* مقدمة
هو الإمام الأول من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا .
إمتاز الإمام علي(ع) عن بقية الأئمة الأطهار بلقب أمير المؤمنين، فلم يوصف أي إمام بعده بهذا اللقب. لقد كان الإمام علي بن أبي طالب(ع) حدثا تاريخياً غريباً، فقد أطل على هذه الدنيا من الكعبة، وقد جاءتها أمّه فاطمة بنت أسد مستجيرة بالله تعالى، فلاذت إلى بعض جوانبها وقد خشيت أن تراه عيون أولئك الذين اعتادوا الاجتماع في أروقة البيت وفي داخله، فانحازت ناحية خلف أستار الكعبة واهنة وقد علا وجهها الشحوب، ومشت في أوصالها رجفة من شدة الطلقة ، فيسّر الله ولادة مولودها وهي متعلقة بأستار الكعبة، فكانت ولادته في ذلك المكان حدثا تاريخياً لم يكن لأحد قبله ولم يحدث لأحد من بعده، وكما دخل إلى هذه الدنيا من بيت الله فقد خرج منها حين أقبل عليه الموت في بيت الله.
بقي الإمام علي(ع) في رعاية أمه إلى أن بلغ الثامنة من عمره، وكان النبي محمد(ص) قد تزوّج من السيدة خديجة، فاتفق أن أصابت قريشاً أزمة شحت فيها موارد العيش، وكان وقعها شديداً على أبي طالب لأنه كان كثير العيال، وفي قلّة من المال لا يفي بنفقة رجل مثله، فقال النبي(ص) لعمه الحمزة والعباس "ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحلّ"، فجاؤوا إليه وسألوه أن يسلمهم ولده ليكفوه أمرهم، فقال أبو طالب: دعوا لي عقيلاً وخذوا من شئتم، فأخذ العباس طالباً، وحمزة جعفراً، ومحمد علياً (ع) "، وجاء عن النبي(ص) في هذا الأمر :" لقد اخترت من اختاره الله لي عليكم". وظل معه وفي رعايته يرعاه وينفق عليه، ويتعاهده بالتعليم والتوجيه ويبث في روحه من دقائق الحكمة وأسرار الكون والمعرفة حتى أدرك من الحقائق ما لم يدركه بعد رسول الله غيره.
كان الإمام علي(ع) في مرحلة طفولته يثب إلى النمو وثباً ويسبق الزمن إلى مرحلة التكامل، وقفز من مرحلة الطفولة إلى اكتمال الرجولة وتكامل المواهب وهو لا يزال في سن الصبا في الثالثة عشرة، وفي هذا السن تقريباً، نزل الوحي على أبن عمه، فاستقبلها بشوق ولهفة، وكأنها كانت أمنيته الضائعة وأمله المنشود، واحتضنها بإيمان راسخ وقلب مفتوح، وهذا الذي ينكشف من سؤال النبي(ص) له: هل استشرت أباك، فكان رد الإمام أن الله لم يستشر أبا طالب حينما أتيت إلى هذا الوجود، فكيف أستشيره في الإيمان به.
تربى الإمام(ع) في بيت النبوة، فكان ينفعل بصاحبها، في تأملاته وتفكيره الموصول بالليل والنهار، في الكون وأسراره، وفي الحياة وتقلباتها، وفي شؤون الناس وأحوال الجماعات الغارقة في الضلال والسفه والجنون، فابتعد عن أساطيرهم وخرافاتهم وضلالهم، وكانت مواقف النبي محمد(ص) قبل الدعوة هي التي تشدّه إليه أكثر مما كانت قرابة النسب، ولم يعرف الدين الجديد أصدق إسلاماً منه، ولا أعمق نفاذا فيه، ولا رجلاً وهب حياته ووجوده وكل طاقاته الفكرية والجسدية غيره كما أتفق على ذلك جميع المؤرخين والمحدثين.
وجاء في خطبة للإمام علي(ع) في نهج البلاغة يصف فيها إسلامه وصلته بالرسول منذ طفولته قال فيها:" وقد علمتم موقفي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره ويكتنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه, وما وجد لي كذبة في قول, ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به من لدن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به سبل المكارم, ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، وكنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً, ويأمرني بالإقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان. فقلت يارسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد يئس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع, وترى ما أرى, إلا أنك لست نبياً، ولكنك الوزير وأنك لعلى خير".
* النص عليه يوم الدار:
بعدما أنزل الله تعالى الأمر الإلهي لنبيه بلزوم إبلاغ الدّعوة لعموم الناس بقوله تعالى: "وأنذر عشيرتك الأقربين وأخفض جناحك لمن أتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون". وتنص أكثر الروايات أن النبي(ص) أمر علياً (ع) بطبخ طعام ودعا قومه إليه، فلما أكلوا وشربوا قال لهم النبي(ص)" ما أعلم إنساناً من العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم، لقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إلى الإسلام". ثم عرض عليهم أصول الإسلام وقال "أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّ وخليفتي فيكم من بعدي" فسكتوا ولم يتكلم منهم أحد فقام الإمام علي(ع) وكان أحدثهم سناً وأرمضهم عيناً وقال: أنا يا رسول الله (ص) ، فأعاد عليهم الحديث ثانياً وثالثاً، وفي كلّ مرّة لا يجيبه غير علي(ع) ، فلما رأى إحجامهم أخذ برقبة علي(ع) وقال: " إنّ هذا أخي ووصيّ وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ". فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك محمدا أن تسمع أبنك وتطيع.
* مبيت الإمام علي(ع) في فراش الرسول(ص) :
توالت الأحداث الأليمة وتصاعدت وتيرة إعتداءات قريش على النبي(ص) وجمدت حركة الرسالة، فلم يعد أحد يدخل في الإسلام فهاجر الرسول(ص) إلى الطائف علّه يجد مؤيدين لدعوته، فلم تفلح محاولات النبي(ص) في هذا البلد، ثم توجّهت أنظاره الكريمة إلى يثرب حيث وجد أملاً كبيراً فيها وأنصاراً وأعواناً، فلذلك قرّر الهجرة إليها، وحتى لا يلفت النظر ويفتح العيون عليه خاصة بعد ما كشف الله له مؤامرة خطيرة تستهدف حياته الشريفة بقوله تعالى: "وإذا يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين". فأمر علياً بالمبيت على فراشه، فرحب الإمام علي بالفكرة أشد الترحيب قائلاً له: "أو تسلم أنت يا رسول الله إن فديتك بنفسي" فقال النبي(ص) : " نعم بذلك وعدني ربي".
وهنا، تبدأ قصة من أروع ما عرفه تاريخ الفداء والتضحيات، فالشجعان يثبتون في المعارك وينازلون الأبطال وهم يدافعون بما لديهم من سلاح، وأما أن يخرج الإنسان إلى الموت طائعاً مطمئناً من دون سلاح فهذا لم يحدث في تاريخ البطولات.
وتحدث الروايات عن هذا الحدث العظيم وأهميته عند الله تعالى، فقد قال اليعقوبي في تاريخه "إن الله أوحى إلى ملكين من ملائكته أني قضيت على أحدكما بالموت، فأيّكما يفدي صاحبه، فاختار كلّ منهما الحياة، فأوحى الله إليهما هلا كنتما كعلي بن أبي طالب ومحمد بن عبد الله ، لقد آخيت بينهما وجعلت عمر أحدهما أكثر من عمر الآخر فاختار علي الموت وآثر محمداً بالبقاء، ونام في مضجعه، أهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوّه، فهبطا يحرسانه وجبرائيل يقول: بخ بخ لك يا أبن أبي طالب: من مثلك يباهي به الله ملائكته فوق سبع سماوات". ونزلت الآية الكريمة وساماً لعلي(ع) : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله …".
ثم يلتحق علي(ع) برسول الله(ص) وقد اصطحب معه موكب الفواطم، وتبدأ مرحلة جديدة حبلى بالأحداث والمعارك ، فقد هال قريشا أن ترى محمداً أصبح عنده نفوذ وقوة، وشعرت بأن كبرياءها قد أهتز وأن مصالحها تهددت، لذلك عقدت العزم على القضاء على دعوة النبي (ص) في مهدها قبل أن تستفحل وتتعاظم.
* وقعة بدر:
بدأت قريش بإعداد العدّة والنفير من أجل القضاء على النبي محمد(ص) وأتباعه، فكانت سلسلة حروب طاحنة ودامية. وكان للإمام علي(ع) النصيب الأوفر والباع الطويل ، ففي معركة بدر كان عدد المسلمين ثلث عدد المشركين، وكانت العدّة ليست بالشيء الذي يذكر، وكان الإمام علي(ع) يحمل لواء رسول الله (ص) وانتهت المعركة بمقتل سبعين رجلاً من المشركين وكان مقتل نحو نصف عددهم بسيف علي(ع) .
