* مقدمة:
هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
ولد الإمام أبو القاسم محمد بن الحسن مهدي هذه الأمة وأملها المرتجى الذي يحي الله به الحق والعدل ويعيد إلى الأمة حريتها وكرامتها ويملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا في النصف من شعبان سنة 255 هـ قبل أن تصل الخلافة إلى المهتدي العباسي بشهر تقريبا، وتوفي والده وله من العمر خمس سنوات كما جاء في أكثر الروايات، فآتاه الله الحكمة وجعله آية للعالمين وإماما للمسلمين كما جعل عيسى بن مريم وهو في المهد نبيا.
وتدل بعض الروايات أن حكيمة عمة الإمام العسكري زارته في يوم من الأيام قبيل ولادة الإمام المهدي ولما أرادت أن تذهب رغب إليها الإمام العسكري بأن تبقى في بيته تلك الليلة وأخبرها بأن زوجته نرجس ستلد له المولود المبارك، ولم يكن قد ظهر عليها أثر من آثار الحمل، وبعد حوار طويل بين الإمام وبين السيدة حكيمة كما يروي الرواة باتت ليلتها في بيته إلى جوار زوجته، وقبيل الفجر من ليلة النصف من شعبان انتهبت نرجس من نومها وعليها آثار الإعياء وتمت الولادة على يد السيدة حكيمة.
وقد ولد الحجة بن الحسن لأبيه من أم رومية تدعى سوسن أو نرجس أو ريحانة أو صقيلة ولعلها كانت تعرف بين أفراد عائلة الإمام بنرجس، وقيل أن الإمام الهادي قد أرسل بعض خاصته إلى بغداد حيث كانت تعرض الغنائم في سوق من أسواقها فاشتراها له وزوجها من ولده الحسن( ع) .
وتذهب الروايات التي تحدثت عنها بأنها كانت من بنات الملوك، وأن أمها من ولد شمعون الصفا وقد حاول جدها أن يزوجها من أبن أخيه ، واجتمع الناس لهذه الغاية ، وقبل أن يتم الزواج تساقطت الصلبان وانهارت أعمدتها وخر العريس عن عرشه مغشيا عليه، فتشاءم جدها قيصر ومن حوله من الأساقفة الذين اجتمعوا لإجراء مراسيم الزواج وانتهى المجلس بدون أن يتم شيء.
وتضيف الروايات أنها رأت في الطيف كأن في مجلس جدها اجتماعا ضم السيد المسيح وشمعون الصفا وجماعة من الحواريين ودخل عليهم النبي العربي محمد بن عبد الله في جماعة من ولدها فخطبها النبي(ص) إلى حفيده العسكري ورحب السيد المسيح بطلبه وتم الزواج بينهما.
وفي حديث طويل ينتهي به الراوي إلى أن أبا محمد العسكري أتاها في بعض الليالي وأخبرها بأن جدها سيحشد جيشا لحرب المسلمين وأمرها أن تخرج مع الجيش ، فتخرج معه كما أمرها، وتقع أسيرة في يد المسلمين وأرسل بعدها الإمام من يشتريها له من سوق النخاسين.
توفي الإمام العسكري وللحجة من العمر خمس سنوات ، وكان له عم يدعى جعفر، عرف بالاستهتار بأحكام الله والانحراف عن الإسلام تعاليم أهل البيت وخطهم الرسالي، ، لذا أعلن الإمام الهادي موقفه منه عدة مرات، وأكد للمسلمين أن الإمام الشرعي من بعده ولده الحسن وليس جعفرا، ومما قاله عنه الإمام الهادي(ع): " تجنبوا ولدي جعفرا فإنه مني بمنزلة أبن نوح الذي قال الله فيه: يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ".
وعملت السلطة العباسية على مساندته وإحلاله محل أخيه الحسن العسكري بعد وفاته فقدمته للصلاة على جنازته، ولكن المفاجأة كانت عندما تقدم صبي يخرج من الدار ويأخذ برداء عمه إلى الوراء وهو يقول: " تأخر فأنا أحق منك بالصلاة على أبي " . فيتأخر جعفر من دون أن تبدر منه أية معارضة.
ونتيجة لإصرار العباسيين على النيل من الإمام وتصفيته جسديا، ولأنه بقية الله في الأرض ، وبأمر من الله عز وجل توارى الإمام عن أنظار شيعته، وكان يتصل في المرحلة الأولى من غيبته بشيعته عبر سفراء عينهم شخصيا . والسفراء هم:
1- عثمان بن سعيد العمري.
2- محمد بن عثمان بن سعيد العمري.
3- الحسين بن روح النبوختي.
4- علي بن محمد السمري.
أهداف وجود السفراء: هناك عدة أسباب لوجود هذه السفارة.
أولا: تهيئة أذهان الأمة وتوعيتها لمفهوم الغيبة الكبرى وتعويد الناس تدريجيا على الاحتجاب وعدم مفاجأتهم بالغيبة الكبرى دون سابق مقدمات، وحتى لا يؤدي الاحتجاب المفاجىء إلى الإنكار المطلق لوجود الإمام المهدي(عج) .
ثانيا: قيام السفراء برعاية شؤون القواعد الشعبية الموالية للإمام في غيابه والتوسط بينها وبين الإمام(عج) فيما يحتاجون من أسئلة وغيرها. وقد قام السفراء بمسؤولياتهم في هذا الجانب خير قيام، حيث اضطلعوا بحفظ مصالح القواعد الشعبية طيلة فترة الغيبة الصغرى والتي استمرت حوالي 69 سنة.
ثالثا: التصدي للغلاة الذين كانوا على عهد الحجة ، حيث كانوا يعتقدون بالحلول ، وبأن روح رسول الله قد حلت في السفير الأول ، وروح الإمام علي قد حلت في السفير الثاني.
وقد بذل السفراء جهود شاقة من أجل كشف زيفهم إلى أن صدر توقيع من الإمام الحجة (عج) حسم الأمر بالكامل.
* نموذج من المراسلات بين الإمام وشيعته عبر سفرائه:
من كتاب له(عج) إلى إسحاق بن يعقوب جوابا عن كتاب كتبه إليه بواسطة محمد بن عثمان العمري يسأله عن بعض المسائل جاء فيه:
" أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة ومن انكرني فليس مني وسبيله سبيل أبن نوح ،وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل أخوة يوسف.
وأما الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالسلماب.
وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع فما آتاني الله خير مما آتاكم.
وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله تعالى ذكره وكذب الوقاتون.
وأما قول من زعم أن الحسين(ع) لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال.
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم.
وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنه ثقتي وكتابه كتابي.
… وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم إنه لم يكن أحد من آبائي(ع) إلا وقد أوقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
… وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم ولا تكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم والسلام عليك يا إسحاق أبن يعقوب وعلى من اتبع الهدى.
* الإمام المهدي(عج) المخلص في المنظور الإسلامي والإنساني
ليس المهدي عجل الله فرجه الشريف تجسيدا لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها وصياغة لإلهام فطري أدرك من خلاله الناس أن للإنسانية يوما موعودا على الأرض.
فهاهم اليهود ما زالوا منتظرين ظهور المسيح على زعمهم ليخلصهم من معاناتهم ويحقق أمنياتهم، وأما المسيح الذي يعتقد به النصارى والمسلمون فهو على زعمهم المسيح الدجال ، وكذلك فإن النصارى ما زالوا منتظرين عودة إبن الإنسان.
ثم إن فكرة المخلص امتدت لتشمل حتى الاتجاهات العقائدية التي لا تؤمن أصلا بالمبدأ الغيبي كالشيوعيين مثلا- الذين يؤمنون بفكرة المخلص لا كشخص متعين وفرد مخصوص بل كمرحلة لا بد للإنسان أن يصل إليها لتؤمن له السلام والأمن الاجتماعي والسياسي على طبق الفكر الذي يعتقدون به في إطار تفسيرهم للتاريخ بالمادية الجدلية القائمة على أساس التناقضات.
فإذن، إن نفس فكرة المخلص مما يعتقد به البشر كنوع عام وليست هي كما يدعي البعض زورا أنها فكرة شيعية محضة ابتدعها الشيعة حتى يؤنسوا بعضهم ويسلون أنفسهم بها تنفيسا للاحتقان الذي حل بهم على مر العصور، إذ كانوا دائما في جبهة الرفض للحكام مما جعلهم تحت المجهر مراقبين ، منكلا بهم قتلا وتشريدا وتعذيبا وسجنا فابتدعوا هذه الفكرة ليخففوا عن أنفسهم هذا العناء.
وللتأكيد على صوابية هذه الفكرة فإننا نرى في الرجوع إلى روايات المسلمين عامة شيعة وسنة، أن هناك إجماعا على وجوب الاعتقاد بشخص المهدي(عج) ، بل أكثر من ذلك فإن المسلم الذي لا يعتقد بالمهدي(عج) هو كافر من جهة تكذيب الرسول لأنه أخبر بالمهدي(عج) فمن يكذبه فقد خرج من دين الله تعالى.
وللتأكيد على هذه الفكرة نستعرض جملة من الروايات تصب في خانة الاعتقاد بالمخلص الفرد الذي أوكل إليه مهمة تخليص البشرية من عذاباتها وآلامها.
فقد جاء في صحيح البخاري ج2 ص158 عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله (ص): كيف أنتم إذ أنزل أبن مريم فيكم وأمامكم منكم ".
وصحيح أبي داود ج4 ص 87 عن النبي (ص) : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني".
وأبن حجر في الصواعق ص97: أخرج أبو داود والترمذي عنه (ص): " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي:.
ومسند أحمد ص 433 عنه(ص): " لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وعدوانا ثم يخرج من عترتي من يملأها قسطا وعدلا".
وعن العلامة السمهوري المصري في كتابه جوهر العقدين قال: " وقد ظهرت بركات دعائه(ص) وقت تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما في نسل الحسن والحسين فكان من نسلهما من مضى ومن يأتي ولو لم يأت في الآتين إلا الإمام المهدي لكفى … ".
