الامام موسئ الكاظم ع.س

   
 


 

 

الصفحة الرئيسية

أسئلة ومراسلة لسماحة الشيخ

الامام علي بن أبي طالب

Guestbookتعليق الزوار

القرآن الكريم

تأملات قرآنية

العقائد

عباد الرحمن

العرب قبل الاسلام

قرأت لك كشكول

أسماء الله الحسنى

الأئمة الاثنى عشر

الأمام الحسن عليه السلام

الامام الحسين عليه السلام

الامام زين العابدين ع.س

الامام محمد الباقر ع.س

الامام جعفر الصادق ع.س

الامام موسئ الكاظم ع.س

الامام علي الرضا ع.س

الامام الجواد عليه السلام

الامام الهادي عليه السلام

الامام الحسن العسكري ع.س

الامام المهدي عجل الله فرجه

صور من وحي الاسلام

توقعات عن الامام المهدي

 


     
 

* مقدمة:

         هو الإمام السابع من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

 ولد الإمام موسى بن جعفر(ع) أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي عرف بحقده الشديد علىآل البيت(ع)  في السابع من شهر صفر سنة 128 هـ.

        

عاش الإمام الكاظم(ع) في كنف أبيه، وتعلم في مدرسته العلمية الكبرى التي توافد عليها العلماء والفقهاء والفلاسفة والمحدثون ، فورث علوم أبيه، وتشبع بروحه وأخلاقه وشب على صفاته وخصائصه فكان مثالا في الخلق الرفيع وفي الزهد والصبر ، ومثلا أعلى في الثبات والشجاعة ومقارعة الطغاة، فكانت حياته في ظل أبيه حياة تربية واقتباس، وحياته بعد أبيه امتدادا واستمرارا لمسيرة أهل البيت النيرة في العلم والعمل والجهاد والقيادة والإمامة. ولجلال قدره وسمو صفاته وكمال ذاته لقب بالعبد الصالح وزين المجتهدين لكثرة عبادته وتهجده، بالكاظم لشدة تحمله وصبره على الأذى وكظمه للألم والغيظ.

 

         فرضت الظروف السياسية الصعبة التي عاشها الأئمة من قبل ممارسات العباسيين الجائرة بقاء تعيين الإمام اللاحق من قبل الإمام السابق مجهولا بالنسبة لجمهور المسلمين، فقد عانى الإمام الصادق(ع)  من الخليفة العباسي المنصور المر والظلم بحيث وصل الأمر معه أن قتل الإمام الصادق(ع) وأصر على معرفة  الإمام الذي يليه ليقتله حتى يهنأ بخلافته ويأمن من ثورات العلويين ، وقد أدرك الإمام الصادق (ع) بعلمه وحكمته هذا الموقف من المنصور العباسي، فاتخذ موقفا محنكا ضيع من خلاله  خطةالمنصور وأفشلها. فقد ورد أن المنصور كتب إلى واليه على المدينة المنورة فور وصول نبأ استشهاد الإمام الصادق(ع) إن كان قد أوصى إلى رجل بعينه فقدمه واضرب عنقه، فرجع الجواب من والوالي أنه أوصى إلى خمسة: أبي جعفر المنصور (الخليفة) ومحمد بن سليمان (الوالي) وولديه عبد الله وموسى وزوجته حميدة. فقال الخليفة: إذا كان ذلك فليس إلى مثل هؤلاء من سبيل.

 

         ومن هذه الوصية نستكشف أن الإمام الصادق(ع) كان يقدر حراجة الموقف ويخاف على خليفته من أولئك الطغاة ، فصاغ وصيته على هذا النحو وأخبر ثقاة أصحابه بخليفته الشرعي وأوصاهم بالتكتم حتى عن عامة الشيعة ريثما يتهيأ الجو المناسب.