* في معركة أحد:
أراد المشركون الانتقام لقتلاهم، فأعدّوا العدّة الكبيرة ووصل خبرهم إلى رسول الله(ص) واستعدّ الطرفان، فأعطى النبي(ص) لواء المهاجرين لعلي(ع) وكان النصر في البداية للمسلمين لولا أن حماة جبل أحد الذين أمرهم الرسول(ص) بعدم مفارقته تركوا أماكنهم بعد فرار المشركين بدافع الطمع في الغنائم، فصعدت إحدى فرق المشركين بقيادة خالد بن الوليد الجبل فتغيّر الموقف لصالح المشركين وخسر المسلمون الكثير من الشهداء وأصيب الرسول(ص) بجروح كثيرة، ولم يبق معه في ذلك الموقف الرهيب بعد فرار الجميع غير علي(ع) ونفر قليل من المسلمين، فاستبسل علي(ع) كعادته في الدفاع عن الرسول(ص) وقتل حملة اللواء من المشركين واحداً بعد الآخر مما أربك العدو وأضطرّه للفرار.
* في معركة الأحزاب:
بعد أن نقض يهود بني قريظة صلحهم مع رسول(ص) وانضمّوا إلى صفوف أعداء النبي(ص) بلغ الذعر في نفوس المسلمين، وكما حدّث القرآن الكريم فقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وزلزلت النفوس وظنّت بالله الظنون. وبعدما أشار سلمان بحفر خندق حول المدينة استطاع عمر بن ود العامري الذي كان يعادل ألف فارس أن يقفز فوق الخندق, وبدأ يصول, ويجول مستفزاً المسلمين لقتاله، فلم يقو عليه أحد ، والنبي يشجعهم ضامناً لهم الجنة إن قاتلوه فلم ينبر له إلا الإمام علي بن أبي طالب(ع) وتقدم بخطوات واثقة بنصر الله وأرداه قتيلاً واستقبل النبي(ص) الإمام قائلاً: " لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ود العامري أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة" وانهزم المشركون وولوا فراراً. ولم يكن هذا الوسام الإلهي على لسان النبي(ص) إلا لأن الإسلام كان بخطر شديد بحيث أنه لو تسنى لقريش أن تهزم المسلمين في هذه المعركة لما قام للإسلام قائمة.
* معركة خيبر:
بعد أن ازداد خطر اليهود على المسلمين خاصة وأنهم مشهورون بنقض العهود والغدر والخيانة، أراد الرسول(ص) استئصالهم من الجزيرة العربية فتوجه إليهم لمقاتلتهم في عقر دارهم، وكان الإمام علي (ع) مريضاً، ولما فشل المسلمون في معركتهم مع اليهود والتي استمرت أياماً لم يستطيعوا اقتحام حصن خيبر، و استدعى النبي(ص) علياً(ع) وكان أرمد العين وقال للمسلمين: " لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كراراً غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه". وهكذا كان، وفتح الله على يدي علي(ع) وانتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً على اليهود وأخرجوهم من ديارهم.
وتوالت المعارك، فمن معركة حينن إلى غزوة ذات السلاسل وغيرهما كان الإمام علي(ع) له النصيب الأوفر فيها.
*-التنصيص على ولايته:
بعدما تنهنه الإسلام، وبدأت دعائم أركانه ترتكز, وصلب عوده، انصرف النبي (ص) لبناء دولته، ورسم آفاق المستقبل لها، ولم يجد أحداً كفوءاً وعنده مؤهلات الخلافة غير الإمام علي(ع) ، ولذلك نراه يرتكز في الكثير من المناسبات على هذا الدور بدءاً من حديث الدار، إلى آية الولاية "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة وهم راكعون" إلى آية التطهير " إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً" وصولاً إلى الحديث الأكبر وهو حديث الغدير الذي لا لبس فيه ولا ريب يعتريه، حيث روي أن النّبي (ص) عزم على الخروج إلى الحج في السنة العاشرة من الهجرة، وسميت تلك الحجة بحجة الوداع التي لم يحجّ النّبي(ص) بعدها إلى أن توفاه الله تعالى, واشترك معه في بعض الروايات تسعون ألفاً من المسلمين، وفي طريق عودته، وعندما وصل إلى غدير خم التي تتشعّب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين في يوم الثامن عشر من ذي الحجة نزل جبرائيل(ع) من عند الله عز وجل بقوله: "يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس". فصلّى النبي (ص) بالناس, وقام خطيباً فيهم إلى أن أخذ بيد الإمام علي فرفعها وقال: " أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال(ص): إن الله مولاي, وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت فولاه فعلي(ع) مولاه- قالها ثلاث- ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه, وأحب من يحبه, وأبغض من أبغضه, وأنصر من نصره, وأخذل من خذله, وأدر الحق معه حيث دار، ألا فيبلغ الشاهد منكم الغائب. ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين الوحي بقوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" فقال رسول (ص): "الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي".
ثم أخذت البيعة أمام رسول(ص)، وكان المسلمون يقولون لعلي(ع): "بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولانا ومولى كل مسلم ومسلمة". ولكن، ما إن توفي الرسول، وبينما كان الإمام علي(ع) منهمكاً في تجهيز جنازة الرسول(ص) كان المسلمون يتآمرون على الإمام علي(ع) وخلافته لرسول الله(ص) ويعّنون أبا بكر خليفة عليهم، وسكت الإمام عن هذا الأمر صيانة للإسلام وحفظاً عليه، لأن الوضع لم يتحمل أي رد فعل، وهذا ما سوف نتحدث عنه بالتفصيل.
* نظرة الرسول لمستقبل الدعوة:
من غير المشكوك فيه أبداً ، أنّ الرسول(ص) رحل إلى جوار ربه تعالى وهو لمّا يستوف بعد المهمّات التاريخية المناطه بالرسالة الإسلامية على المستوى النظري والعملي لأنّه من المعروف أنّ النبي(ص) لم يفاجئه الموت مفاجأة, إذ كان يدرك منذ فترة قبل وفاته أن أجله قد دنا، وقد أعلن ذلك بوضوح في حجة الوداع، وهذا يعني أنه كان يملك الفرصة الكافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده, هذا إذا لم ندخل في الموقف النصوص التشريعية, أو عامل الاتصال الغيبي, والرعاية الإلهية للرسالة عن طريق الوحي، خصوصاً أن النبي(ص) كان يدرك جيداً بأن الساحة الإسلامية سوف تتعرض لأكبر الأخطار إذا خلت من قائدها, أو تركت من دون تخطيط فسوف تواجه الأمة ولأول مرة مسؤولية التصرف بدون قائدها تجاه أخطر مشاكل الدعوة، وهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا التصرف، وسوف يتطلّب منها الموقف تصرفاً سريعاً وآنياً لأن الفراغ السياسي لا يمكن أن يستمر، وسوف يكون هذا التصرف السريع في لحظة الصدمة التي تمنى بها الأمة وهي تشعر بفقدها لقائدها أسوأ لآثار، خاصة إذا عرفنا أنّ العقيدة الإسلامية لم تتأصل في نفوس الكثيرين بعد .
أن موضوع الخلافة بعد رسول الله (ص) من المواضيع الخطيرة التي حصل فيها خلاف شديد بين قطبي الأمة الإسلامية، وقد أفرز هذا الأمر أحداثاً خطيرة, وفتناً أصابت الكيان الإسلامي على مرّ التاريخ، والتي من جملة آثارها بروز التيارات الفكرية والعقائدية.
وأول ما ينبغي على الباحث في هذا الموضوع أن يتحرّى الحقيقة والموضوعية، ويبتعد عن العصبية العمياء التي غالباً ما تعمي البصيرة عن الحقيقة.وعليه نقول :
مما لا شك أنّ منصب الخلافة في الإسلام من الأمور الخطيرة والحساسة، لأنّ الخلافة تمثل رسول الله(ص), والرسول يمثل الله في الأرض، فالخليفة إذاً هو ممثل الله في الأرض بين الناس .
من هنا يبرز أهمية الدور وخطورته, إذ لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تفرض سياسة الأمر الواقع، لأنه من يكون ممثل الله على الأرض لا بد أن يكون معينا من الله لا من قبل الناس، وإذا أردنا أن نطرح الاحتمالات التي يمكن أن يقوم بها الرسول(ص) حيال هذا الأمر فلا تخرج عن احتمالات ثلاث.
الاحتمال الأول:
أن يقف الرسول من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة فترة حياته ويتركها في مستقبلها للظروف. وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي(ص) لأنها تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه .
· الأمر الأول: الاعتقاد بأن هذه السلبية والإهمال لا يؤثران على مستقبل الدعوة, وأنّ الأمة التي سوف تخلف الرسول قادرة على التصرف بالشكل المناسب. وهذا الاعتقاد لا مبرر ولا يمكن الركون إليه لأنّ الدعوة بحكم كونها عملاً تغييرياً انقلابياً يستهدف استئصال كل الجذور الجاهلية منها سوف تتعرّض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها دون أي تخطيط، فهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد, وسوف يتطلب منها الموقف تصرّفاً سريعاً آنياً، والتصرفات الآنية الارتجالية غالباً ما تؤدي إلى مهالك. وهناك الأخطار التي تنجم من عدم وضوح الرؤية الإسلامية في أذهان الصحابة، وهناك الأخطار الناجمة عن وجود قطاع متستر بالإسلام يتحيّن الفرص للانقضاض على الإسلام ، وهم المعبّر عنهم بالمنافقين. وإذا كان أبو بكر لم يشأ أن يترك الساحة دون أن يتدخل ويوصي لعمر، وإذا كان عمر أوصى لستة، فمن البديهي أيضاً أن يكون الرسول أكثر شعوراً بخطر هذه السلبية وأكثر إدراكاً وأعمق فهماً لطبيعة الموقف.
*- الأمر الثاني: الذي يمكن أن يفسر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة، هو أنه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية فإنه لا يحاول تحصين الدعوة ضد ذلك الخطر، لأنه ينظر إلى الدعوة الإسلامية نظرة مصلحة. وهذا الاحتمال واضح البطلان لما هو مرتكز في أذهان جميع المذاهب تنزيهه عن ذلك. فإذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي(ص) لم تكن شيئاً خافياً عليه، لذا رأينا الرسول(ص) لما حضرته الوفاة، ورغم أنه قد نصّ مراراً وتكراراً على شخصية الخليفة يقول:" ايتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ". فكان النبي(ص) يريد أن يضع حداً للخلاف في مسألة الخلافة من بعده، ويعهد إلى المسلمين ألا يتجاوزوا حدود هذا العهد.
الاحتمال الثاني:
أن يخطط الرسول(ص) لمستقبل الدعوة بعد وفاته، ويجعل الخلافة بين المسلمين قائمة على مبدأ الشورى. وهنا يلاحظ أن الوضع السائد بين المسلمين يدحض هذه الفرضية، لأنّه لو كان النبي(ص) قد اعتمد مبدأ الشورى، لكان من أبده الأشياء التي يتطلّبها الموقف الإيجابي أن يقوم الرسول(ص) بعملية توعية للأمّة والدعاة على نظام الشورى, وحدوده ,وتفاصيله, وإعطائه طابعاً دينياً مقدساً، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً, وروحياً لتقبّل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ بين مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت الإسلام وضعاً على أساس الشورى، وإنّما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبلية عشائرية تتحكّم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير. ونستطيع أن نؤكد بُعد هذه الفرضية، بأنه لو كانت هذه العملية قد أنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي(ص)، أو في ذهنية الأمة، أو على الأقل في ذهنية الجيل الطليعي منها، مع أننا لا نجد في الأحاديث الشريفة عن النبي(ص) أي صورة تشريعية لنظام الشورى.
أما ذهنية الأمة والجيل الطليعي فلا تجد فيها أي ملامح محددة في هذا الأمر، بل على العكس من ذلك إننا نجد أن خلافة أبي بكر استبعد عنها أهل الحل والعقد، كالإمام علي(ع), وسلمان, وعمار, وأبي ذر وذي الشهادتين, وبني هاشم قاطبة, والنخبة من الصحابة الذين كان لهم الفضل الأكبر في بروز الإسلام كصيغة حضارية تتجسد فيها خلافة الإنسان لله على الأرض.
على أنّه لو سلّمنا بوجود شورى ولو بشكل مبدئي ومحدد جداً في خلافة أبي بكر، فإن الأمر يختلف كلياً في خلافة عمر، إذ لما اشتدّت العلة بأبي بكر عهد إلى عمر بن الخطاب، فأمر عثمان أن يكتب عهده فكتب : "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله(ص) إلى المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، إني أحمد إليكم الله . أمّا بعد، فإني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا وأطيعوا".
وواضح من هذا الاستخلاف إن الخليفة لم يفكّر بعقلية نظام الشورى، وإنّه كان يرى من حقه تعيين الخليفة, وإنّ هذا التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا أمرهم بالسمع والطاعة، فليس هو مجرد ترشيح، بل هو إلزام وتنصيب.
ونلاحظ أيضاً إنّ عمر رأى هو الآخر إنّ من حقه أن يفرض الخليفة على المسلمين ففرضه في نطاق ستة أشخاص, وأوكل أمر التعيين إلى الستة أنفسهم دون أن يجعل لسائر المسلمين أي دور حقيقي في الانتخاب، وقال حين طلب منه الاستخلاف " لو ادركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة الجراح، ولو كان سالم حياً ما جعلتها شورى".
فإذن الطريقة التي مارسها الخليفة الأول والثاني للاستخلاف توضح بدرجة لا تقبل الشك أن هذا الجيل الطليعي بما فيها القطاع الذي تسلّم الحكم بعد وفاة الرسول(ص) لم يكن يفكر بذهنية الشورى ولم يكن لديه فكرة محددة عن هذا النظام، فكيف يمكن أن نتصور أن النبي(ص) مارس عملية توعية على نظام الشورى تشريعياً وفكرياً، وأعدّ جيل المهاجرين والأنصار لتسلّم قيادة الدعوة بعده على أساس هذا النظام، ثم لا نجد لدى هذا الجيل تطبيقاً واقعياً لهذا النظام أو مفهوماً محدداً عنه.
ومما يوضح هذه الحقيقة بدرجة أكبر أن النبي(ص) في حالة تبنيه لنظام الشورى كبديل له بعد وفاته يتحتم عليه أن يطرح فكرة الشورى على نطاق واسع وبعمق بإعداد نفسي عام وملء كل الثغرات وإبراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية. وطرح الفكرة على هذا المستوى كمّاً وكيفاً لا يمكن أن يمارس من قبل الرسول(ص) ثم تنطمس معالمه لدى جميع المسلمين الذين عاصروه إلى حين وفاته.
ثم أن مبدأ الشورى لا يصلح لأن يكون هو المعتمد في المقام لأنّ الخلافة منصب إلهي ينوب فيه شخص قد اكتملت فيه روح الإسلام لأنه يمثل إرادة الله على الأرض ومن يمثلها عليه أن يكون منصوصاً عليه من قبل الله، والذي ينبغي أن يعرف أن الإسلام ليس نظرية بشرية لكي يتحدد فكرياً من خلال الممارسة والتطبيق وتتبلور مفاهيمه عبر التجربة المخلصة وإنما هو رسالة الله التي حددت فيها المفاهيم والأحكام وزوّدت ربّانياً بكل التشريعات العامة التي تتطلبها التجربة، فلا بد لزعامة هذه التجربة من استيعاب للرسالة بحدودها, وتفاصيلها, ووعي على أحكامها ومفاهيمها إلا واضطرت إلى استلهام ما ارتكز في أذهانهم ما قبل الإسلام ومرتكزاتهم القبلية وأدى ذلك إلى نكسة في مسيرة التجربة , وخاصة إذا لاحظنا أن الإسلام كان هو الرسالة الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن , وتتعدى كل الحدود الوقتية, والإقليمية, والقومية الأمر الذي لا يسمح أن تمارس زعامته التي تشكل الأساس لكل ذلك الامتداد وتجارب الخطأ والصواب التي تتراكم فيها الأخطاء عبر فترة من الزمن حتى تشكّل ثغرة تهدد التجربة بالسقوط والانهيار.
وكل ما مارسه النبي(ص) على المستوى العام في المهاجرين والأنصار لم تكن بالدرجة التي يتطلّبها إعداد القيادة الفكرية الواعية, والسياسية لمستقبل الدعوة, وإنما كانت توعية بالدرجة التي تبني القاعدة الشعبية الواعية التي تلتفّّ حول قيادة الدعوة في الحاضر والمستقبل، والذي يزيدنا إصراراً على رفض فكرة الخلافة ضمن مبدأ الشورى هو إنّ هذه الدعوة الإسلامية هي دعوى تغيير ومنهج للحياة واقتلاع كل جذور الجاهلية ورواسبها من جذورها، والأمة الإسلامية ككل لم تكن قد عاشت في ظلّ هذه العملية إلا عقداً واحداً من الزمن وهذا لا يكفي عادة في منطق الرسالات العقائدية والدعوات التغييرية بل أن منطق الرسالات يفرض أن تمر الأمة بوصايا عقائدية فترة أطول من الزمن وليس هذا شيئاً مستنتجاً, وإنما هو ملموس بالواقعّ إذ لم يمض على هذه التجربة ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة ، والتجربة التي تولى جيل المهاجرين قيادتها تنهار تحت وقع الضربات الشديدة التي وجهها أعداء الإسلام القدامى، ولكن من داخل إطار التجربة الإسلامية لا من خارجها، إذ استطاعوا أن يتسللوا إلى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج ويستغلوا القيادة غير الواعية, ثم تحولت إلى ملك موروث كما هو الحال في الخلافة الأموية والعباسية.