فمن هذه النصوص ونظائرها نستكشف أن الاعتقاد بأصل فكرة الإمام المهدي من الأمور الجازمة .
-ولكن وقع الخلاف بين الطائفتين الإسلاميتين في أنه هل ولد الإمام المهدي أو أنه سيولد في آخر الزمان
-الشيعة بأن الإمام قد ولد فعلا وهو أبن الإمام الحادي عشر الإمام الحسن العسكري والمولود سنة 255هـ.
- ووقع الخلاف بين المتقدمين من علماء السنة والمتأخرين منهم، حيث ذكر بعض المتقدمين بأن المهدي(عج) قد ولد فعلا ، وفيما يلي تصريحات بعض أهل السنة بحياة الإمام المهدي.
· الشيخ محي الدين العربي في الفتوحات على رواية الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر: " إن كون المهدي بن الحسن العسكري بلا فصل كما هو صريح كلامه مع وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هـ لازمه حياة المهدي وبقاؤه حتى يظهر أو أنه يموت ثم يحييه الله تعالى بقدرته".
· الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر على ما في إسعاف الراغبين ص 157 حيث قال: " المهدي بن الإمام الحسن العسكري ومولده النصف من شعبان سنة 255 هـ وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم(ع) هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي عن الإمام المهدي حين اجتمع به ووافقه على ذلك سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى".
· الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان على ما نقله إسعاف الراغبين ص 227 قال: " ومن الأدلة على أن المهدي حي باق بعد غيبته إلى الآن وأنه لا امتناع في بقائه بقاء عيسى بن مريم والخضر والياس من أولياء الله تعالى وبقاء الأعور الدجال وإبليس اللعين من أعداء الله تعالى ، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة".
· الشيخ العارف الفاضل الخواجه محمد بارسا في كتابه فصل الخطاب على ما في ينابيع المودة ص 451 بعد أن ذكر ولادة المهدي المنتظر وان الله تعالى آتاه الحكمة وفصل الخطاب من سن الطفولة كما من على يحي وعيسى بذلك قال: " وطول الله تبارك وتعالى عمره كما طول عمر الخضر عليه السلام".
· الشيخ شهاب الدين الهندي المعروف بملك العلماء في كتابه هداية السعداء على ما في الدرر الموسوية قال عند ذكر الأئمة الاثني عشر: "التاسع من ولد الحسين الإمام حجة الله القائم المهدي وهو غائب وله عمر طويل كما في المؤمنين عيسى والياس والخضر وفي الكافر الدجال والسامري".
نعم ، هناك أخبار شاذة في روايات أهل السنة تدل على أن اسم أب المهدي المنتظر يوافق اسم والد النبي(ص) .
ذكر أبو داود في صحيحة ج4 ص 87 عن النبي(ص) : " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم قال زائدة لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني، إلى أن قال : يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي".
ولكن الإمام أحمد بن حنبل في مسنده أخرج هذا الحديث ولم يذكر " واسم أبيه أسم أبي"
والشبلنجي في نور الإبصار ص 231 أورد هذه الرواية ناقلا عن أبي داود عن زر عن أبي عبد الله عن النبي(ص) بدون " واسم أبيه اسم أبي"، ثم قال: وفي رواية واسم أبيه اسم أبي.
واختلاف النقل عن أبي داود يوجب الشك فيما رواه وعدم ثبوت روايته عينا، وعلى فرض ثبوتها فهي معارضة بالأخبار الكثيرة بل المستفيضة التي هي أصح سندا وأظهر دلالة من هذه الرواية، وبالتالي فلا يلتفت إليها.
وقد استدل هؤلاء على بطلان رأي الشيعة والعلماء من السنة ممن قالوا برأي الشيعة بأن الصفات المجعولة علامة ودلالة إذا وجدت تعين العمل بها ولزم إثبات مدلولها لمن وجدت فيه، ولكننا نمنع وجود تلك العلامة والدلالة لأن من جملة الصفات المجعولة علامة أن يكون اسم أبيه مواطئا لأسم أب النبي(ص) ، فإذا لم يوجد جزء العلة فإنه لا يثبت حكمها، فإن الصفات الباقية لا تكفي في إثبات تلك الأحكام إذ النبي(ص) لم يجعل تلك الأحكام ثابتة إلا لمن اجتمعت تلك الصفات فيه كلها والتي جزؤها مواطاة اسم الأبوين في حقه.
ولكن لو سلمنا بوجود هذه الرواية التي سندها ضعيف لاشتمالها على رجال غير موثقين بل مجهولين، بل معروفين بالوضع والدس مثل" زائدة" ، بل أكثر من ذلك فإن متنها مضطرب ، فبعضهم حذف " واسم أبيه اسم أبي" وبعضهم ذكرها ، بل هي معارضة بكثير من الروايات التي أصح سندا كما ذكرنا .
فلو سلمنا جدلا بصحة سند هذه الرواية، ولكن دلالتها يمكن النقاش فيها كثيرا بحيث نثبت من خلاله صحة قولنا نحن. وعليه نقول: لا بد من بيان أمرين مهمين كمقدمة للوصول إلى الحل المطلوب.
الأول: أنه شائع في لغة العرب إطلاق لفظة الأب على الجد الأعلى ، وقد نطق القرآن الكريم بذلك فقال : " ملة أبيكم إبراهيم"، وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام " واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق". ونطق بذاك أيضا النبي محمد (ص) في حديث الإسراء حينما سأل من هذا فقيل له " أبوك إبراهيم".
الثاني : إن لفظة " الاسم" تطلق على الكنية ( أبو علي) وتطلق على الصفة وقد ذكر مثل هذا الأمر البخاري ومسلم حيث ذكرا أنه قيل عن الإمام علي(ع) : " إن رسول الله سماه بأبي تراب ولم يكن له اسم أحب إليه منه". فأطلق لفظة الاسم على الكنية.
إذا تمت هاتان المقدمتان فنقول:
إن الرسول (ص) كان له سبطان الإمام الحسن(ع) والإمام الحسين(ع) ، وكان الإمام الحسن(ع) يكنى بأبي محمد وكان الإمام الحسين (ع) يكنى بأبي عبد الله.
وكأن الحديث يريد أن يشير إلى هوية الإمام المهدي ليحدد من هو أبوه أي جده الأعلى هل هو أبو محمد أو أبو عبد الله. فأطلق النبي على الكنية ( أبي عبد الله ) " الاسم" فكأنه قال محمل كنية أبيه "اسم أبيه، فقال واسم أبيه ( أي كنية أبيه ) اسم أبي. وبذلك يكون قد حدد أن المهدي (عج) هو من نسل الإمام أبي عبد الله الحسين وليس من نسل الإمام أبي محمد الحسن(ع) .
هذا وجه لتحليل المراد من " واسم أبيه اسم أبي"
وهناك وجه آخر يمكن أن يكون في المقام وهو أن الإمام العسكري كان له ثلاث أسماء منها عبد الله، وعليه فيكون الخير دالا بصراحة على هوية الإمام المهدي كما نعتقده نحن.
* إشكالات على غيبة الإمام المهدي(عج)
لم يخل الاعتقاد بغيبة الإمام المهدي(عج) من طرح عدة مواقف سلبية من الفكرة نفسها، وفيما يلي بعض الإشكالات .
أولا: إذا كان المهدي (عج) يعبر عن إنسان حي عاصر كل الأجيال المتعاقبة منذ أكثر من عشرة قرون وسيظل يعاصر امتداداتها إلى أن يخرج، فكيف يتأتى لهذا الإنسان أن يعيش هذا العمر الطويل وينجو من قوانين الطبيعة التي تفرض على كل إنسان أن يمر بمرحلة الشيخوخة ، فهل هذا ممكن ؟
ثانيا: لماذا كل هذا الحرص على هذا الشخص المولود فتعطل من أجله القوانين، فلماذا لا يترك اليوم الموعود لقائد يولد مع فجر ذلك اليوم ؟
ثالثا: إذا كان المهدي اسما لشخص محدد وهو أبن الإمام العسكري(ع) الذي ولد سنة 255 هـ والذي توفي سنة 260 هـ فهذا يعني أنه كان طفلا صغيرا لا يتجاوز خمس سنوات، وهي سن لا تكفي للمرور بمرحلة إعداد فكري وديني على يد أبيه، فكيف وبأي طريقة يكتمل إعداد هذا الشخص لممارسة دوره الكبير دينيا وفكريا وعلميا.
رابعا: إذا كان القائد جاهزا فلماذا كل هذا الانتظار الطويل مئات السنين، أو ليس في ما شهده العالم من المحن والكوارث الاجتماعية ما يبرر خروجه ؟
بالنسبة إلى الإشكال الأول فإنه يقال فيه:
إن كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معان: الإمكان العملي والإمكان العلمي والإمكان المنطقي.
- والمقصود من الإمكان العملي أنه يمكن من الناحية العملية والواقعية أن يحصل ، فالصعود إلى القمر مثلا من الناحية العملية ممكن لأنه تحقق في واقع الأمر وإن لم يصعد إليه جميع الناس.
- والمقصود من الإمكان العلمي أن لا يكون هناك مانع علمي من وقوع الشيء، فالصعود إلى الزهرة، وإن لم يكن حاصلا واقعا، ولكن لا يوجد مانع علمي من وقوعه خاصة مع الصعود إلى المريخ بالفعل، بينما الصعود إلى الشمس مثلا ممتنع علميا بل يستحيل ذلك من الناحية الوقوعية.
- والمقصود من الإمكان المنطقي أن لا يوجد لدى العقل بحسب ما يدركه من قوانين سابقة على التجربة مانع، فالعقل وإن لم يكن هناك تجربة سابقة فإنه يحكم باستحالة اجتماع المتناقضين، بينما مثلا لا يحكم العقل إذا لم يكن هناك تجربة سابقة باستحالة عدم الاحتراق عادة، فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي من دون وجود كسر ليس له إمكان منطقي لأن العقل يحكم أن الثلاثة فرد، فلو انقسمت بالتساوي فإنها تصبح زوجا وهذا تناقض، والتناقض مستحيل عقلا.