 

         ولعله لم يأت على أهل البيت(ع) وأتباعهم أصعب من هذا الظرف، حيث عاش سواد الناس الضياع  من عدم معرفتهم شخصية الإمام المفترض الطاعة، ولا جل ذلك نرى أن البعض من أولاد الإمام الصادق(ع) والبعض من المنحرفين الذين ادعوا أن الخلافة ليست متعينة في الإمام موسى بن جعفر، بل إنها متعينه في إسماعيل بن جعفر، والبعض الآخر ادعى الخلافة لعبد الله بن جعفر الملقب بالأفطح.

         وقد ابتلى المسلمون بإسماعيل ، وكان على قدر من العلم والمهابة، فظن البعض أن الإمامة متعينة فيه، ولكنه توفي في حياة أبيه، وقد علم الإمام بموقف هؤلاء وادعائهم حياة إسماعيل وأنه ما زال حيا يبعث، ولذلك وطبقا لما تشير إليه الروايات ، فإن الإمام الصادق(ع) أدخل شيعته على إسماعيل ليشاهدوه وهو ميت، بل وأكثر من ذلك فإن الإمام(ع) رفع وهم هؤلاء وإسماعيل على قيد الحياة، فتروي الرواية أن إسحاق بن عمار الصيرفي قال: " كنت بين يدي الإمام الصادق(ع) فأشرت إلى إمامه ولده إسماعيل من بعده فأنكر ذلك".

 

         ولكن الإمام الصادق(ع) لم يكتف برفع الوهم ، بل عين خليفته أمام  ثقاة شيعته الذين يحفظون السر ويكتمون الأمر؟، ومن هؤلاء علي بن جعفر حيث قال: " سمع جعفر بن محمد (ع) يقول لجماعة من خاصته وأصحابه " استوصوا بإبني موسى هذا خيرا، فإنه أفضل ولدي، ومن أخلف من بعدي وهو القائم مقامي، والحجة لله تعالى على كافة خلقه بعدي".

 

         وهناك رواية تلخص كل الواقع الأليم الذي عاشه الإمام الكاظم ومحنته وضياع الناس في تحديدهم لمن يرجعون إليه، وكل ذلك بسبب الظلم الشديد الذي كانوا يعيشونه، فيروي هشام بن سالم فيقول: " كنا في المدينة بعد وفاة أبي عبد الله(ع)  أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر على أنه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه والناس عنده فسألناه عن الزكاة في كم تجب ؟ فقال : في مائتي درهم خمسة دراهم، فقلنا له: ففي مائة قال: درهمان ونصف ، قلنا: والله ما تقول المرجئة هذا، فقال: والله ما أدري ما تقول المرجئة. ومضى يقول: فخرجنا من مجلسه ضلالا، لا ندري إلى أين نتوجه، وإلى من نقصد، فبينما نحن كذلك وإذا برجل شيخ لا أعرفه يوحي إلي بيده، وخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور وقد كان له في المدينة جواسيس، يتحرون له من يجتمع الناس عليه بعد جعفر بن محمد(ع)  ليأخذوه ويضرب عنقه، فخفت أن يكون منهم ، وقلت للأحول : تنح فإني خائف على نفسي وعليك وهو لا يريد سواي، فتنحى الأحول عني بعيدا وتبعت الشيخ لظني بأني لا أقدر على التخلص منه ، فما أسير معه، وفي ظني أني أسير إلى الموت، حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى(ع) ثم تركني ومضى فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل رحمك الله، فدخلت ، فإذا أبو الحسن(ع)  فقال لي ابتداء منه إلى: لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى المعتزلة ولا إلى الزيدية،  فقلت له: جعلت فداك ، مضى أبوك، فقال نعم، قلت مضى موتا، قال نعم، فقلت له: جعلت فداك فمن لنا من بعده، قال: هداك الله إلى ما تريد؟ قلت: جعلت فداك إن عبد الله أخاك يزعم أنه الإمام بعد أبيه، فقال(ع)  : إن أخي عبد الله يريد أن لا يعبد الله، قلت: جعلت فداك، فمن بعد أبيك، فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك فأنت هو، قال: لا أقول ذلك، فقلت في نفسي لم أحب طريق المسألة، قلت له: عليك إمام، فقال: لا، فدخلني منه شيء لا يعلمه إلا الله إعظاماً وهيبة ثم قلت له: جعلت فداك، أسألك كما كنت أسأل أباك، قال: تخير ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، فسألته فإذا هو بحر لا ينزف ، ثم قلت له: إن شيعة أبيك في ضلال، فألقي إليهم هذا الأمر وأدعوهم  إليك فقد أخذت علي الكتمان ؟ قال: من أنست منهم رشدا فألق إليهم وخذ عليه الكتمان، فإن أذاع فهو الذبح، وأشار بيده إلى حلقه".