الاحتمال الثالث:
وهو الاحتمال المنسجم مع طبيعة الخلافة وهو المعقول على ضوء الدعوة والسلوك الذي كان عليه النبي(ص)، وهو أن يقف النبي(ص) من مستقبل الدعوة موقفاً إيجابياً فيختار بأمر من الله سبحانه وتعالى شخصاً يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة فيعدّه إعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً تتمثل فيه القيادة الفكرية والسياسية وكلّ متطلبات الدعوة الإسلامية تماماً كما كان يمثلها رسول الله(ص) .
ويدلّ على ذلك شواهد كثيرة ابتداءً من أول الوحي وأمر الرسول لإنذار عشيرته، فبعد أن أنزل الله عليه الآية "وأنذر عشيرتك الأقربين وأخفض جناحيك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل أني بريء مما تعملون" لم يجد الرسول بداً من دعوتهم إلى الإسلام فصعد إلى الصفا كما جاء في بعض الروايات وصاح يا بني عبد المطلب, يا بني عبد مناف، فاجتمعوا إليه ، وقالوا: مالك يا محمد، قال:" أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي" قالوا: بلى أنت عندنا غير متهم وما جرّبنا عليك كذباً. قال(ص): " إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
وتنصّ أكثر الروايات أن الرسول(ص) أمر علياً بصنع طعام ودعا عشيرته, فلما أكلوا وشربوا قال لهم: "ما أعلم إنساناً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إلى الإسلام". ثم عرض عليهم أصول الإسلام وقال: "ايكم يؤازرني على هذا يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم من بعدي، فسكتوا ولم يتكلم إلا علي، فقال: أنا يا رسول الله، فأعاد ثانية وثالثة عندها قال(ص): " إنّ هذا أخي ووصيّ وخليفتي فاسمعوا له وأطيعوا".
وفي هذا القول قال وتكلم محمد حسنين هيكل في كتابه عن السيرة النبوية ثم في الطبعة الثانية حذف كلمة خليفتي نتيجة للضغوط التي مورست عليه.
- ومن الشواهد التي أتفق عليها السنة والشيعة حديث المؤاخاة. فعندما آخى الرسول(ص) بين المهاجرين والأنصارلم يبق إلا علي، فاستغرب المسلمون أن يترك النبي علياً ولم يؤاخ بينه وبين أحد من المسلمين ثم قال النبي(ص): " أما ترضى يا علي أن أكون أخاك" فتهلل وجهه وقال: بلى يا رسول الله، فقال(ص): أنت أخي في الدنيا والآخرة".
وفي رواية الطبراني قال: والذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وأنت أخي ووارثي".
وإذا كان هناك من تعليق فهو: لماذا استدرك النبي(ص) بـ "إلا أنه لا نبي بعدي"، فالاستدراك معناه أن هناك توهماً ما وهو إن هناك تبادراً بأن الأخ مثل هارون قد ورث عن موسى النبوة والإمامة، فلما قال:" لا نبي بعدي فإذن هو إمام المسلمين بعد الرسول(ص) دون رتبة النبوة.
حديث الثقلين: وقد روي بألفاظ متعددة كما أنه قيل من قبل الرسول(ص) في مناسبات عديدة مما يؤكد على أهميته. ومن جملة ألفاظه:
أ- قوله في خطبة الغدير: "أيها الناس أني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعثرتي أهل بيتي" ذكره الترمزي في الصحيح والزرندي في نظم درر السمطين والقنديزي في ينابيع المودة واليعقوبي في مصابيح السنة وأبن الأثير في جامع الأصول وغيرهم.
ب- " أني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". ذكره الترمزي والزرندي والقندورزي وأبن مجر والطبراني وأبن الأثير وغيرهم.
وما يمكن ملاحظته بناء على هذا الحديث أن خلافة رسول(ص) منوطة بكتاب الله وأهل البيت(ع) وإذا ما تمعّنا في عبارة لن تضلوا من بعدي أبداً وهي عبارة تفيد نفي الضلال بشكل حازم وقطعي, وإذا ما قارنا ذلك بواقع المسلمين الذين رأينا كيف دبّ الضلال فيهم وسارع إليهم بعد فترة وجيزة من وفاة الرسول نعرف أن المسلمين لم يسيروا على نهج الرسول(ص) وما حفظوا له إلاّ ولا ذمة, وبالتالي فإن عدم الأخذ بولاية الإمام علي(ع) هو سبب الانهيار.
ومن الشواهد القرآنية على إمامة علي(ع) قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
والمعنى هنا بولي الأمر إنه لا بد أن يتّسم بالمواصفات التالية:
1- أنه جهة محددة بذاتها.
2- أن هذه الجهة لا بد أن تكون معصومة.
3- أن هذه الجهة تمثل الامتداد الدائم والحقيقي لنبوة الرسول(ص) .
ونحن بإمكاننا أن نتلمّس هذه المواصفات في الآيات الكريمة التي جاءت لتعالج عملية الكشف هذه.
- الشاهد الأول: "إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" فهذه الآية تكفلت بالنص على علي(ع) لأنه من المتفق عليه أن هذه الآية نزلت في حق علي(ع) دون غيره من المسلمين حينما تصدّق على الفقير بالخاتم في مسجد رسول الله (ص) وهو يصلي.
- الشاهد الثاني: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً. ودلالة هذه الآية على العصمة واضحة جداً. قال رسول الله (ص): "علي مع الحق, والحق مع علي, لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". " لكل نبي وصي وإنّ علياً وصيّ ووارثي
وفي حديث لرسول الله(ص) يخاطب به عمار بن ياسر جاء فيه: "إن سلك الناس كلهم وادياً فاسلك وادياً سلكه علي وخل الناس طراً".
- الشاهد الثالث: "فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين". وهذه الآية صريحة الدلالة على تسمية من هو الذي يمثل الامتداد لخط النبوة وهو المعبر عنه بالنفس. واستفاض الحديث على أن المقصود من النفس هو علي(ع) .
وقد كشف النبي(ص) عن أسم خليفته من بعد الأمر الموجه إليه بقوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين".
ولأن عدم الإبلاغ يعني عدم تمام الدين فإن حصول البلاغ دين، وقد أفاد القرآن الكريم أن الرسول قد قام بعملية الإبلاغ مما أدّى إلى إكمال الدين وذلك تبعاً لقوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. وقد ذكرنا سابقاً أسباب النزول.
ولم يكن موقف النبي(ص) في غدير خم آخر المواقف التي وقفها من اختيار علي(ع) للخلافة من بعده، بل تلاها موقف آخر في الأيام الأخيرة من حياته لا يقلّ في معناه ومضمونه عن مواقفه السابقة يوم الدار وفي غزوه تبوك وغدير خم وغير ذلك من المواقف التي يعدّه فيها للخلافة تصريحاً وتلميحاً.
فقد أتفق المحدثون والمؤرخون أنه في الأيام الأخيرة من حياته لم يكن يعنيه شيء أكثر من إرسال جيش يضم أكبر عدد من المسلمين بما في ذلك أبو بكر وعمر ووجوه المهاجرين والأنصار إلى حدود الحجاز الشمالية بقيادة أسامة بن زيد وهو شاب لم يتجاوز العقد الثالث من عمره وفي المسلمين من هو أشد صلابة منه وأكثر مرونة في المعارك والحروب ، مما دعا إلى دهشة كبار الصحابة وتثاقلهم من الانضواء تحت قيادته وارتفعت الأصوات من هنا وهناك تطالبه أن يولي غيره. ولعل النبي(ص) كان يريد من إرسالهم إبعاد المؤامرة التي كان بعلم الغيب يعرفها، فكان يحاول أن يرتب الأجواء لعلي(ع)، ولكن المؤامرة استمرت بعصيان أوامر الرسول(ص), وتخلف أبو بكر وعمر وكثير من الصحابة عن الالتحاق بجيش أسامة، ولذلك نرى أن النبي(ص) قد خرج وكان قد أسرع إليه المرض فخطبهم وحثهم على الخروج بقيادته وقد بدا عليه الانفعال والتصلب فقال لهم: لعمري لئن قلتم في إمارته اليوم فلقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وأنه لخليق بها كما كان أبوه خليقاً بها من قبل وظلّ يلّح عليهم في إنفاذ الجيش والخروج معه وهم يماطلون ويسوّفون وقال لهم: "أنفذوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة".
وجاء في سيرة أبن هشام إن رسول الله(ص) استبطأ الناس في بعث أسامة وأخذ الوجع يشتد به فخرج عاصباً رأسه وجعل يحثهم على الخروج بالجيش ثم قال: " أيها الناس إني أوشك أن أدعي فأجيب وأني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعثرتي أهل بيتي وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فأنظروا كيف تخلفوني فيهما". وأضاف إلى ذلك الشيخ المفيد في إرشاده أنه قال: "أيها الناس لألفينكم ترجعون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فتلقوني في كتيبة كمجر السيل الجرار، ألا وإن علي بن أبي طالب أخي ووصي يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله".