إذا علمنا معنى الإمكان بمعانيه الثلاث نقول:
لا شك في أن طول عمر الإنسان ممكن منطقيا لأن ذلك ليس مستحيلا منطقيا. كما لا شك في أن طول عمر الإنسان ممكن من الناحية العلمية بل لا يوجد مبرر لرفض ذلك من الناحية العلمية.
كما لا شك في أن طول عمر الإنسان ممكن من الناحية العملية بدليل طول أعمار كثير من البشر. فعمر آدم(ع) 930 سنة. وعمر نوح(ع) 2912 سنة وعمر شيت 922 سنة وإدريس 965 سنة وسليمان 712 سنة ولقمان 3500 سنة والخضر(ع) ما زال حيا إلى الآن بإجماع المسلمين واعتقاد النصارى بذلك غاية الأمر أنهم يطلقون عليه اسم مار جريس الحي. ومن الذين ذكر بأنهم أحياء الياس(ع) ، كما أن السيد المسيح(ع) حي يرزق إلى الآن.
ثم أنه لو سلمنا بأن طول العمر ليس ممكنا علميا وعمليا وأن قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية أن تتخطاه وتتغلب عليه، فإننا نقول:
ليس قانون الشيخوخة والهرم أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة والاحتراق ، وقد عطل الله هذا القانون من أجل حماية إبراهيم (ع) حين كان الأسلوب الوحيد هو تعطيل ذلك القانون فقيل: " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم".
كما أن الله تعالى عطل قانون السيلان لموسى، ففلق البحر وسار بين قطعتين من الماء دون أن تسيل عليه، وبعد مر النبي موسى وقومه بسلام أعاد الله الماء إلى قانونه فسال من جديد وغرق فرعون وجنوده اللذين تبعوا موسى وقومه لقتلهم.
فكل هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عطلت لحماية شخص كانت الحكمة الربانية تقتضي الحفاظ على حياته، وعليه فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين.
وبالنسبة إلى الإشكال الثاني فإننا نقول فيه:
إن الإجابة عنه تقتضي منا الموضوعية في الإجابة عنه، فلا نجيب عنه بالنظرة الغيبية التي نعتقد بها، بل إن الإجابة عنه يتعين أن تكون ضمن النظرة التي يعتقد بها هذا المشكل و عليه نقول:
إن المهمة الموكلة إلى الإمام المهدي(ع) خطيرة وكبيرة وتستهدف أن يخلص البشرية من الظلم اللاحق بها ليملأها قسطا وعدلا وهذا الأمر يقتضي فيه أن يكون القائد معبأ نفسيا ، ويحمل صفات قيادية باهرة فوقية لا يخشى الأعداء ولا ينبهر بالحضارات الزائفة، ولذلك وجب أن يكون هذا الإنسان ليس من عالمنا، لأن من ينشأ في ظل حضارة راسخة تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وأفكارها فإنه يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها لأنه ولد وهي قائمة ونشأ صغيرا وهي جبارة، وبالتالي فإن عقدة النقص باتجاه هذه الحضارة سوف تبهره وتجعله مأسورا لها أو على الأقل ضعيفا أمامها بينما لو كان متوغلا في التاريخ قد عاش قبل أن ترى تلك الحضارة النور ورأى الحضارات الكبيرة سادت ثم بادت، رآها وهي تنهار أمامه فإنه يستنتج ضعف هذه الكيانات ، بل يستهزىء بها لأنه رأى كل ذلك ويستطيع أن يحكم بخبرته أن هذه الحضارة فانية لا محالة ، غاية الأمر أنها تنتظر وقت الشيخوخة لها.
وقد أطلعنا الله في القرآن الكريم على مثل هذه التجربة حينما أخبرنا عن قصة أهل الكهف حيث واجهوا كيانا وثنيا، حاكما لا يرحم في قتل كل موحد ، فضاقت عليهم نفوسهم ودب إليها اليأس وسدت منافذ الأمل أمامهم ، فلجاؤا إلى الكهف يطلبون من الله حلا لمشكلتهم بعد أن أعيتهم الحلول وكبر في نفوسهم أن يظل الباطل يحكم، فأنامهم الله 309 سنوات ثم بعثهم من نومهم ودفع بهم إلى مسرح الحياة بعد أن كان ذلك الكيان قد بهرهم بقوته وظلمه وقد تداعى وسقط وأصبح تاريخا لا يرعب أحدا وانتقل الحكم إلى نظام عادل فأراد الله أن يريهم انتهاء أمرهم بأعينهم ليتصاغر الباطل في نفوسهم.
فإذا كان هذا الأمر قد أحدث لأصحاب الكهف ما أحدث ، فكذلك الأمر يكون مع الإمام صاحب الأمر(عج) .
ثم إن عملية التغيير المدخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة الإسلام وهي تقتضي أن يكون هذا القائد قد تربى على أساس الإسلام الصافي من غير أن يتلوث بمؤثرات الحضارة التي عليه أن يحاربها. وعليه، يتعين أن يكون هذا الشخص بعيدا عن مؤثراتها لأن الشخص الذي يولد وينشأ في كنف هذه الحضارة وتتفتح أفكارها ومشاعره في إطارها فإنه لا يتخلص غالبا من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها حتى ولو قاد حملة تغييريه ضدها.
وبالنسبة إلى الإشكال الثالث نقول فيه:
الإجابة عن هذا الإشكال يتم بنحوين:
الأول: أن الطفولة بحد ذاتها ليست مانعا من التلقي للمعلومات، والتصرف بها تصرفا حكيما ومميزا، لأن العقل لا يعرف مرحلة دون مرحلة، فمتى تسنت له ظروف مؤاتية يخرج ما عنده كأفضل ما يكون الإخراج، ولنا في التاريخ المعاصر نماذج حية تعرفنا عليه في هذا العقد الذي نعيشه، فهناك من حفظ القرآن الكريم وأجزاء من أصول الكافي مع تفاسيره والتصرف بآياته والاستشهاد به، وهو لا يزال في الرابعة من عمره وهناك من نال شهادة الدكتوراة وهو في السابعة من عمره تقريبا ، وهناك وهناك …
فإذا كان هؤلاء أناسا عاديين وقد وصلوا إلى ما وصلوا إليه فكيف بمن تفرع من الشجرة النبوية وكان من صلب المعصومين الأطهار.
الثاني: أن تسلم الإمامة من قبل الإمام المهدي لم يكن شيئا استثنائيا بل نستطيع أن نقول أن تسلم الإمامة في صغر الأئمة كان "ظاهرة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقد تجسد ذلك في الإمام الجواد(ع) حيث تولى الإمامة في الثامنة من عمره وتسلم الإمام الهادي الإمامة في التاسعة من عمره.
وإذا أردنا أن نستنطق التاريخ بخصوص هذا الأمر لنرى مدى تقبل هذه الفكرة فإننا نرى تسليما كاملا من دون اعتراض الموالي والمعارض على حد سواء. إذ من المعروف أن الإمامة لم تكن أمرا وراثيا من الأب إلى الابن وأمرا مفروضا من السلطان تفرضه هيمنة السلطان والخليفة بالحديد والنار، وإنما الذي يميز رتبة الإمامة عن مركز الخلافة في ذلك الوقت أن الإمامة كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية عن طريق التغلغل الروحي والإقناع الفكري لتلك القواعد بجدارة الإمام وعلمه وفقهه وقد ركز الأئمة السابقون خصوصا الإمامان الباقر(ع) والصادق(ع) في ذهن الأمة كيف يجب أن تكون شخصية الإمام وتناقلت الأمة بعضها عن بعض أن على الأمة التعرف على كفاءة الإمام ضمن الشروط الشديدة وأن على الإمام أن يكون أعلم أهل زمانه.
وإذا ربطنا هذا الأمر بأمر آخر وهو أن اتباع أهل البيت(ع) عندما كانوا يعتقدون بإمامة الإمام كان يكلفهم هذا الاعتقاد القتل والتشريد والسجن ولم يكن لعق عسل وكسب مصالح دنيوية.
وعليه، فإنهم لم يكن لهم أن يؤمنوا بإمامة الإمام بشكل عاطفي من دون قناعة لأن ذلك يكلفهم ما يكلفهم لما ذكرناه، لذلك فإن الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير السن فيعلن نفسه إماما روحيا وفكريا للمسلمين ويدين له بالولاء والإمامة كل ذلك التيار الواسع لا بد أن يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد بل وأعلم أهل زمانه.
ثم إن هناك نقطة مهمة ، وهي ، أن إدعاء الإمامة من قبل الإمام الصغير السن لو لم يكن مقبولا بحد ذاته لعيب علينا من يعارضنا بالعقيدة بل المتربصون بنا العداوة من الحكام الظالمين ولاتخذوا من هذه القضية تهزيئا بنا وتسفيها لرأينا، وقد حاول البعض ذلك، ولم يفلحوا، بل كرست تلك المناظرة إمامة الإمام المبكرة بخضوع تام من الواقع المعارض لنا.
ويكفي مثالا لظاهرة الإمامة المبكرة في التراث الرباني لأهل البيت(ع) ما ذكرناه الله تعالى عن نبوة يحي " يا يحي خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا".
وما تحدث به عن نبي الله عيسى " قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا".
وبعد هذا كله، لا معنى لأن يقال أن طفولة المهدي لم تكن كافية لتحصيل الخبرة الكافية والعلم الذي يحتاجه للسير بالمهمة الموكلة إليه.
و بالنسبة إلى الإشكال الرابع:
فالإجابة عنه تأتي في سياق الحديث عن مفهوم الغيبة ولماذا كانت الغيبة وعن مفهوم الانتظار ودورنا فيه.
* لمــاذا الغيبـــة
عانى الأئمة الأطهار من ظلم بني العباس الشيء الكثير حتى قيل فيهم يا ليت ظلم بني أمية لنا يدوم وعدل بني العباس في النار.