 

* مواجهة الانحرافات والأخطار:

         من  أهم الواجبات الملقاة على عاتق الأئمة الأطهار(ع)  مواجهة العقائد المنحرفة والتوعية العقائدية، وأن يعالجوا النزعات الشعوبية والعنصرية والنحل الدينية.

 

         استمر الإمام موسى الكاظم(ع)  يعمل على نفس المحاور التي كان يعمل بها أبوه الإمام الصادق(ع)  من خلال تكامل الأدوار في مواجهة المجتمع، لذلك نراه مستمرا في التخطيط الفكري والتوعية العقائدية ومواجهة الانحراف التي كانت تحصل في المجتمع الإسلامي كنتيجة حتمية للانحراف الحاصل في رأس السلطة التنفيذية  واندساس  عناصر مغرضة ومنافقة حتى غزا الإلحاد المجتمع الإسلامي.

 

         إذاً، كانت من أخطر تلك الدعوات المحمومة هي الدعوة إلى الأفكار الإلحادية والتي أخذت تنشط وتبث سمومها في نفوس الناشئة الإسلامية.

 

         وكان موقف الإمام موسى(ع)  من هذه الدعوى موقف المتصدي والناقد لها بالأدلة العلمية الرصينة وتبيان تهافتها وبعدها عن المنطق الواقعي، حتى اعترف قسم كبير من حملة  تلك المبادىء بخطئهم وفساد اتجاههم، حتى دان بها قسم كبير من المسلمين، وقد ثقل هذا الأمر على المسؤولين، لأن ذلك يؤدي إلى بروز الفكر الطاهر لآل البيت (ع)  واضمحلال وجود الظالمين، فتصدوا لهم بالاضطهاد والتنكيل ومنعوهم من الكلام في مجالات العقيدة ، مما اضطر الإمام موسى(ع)  أن يبعث إلى هشام وهو من أبرز علماء العقيدة الإسلامية وأذكاهم أن يكف عن الكلام نظرا لخطورة الموقف، فكف هشام عن ذلك حتى مات الخليفة العباسي المهدي.

 

* ومن المناظرات التي كانت تحصل بين الإمام والمنحرفين:

1- إن قوما زعموا أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فقال(ع): إن الله لا ينزل ولا يحتاج أن ينزل، لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب، ويحتاج إليه كل شيء، وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم، أما قول الواصفين له بأنه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة ، وكل متحرك يحتاج إلى من يحركه أو يتحرك به، فمن ظن بالله الظنون فقد هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه بنقص أو زيادة أو تحريك أو تحرك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود ، فإن الله سبحانه عز وجل عن صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين.

 

2- سأل رجل الإمام الكاظم(ع)  عن قوله تعالى: " ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " قال: أرى هاهنا خروجا عن حجب وتدليا إلى الأرض، وأرى محمدا رأى ربه بقلبه ونسب إلى بصره فكيف هذا ؟ فقال أبو إبراهيم(ع): دنا فتدلى فإنه لم يزل عن موضع ولم يتدل ببدن ، فقال عبد الغفار: أصفه بما وصف به حيث قال: دنا فتدلى، فلم يتدل عن مجلسه إلا وقد زال عنه ولولا ذلك لم يصف بذلك نفسه، فقال أبو إبراهيم(ع): إن هذه لغة قريش إذا أراد رجل أن يقول قد سمعت يقول: قد تدليت وإنما التدلي هو الفهم.