ومن ذلك موقفه الأخير وقد اجتمع حوله جماعة من وجوه المسلمين لعيادته وهو على ثقة بأنه قد أصبح على وشيك الرحيل فأراد أن يسجل استخلاف علي(ع) في كتاب خاص لا يستطيع أحد تحويره ولا إنكاره.
ولعل هذا الموقف منه حينما رأى أن اللعنة التي أطلقها على من تخلّف عن جيش أسامة لم تثن مواقف القوم فأراد أن يكتب وثيقة لا يستطيعون أن يتلاعبوا فيها، ولكنهم على ما يبدو كانوا يخشون منه ذلك ويعدّون للقضاء على محاولة من هذا النوع وغيره تمهد لوصول علي(ع) إلى الخلافة ، وقد اتفق الرواة على أنه قد طلب منهم دواة وكتفاً ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً على حد تعبير الرواة فقام بعضهم يلتمس له ما أراد، فأرجعه عمر، ولم يكتف بذلك بل قال أنه يهجر، يعني أنه لا يعي ما يقوله.
وجاء في رواية البخاري من كتاب المرض والطب أنه اجتمع عند رسول الله(ص) رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال لهم النبي(ص) "هلموا اكتب كتاباً لا تضلوا بعده أبداً"، فقال عمر بن الخطاب: إن النبي(ص) غلبه الوجع وعندنا القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف الحاضرون واختصموا فأمرهم النبي(ص) بالانصراف.
* دلائل منطقية على أحقية في الخلافة:
ثم لو تنزّلنا وقلنا بأنه لم يكن هناك نصوص قرآنية ولا أحاديث شريفة تنص على ولاية علي(ع)، فإن العاقل لا يستطيع بحكم العقل إلا أن يسلّم بأنه هو الأنسب, وهو المتعين لخلافة رسول الله(ص). فالعقل يحكم بأن الإنسان الذي يقوم بخدمات جليلة لقومه وأمته مع اتصافه بالحكمة والدراية والعلم والفقه هو الأنسب دون غيره من الأشخاص، بل هو المتعين ليدير شؤون هذه الأمة. وهذا ما نجده في شخصية الإمام علي(ع) منذ نعومة أظافره حيث كان ربيب بيت النبوة منذ أن اختاره رسول الله(ص) ليعين أبا طالب في فقره، فكان الإمام علي(ع) تلميذ محمد(ص) فأضفى النبي شخصيته, وزرعها في نفس علي(ع) حتى صار نفسه الشريفة التي يتكلم بها " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم… " وكان أول من آمن به وبات في فراشه لينقذ النبوة حينما تآمرت قريش على النبي(ص) وأرادت تصفيته جسدياً وافتدى علي(ع) بنفسه نفس النبي(ص). وكان له الفضل الأكبر والأعظم في كافة الحروب والغزوات، فعلي صاحب اليد الطولى في بدر وهو الذي ذبّ عن النبي(ص) في غزوة أحد يوم فرّ عنه الأصحاب بمن فيهم الخلفاء. وعلي(ع) قاتل عمر بن ود العامري الذي كان قتله يُعدّ بعمل الثقلين إلى يوم القيامة، حتى أن النبي(ص)عبر عن الحادثة " برز الإيمان كله إلى الشرك كله". وعلي(ع) كاسر شوكة اليهود, وفاتح حصن خيبر الذي هو من أعظم الحصون التي عجز عنها كافة المسلمين، وعلي(ع) صاحب غزوة ذات السلاسل التي عجز فيها من بعثهم النبي يوم كان علي مريضا, وعلي … وعلي … حتى أن الإسلام قد قام على مال خديجة وسيف علي(ع) وخلق محمد(ص).
هذا من ناحية فضله في الحروب وفي تضحياته من أجل الإسلام، وأما من ناحية علمه وخبرته فقد قام الاجماع على أنه: "أقضاكم علي" ، وكم هي المرات العديدة التي قال فيها عمر أثناء خلافته "لولا علي لهلك عمر" و" أعلمكم علي" وفي قال(ص): "أنا مدينة العلم وعلي بابها". وبعد هذا كله، ألا يكون من الإجحاف بمكان أن يستبعد هذا الإنسان الرباني عن سدة الخلافة ويبرر ويُنظّر لأمر إبعاده بأن حكمة الله قد اقتضت ذلك, حتى أن البعض ذكر بصريح العبارة أنه الأحق لكن قال:" الحمد لله الذي قدم المرجوح على الراجح لحكمة" فأي قول هذا!! هذا لا يقول به جاهل فضلاً عن عالم ، ولكنهم جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم.
الإمام وموقفه من الأحداث بعد وفاة الرسول(ص):
بعدما أسلم النبي(ص) الروح وانتقل إلى رفيقه الأعلى، وبينما كان أمير المؤمنين(ع) منشغلاً في تجهيز جنازة الرسول تناهى إلى الأنصار أن شيوخ المهاجرين قد تكتلوا لصرف الخلافة عن الإمام علي وتجاهلوا نصوص الرسول(ص) عليه, فاجتمع فريق من الأنصار تزعّمه سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة للتداول في شأن الخلافة، وهتف جماعة منهم باسم سعد، ولما وصل الخبر إلى المهاجرين عن طريق بعض الأنصار الذين كانوا يناؤون سعداً ويعملون لغير صالحه أقبلوا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة فوقف خطيبهم وأشاد بالأنصار ومواقفهم وتضحياتهم في سبيل الله تعالى وتمنى على المهاجرين أن لا يتجاهلوهم ويجعلوا لهم من الأمر شيئاً ، وتحدث بعده أبو بكر فنوّه بفضل قريش وأمجادها، وتشنجت الأجواء والمواقف بينهما، وكاد الشر أن يقع بين الطرفين، وتوزعت الأدوار بين المتآمرين فوقف أبو عبيدة الجراح وقال بصوت هادىء: يا معشر الأنصار كنتم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من غيّر وبدّل, ومضى يتحدث بلهجة فيها توسل ورجاء ، فلم يلبثوا حتى هدأت نفوسهم وأنقسم الأنصار على أنفسهم وأسرع عمر بن الخطاب بعد هذا الحوار إلى أبي بكر وقال: "أبسط يدك يا أبا بكر ، ما كان لأحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك الله فيه" وتوالى الحضور بمبايعته.
ومن مجموع ذلك يتبين أن التخطيط لإقصاء علي(ع) عن السلطة والاستيلاء عليها لم يكن وليد ساعته كما تؤكده الشواهد التاريخية، بل كان هناك حزب قريش قاده أبو بكر وعمر وعبيدة بن الجراح هدفه الاستيلاء على السلطة.
إن أقوى ما كان لدى المهاجرين من أدلة في مقابل الأنصار لا يعدو الأمرين التاليين:
أولهما : إن المهاجرين أوّل الناس إسلاماً.
ثانيهما: إنهم أقرب الناس إلى رسول(ص) وأمسّهم رحماً.
وهذا ما يستفاد من كلمة عمر في السقيفة يحاجج بها الأنصار:" من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته ألا مدلً بباطل أو متجانق لإثم أو متورط في هلكه".
وقد أدان هؤلاء القادة أنفسهم بهذه الحجة ، ذلك لأن الخلافة إذا كانت بالسبق إلى الإسلام والقرابة القريبة من رسول الله(ص) كما يدعون فهي لعلي وحده, لأنه أوّل الناس إسلاماً, وإيماناً, وتصديقاً برسالة محمد بن عبد الله(ص) باتفاق الجميع، وأخوه بمقتضى المؤاخاة التي عقدها النبي (ص) يوم آخى بين المهاجرين والأنصار, وهو أبن عمه نسباً وأقرب الناس إليه وزوج أبنته. فهو أقرب إليه من كافة البشر نسباً ومصاهرة وأخوه في الله تعالى.
أمام هذا الموقف ظل علي(ع) معتصماً بيته ستة شهور ممتنعاً عن البيعة ومعه عدد من وجهاء الصحابة كالعباس بن عبد المطلب, وعمار بن ياسر, وأبي ذر الغفاري, وسلمان فارسي, والمقداد بن الأسود, وخزيمة ذي الشهادتين, وعبادة بن الصامت, وحذيفة بن اليمان, وأبي هيثم بن التيهان, وعثمان بن الحنيف, وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم من وجوه الصحابة.
لم يعمل الإمام علي(ع) للثورة على الحكم الجديد، كما لم يفسح المجال لأن يعمل لذلك، لأن مصلحة الإسلام عنده أغلى وأعز من الدنيا بما فيها، وإذا كان يطالب بحقه في الخلافة فليس إلا لإتمام مسيرة الإسلام في الطريق الصحيح الذي أراده له النبي(ص) لا سيما وقد استغلّ المنافقون هذا التحول الذي لولاه لأدى إلى حرب في داخل العاصمة وارتد كثير من الناس وأصبح المسلمون داخل المدينة على ما بينهم من خلاف على الخلافة بازاء أمر واقع لا تنفع فيه الملاحاة, ولا يغني عنه الجدل، فانصرف الجميع لإقرار الأمن والدفاع عن الإسلام الذي أصبحت تهدده عصابات المرتدين والمنافقين هنا وهناك، وكان علي(ع) أسرع الجميع إلى التضحية والتنازل عن أعز ما لديه في سبيل الإسلام وهو القائل " لاسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا علي خاصة".