وقد مارس الخلفاء العباسيون على مدى خلافتهم شتى أساليب القهر والظلم للأئمة الأطهار ولأتباعهم علما منهم بأن الأئمة هم الخصوم الحقيقيون لهم، لذلك ضيقوا عليهم الخناق وبثوا عيونهم وجواسيسهم عليهم.
ومما زاد الطين بلة في زمن الإمام العسكري(ع) أن الدولة العباسية كانت تدرك واجبها تجاه الأفكارالتي كانت تملأ أذهان المسلمين والموالين خاصة بالاعتقاد بوجود المهدي(عج) لتواتر أخباره منذ زمن النبي (ص).
وكانت السلطات العباسية تعلم على وجه الإجمال أن زمان المهدي(عج) قد أوشك على الوجود ، ولكنهم كانوا يجهلون تاريخ ميلاده، لأنهم كانوا يعرفون تمام المعرفة بأن خلافة الرسول تتجسد في الأئمة الأطهار، فهم قد سمعوا وعلموا علم اليقين بأن خلفاء رسول الله اثنا عشر جميعهم من قريش، ولكنهم كانوا يعلمون أيضا بأن الأئمة كانوا يأتون إماما من صلب إمام ، لذلك بمجرد أن شب الإمام العسكري وتزوج بدأوا بمراقبة حثيثة لبيت الإمام العسكري(ع) . ومن هنا جاء اهتمام الجهاز الحاكم بإصدار أوامره لمراقبة الحوامل عند وفاة الإمام العسكري ظنا منهم بوجود المهدي جنينا في رحم إحدى نسائه، طبعا عندما لم يعثروا على الإمام في حياة أبيه.
وبعد وفاة الإمام العسكري وصلاة المهدي على أبيه بعدما نحّّّى عمه جعفر الكذاب الذي حاول إدعاء الإمامة بعد وفاة أخيه، أوعز جعفر إلى السلطات باحتمال وجوده مما جعلها تشن حملة اعتقالات ومطاردات وتفتيش واسعة النطاق انتهت باضطهاد الموجودين من عائلة الإمام(ع) ولكن بالتالي خاب أملهم بالعثور على الإمام المهدي(عج) .
وبعد الانتهاء القوا القبض على أم الإمام وأخذوها للتحقيق إلى الجهات المسؤولة للاستفسار عن الصبي وجمع المعلومات منها، فأنكرته وادعت أن بها حملا وأنها لم تلد وأصرت على أن لا تبوح بالسر وأبقت ولدها محجوبا مصونا من الأعداء.
وقد تحملت أم الإمام المهدي(عج) وسائل القهر والتعذيب بكل إخلاص وصمود وحاولت أن توهم أن سلطات التحقيق بما ذكرناه من أن بها حملا، ووقع كلامها في ذهن الحكام موقعا محتملا، ولربما ظنوا في أنفسهم بأن هذا الحمل الذي تدعيه هو المهدي المطلوب وخصوصا أن الدولة كانت تنتظر ولادة المهدي من أيام العسكري ، وها قد انتهت حياته ولم تر له ولدا، وحيث أن الدولة لم تتأكد من ولادته فحسبهم الآن أن يراقبوا هذه الجارية إلى حين ولادتها، ويتدبروا بعد ذلك أمر وليدها ويتخلصوا منه. وأسرعت السلطات إلى وضع الجارية تحت المراقبة الشديدة والمستمرة وجعلوها بين نساء المعتمد العباسي ونساء القاضي أبن أبي الشوارب، ولا زالوا يتعاهدون أمرها حتى طالت بهم المدة ولم يحصلوا على شيء وبقيت الجارية محتجزة على هذه الحالة أكثر من عامين حتى انشغلت الدولة بمشاكل وحروب في عدة جبهات أنستهم أمر هذه الجارية. وتمكنت بذلك من الخروج منهم بسلام.
وإذا أطلعنا على هذا الواقع الذي يعيشه الإمام(عج) ، بالإضافة إلى أمر مهم جدا في المقام، وهو أن السنة الإلهية إذا اقتضت شيئا فإنها تجري على الجميع بدون استثناء ، إلا في حالة المعجزة . وهذا ما نراه فعلا في سنة الموت التي قهر بها عباده، كما أن الله تعالى آلى على نفسه إلا أن تجري المسببات بأسبابها، لذلك فإننا نرى الموت لم يندفع عن الأنبياء والصالحين، فهذا رأس يحي بن زكريا يكون مهرا لبغية، وها هم أنبياء الله يقتلون على أيدي بني إسرائيل ، فالله تعالى جعل للموت أسبابا، فإذا تحقق السبب تحقق المسبب من دون تخلف. ولذلك فإن السيف لما وصل إلى رسول الله (ص) جرح ولم يشفع له كونه رسول الله بأن لا يجرح وها هو الإمام أمير المؤمنين يستشهد حينما وصل إليه السيف المسموم، وها هو الإمام الحسن يستشهد حينما دس إليه السم.
وها هو الإمام الحسين(ع) يستشهد في كربلاء ويقتل بطريقة وحشية لم يحدثنا التاريخ بأقسى منها، فمن سنن الله أن الكثرة تغلب الشجاعة وأن النصر له أسبابه والهزيمة لها أسبابها، فمن أسباب النصر أن يكون هناك أنصار وأعوان بالمستوى اللائق للمرحلة ، فإذا لم يكن الأمر بالمستوى المطلوب فإن الهزيمة واقعة لا محالة لأن القدرة البشرية مهما كانت جبارة فإنها بالنهاية سوف تضمحل وتتلاشى أمام الكثرة وهذا ما حصل فعلا في كربلاء حيث استشهد أخيرا الإمام الحسين(ع) .
من هنا، نرى أن المهمة التي أوكلت إلى الإمام المهدي(عج) مهمة خطيرة لأنها أوكلت إليه مهمة تخليص البشرية قاطبة من عذاباتها فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وهذا يقتضي أن تجتمع كل السلطات الظالمين ضده ليس فقط العباسيون بل كل طواغيت العالم من روم وفرس وهندوس وهكذا ، لتنهي وجوده وتقضي عليه، فإذا لم يكن هناك ناصر ومعين له على مستوى المرحلة فإن الكثرة سوف تغلب القلة وبالتالي سوف يستشهد القائد مهما كان قويا بحد ذاته، ولأن الإمام كان يمثل بقية الله في خلقه،فإذا خرج دون إعداد العدة اللازمة فإنه سوف يستشهد لا محالة ولا يشفع له كونه بقية الله في خلقه لأن الله أبى أن تجري المسببات إلا بأسبابها. لذلك فإن الله فرض على الإمام الغيبة حماية للرسالة بحفظ الشخص الذي أوكلت إليه مهمة الرسالة وفرض عليه الاحتجاب حتى عن خواص شيعته ما عدا سفرائه الخاصين بحيث لم يكن هناك إلا سفير واحد، فإذا مات عين سفيرا آخر، لأن السر متى ما زاد عن اثنين شاع وفشا.
وقد حدثنا التاريخ بمحاولات العباسيين الدؤوبه في القضاء على الإمام المهدي (عج) بعدما تأكد لها وجوده واتصاله بشيعته عبر سفراء عينهم، وعلى ضوء هذا الاكتشاف الخطير رأى المعتضد العباسي بعد توليه الخلافة أن أهم واجباته في الحكم أن يبادر فورا إلى تجديد المحاولات للقبض على الإمام(ع) وقد وضع عملاء الدولة وجواسيسها مخططا كاملا تعلم المعتضد بدار الإمام واحتمال اختفائه هناك.
وقد بعث المعتضد على ثلاثة نفر وأمرهم بالخروج إلى سامراء مخففين لا يكون معهم قليل ولا كثير أي لا يأخذون معهم أحد على الإطلاق ووصف لهم محله وداره وقال : إذا اتيتموها تجدون على الباب خادما أسود فاكسبوا الدار ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه. فلاحظ هنا، أن المعتضد لم يكن يريد حبس الإمام أو محاكمته بل كان يعبر عن الهواجس التي تختلج صدره فأمر فورا بقتله حتى لا يكون هناك أي مجال للضغط عليه أو يتراجع عن قراره أمام هيبة الإمام، وقد حدثنا التاريخ عن مثل هذا الأمر مع الأئمة السابقين. وقد بدأت الحماة كما أمر المعتضد وتوجهوا إلى سامراء وبحثوا عن الدار وجاسوا خلالها وكان الإمام (عج) فيها ولكنهم لم يلتفتوا إليه ونجا منهم.
ظن المعتضد أن هذه الحملة فشلت لقلة عددها وسرية تنفيذها ، من هنا نراه يجرد حملة أخرى ، ويروي صاحب بحار الأنوار نص الرواية: " ثم بعثوا عسكرا أكثر ، فلما دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القرآن فاجتمعوا على بابه وحفظوه حتى لا يصعد ولا يخرج، وأميرهم قائم حتى يصل العسكر كله، فخرج من السكة التي على باب السرداب ومر عليهم، فلما غاب قال الأمير أنزلوا عليه فقال أليس هو مر عليك فقال : ما رأيت ، فلم تركتموه.قالوا :أنا حسبنا أنك تراه.
فإلى هنا نعرف أن من أسباب غيبته (عج) حفظ الرسالة بحفظ شخص الإمام الذي يمثل بقية الله في الأرض.
* ومن أسباب غيبته الحرية في الدعوة والاستقلال بالأمر:
فكل من يقوم بالإصلاح والثورة لا بد له من أعوان وأنصار وعقد عهود ومواثيق مع بعض الأقوياء لإعانتهم له وسكوتهم عنه، ولازم هذا العقد والعهد عدم التعرض لهؤلاء وترك دعوتهم والمماشاة معهم وفاء بالعهد ، حتى إذا تم له الأمر وانقض زمان العهد عاملهم كغيرهم.