 

3- وفي معرض إجابته عن شبهة جبر الإنسان، روى الرواة عن الإمام العسكري(ع)  : أن أبا الحسن موسى بن جعفر قال: إن الله خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون، فأمرهم ونهاهم ، فما أمر به من شيء فقد جعل لهم  السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بأذنه، وما جبر الله أحدا من خلقه على معصيته، بل أختبرهم بالبلوى كما قال : ليبلوكم ايكم أحسن عملا".

 

* دور الإمام في توعية الأمة:

         لعله من أهم التكاليف التي كانت ملقاة على الإمام الكاظم(ع)  هي مهمة توعية الأمة والأخذ بيدها نحو بر الأمان، لذلك كانت مهمته تقتضي الإشراف المباشر على قواعده الشعبية ومواليه والتنسيق معها في اتخاذ المواقف السلبية تجاه الحكم لإضعافه سياسيا ومقاطعته وحرمة الاتصال به وعدم الترافع إلى مجالس قضائه تمهيدا لإسقاطه وإزالة وجوده سياسيا.

 

         لذلك نرى الإمام الكاظم(ع)  يحرص على إبعاد مواليه ومحببيه عن أجواء العباسيين ليمارس عليهم الضغط النفسي ويسحب من أيديهم شرعية النظام.

 

         وقد تجلى هذا الموقف في حواره مع أحد أصحابه، وكان يدعى صفوان الجمال، إذ قال مرة: يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا. فأجاب صفوان: جعلت فداك أي شيء ؟ فقال(ع)  : كراؤك جمالك من هذا الطاغية ( يعني هارون الرشيد ).

 

-    فقال صفوان: والله ما أكريته أشرا ولا بطرا ولا للصيد ولا للهو، ولكن اكريته لهذا الطريق ، يعني طريق الحج. ولا أتولاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.

-         فقال له الإمام(ع)  : يا صفوان، أيقع كراك عليهم ؟

-         فقال  صفوان: نعم، جعلت فداك.

-         فقال الإمام(ع)  : أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك ؟

-    فقال صفوان: نعم، فقال الإمام(ع): من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان واردا النار. فما كان من صفوان إلا أن باع جماله، وطالبه هارون، فأجابه صفوان أنه لم يعد قادرا على ذلك، ولكن هارون بدهائه لم يقتنع بذلك، وعرف السبب ولكنه قال له لولا حسن صحبتك لنا لكان لنا موقف آخر.

 

         واستمر الإمام(ع) يعرب عن نقمته وسخطه الشديدين على حكومة هارون، ودعوته إلى حرمة التعاون معهم بأي لون كان، وقد منع(ع)  الركون إليهم مستشهدا بقوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار".

 

         وقد حرم على المسلمين الميل إليهم، وضرورة مقاطعتهم حتى لو كان ذلك مستندا إلى بعض المصالح الشخصية، وحذر أصحابه من الدخول في سلك حكومة هارون أو القبول لأي وظيفة من وظائف الدولة، فقال لزياد بن أبي سلمة " يا زياد، لان اسقط من شاهق فانقطع قطعة قطعة أحب إلي من أن أتولى لهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم ".

 

         ولكن هذا الموقف السلبي من الدولة ، لم يكن ليمنع الإمام من أن يرخص لبعض أصحابه ليكون في خدمة السلطان ، ولكن من أجل قضاء حوائج المؤمنين، والاطلاع عن قرب على ما يدور في خلد العباسيين ومكائدهم. فقد استثنى الإمام الكاظم(ع)  علي بن بقطين أحد كبار أصحابه أن يتولى منصب الوزارة أيام هارون الرشيد، ومن قبلها منصب الأزمة أيام المهدي العباسي، وقد تقدم علي بن بقطين إلى الإمام الكاظم يطلب منه الإذن في ترك منصبه والاستقالة منه ، فنهاه الإمام(ع) عن ذلك وقال له: " لا تفعل، فإن لنا بك أنسا، ولإخوانك بك عزا، وعسى الله أن يجبر بك كسيرا أو يكسر بك ثائرة المخالفين عن أوليائه، يا علي ! كفارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم، أضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثة، ، اضمن  لي أن لا تلقي أحدا من أوليائنا إلا قضيت حاجته وأكرمته وأضمن لك أن لا يظلمك سقف سجن أبدا، ولا ينالك حد السيف أبدا ولا يدخل الفقر بيتك أبدا يا علي ! من سر مؤمنا فبالله  بدأ وبالنبي وبنا ثلث.