وقد وصف الإمام(ع) موقفه من الخلافة في مقام آخر فقال(ع): "والله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده ، فما راعني إلا إنثيال الناس إلى أبي بكر يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد(ص) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به أعظم من فوت ولايتكم التي هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان يزول السراب أو كما يتقشع السحاب فنهضت في تلك الأحداث حتى راح الباطل واطمأن الدين وتنهنه".
وانصرف الإمام في فترة الخلفاء الثلاثة إلى خدمة الدين والمسلمين، فانصرف يجمع القرآن ويدوّن آثار الرسول(ص) ولم يضن على الخلفاء بالنصيحة وإبداء الرأي في الأمور القضائية، والتي لولا تدخله لظلم كثير من الخلق، ولم يُنكر عمر فضله في هذا المجال فكان يطلق مقولته المشهورة:" لولا علي لهلك عمر" "لا أبقاني لمعضلة ليس لها أبو الحسن".
وبقي أمير المؤمنين(ع) احلاس بيته حتى مضى الثالث إلى ربه وابتدأت مرحلة جديدة في حياة أمير المؤمنين(ع)
وقد أوجز أمير المؤمنين(ع) المراحل السابقة لخلافته بخطبة رائعة قصيرة في ألفاظها كبيرة في مداليلها وهي المعروفة بالخطبة الشقشقية:
" أما والله لقد تقمّصها أبن أبي قحافة ( أبو بكر) وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير فسدلت دونها (الخلافة) ثوباً وطويت عنها كشحا، وطفقت ارتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الخلق شجى ، أرى تراثي نهباً حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده ( ثم تمثل بقول الأعشى):
شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر
فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدة ما تشطرا ضرعيها فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كُلامها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن اشنق لها حزم وأن اسلس لها تقحّم ، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا لله وللشورى متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكنني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه ( سعد ) ومال الآخر لصهره (عبد الرحمن بن عوف ) مع هن وهن إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه ( يشير إلى عثمان وطلحة والزبير وسعد) بين نثليه ومعتلفه وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمه الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث فتله واجهز عليه عمله وكبت به بطنته فما راعني إلا والناس حولي كعرف الضبع إلي ينثالون عليّ من كل جانب حتى لقد وطىء الحسنان وشق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول:" وتلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين" بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطه غنز".
الإمام وموقفه من الحكم:
أفرز الواقع الأليم الذي عاشه المسلمون في فترة تنحية أمير المؤمنين عن حقه جملة أمور خطيرة انعكست على واقع المسلمين سواء من منطق السقيفة الذي ثبّت الظالمين في الحكم وما أفرز عنه هذا الواقع، أو من تصرّف عمر الخطير، وقد أفرز هذا الواقع أغنياء حتى الفحش والثراء. وفي المقابل فقر وجور وظلم, وهذه القوة المالية الناتجة عن مبدأ عمر في العطاء جعلت البعض يمتلكون تأثيراً كبيراً في الولايات حتى طمعوا في الإمارة والخلافة، وكانت الكارثة حينما تسلم عثمان الحكم فقد طفق يهب خواصه وذوي رحمه ومن يمتّ إليه بنسب أو سبب الأموال العظيمة, ويخصهم بالمنح الجليلة, ويحملهم على رقاب الناس، وولّى على البلدان الإسلامية شباناً من بني أمية لا يحسنون الحكم, ولا السياسة ذوي روح تسلطية عاتية لم ينل منها الإسلام شيئاً مذكوراً.
وهكذا كونت هذه الطبقة أغنياء مترفين الذين لا تزال تعشش في صدورهم القيم البدوية الجاهلية وقد امتدّ نفوذ هذه الطبقة في خلافة عثمان امتداداً هائلاً فسيطرت على الحكم سيطرة مطلقة، وحازت الأموال العظيمة التي أفاءها الله على المسلمين، والتي كان من المفروض أن تذهب إلى المعدومين والفقراء وانتشرت هذه الطبقة في طول البلاد وعرضها حين فتح لها عثمان باب الهجرة والتنقل في البلاد الإسلامية وإلى جانب ذلك، كانت ثمة طبقة أخرى تتألف من الأعراب وأهل البادية، وكانت القوى المسلحة في الدولة الإسلامية مكونة منهم ينضم إليها من دخلوا من الأمم من غير العرب، هؤلاء كانوا يلقون في زمن عثمان حيفاً كبيراً من الطبقة الأرستقراطية الناشئة الطامحة إلى المزيد من القوة والاستيلاء بسبب ما يعتمل في نفوس أفرادها من قيم البداوة.
وكانت عاقبة ذلك أن تضخمت الفروق بين الطبقات تضخماً كبيراً من الناحية المادية والمعنوية وانقلبت العطايا إلى طغيان وانقلب الحقد إلى زئير وتراكم الطغيان حتى وجد رد فعل طاغ في ثورة المظلومين الذين أثقلهم الظلم الفادح على حكومة عثمان وعلى ولاته.
وتوالت المعارضة والثورة ووقف منها عثمان موقفاً غير حكيم، ورفض نصيحة الإمام(ع) في إيجاد حل لمشكلة الثوار وانتهت الأزمة بمقتل عثمان.
وبعد مقتل عثمان، وكما هو المفهوم من الخطبة الشقشقية، توجهت أنظار الثوار إلى الإمام علي(ع) يطلبون منه أن يلي الحكم، ولكنه أبى عليهم، لا لأنه لم يأنس من نفسه القوة على ولاية الحكم، وتحمل تبعاته، فقد كان الإمام(ع) على أتم الاستعداد لذلك، فقد خبر الإمام المجتمع الإسلامي من أقطاره وخالط كافة طبقاته وراقب حياتها عن كثب، وقد مكنه من ذلك مركزه الفريد من النبي(ص) لكن الإمام(ع) رأى المجتمع الإسلامي قد تردى في هوة من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والتي زادت عمقاً واتساعاً بسبب سياسة ولاة عثمان خلال مدة خلافته، ورأى أن التوجيهات الإسلامية ومفاهيمها العظيمة التي عمل النبي(ص) طيلة حياته على إرساء أصولها في المجتمع الإسلامي الناشيء، فقد فقدت فاعليتها في توجيه حياة الناس، وإنما صار الناس إلى واقعهم هذا لأنهم فقدوا الثقة بالقوة الحاكمة التي تهيمن عليهم فراحوا يسعون إلى إقرار حقوقهم وصيانتها بأنفسهم وقد أدرك الحاجات التي يفتقر إليها الناس والآمال التي تعمر قلوبهم أكبر بكثير من حجم الإمكانات التي توفرها مؤسسات الدولة، وأن حجم المعلومات التي يمثلها رموز العهد الماضي وقواه التي شلتها الثورة فاضطرت إلى الانكماش، إذن فقد كان الإمام(ع) يدرك نتيجة لوعيه العميق للظروف الاجتماعية والنفسية التي كانت تجتاح المجتمع الإسلامي في ذلك الحين
من هنا، كان رفض الإمام(ع) وامتناعه عن الاستجابة الفورية لضغط الجماهير والصحابة عليه بقبوله الخلافة، فقد أراد أن يضعهم أمام الاختيار ليكشف به مدى استعدادهم لتحمل أسلوب الثورة في العمل لئلا يروا فيما بعد أنه استغلهم واستغل اندفاعهم الثوري حين يكتشفون صعوبة العمل معه ولهذا أجابهم الإمام(ع) بقوله: "دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت، وأعلموا أني أن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أمير".
ولكن الناس أصروا عليه على أن يلي الحكم، فاستجاب لهم ولكنه أصر بعد أن بويع خليفة للمسلمين عل بيان الهدف الذي ابتغى من ورائه الحكم وذلك بأن يكون في مركز يمكنه أن يصلح شؤون الناس وأن يرفع عن المظلومين فادح ما رزحوا تحته من ظلم قائلاً: "اللهم أنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فصول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك".