ولازم ذلك تعطيل إجراء بعض الأحكام بالنسبة إلى المعاهدين، بل والمعاملة معهم وعلى خلاف الواقع. قال تعالى: " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم".
فلو كان الإمام موجودا ولم تكتمل أسباب خروجه الكاملة كما يريدها الله تعالى للزم أن يتعاهد مع قوم أقوياء من غير اتباعه، ويلزم من ذلك ما ذكرناه من تعطيل لبعض الأحكام مجاراة للمتعاهد معه واحتراما لهم وللعهد الذي بذله لهم، أو لا يتعاهد معهم فيرضى بالواقع الذي يعيشه ويخضع له كما كان الأمر بالنسبة للأئمة السابقين حفاظا على شيعتهم ويلزم من ذلك محذور أكبر ، لأنه لو فعل ذلك لزم عليه أن يطبق العهد الذي عاهده لهم وبالتالي سيعطل كثيرا من الأحكام ولن يحقق العدل والقسط.
ولذلك ورد عن الإمام الصادق(ع) : " يقوم القائم وليس في عنقه بيعة لأحد بيعة". وورد عن الإمام الرضا(ع) : " كأني بالشيعة عند فقدانهم الرابع من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه قلت: ولم ذلك يا أبن رسول الله ؟ قال: لأن إمامهم يغيب عنهم. فقلت: ولم ؟ قال: لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف.
وهذا بعض من وجوه الحكمة الظاهرية التي يمكن في المقام أن تكون سببا من أسباب غيبة صاحب العصر والزمان.
أما في نفس الأمر والواقع ، فإننا نجهل الأسباب الحقيقية ، ولكننا كأناس ارتبطنا بالمشيئة الإلهية واعتقدنا جازمين بالغيب الإلهي الذي لا يأمر بشيء ولا ينهي عن شيء إلا عن مصلحة، وأن تلك المصالح ترجع إلى المكلفين، وعليه فإذا فعل شيئا علينا أن نخضع لمشيئته ونقر بها ونسلم لها.
وفي هذا المجال يروي الصدوق في علل الشرايع عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (ع) يقول: " إن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها يرتاب فيها كال مبطل . فقلت له: ولم جعلت فداك ؟
- قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم؟
- قلت: فما وجه الحكمة في غيبته ؟
- فقال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره. إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما آتاه الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى(ع) إلا وقت افتراقهما.
يا أبن الفضل إن هذا الأمر أمر من الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله ومتى علمنا أنه عز وجل حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكيمة وإن كان وجهها غير منكشف لنا".
* وعن شخصية الإمام وغيبته وبعض وجوه الحكمة ورد عن الإمام الصادق(ع) ما يلي
" إن الله تبارك وتعالى أدار في القائم منا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل قدر مولده تقدير مولد موسى(ع) ، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى(ع) وقدر إبطائه كتقدير إبطاء نوح(ع) ، وجعل من بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضر دليلا على عمره. فقلت: اكشف لنا يا أبن رسول الله عن وجوه هذه المعاني.
قال: أما مولد موسى،فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه وأنه يكون من بني إسرائيل ، فلم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولود، وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى(ع) لحفظ الله تبارك وتعالى إياه.
كذلك بنو أمية وبنو العباس، لما وقفوا على أن زوال ملكهم والأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منا ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل آل بيت رسول الله (ص) وإبادة نسله طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم(عج) ويأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن ييتم نوره ولو كره المشركون.
وأما غيبة عيسى(ع) فإن اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل وكذبهم الله عز وجل بقوله " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم". كذلك غيبة القائم(عج) فإن الأمة تنكرها فمن قائل بغير هدى بأنه لم يولد وقائل يقول أنه ولد ومات وقائل يكفر بقوله إن حادي عشرنا كان عقيما وقائل يمرق بقوله أنه يتعدى إلى ثالث عشر فصاعدا ، وقائل يعصي الله عز وجل بقوله أن روح القائم(عج) ينطق في هيكل غيره.
وأما إبطاء نوح(ع) فإنه لما استنزل العقوبة على قومه من السماء بعث الله عز وجل جبرائيل الروح الأمين بسبعة نوبات فقال يا نبي الله إن الله تبارك وتعالى يقول لك إن هؤلاء خلائقي وعبادي ولست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة والزام الحجة فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإني مثيبك عليه، وأغرس هذه النوى فإن لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص فبشر بذلك من تبعك من المؤمنين فلما نبتت الأشجار وتآزرت وتسوقت وتغصنت وأثمرت وزهر الثمر عليها بعد زمن طويل استنجز من الله سبحانه العدة فأمره الله تبارك وتعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد ويؤكد الحجة على قومه وأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتد منهم ثلاثماية رجل وقالوا لو كان ما يدعيه نوح حقا لما وقع في وعد ربه خلف ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة أن يغرسها تارة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا فأوحى الله عز وجل عند ذلك وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرح الحق عن محضه وصفا الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة فلو أني أهلكت الكفار وأبقيت من قد أرتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوتك بأن استخلفهم في الأرض وأمكن لهم دينهم وأبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشك من قلوبهم وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وتبدل الخوف والأمن مني لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا وخبثت طينتهم وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوخ الضلالة فلو أنهم تنسموا مني الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذ أهلكت أعداءهم لتنشقوا روائح صفاته ولاستحكمت سرائر نفاقهم وتلبد حيال ضلالة قلوبهم وكاشفوا إخوانهم بالعداوة وحاربوهم على طلب الرئاسة والتفرد بالأمر والنهي وكيف يكون التمكين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب ، كلا، فاصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
قال الإمام الصادق(ع) : كذلك القائم(عج) تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضة ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف والتمكين والأمر المنتشر في عهد القائم.
وأما العبد الصالح الخضر(ع) فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له ولا لكتاب ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبلها من الأنبياء ولا لإمامة يلزم عباده الإقتداء بها ولا لطاعة يفرضها له، بل إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من علم القائم(عج) في أيام غيبته ما يقدر وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طول عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم(عج) وليقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله حجة".
* مفهــوم الانتظــار
إن مفهوم الانتظار مرتبط ارتباطا عضويا بأصل مسألة الغيبة ومترتب عليها ولذلك لا بد أن يشكل الانتظار مفهوما حضاريا وثقافة عميقة يجب أن تدخل في تكوين عقليتنا وأصل تفكيرنا.
وإذا أردنا أن نستعرض الآراء المتعرضة لعقيدتنا في الانتظار يمكن أن نصل إلى وجود رأيين لا ثالث لهما في المقام.
الرأي الأول:
انتظار الإنقاذ في ما ليس بوسع الإنسان أن يقدمه أو يؤخره ، كما لو كان الغريق ينتظر فريق الإنقاذ إليه من الساحل ويراهم مقبلين إليه لإنقاذه فإنه من المؤكد أن الغريق لا يستطيع أن يقدم أو يساهم في وصول فريق الإنقاذ إليه إلا أن هذا الانتظار يبعث في الغريق نفسه أملا قويا في النجاة ويدخل نور الأمل على ظلمات اليأس التي تحيط به من كل جانب . وهذا الأمل يمنح الإنسان المقاومة فيواصل الغريق المقاومة حتى يصل إليه فريق الإنقاذ.
إذن هناك معادلتان في هذا النوع من الانتظار:
المعادلة الأولى: إن الانتظار يبعث على الأمل ويخترق ظلمات اليأس التي تكتنف حياة الإنسان.
المعادلة الثانية: إن الأمل يمنح الإنسان المقاومة.
الرأي الثاني:
وهو ما كان للإنسان دخالة في تحقيق ما يصبو إليه، كالشفاء من المرض أو إنجاز مشروع عمراني أو علمي، فإن كل ذلك من تعجيل هذه الأمور أو تأخيرها بيد الإنسان نفسه، فإذا ما أخذ بأسباب النجاح وسار على الدرب عجل في تحقيق ما ينتظره، وإذا أخذ بأسباب الفشل وتهاون في أداء واجبه تأخر في تحقيق ما ينتظره وبهذا التقرير يختلف أمر هذا الانتظار عن النحو الأول ، لأن بإمكان الإنسان أن يتدخل في تحقيق ما ينتظره والإسراع به أو تأجيله أو تعجيله.
ولذلك فإن الانتظار من النوع الثاني يمنح الإنسان بالإضافة إلى الأمل والمقاومة " الحركة" والإنسان إذا عرف أن نجاته وخلاصه يتوقفان على حركته وعمله وجهده فإنه سوف يبذل لخلاصه ونجاته في عمله من الجهد والحركة ما لا قبل له به من قبل.
ولكن المشكلة التي نعيشها في واقع المسلمين أنهم تعاملوا مع مفهوم الانتظار بالنحو الأول من فهم الانتظار وتعاملوا معه على أنه رصد سلبي للأحداث المتوقعة من دون أن يكون لهم دور فيه سلبا أو إيجابا ، تماما كما لو كنا نرصد خسوف القمر أو كسوف الشمس ، فتراهم يضعون كتب الأحاديث أمامهم واضعين الأحاديث التي تتحدث عن عصر الظهور تحت المجهر، ويفسرون الأحداث التي تحصل في أيامهم على تلك الروايات ويصلون إلى نتيجة أن هذه العلامة حصلت وتلك لم تحصل وهكذا ، وكأن دورهم في المقام أن يسجلوا النقاط من دون أن يكون لهم أي ارتباط وعلاقة بالأحداث التي يعيشونها.
ولكن إذا أردنا أن نفهم الانتظار فهما عميقا الذي أرادنا الله أن نفهمه ونعيشه لوجب علينا أن نتعرف على السبب الحقيقي لغيبة صاحب الأمر والزمان والسبب في تأخير فرجه الشريف.