 

         وقد حرص الإمام الكاظم(ع)  على حماية علي بن بقطين أشد الحرص، ولذلك تراه يكلفه تكليفا شرعيا بمخالفة بعض الأحكام الشرعية حفاظا على سلامته، وإنقاذا  له من بعض الورطات.

 

فقد ورد أن الرشيد ، قد أهدى علي بن بقطين ثيابا أكرمه بها، وكان علي إذا أهدى إليه الرشيد هدية من ثياب ونحوها ، قدمها إلى الإمام ، وكان من جملة ما أهداه الرشيد دراعه خز سوداء من لباس الملوك مطرزة بالذهب ومبلغا من المال، فلما وصل ذلك إلى الإمام(ع)  قبل المال ورد الدراعة على يد الرسول لعلي بن بقطين، وكتب إليه أن احتفظ بها ولا تخرجها من يدك فسيكون لك بها شأنا تحتاج إليها معه، فارتاب بردها ولم يدر ما السبب في ذلك.

 

وبعد أيام ، تغير حال غلام له كان يتولى خدمته ويعرف ميوله إلى الكاظم(ع)  ، وما كان يحمله إليه من الأموال والهدايا، فسعى به الغلام إلى الرشيد، وأخبره بأنه يقول بإمامته ، ويحمل إليه خمس ماله كل سنة، وقد أرسل إليه فيما أرسله الدراعة التي أكرمته بها، فاستشاظ الرشيد غضبا، وقال لاكشفن هذا الأمر، فإن صح عليه ذلك أزهقت نفسه، واستدعاه إليه في الحال، فلما مثل بين يديه قال له: ما فعلت بالدراعة التي كسوتك بها، فقال يا أمير المؤمنين هي عندي في سفط مختوم فيه طيب قد احتفظت بها، كلما أصبحت فتحت السفط ونظرت إليها تبركا بها وقبلته ثم رددتها إلى موضعها، فقال له الرشيد: عليك أن تحضرها الساعة، فاستدعى بعض خدمه وقال : امض إلى البيت الفلاني في داري وخذ مفتاحه من خازني وافتحه ثم افتح الصندوق وجئني بالسفط الذي فيه ختمي، فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوما فوضعه بين يدي الرشيد ففتحه ووجد الدراعة فيه بحالها مدفونة بالطيب، فسكن غضب الرشيد وقال: ردها إلى مكانها وانصرف راشدا فلن أصدق عليك بعد اليوم ساعيا وأمر بضرب الساعي ألف سوط ، فمات تحت السياط.

 

وفي حادثة ثانية تستكشف مدى حرص الإمام على حياة علي بن بقطين: إن عليا استفتى مرة الإمام الكاظم بعدما كثر الكلام في الوضوء هل يمسح على القدمين أم يغسل، فجاءه الرد من الإمام (ع)  يأمره بغسل الرجلين في الوضوء بدلا من مسحها ، فتعجب من ذلك لأنه خلاف ما يعهده من مذهب أهل البيت(ع)  ولكنه التزم بما أمره به في الوضوء ، وبعد ذلك بأيام ، وشى به أحد خصومه إلى الرشيد وقال له: إنه رافضي يخالفك في المذهب ويقول بإمامة موسى بن جعفر، فقال لبعض خاصته: لقد كثر القول في علي بن بقطين وميله إلى الرفض، ولست أرى في خدمته تقصيرا وقد امتحنته مرارا فلم أقف منه على شيء ، فقيل له: إن الرافضة تخالف الجماعة في الوضوء فتخففه ولا ترى غسل الرجلين فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه فاستحسن الرشيد هذا الرأي وتركه مدة ثم كلفه بعمل معه في داره، وكان إذا اشتغل في الدار يخلو إلى حجرة فيه لوضوئه وصلاته ، فلما دخل وقت الصلاة، ووقف الرشيد يترصده كيف يتوضأ من حيث لا يراه فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه وخلل شعر لحيته ثم غسل يديه إلى المرفقين ومسح رأسه وأذنيه وغسل رجليه ثلاثا كما أمره الإمام في كتابه، هذا والرشيد ينظر إليه، فلما رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه، وناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنك من الرافضة، وبعد ذلك كتب إليه الإمام يأمره بأن يعود إلى ما كان عليه من وضوئه بمسح القدمين.