وقد كانت أولى مهماته(ع) في فترة حكمه التي دامت حوالي خمس سنوات أن يزيل صور الانحراف التي طرأت على الحياة الإسلامية، وأن يعود بالأمة إلى أصالة المنهج الإلهي، ولهذا فإن مبادئ الإمام(ع) في الحكم تركزت على الإصلاح في الميادين التالية:
· الميدان السياسي: رأى الإمام علي(ع) أن الأولوية والمصلحة الإسلامية تقتضي أن يوقف الفتوحات الإسلامية، وأن يقدم إصلاح الفساد السياسي المتفشي بين المسلمين والمسؤولين، فسعى لمنع الفساد وتوليه مسؤوليات الحكم لعناصر تتمتع بمزايا وأخلاق دينية، وحدد مواصفات ولاة الأمر وموظفي الدولة في خطبة له جاء فيها: " … أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل ، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا المرتشي في الحكم فيذهب الحقوق … ، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة". وفي ضوء هذا التحديد الموضوعي لصفات المسؤولين والموظفين الذين يقرهم الإسلام عمد الإمام(ع) إلى الاستغناء عن خدمات قسم من الولاة، منهم طلحة والزبير ومعاوية، وقد سبب هذا العزل لهم حروباً دامية عرفت بحرب الجمل وصفين بالإضافة إلى حرب النهروان التي كانت من إفرازات حرب صفين، وكان لهذه الحروب التأثير السلبي على الدور الفعال الذي كان يجب أن يفعله الإمام في إدارة الخلافة والاهتمام بقضايا الناس وتلبية حاجاتهم. ورغم كل هذه الظروف لم يغفل الإمام(ع) عن معالجة الكثير من ظواهر الانحراف التي ابتلت بها الخلافة وكان على رأس هذه الظواهر التي تصدى الإمام لمعالجتها.
أ- انحرف الحكام عن كتاب الله وسنة نبيه، حيث توجه(ع) إلى رأس السلطة في ذلك الوقت قائلاً: " فأعلم أن أفضل عباد الله أمام عادل هدي وهدى، فأقام سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة، وإن شر الناس عند الله أمام ضل واضل".
ب- ظاهرة تعظيم الخليفة والثناء عليه حيث اعتاد البعض من أصحاب المصالح أن يعظموا موقعيته وخلافته بين الناس، وقد تناول الإمام هذه المسألة في كلام له عندما خطب في صفين فأجابه رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه فقال(ع):" … وإن اسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يضن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبو وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك".
- وقال(ع) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام زعماء الفلاحين فترجلوا له وأسرعوا بين يديه فقال ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا. فقال(ع): والله ما ينتفع به أمراؤكم أو أنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم وتشقون في أخرتكم وما أخسر المشقة وراءها العقاب وأريح الدعة معها الأمان من النار".
- وجاء أيضاً أنه خرج يوماً على أصحابه وهو راكب فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين ولكنا نحب أن نمشي معك، فقال لهم: "انصرفوا فإن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي".
ج- ظاهرة اهتمام الخليفة بمعيشته الخاصة، فقد عرف معظم الحكام بالاهتمام بحياتهم الخاصة، ومحاولة اكتنازهم الأموال والثروات الطائلة، وهذا ما دعا الإمام(ع) إلى التركيز على الصفات والخصال التي يجب أن يتمتع بها الحاكم الإسلامي واهتمامه بأمور الناس وتقديم مصالحهم على مصلحته الخاصة وفي هذا يقول(ع): "ألا وإن لكل مأموم إماماً يفتدى به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن أمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، … فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وافراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزت من أرضها شبراً، ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا يطمع له في القرص ولا عهد له بالشبع".
· الميدان الإداري: وقد تجلى هذا الأمر باتباع خطوات عملية ووضع مبادئ وأسس كفيلة بتأمين حاجات الناس وتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي بين جميع أفراد البشر من خلال إصلاح الوضع الإداري للدولة الإسلامية، ولدى دراستنا للمبادئ التي تمحورت حولها سياسة الإمام(ع) في المجال الإداري عند استلامه الحكم، نجد أنه قام بالخطوات التالية:
أ- عزل الولاة السابقين: فقد رأى الإمام علي(ع) الفساد الواضح في الأجهزة الإدارية للدولة بسبب فساد معظم الولاة، لذلك قام بعزل الولاة السابقين الذين كانوا السبب في الهام الثورة على عثمان نتيجة ظلمهم وبغيهم وعدم درايتهم بالسياسة وأصول الحكم. وولى الإمام(ع) رجالاً من أهل الدين والعفة والحزم، فولى على البصرة عثمان بن الحنيف، وعلى الشام سهل بن الحنيف، وعلى مصر قيس بن سعد بن عبادة، وقد أصاب هذا الإجراء قريشاً في الصميم بضربة قاصمة في كبريائها وسلطانها. وفي هذا المجال يقول(ع): " فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية". وفي رسالة منه إلى معاوية يذكر فيها سبب عدم صلاحيته للحكم يقول(ع): "فإنك مترف وقد أخذ منك الشيطان مأخذه وبلغ فيك أمله…". وعن عزل الولاة السابقين يقول(ع): " ولكني آسي أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً والصالحين حرباً والفاسقين حزباً، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام وجلد حداً في الإسلام ، وأن منهم لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ".
ب- محاسبة الولاة ومراقبتهم: لم يكتف الإمام(ع) بعزل الولاة السابقين وتعيين أهل الثقة مكانهم ، بل كان على اطلاع دائم بما يقوم به هؤلاء الولاة من أعمال وذلك من خلال مراقبتهم وإرسال الكتب إليهم التي يذكر فيها مبادئه في العدل والمساواة. وعندما بلغه أن بعضاً من أهل البصرة قد دعا واليه على مأدبة بعث له برسالة قاسية يحذره فيها من مبدأ "أطعم الفم تستحي العين" ومما جاء فيها: " أما بعد يا أبن حنيف، فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم فما اشتبه عليك علمه فالفظة وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه …". وفي كتاب له إلى زياد بن أبيه يقول(ع): " وأني أقسم بالله قسماً صادقاً لئن بلغني أنك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً ولا كبيراً لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفد، ثقيل الظهر ضئيل الأمر، والسلام".
ج- مبدأ من أين لك هذا: من جملة الأمور التي كان الإمام(ع) يتابع من خلالها مراقبة الولاة وأعمالهم هو سؤالهم عن مصادر أموالهم وثرواتهم، فعندما بلغه أن قاضيه شريح بن الحارث قد اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً استدعاه وحقق معه في ذلك. ومن القضايا التي تشير إلى دقة الإمام(ع) في المجال رسالته إلى أحد عماله يقول فيها: "أما بعد، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك وعصيت إمامك وأخزيت أمانتك ، بلغني أنك جردت الأرض، فأخذت ما تحت قدمك وأكلت ما تحت يديك، فارفع إلي حسابك وأعلم أن حساب الله من حساب الناس".
· الميدان الاقتصادي: وركز من خلاله على نقطتين مهمتين:
أولاً: الثروات غير المشروعة التي تكونت أيام عثمان.
ثانياً: أسلوب توزيع العطاء التفضيلي.
وفي مجال الأمر الأول نراه(ع) قام بمصادرة جميع ما أقطعه عثمان من القطائع وما وهبه من الأموال العظيمة لطبقة الأرستقراطيين، وعالنهم بسياسته في توزيع المال بقوله: "أيها الناس إني رجل منكم لي مالكم، وعلي ما عليكم ، وإني حاملكم على منهج نبيكم، ومنفذ فيكم ما أمره، ألا وإن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال فإن الحق لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك الاماء، وفرق في البلدان لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق".
وحاول قادة الطبقة الثرية أن يساوموا علياً(ع) في هذا المجال، فقال له أحدهم وهو الوليد بن عقبة:" يا أبا الحسن إنك وترتنا جميعاً ونحن أخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ، ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما اصبناه من المال أيام عثمان وأن تقتل قتلته، وإنا إن خفناك تركناك فالتحقنا بالشام". فكان رد الإمام(ع): "أما هذا الفيء فليس لأحد فيه أثره وقد فرغ الله من قسمته فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا، وعهد نبينا وبين أظهرنا، فمن لم يرض به فليتول كيف شاء".
وبهذه الإجراءات ألغى الإمام(ع) كل أشكال التميز في توزيع المال على الناس مؤكداً أن التقوى والسابقية في الإسلام أمور لا تمنح أصحابها امتيازات في الدنيا ومن كان له قدم في ذلك فالله يتولى جزاءه، أما في هذه الدنيا فالناس سواسية في الواجبات والحقوق "وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه لصحبته، فإن الفضل النير غدا عند الله وثوابه وأجره على الله".
وهكذا، جسد الإمام(ع) مفهوم التسوية في العطاء بين جميع الناس الذين يتمتعون بالانتماء إلى الإسلام دون تمييز لأي سبب من الأسباب.