هناك اتجاهان في المقام يتعاملان مع سبب تأخير الفرج:
* الاتجاه الأول:
أن سبب تأخير الفرج هو أن الأرض لم تمتلىء ظلما وجورا بعد، فلا بد أن يكون الانتظار هنا بمعنى الرصد، وبالتالي فلا دخل لحركة الإنسان أبدا في تعجيل فرجه، بل ربما تكون النتيجة عكسية لأن الإنسان لو مارس دوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لربما ساهم في عملية تأخير فرج صاحب الأمر لأن الإمام لن يخرج بحسب ادعائهم إلا بعد أن تملىء الأرض ظلما وجورا.
فالمنتظر على هذا الاتجاه يعيش الأمرّين، فإن أدى واجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون قد ساهم في تأخير الفرج، وإن لم يؤد دوره فإن الله سوف يعاقبه ولكن بذلك يعجل في فرج صاحب الأمر. وعليه فهو واقع بين أمرين أحلاهما مر.
ولكن لنا مجموعة ملاحظات على هذا التفكير والاتجاه
- الملاحظة الأولى: ليس معنى أن تملىء الأرض ظلما وجورا هو أن يجف نبع التوحيد والعدل على وجه الأرض ولا تبقى رقعة يعبد الناس عليها الله، فهذا أمر مستحيل وعلى خلاف سنن الله، لأن الإمام سيخرج ومعه 313 قائدا يحارب بهم،والقائد لا بد أن يكون تحت رايته أنصار وأعوان كثر . وإنما المقصود بهذه الكلمة طغيان سلطان الباطل على الحق في عملية الصراع بين الحق والباطل.
- الملاحظة الثانية: إن غيبة الإمام كانت بسبب طغيان الفساد والظلم وقلة الناصر والمعين فكيف يكون طغيان الفساد والظلم سببا لظهور الإمام وخروجه.
- الملاحظة الثالثة: إن الذي نقرأه في النصوص هو يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وليس بعد أن ملئت ظلما وجورا، إذ ليس معنى ذلك أن الإمام ينتظر أن يطغى الفساد والظلم أكثر مما ظهر إلى اليوم ليظهر، وإنما معنى النص أن الإمام إذا ظهر يملأ الأرض عدلا ويكافح الظلم والفساد في المجتمع حتى يطهره من الفساد كما امتلأ هذا المجتمع بالظلم والفساد من قبل.
· الاتجاه الثاني:
إن السبب في غيبة الإمام وتأخير الفرج هو عدم وجود الأنصار الذين يعدّون المجتمع الإعداد الفكري والعقيدي والنفسي والجهادي لظهور الإمام.
وهذا التفسير يختلف اختلافا جذريا عن الفهم السابق لأن هذا التفسير يعتمد في أسباب التأخير في الفرج الأسباب الموضوعية وفي مقدمتها عدم وجود العدد الكافي من الأنصار من الناحية النوعية والكمية.
وهذا الأمر متجانس ومتطابق كليا مع السنة الإلهية التي قال عنها الله " سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا" . هذه السنة قائمة على أن من يعمل بأسباب النصر سوف ينتصر حتى لو كان كافرا ومن لا يعمل بها سوف يهزم ولو كان على رأس القيادة نبي أو إمام معصوم ولا يشفع لنا كون القائد معصوما إذا لم نعمل بأسباب النصر، وقد حدثنا الله عن مثل هذا الأمر كما وقع للمسلمين في أحد وحنين، وكما وقع للإمام الحسن(ع) في حربه مع معاوية.
ومن جملة هذه السنن التي لا بد منها في هذه الثورة الكونية الإعداد والتوطئة قبل ظهور الإمام والنصرة والأنصار حين ظهور الإمام، ومن دون هذا الإعداد وهذه التوطئه والنصرة لا يمكن ان تتم ثورة بهذا الحجم الكبير في تاريخ الإنسان. وفيما يلي نستعرض طائفتين من النصوص تختص الأولى منهما بالإعداد والتوطئة وتختص الثانية بالأنصار والنصرة.
* جيل الموطئين:
تضافرت طائفة من النصوص الإسلامية من الفريقين الشيعة والسنة للتعرض في الحديث عن جيل الموطئين الذين يوطئون الأرض لدولة الإمام المهدي(عج).
1- روى الحاكم النيشابوري في مستدرك الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: " أتانا رسول الله (ص) فخرج إلينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلا أخبرنا به ولا سكتنا إلا ابتدأنا حتى مر فتية من بني هاشم منهم الحسن والحسين فلما رآهم ألتزمهم وانهملت عيناه ، فقلنا يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه ؟
فقال : إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ، وأنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا في البلاد حتى ترتفع رايات سود في المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه ثم يسألونه فلا يعطونه ثم يسألونه فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون، فمن أدركه منكم ومن أعقابكم فليأت أهل بيتي ولو حبوا على الثلج، فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي.
2- عن الإمام الصادق (ع) : كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه ثم يطلبونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما شاؤا فلا يقبلونه حتى يقوموا ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء.
3- روى المجلسي في بحار الأنوار: رجل من قم يدعو الناس إلى الحق يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد لا تزلهم الرياح العواصف لا يملون من الحرب ولا يجبنون وعلى الله يتوكلون والعاقبة للمتقين.
4- عن الإمام الباقر(ع) : وليس في الرايات أهدى من راية اليماني، وهي راية هدى لأنه يدعو إلى صاحبكم.
وأول ما يلفت النظر في هذا الجيل هو الصلابة والقوة والاستحكام ، فهو جيل قد تمرس بل هو صعب شديد المراس يوطئ الأرض لظهور الإمام ويواجه وحده طواغيت الأرض. ومهمة هذا الجيل هي تحدي النظام العالمي الذي صمم لخدمة القوى الكبرى ومن دار في فلكها وردود الفعل العالمية تجاه هذا الجيل كما تصرح به بعض النصوص ردود فعل غاضبة وساخطة لأن هذا الجيل يعرض المعادلات التي فرضتها القوى الظالمة لهزات عنيفة وحقيقية، حيث روى أبان بن تغلب عن الإمام الصادق(ع) : " إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل الشرق وأهل الغرب أتدري لماذا؟ قلت : لا، قال: للذي يلقى الناس من أهل بيته قبل ظهوره". وأهل بيته قبل ظهوره عادة هم الموطئون الذين يثيرون المتاعب لهذه الأنظمة والمؤسسات ويسلبون استقرارها وراحتها.
وعليه، فإن توطئة الأرض لثورة الإمام(عج) مهمة واسعة وخطيرة ومعقدة ينهض بها هذا الجيل في مواجهة عتاة الأرض، وهؤلاء العتاة يعدّون العدة جميعا في جبهة سياسية عريضة رغم كل التناقضات القائمة فيما بينهم، هي جبهة تملك الكثير من أسباب القوة من المال والسلطان السياسي والجيوش والأعلام والعلاقات والنظم، وتستخدم جميع هذه الأسباب في ضرب الصحوة الإسلامية الناشئة وإجهاضها ، ولا بد لهذا الجيل الذي ينهض بمشروع إعداد الأرض لظهور الإمام أن يواجه هذه القوة بالآلية نفسها التي تستخدمها جبهة الاستكبار العالمية وتزيد عليها بالتربية الإيمانية والجهادية والتوعية السياسية.
وعليه فإن مشروع التوطئة الذي ينهض به جيل الموطئين يتكون من بعدين:
البعد الأول: التربية الإيمانية والجهادية والتوعية السياسية.
البعد الثاني: الآلية العسكرية والاقتصادية والإدارية والإعلامية التي لا بد منها في مثل هذه المعركة.
وليس من شك في أن الفئة المؤمنة التي تعد الأرض لظهور الإمام لا بد لها من إعداد هذه القوة وإن كانت لا تستطيع أن تكافىء الجبهة العالمية المضادة. هذه الآلية السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية لا تتحقق من غير وجود نظام سياسي ودولة على وجه الأرض.وهذه هي دولة الموطئين التي وردت الروايات بالتبشير بها كثيرا. والإعداد لهذه القوة يحتاج إلى عمل وحركة في واقع الحياة ولا يغني الرصد والانتظار عنها شيئا.
* جيل الأنصار:
جيل الموطئين يسبق جيل الأنصار وأفراد هذا الجيل تلامذة الجيل الذي يسبقهم. وقد روى أيضا الفريقان ( الشيعة والسنة) بعض الروايات حول هذا الجيل وخصائصه .
- روى المتقي الهندي في كنز العمال والسيوطي فبي أنصار الإمام من الطالقان: " ويحاً للطالقان فإن لله عز وجل بها كنوزا ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال عرفوا الله حق معرفته وهم أنصار المهدي".
- وروى العلامة المجلسي في بحار الأنوار: " له كنز بالطالقان ما هو بذهب ولا بفضة، وراية لم تنشر مذ طويت ورجال كأن قلوبهم زبر الحديد لا يشوبها شك في ذات الله، أشد من الجمر، لو حملوا على الجبال لأزالوها ، لا يقصدون براياتهم بلدة إلا خربوها كأن على خيولهم العقبان، يتمسحون بسرج الإمام يطلبون بذلك البركة ويحفون به ويقونه بأنفسهم في الحروب، يبيتون قياما على أطرافهم ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل وليوث بالنهار هم أطوع من الأمة لسيدها كالمصابيح كأن في قلوبهم القناديل، وهم من خشيته مشفقون يدعون بالشهادة ويتمنون أن يقتلوا في سبيل الله، شعارهم يا لثارات الحسين ، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر ، يمشون إلى المولى رسلا ، بهم ينصر الله إمام الحق".
أصحاب الإمام شباب: روى المجلس في البحار: "أصحاب المهدي شباب لا كهول فيهم إلا كمثل كحل العين".
عدد قادة أنصار الإمام: روى المجلسي فبي البحار: " فيجمع الله عليه أصحابه وهم ثلاثماية وثلاثة عشر رجلا ويجمعهم عليه على غير ميعاد، فيبايعونه بين الركن والمقام ومعه عهد من رسول الله قد توارثه الأبناء عن الآباء.
