفعلون ذلك, ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وإني قد منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها.
* مصير الشروط والصلح:
أما الشرط الأول فيكفي ما نقلناه من خطبة معاوية. وأما الشرط الثاني، فقد أجمع المؤرخون بأنّ معاوية لم يف بشرطه، بل نقضه بجعله الولاية لابنه يزيد من بعده، وكانت بيعته ليزيد من أشد ما ابتلى به الإسلام من المحن، ولعلها الدليل الواضح على لعب معاوية وهزئه بمنصب الخلافة واعتبارها ملكاً لبني أمية.
وقد حاول معاوية أخذ البيعة له في عهد الإمام الحسن ولكن حاشيته أشارت عليه "بأنك لم تفتح الطرق عنوة، ولم تظهر علياً مقصاً، والله أن وراء الحسن خيولاً جياداً, وذراعاً شداداً, وسيوفاً حداداً، وإن تدن له بشبر غدر تجد وراءه باعاً من نصر، وأنت تعلم من أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك, ولا ابغضوا علياً وحسناً منذ أحبوهما، وأن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم".
وهكذا، رأى معاوية أن العهد لن يتم ليزيد ما دام الحسن حياً، فكان أن سمّمه بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث على أن يزوجها من ابنه، وبذلك يكون قد نقض البند المشتمل على أن يكون الحسن وأصحابه في مأمن من كيد معاوية سراً وجهراً.
وأما الشرط الثالث فقد عز على معاوية الوفاء به وهو ترك سب الإمام علي لأن سبّه يمثّل لدى معاوية الأساس القوي الذي يعتمد عليه في إبعاد العامة عن بني هاشم، فكتب نسخة واحدة بعد عام الجماعة "أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته".
وعندما أخل معاوية بشروط الصلح المتفق عليه أخذ الكثيرون يطالبون الإمام بفسخ الهدنة ومواجهة معاوية من جديد، ولكن الإمام كان يجيبهم بقوله: "إن لكل شيء أجلا، ولكل شيء حسابا" "ولعله فتنة لكم ومتاع إلى حين".
فلم يكن الإمام الحسن يرفض يشكل مطلق فكرة نقض الهدنة، ولكن كان يؤجّلها بالمنطق الذي يجعل لكل شيء أجل ولكل شيء حساب، لأنه كان يريد أن تتكشف شخصية معاوية بشكل واضح، وأن تكون أهدافه الجاهلية مكشوفة لكل إنسان.
إلا أن معاوية أحس بالخطة وعرف أن الإمام سيكشفه أمام الملأ ويلعب ورقته بنجاح أمام الجماهير وعند ذلك ينفضح أمره للمسلمين، ولذا بادر معاوية لتحصين نفسه ضد هذه الفضيحة والعمل على إفساد خطة الإمام حتى لا يكون مصيره مصير عثمان.
ولما كان معاوية يريد التمتع بالدنيا من خلال ملكه إلى أقصى ما يمكن أن يتمتع به الملك، فهو لا بد أن ينكشف للناس، فعمد إلى إخفاء فضيحته بالعمل والتخطيط على إماتة ضمير الأمة وإرادتها وقابليتها على تحدي الظالمين، فكانت سياسته على مدى عشرين عاماً تخطيطاً دائباً لتمييع ضمير الأمة بأن يجعلهم ينصرفون عن التفكير في الهموم الكبيرة وينقطعون إلى همومهم اليومية الصغيرة وينصرفون عن الأهداف التي حملوها مع نبيهم العظيم في تحطيم جاهليات العالم إلى الاهتمام بعيشهم ومصالحهم الشخصية وإلى اعطياتهم من بيت المال.
وفعلاً، أفلحت بعض خطط معاوية، حتى أصبح المسلم الذي كان يفكر بتحطيم عروش الظالمين وكسرى، وأصبح الآن لا يفكر إلا بعطائه الرخيص من بيت المال وحياته المبتذلة. وقد وصل الحال بشيوخ بعض القبائل أن أصبحوا جواسيس لمعاوية.
وبقي الإمام الحسن شوكة في خاصرة معاوية، ولم يكن يرتاح لها لأنه كان يدرك تمام الإدراك والمعرفة أن الإمام الحسن متربص له الدوائر، ويعدّ العدّة لفضح معاوية بعد أن يكون قد نجح في إفهام الأمة أن الصراع بينه وبين معاوية ليس صراعاً على الملك، ولا صراعاً بين بني هاشم وبني أمية إنما هو صراع الحق المتجسد في الإمام الحسن والباطل المتجسد في شخص معاوية، فلذلك وضع حداً لحياة الإمام الحسن كما ذكرنا عبر إغراء زوجته بأن تدس له السم على أن يزوجها من ابنه يزيد.
* من تراث أبي محمد الحسن بن علي(ع)
- من وصية له لبنيه وبني أخيه: يا بنيّ وبني أخي إنكم صغار قوم وتوشكون أن تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أو يحفظه فليكتبه وليجعله في بيته.
- من وصية له: يا ابن آدم ، عفّ عن محارم الله تكن عابداً، وأرض بما قسم الله تكن غنياً وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عادلاً، إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيراً، ويبنون مشيداً، ويأملون بعيداً، أصبح جمعهم بوراً، وعملهم غروراً ومساكنهم قبوراً.
- يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ أن سقطت من بطن أمك، فخذ مما في يدك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع.
- دخل عليه جناده بن أبي أمية في مرضه الذي توفي فيه فقال له عظني يا ابن رسول الله، قال نعم: استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم إنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم أن الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وفي الشبهات عتاب، فانزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فإن كان حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فالعتاب يسير، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذل معصية الله عز وجل، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا أصحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت معونة أعانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شدّ صولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت منك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وسكت عنه ابتدأك، وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك، ومن لا يأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسماً آثرك.
- لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقاً.
- المزاح يأكل الهيبة، وقد أكثر من الهيبة الصامت.
- الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود.
- تجهل النعم ما أقامت، فإذا ولت عرفت.
- ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم.
- اللؤم أن لا تشكر النعمة.
- الخير الذي لا شر فيه: الشكر مع النعمة والصبر على النازلة.
- هلاك المرء في ثلاث: الكبر والحرص والحسد، فالكبر هلاك الدين وبه لعن ابليس، والحرص عدو النفس وبه اخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل.
- لا أدب لمن لا عقل له، ولا مرؤة لمن لا همّة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك الدارات جميعاً، ومن حرم العقل حرمهما جميعاً.
- مكارم الأخلاق عشر: صدق اللسان، وصدق البأس، وإعطاء السائل، وحسن الخلق، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، والترحم على الجار، ومعرفة الحق للصاحب، وقري الضيف، ورأسهن الحياء.
- ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد.
- علّم الناس علمك وتعلّم علم غيرك فتكون قد اتقنت علمك وعلمت ما لم تعلم.
- قال(ع) لرجل شفي من علّة: إن الله قد ذكرك فاذكره وأقالك فاشكره.
- سئل عن عشرة أشياء بعضها أشد من بعض فقال: أشد شيء خلق الله الحجر، وأشد منه الحديد يقطع به الحجر، وأشد من الحديد النار تذيب الحديد، وأشد من النار الماء, وأشد من الماء السحاب, وأشد من السحاب الريح، وأشد من الريح الملك الذي يردها, وأشد من الملك ملك الموت الذي يميت الملك، وأشد من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت, وأشد من الموت أمر الله الذي يدفع الموت.
- سئل(ع) من أحسن الناس عيشاً؟ فقال: "من أشرك الناس في عيشه".
- سأل شامي الإمام الحسن(ع): كم بين الحق والباطن؟ فقال(ع) أربع أصابع، فما رأيته بعينيك هو الحق، وقد تسمع بأذنيك باطلاً كثيراً.
قال: كم بين الإيمان واليقين؟ فقال: "أربع أصابع، الإيمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه.
قال: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة المظلوم ومد البصر.
قال كم بين المشرق والمغرب؟ قال مسيرة يوم للشمس.
- سئل الإمام الحسن عن السياسة؟ فقال: "هي أن تراعي حقوق الله، وحقوق الأحياء وحقوق الأموات. فأمّا حقوق الله فأداء ما طلب والاجتناب عما نهى، وأما حقوق الأحياء فهي أن تقوم بواجبك نحو إخوانك, ولا تتأخر عن خدمة أمتك، وأن تخلص لولي الأمر ما أخلص لأمته، وإن ترفع عقيرتك في وجهه إذا ما حاد عند الطريق السوي، وأما حقوق الأموات، فهي أن تذكر خيراتهم وتتغاضى عن مساوئهم، فإنّ لهم رباً .
- نقل أن الإمام الحسن خرج يوماً من داره على أبهى حلة، وصادف أن التقى بيهودي قد أنهكته العلة وارتكبته الذلة وأهلكته القلة فاستوقف الإمام الحسن وقال: "يا ابن رسول الله أنصفني. فقال: "من أي شيء؟"
فقال: جدك يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وأنت مؤمن وأنا كافر، فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها وتستلذ فيها، وما أراها إلا سجناً لي قد أهلكني ضرها وأتلفني فقرها. فلما سمع الإمام لكلامه أشرق عليه نور التأييد واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه، وأوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه وقال:
يا شيخ: لو نظرت إلى ما أعدّ الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لعلمت أني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكلّ كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم ونكال العذاب المقيم لرأيت أنك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ونعمة جامعة.
* كذبة زوجات الإمام الحسن(ع)
لقد تحدث المؤرخون عن زوجات الإمام الحسن(ع) وأكثروا، ومال أكثرهم إلى المبالغة في تعدادهن مبالغة لا تعتمد على أساس معقول، فقال بعضهم: أنهن يتراوحن بين الستين والسبعين، وقال البعض الآخر إنه تزوج بأكثر من مئتي وخمسين امرأة، وإنّ أباه كان يتضجر من ذلك ويقول: "لا تزوجوا ولدي الحسن فإنه مطلاق".
إن مصدر هذه الشائعات هو المدائني والواقدي وغيرهما من المؤرخين القدامى الذين كتبوا التاريخ في ظلّ الحكومات التي كانت تناهض أهل البيت وتعمل بكل ما لديها من نسل الإمام الحسن(ع) .
ولعل السبب في تشويه صورة الإمام الحسن(ع) إن أكثر الثائرين على الحكام الظالمين كانوا من نسل الإمام الحسن(ع) .
وعلى ما يبدو إن الذين ألصقوا بالحسن تهمة كثرة الزواج والطلاق هم المدائني والشلبنجي وأبو طالب المكي، وعنهم أخذ المؤرخون والكتاب من السنة والشيعة والمستشرقون.
أما علي المدائني والمعاصر للعباسيين فهو من المتهمين بالكذب في الحديث وقد ضعّفه أهل السنة وقد أمتنع مسلم الرواية عنه في صحيحه.
وأما الشلبنجي فإنه يروي هذه الرواية مرسلة، ومعروف عنه أنه لا يتحرى الصحيح في مروياته وأما المكي فكان معروفاً بالهذيا
|