خاتمة المطاف:
لأن الحق مر لا يستسيغه إلا عباد الله المخلصين ، فقد ساء الذين استفادوا من السوء الإداري في زمن الخلفاء الثلاثة، وجمعوا حولهم
الرجال والأموال، وتضررت مصالحهم وهم كثر، فاجتمعوا تارة حول عائشة وطلحة والزبير، وطوراً حول معاوية فباعوا أنفسهم للشيطان من أجل الاحتفاظ بمصالحهم ومكتسباتهم وعيونهم على الإمارة ، علهم يصلون إليها ليحتلبوها، وتفتقت حبائلهم الشيطلنية عن فكرة اغتيال أمير المؤمنين في أثناء الصلاة لأنهم يعرفونه تمام المعرفة أنه أسد ضرغام في الوغى وفطن وحذر إذا جالس القوم فلا يؤخذ على حين غره، ولم يكن له نقطة ضعف إلا في صلاته ، فهو إذ وقف بين يدي ربه لا يشعر بوجود أحد إلا وجود الله فيصبح كخشبه مسندة تعتريه الرعشة من مقام الله تعالى، لذلك كان قرارهم باغتياله، وهذا ما كان ، حين ضرب بالسيف المسموم على أم رأسه في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان في السنة 40 للهجرة.
ومضات من زهد علي وعبادته:
ماذا يمكن أن يقال في رجل خرج إلى هذه الحياة في أقدس بقعة على وجه الأرض في بيت الأقداس في الكعبة، وتربى عند خير خلق الله وأفضل رسله واستشهد في بيت الله، وما بين مولده في بيت الله واستشهاده في بيت الله جهاد في سبيل الله، كانت حياته كلها لله ، ومن كان كذلك فإنه يكون زاهداً إلا بما عند الله.
كان الإمام علي(ع) بزهده في الدنيا وإعراضه عن طيباتها ومفاتنها يتأسى برسل الله المقربين وأنبيائه المرسلين في طعامهم ولباسهم ، وهذا ما جاء في خطبة له يقول فيها: " لقد كان لي رسول الله أسوة إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها، وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله إذ يقول ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير والله ما سأله إلا خبزاً يأكله، وإن شئت ثلثت بداود صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة، فقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ويقول لجلسائه: ايكم يكفيني بيعها يأكل قرص شعير من ثمنها، وإن شئت قلت في عيسى بن مريم(ع) فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل العشب وكان أدامه الجوع وسراجه الليل والقمر وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربه، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ولا مطمع يذله، دابته رجلاه وخادمه يداه".
- يروي الأحنف بن قيس فقال:دخلت عليه ليلة عند إفطاره فقال لي: قم وتعش مع الحسن والحسين، ثم قام إلى الصلاة، فلما فرغ منها، دعا بجراب مختوم بخاتمه فأخرج منع شعيراً مطحوناً ثم ختمه، فقلت: يا أمير المؤمنين لم أعهدك بخيلاً، فكيف ختمت على هذا الشعير؟ فقال(ع): لم أختمه بخلاً، ولكني خفت أن يبسه الحسن والحسين(ع) بسمن أو زيت فقلت يا أمير المؤمنين أحرام هو، فقال: لا، ولكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم حالاً في الأكل واللباس ولا يتميزون عليهم بشيء لا يقدرون عليه ليراهم الفقير فيرضى عن الله تعالى بما هو عليه ويراهم الغني فيزداد شكراً وتواضعاً.
- ويروي سويد بن غفله فقال : دخلت عل علي يوماً وليس في داره سوى حصير رث وهو جالس عليه، فقلت يا أمير المؤمنين أنت ملك المسلمين، والحاكم عليهم، وعلى بيت المال، وتأتيك الوفود وليس في بيتك سوى هذا الحصير، فبكى، وقال: يا سويد: إن البيت لا يتأثث في دار النقله، وإمامنا دار المقامة وقد نقلنا إليها متاعنا ونحن منقلبون إليها عن قريب فأبكاني والله كلامه.
وأما الحديث عن صلاته وعبادته، فإن الإنسان ليخجل من نفسه لمجرد الإطلاع عليها ومقارنتها بعبادته ، فلكثرة تعاهده لأمر الصلاة والتضرع إلى الله يروي عروة بن الزبير في حديث له عن أبي الدرداء قائلاً: " شهدت علي بن أبي طالب بشويطحات النجار، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه واستتر بمغيلات النخل فافتقدته، وبعد مكانه، فقلت الحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغم شخي وهو يقول: إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك،إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك ولا أنا براج غير رضوانك. فشغلني الصوت واقتفيت الأثر ، فإذا هو علي بن أبي طالب(ع) بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة فركع ركعات في جوف الليل الغامر، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى، فكان مما ناجى به الله تعالى أن قال: إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي، ثم قال(ع): آه، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ، لا تنجيه عشيرته ولا تنفعه قبيلته ولا يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء. ثم قال: آه، من نار تنضج الأكباد والكلى, آه، من نار نزاعه الشوى، آه من نار لهاب لظى.
قال أبو الدرداء ، ثم أمعن في البكاء، فلم أسمع له حساً ولا حركة، فقلت غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر، فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو. فقلت: أنا لله وأنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب، فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمة(ع) : يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه؟ وما قصته؟ فأخبروها الخبر،/ فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشيه التي تأخذه من خشية الله. ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ونظر إلي وأنا أبكي ، فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء، فقلت: مما أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب وأيقن أهل الجرائم بالعذاب واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ فوقفت بين يدي الملك الجبار قد أسلمني الأحباء ورفضني أهل الدنيا لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية.
- هذا شاهد يسير من شواهد تعلق الإمام(ع) بالله تعالى وانشداده إليه ورهبته منه، ويبدو أن هذا ديدن علي(ع) كما يفهم من قول الزهراء(ع) لأبي الدرداء "هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله". من أجل ذلك كله لم يفزعوا حين أنبأهم أبو الدرداء بموته كما ظن هو، بل استفسروا عما رأى فاعلمته الصديقة(ع) أن ما رآه هو المألوف من علي(ع) كل آن حين تأخذه الغشية لله تعالى أثناء قيام الليل.
من حكمه:
- الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حين ينفعك، وأن لا يكون في حديثك فضل عن عملك، وأن تتقي الله في حديث غيرك.
- ألا حر يدع هذه اللماظة لأهلها، أنه ليس لأنفسكم ثمن ألا الجنة فلا تبيعوها إلا بها.
- الغنى والفقر بعد العرض على الله.
- من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها.
- ما مزح أمرؤ مزحة إلا مج من عقله مجة.
- من أتجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا.
- قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه.
- ليس بلد بأحق بك من بلد خير البلاد ما حملك.
- الزهد كله بين كلمتين من القرآن: قال الله سبحانه: لكيلا تاسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.
- ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر ويغلق عنه باب الزيادة، ولا ليفتح على عبدد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة.
- الرزق رزقان: طالب ومطلوب، فمن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه عنها، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها.
- أن أخسر الناس صفقه وأخيبهم سعياً، رجل أخلق بدنه في طلب ماله ولم تساعده المقادير على إرادته فخرج من الدنيا بحسرته وقدم على الآخرة بتبعته.
- إن أعظم الحسرات يوم القيامة حسرة، رجل كسب مالاً في غير طاعة الله فورثه رجل فأنفقه في طاعة الله سبحانه فدخل به الجنة ودخل الأول به النار.
- من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله، ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله.
- ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالاً على الله.
- تكلموا تعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه.
- من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
- إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجة فأبدأ بمسألة الصلاة على رسوله، ثم سل حاجتك، فإن الله أكرم من أن يسأل حاجتين فيقضي إحداهما ويمنع الأخرى .
- اتقوا معاصي الله في الخلوات، فإن الشاهد هو الحاكم.
- لا تجعلن أكثر شغلك بأهلك وولدك ، فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله، فإن الله لا يضيع أولياءه وأن يكونوا أعداء الله فما همك وشغلك بأعداء الله.
- سل تفقهاً، ولا تسل تعنتاً، فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، وإن العالم المتعسف شبيه بالجاهل المتعنت.
- يا أبن آدم كن وصي نفسك في مالك، وأعمل فيه ما تؤثر أن يعمل فيه بعدك.
- إن المسكين رسول الله، فمن منعه فقد منع الله، ومن أعطاه أعطى الله.
- رسولك ترجمان عقلك وكتابك أبلغ ما ينطق عنك.
- أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
- الناس للدنيا عاملان: عامل للدنيا قد شغلته دنياه عن آخرته يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه فيفني عمره في منفعة غيره، وعامل عمل في الدنيا لما بعدها فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل فأحرز الحظين معاً وملك الدارين جميعاً فأصبح وجيهاً عند الله لا يسأل الله حاجة فيمنعها.
- صاحب السلطان كراكب الأسد يغبط بموقعه وهو أعلم بموضعه.
- من أصبح على الدنيا حزيناً فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو ربه، ومن أتى غنياً فتواضع لفناه ذهب ثلثا دينه.
- عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله.
- ترك الذنب أهون من طلب التوبة.
- قلة العيال أحد اليسارين والتودد نصف العقل.
- مثل الدنيا كمثل الحية لين مسها والسم الناقع في جوفها، يهوى إليها الغر الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل.
- شتان بين عملين، عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره.
- لا يقل عمل مع التقوى وكيف يقل ما يتقبل.
|