* الدلالات والتأملات:
حينما تعبر الرواية عن أنصار الإمام بالكنوز فهذا معناه أن يكون أحدهم في بيت أحدنا أو بجواره أو في مدينته ولكننا لا نعرفهم، وقد تحتقره عيون الناس لفقر فيه ومن صفات هذا الجيل القوة والوعي والبصيرة.
ولا بد للبصيرة من قوة ، ومن دون القوة تضيع البصيرة وتخمد ولا يحمل البصيرة إلا المؤمن القوي ، ولا بد للقوة من بصيرة فإن القوة من دون بصيرة تتحول إلى لجاج وعناد واستكبار . هذه البصيرة تمنحهم عزما نافذا لا تردد فيه. ومن صفاتهم الاستماتة في طلب الشهادة وتعادل الشخصية وهذا ما عبر عنه برهبان الليل وليوث النهار.
إن الليل والنهار شطرا حياة الإنسان وهما يتكاملان، ولليل رجال ودولة، وللنهار رجال دولة، رجال النهار تنقصهم دولة الليل ورجال الليل تنقصهم دولة النهار في الدعوة إلى الله وإقامة الحق وتعبيد الناس إليه.
وأنصار الإمام المهدي(عج) رجال الليل والنهار وآتاهم الله دولة الليل والنهار ولولا أنهم رجال دولة الليل لم يتمكنوا من مواجهة طغاة الأرض بمفردهم، ولولا أنهم رجال النهار لم يتمكنوا من تطهير الأرض من لوثه الشرك وإقامة التوحيد والعدل على وجه الأرض.
ولو لم يكونوا من رجال النهار لم يحكوا التوحيد والعدل في حياة الناس، ولو لم يكونوا من رجال الليل لأخذهم الغرور وشط بهم الصراط المستقيم.
* المفهوم الصحيح للانتظار:
مر معنا أن هناك رأيين في مفهوم الانتظار ، الانتظار الواعي والانتظار غير الموجه. والثاني هو الرصد الساذج لعلامات الظهور من الصيحة والخسف وظهور السفياني والدجال ، ففي هذا النوع يكون الإنسان منتظرا لهذه الأمور بفارغ الصبر من دون أن يكون لحركته أي دور في تحقيق الواقع الذي يرغب في حصوله.
أما الأول فهو الانتظار الموجه ، وفيه العمل والحركة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والجهاد ، وهذه هي العلامة الكبرى لظهور الإمام والعامل الأكبر لذلك لأن الأمر مرتبط بسلسلة من السنن الإلهية الموضوعية في التاريخ والمجتمع، وهذه السنن لا تتحقق إلا بالعمل والحركة.
ولذلك فإن تقريب وقت الظهور يكون تابعا لحركتنا، ومن هنا فإن الروايات نفت نفيا قاطعا موعدا لظهور الإمام، فلو كانت حركة الإمام غير مرتبطة بمقدمات أفعالنا لوقت ظهوره بلا مانع في المقام.
وقد ورد عن عبد الرحمن بن كثير " كنا عند أبي عبد الله(ع) إذ دخل عليه مهزم، فقال له: جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظر متى هو ؟ فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون وهلك المستعجلون".
والمشكلة المعاصرة التي نعايشها، أننا نعيش في عصر يكثر الحديث عن ظهور الإمام ولعله لم يأت على قوم يتحدثون فيه عن عصر الظهور كما نعيشه نحن الآن، فللانتظار سمة بارزة من سمات عصرنا، ولكن للأسف لم يجر تصحيح وتوجيه على مستوى الأمة لمسألة الانتظار فترى دائما أن شغل الشاغل لشبابنا هو البحث عن ظهور الإمام وعلاماته في بطون الكتب.
والصحيح أن نبحث عن ظهور الإمام والثورة الكونية في واقع حياتنا السياسية والاجتماعية إن علامات ظهور الإمام لا تستنبطها الكتب بقدر ما نجدها في واقعنا السياسي والحضاري المعاصر في وعينا ووحدة كلمتنا وانسجامنا السياسي وتضحيتنا وقدراتنا الحركية والسياسية والإعلامية.
إن ظهور الإمام (عج) يرتبط إذن بعملنا وواقعنا وابتلاءاتنا ومحنتنا وسعادتنا وشقائنا أكثر مما يرتبط بالعلامات الكونية المذكورة في الكتب . وهذا مفهوم يجب أن نعمقه ونثبته في أذهان الأمة.
وبناء على هذا المفهوم ، ينقلب الأمر ويكون الإمام(عج) هو الذي ينتظر حركتنا ومقاومتنا وجهادنا وبالتالي فنحن نستطيع أن نوطىء لظهور الإمام بالعمل والحركة وبإمكاننا أن نؤخر ذلك بالتواكل والغياب عن الساحة الجهادية والعمل والتهرب من مواجهة المسؤوليات. وعليه يجب أن ننسف من أذهاننا مصطلحا لطالما ركزناه في أذهاننا وهو حينما نذكر الإمام المهدي نقول الإمام المنتظر- بفتح الظاء- والمتعين والواجب أن نقول الإمام المنتظر- بكسر الظاء-
ومن خلال هذه النتيجة التي توصلنا إليها نستطيع أن نفهم بعمق ووعي الأحاديث الشريفة التي نقرأها حول انتظار الفرج والتي لطالما أقلقتنا ، فقد روى عن رسول الله " أفضل أعمال أمتي الانتظار" وروى عنه (ص) : " انتظار الفرج عبادة" و روى أيضا " المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه".
فبناء على المفهوم السلبي للانتظار لا يكون معنى لهذه الأحاديث ، إذ كيف يمكن عندما نكون في أحلاس بيوتنا لا نفعل شيئا ومع ذلك يكون ذلك عبادة وجهاد وتشحط بالدم، بينما على التصور الإيجابي لمفهوم الانتظار يتوضح هذا الأمر بعمق.
وأخيرا، نصل إلى نتيجة مهمة ورائعة وهي أن الانتظار بمفهومه الإيجابي هو الذي يبعث الأمل في نفس الإنسان المنتظر ويمنحه القدرة على المقاومة والحركة وأن الإيمان بوراثة الصالحين للأرض وأن العاقبة للمتقين يمنح الصالحين والمتقين ثقة وقدرة ويثبت أقدامهم على أرض المعركة ويجعل العاقبة لهم اعتمادا على قول الله "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" ويقول "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" فهاتان الآيتان وإن كانتا واردتين في قصة موسى(ع) وفرعون لكن الإرادة الإلهية لإمامة المستضعفين مطلقة غير مقيدة بشيء إلا لاستجابة المؤمنين قوة وثقة وطمأنينة ومقاومة وصبرا وثباتا على الأذى.
وهكذا نحن إن سرنا على هذا الدرب فإن الوراثة حتما حاصلة لأن الله وعد وهو أصدق الواعدين "وكان حقا علينا نصر المؤمنين".
* المسيح ونصرة الإمام المهدي(عج)
لو لاحظنا تاريخ الأنبياء(ع) ورسالاتهم لوجدنا أن لليهود والمسيحيين ومن ثم المسلمين الدور الأكبر فيه، حيث نزلت التوراة بشكل مفصل لتبدأ مرحلة واسعة من النضج الديني في المسيرة البشرية، ولكن للأسف تعرضت هذه المسيرة للتحريف وابتليت بأدعياء العلم والدين من الكتبة والأحبار الذين انحرفوا عن جادة الدين القويمة وسيطروا على الناس باسم الشريعة والأنبياء قاتلين كل نبي يقف بوجههم حتى جاء السيد المسيح(ع) ليبدأ عهد جديد في تاريخ الأنبياء والرسالات.
ومن الملفت في بعثة السيد المسيح أمران جليان:
الأول: عدم إتيانه بشريعة مفصلة خاصة كما جاء بها موسى(ع) من قبل، بل انه اعتمد شريعته والناموس مع بعض التعديلات الطفيفة كما يتضح ذلك من القرآن الكريم والإنجيل ويؤيده الواقع، ولا غرابة في ذلك لأن الشرائع السماوية أمر واحد من مصدر واحد . يقول الله تعالى: "ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم".
وفي الإنجيل يقول المسيح لتلاميذه: "ولا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء ما جئت لأبطل بل لأكمل ، الحق أقول لكم لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء أو تزول السماء والأرض".
الثاني: قصر فترة بعثة حيث لم تتجاوز السنوات الثلاث ، فارتفع إلى السماء سريعا عندما حكم عليه رجال الدين اليهود بالقتل ولم يعد بالإمكان بقاؤه في الأرض وهنا نتساءل عن هدف بعثة السيد المسيح القصيرة ؟ وعن موقع رسالته بين رسالة موسى ورسالة النبي محمد (ص) والدور الذي قام به على الأرض قبل صعوده إلى السماء فهل يعقل أنه بعث بعد ولادة إعجازية من غير أب ، وحدث له ما حدث ، وما جرى على يديه من كرامات ومعاجز فقط ليوصي بالمحبة والسلام فقط وهما جزء صغير من تعاليم الأديان السماوية.
إن الرأي على ما نعتقده يتجه في تفسير ذلك إلى أن بعثته كانت في الحقيقة مرحلة فاصلة في الشريعة الموسوية والإسلامية بشكل يمهد فيه للإسلام ليس إلا سواء في التمهيد المباشر والتبشير بمجيء النبي محمد (ص) منا دأب الأنبياء السابقون في تبشيرهم بالأنبياء اللاحقين أم غير المباشر.
ففي التمهيد الأول جاء قوله تعالى في القرآن الكريم: " وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد ".
وقد باشر النبي عيسى(ع) بالتمهيد لذلك عبر إلغائه لشريعة الحركة الدينية اليهودية التي كان يتزعمها في ذلك الوقت الكتبة والأحبار الخارجون عن حقيقة الدين الإلهي والمستحلون للمظالم فقال للجموع ولتلاميذه كما في الإنجيل: " إن الكتبة والفريسيين على كرسي موسى جالسون فافعلوا ما يقولون لكم واحفظوه ولكن أفعالهم لا تفعلوا لأنهم يقولون ما لا يفعلون". وبجهوده الحثيثة أنقذ قسما كبيرا من بني إسرائيل وعامة الناس من هذا الدجل الديني والانحراف الذي هو أشد انحرافا مما عليه النصارى اليوم.
لقد كانت بعثة المسيح(ع) رحمة من الله ولطفا بالإنسانية جمعاء في قبال المرض اليهودي الخبيث. ولم ينته لطف الله عز وجل بعباده عند هذا الحد من إيقاف المرض والوباء اليهودي من الانتشار في التاريخ الذي جاء به المسيح وما بعده بل سبق علمه بأن الإسلام هو دينه الحق سينتشر ويعم ربوع البشرية ويصلح حاله وحال المسلمين في آخر مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني بظهور الإمام المهدي(عج) وتشكيله الدولة الإلهية العادلة في الأرض فادخر المسيح في السماء لينزل عند ظهوره الإسلام ويكون حلقة الوصل بين المسلمين والمسيحيين فيأخذ بأيدي أتباعه نحو الإسلام بعد أن يكشف لهم الحقائق ويبت بالاختلافات بين المسيحية والإسلام ويتوحد الجميع في دين إلهي واحد.
ثم إن هناك نقطة لافتة وهي أن دور المسيح الممهد لقدوم الإسلام قد جاء عبر الكتاب المقدس الإنجيل ، وكلمة الإنجيل مأخوذة من اللفظ اليوناني أو نجليون ومعناه الخبر الطيب وبشرى الخلاص ، وهذه البشارة عالمية تهم الناس جميعا وقد طلب من تلاميذه التبشير بها عالميا بقوله: " اذهبوا في العالم كله وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين".
هذه البشارة كانت بأمر عظيم بعث لأجلها السيد المسيح الذي كان لا يترك فرصة إلا ويبشر بها، وهذه البشارة هي اقتراب ملكوت الله.
ورد في الإنجيل ( متى) : "اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل وأعلنوا في الطريق إن قد اقترب ملكوت السماوات".
وجاء في إنجيل لوقا : " وأية مدينة دخلتم ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى ساحاتها وقولوا حتى الغبار العالق بأقدامنا من مدينتكم ننفضه لكم ولكن أعلموا بأن ملكوت الله قد اقترب". فورد هذا الاصطلاح 14 مرة في إنجيل مرقس و39 مرة في إنجيل لوقا و32 مرة في إنجيل متى.
وبعد ملاحظة كل هذه الاستعمالات نرى بوضوح أن المقصود من الملكوت هو " الحكم" فملكوت الله هو حكم الله وهذا ما نراه بوضوح تام في عبارة متى " ليات ملكوتك ليكن ما تشاء في الأرض كما في السماء".
هذا المعنى فهمه اليهود جيدا وظنوا أن الملكوت قريب وأحسوا بالخطر على وجودهم من قائد هذا الملكوت أي المسيح، لذلك عملوا جاهدين لقتله وجرت محاكمات من قبلهم انتهت إلى ضرورة قتله والتخلص منه قبل أن يباشر في استلام الملكوت، ولكن الله أدخر المسيح لمهمة مساندة الإمام المهدي في دوره الملكوتي فنجاه من كيدهم وشبه أحدهم به ونجاه ورفعه إلى السماء ليحفظه إلى يوم المعلوم حيث يخرج مع الإمام المهدي(عج) متكاملا معه تحت راية المهدي ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قال الله تعالى: " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم".
وهنا يمكن التساؤل عن علة هذا الرفع إلى السماء مع ما فيه من خرق للعوامل الطبيعية الذي لا يتم أساسا إلا لضرورة إلهية، فهل بالإمكان إبقاؤه على الأرض كما هو الحال في أمر الخضر(ع) الذي تجاوز عمره الآلاف من السنين وهو حي على الأرض يرزق دون أن يعرفه الناس وكذلك المهدي(عج) فلماذا لم يختف المسيح بين الناس منتظر قيام ملكوت الله مهما طال الزمن ؟
وللجواب عن هذا السؤال نلاحظ أمرين:
الامرالأول: إن ارتفاع السيد المسيح إلى السماء وانسحابه من الحياة إنما هو لإفساح المجال لمجيء نبي جديد بشر به الأنبياء ومنهم عيسى(ع) ، فلا يمكن تصور ضمن سنن النبؤات وجود رسولين من أولي العزم على الأرض في وقت واحد، وهذا مختلف في شأن الخضر لأنه ليس نبيا، بل عبد صالح وولي لله لا يتعارض وجوده مع وجود الأنبياء(ع) على الأرض كما حدث ذلك في بعثة نبي الله موسى(ع) .
الثاني: لو افترضنا إمكان وجود نبيين مرسلين على الأرض في وقت واحد يأتي السؤال عن طبيعة وجود عيسى على الأرض ، هل هو اختفاء غيبي تام لا يراه الناس ؟ أم هو اختفاء بين الناس بالصفة والعنوان مع بقائه وممارسته لحياته الطبيعية كإنسان ؟ إننا لا نعقل هذا الأمر ، لأننا نتساءل عن فائدة هذا الوجود وهذا البقاء مع استمرار صفة النبوة ومسؤولية الرسالة دون ممارسة هذا المهام.
أما ما يتعلق بالإمام المهدي فالأمر مختلف تماما حيث أنه الوصي والخليفة والسفير الإلهي في الأرض بشكل مستمر ولا يعارضه وجود سفير آخر كما هو الحال في أمر المسيح.
فاختفاء المهدي بين الناس حتى مع ممارسته لوظيفته بشكل ظاهر لا يلغي كونه الخليفة المعين والمستمر في أداء وظيفته سرا وخفاء حتى لو لم يمارس إلا حياته الشخصية منتظرا حلول وقت ظهوره وثورته ، فلا مانع من ذلك مع ملاحظة عدم وجود خليفة لله في الأرض غيره، بل أن وجوده ضروري فالأرض لا تخلو من حجة لله فيها.
وقد عبر السيد المسيح عن هذه الحالة كما في إنجيل يوحنا " وقد قلت لكم هذه الأشياء لتذكروا إذا أتت الساعة إني قلتها لكم، ولم أقلها لكم منذ البدء لأني كنت معكم، أما الآن فإني ذاهب إلى الذي أرسلني، وما من أحد منكم يسألني إلى أين تذهب، لا، بل ملأ الحزن قلوبكم لأني قلت لكم هذه الأشياء ، غير أني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أذهب ، فإن لم أذهب لا يأتيكم المؤيد.
إلى هنا نخلص إلى نتيجة مهمة وهي : أن النبي عيسى(ع) قد رفعه الله إلى السماء ليدخره ذخرا وعونا للمهدي حين يخرج ليقيم دولة الله على الأرض، وهذا الدور مهم وفعال جدا إلى درجة كبيرة وخطيرة في المقام لأن العالم المسيحي يشكل أكثر من نصف العالم ومعظم شعوب العالم التي تحكمها دول الطواغيت يتبعون فعليا الديانة المسيحية، فإذا كان قسم كبير من المسلمين سيحاربون الإمام المهدي فمن باب أولى سوف تحاربه هذه الحكومات بهذه الشعوب، فعندما ينزل المسيح من السماء معلنا صدق دعوة المهدي وانضواءه تحت راية الإسلام تجسيدا لوحدة القيادة فإنه بهذه الخطوة سوف تنسحب هذه الجماهير المضلة من راية الباطل إلى راية الحق وتنقلب الموازين لصالح الإمام المهدي(عج)
* نماذج من اخبارات غيبية بشأن المهدي(عج) مسيحية وإسلامية:
- يقول السيد المسيح فيما يروى عنه في الإنجيل متحدثا عن أبن الإنسان الذي نعتقد نحن أنه حديث عن الإمام المهدي(عج) : " وكما أن البرق يخرج من المشرق ويلمع حتى المغرب فكذلك يكون مجيء أبن الإنسان" .
- وقد ورد تشبيه مماثل عن النبي محمد (ص) حيث قال: " المهدي من ولدي … تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب ويملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا" .
- ويقول السيد المسيح: " وعلى أثر الشدة في تلك الأيام تظلم الشمس ، والقمر لا يرسل ضوءه وتتساقط النجوم من السماء وتتزعزع قوات السماوات وتظهر عندئذ في السماء آية أبن الإنسان " .
- ويضرب السيد المسيح المثل لأصحابه عن غيبة أبن الإنسان التي ستطول ويستبطأ فيها ظهوره وبعد ذلك يستمر في وصف الظهور المفاجىء لملكوت الله بعد غيبة طويلة وفوز المؤمنين حينها وهلاك الكافرين والمنحرفين فيقول: "عندئذ يكون مثل ملكوت السماوات كمثل عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس، خمس منهن جاهلات وخمس منهن عاقلات، فأخذت الجاهلات مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتا، وأما العاقلات فأخذن مع مصابيحهن زيتا في آنية وأبطأ العريس فنعسن جميعا ونمن وعند نصف الليل علا الصياح: هوذا العريس فاخرجن للقائه فقام أولئك العذارى وهيأن مصابيحهن فقالت الجاهلات للعاقلات: أعطينا من زيتكن فإن مصابيحنا تنطفىء ، فأجابت العاقلات: لعله غير كاف لنا ولكن فالأولى أن تذهبن إلى الباعة وتشترين لكن. وبينما هن ذاهبات ليشترين وصل العريس فدخلت معه المستعدات إلى ردهة العرس وأغلق الباب. وجاءت آخر الأمر سائر العذارى فقلن يا رب يا رب افتح لنا، فأجاب : الحق أقول لكن إني لا أعرفكن. فاسهروا إذا لأنكم لا تعلمون اليوم والساعة".
- وعن النبي(ص) : " … والذي بعثني بالحق نبيا لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لأطال الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل معه روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنور ربها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب" .
- وفي حديث مروي عن رسول الله في سنن أبي داود قال(ص) : " ليس بيني وبينه نبي وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض وبين ممصرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويهلك المسيح الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون.
|