 

* موقف الإمام من السلطة الحاكمة وكيفية مواجهتها:

         واجه الإمام الكاظم(ع)   منذ اللحظة الأولى لتسلمه الإمامة السلطة الحاكمة بخطط متقنة وحكيمة ورسم لنفسه أساليب العمل وسار عليها من اجل الوصول إلى الهدف المنشود.

 

         فعلى صعيد علاقته مع الجماهير في المواجهة مع السلطة سلك طريقين أولاهما الطريقة السلبية التي تحدثنا عنها والتي تمثلت في أمره لقواعد ومواليه  والمرتبطين به بمقاطعة الحكم وتجنب أي معاملة معهم على أي مستوى من المستويات. وهذه المعارضة السلبية أسست بعيدا عن أعين السلطة ورقابتها جيلا جماهيريا وقوة كبيرة حتى صار من العسير إرغام معتنقيه وإخضاعهم إلى رغبات السلطة، حتى اضطر المأمون العباسي كما في عهد أبن الإمام الكاظم(ع)  الإمام الرضا(ع)  لأنه غير قادر على مواجهة العلويين، فسعى إلى مكيدة ولاية العهد.

        

وبهذا الأسلوب من العمل السري يؤكد الإمام(ع) حقه في الحكم ويعمل على صيانة أصحابه وقواعده من الاندماج في الوضع الفاسد والإشراف  عليهم، والتخطيط لسلوكهم وتنمية وعيهم وإمدادهم بكل أساليب الصمود والارتفاع بهم إلى مستوى الطليعة الواعية الفاهمة لدورها ورسالتها.

        

ولكن كأي عمل جهادي في حركة الصراع يكون هناك اختلاف في التعاطي مع واقع الأمر يمكن للقائد أن يكون في حلبة الصراع والمواجهة باعتبار أنه قائد فيواجه خصومه فكريا وسياسيا، وفي الوقت نفسه يمكن أن يخفي حركته السرية التي تقوم على مبدأ الاستنهاض والتعبئة. وهذا ما فعله الإمام الكاظم(ع)  فقي الوقت الذي كان يعبىء فيه الأمة ويوجهها بعيدا عن أعين السلطة كان يواجه رأس الهرم فبي الخلافة لأنه لا يمكن للإمام أن يخفي هذه الحقيقة ، فهو يعلم ، والعباسيون يعلمون أنه هو صاحب الحق وأنه الإمام المفترض الطاعة، فلذلك  ، فليس هناك من حاجة إلى التعمية على هذه الحقيقة.

         وعليه، فقد واجه الإمام طواغيت عصره بكل جرأة من دون أن تعكس هذه المواجهة أي رد سلبي وخطر على قواعده، لأنه بالأساس أخفاها عن أعين السلطة.

 

         وفي هذا المجال يروي لنا التاريخ مناقشات حامية كان يسعى من خلالها العباسيون إلى تكريس خلافتهم ، والإمام يبطل كل هذه الأداحيض الباطلة القائمة على إثبات أقربيتهم لرسول الله (ص) . فقد جرت محاججة مع هارون الرشيد وهو في مرقد النبي (ص) أمام حشد غفير من الأشراف وقادة الجيش وكبار الموظفين في الدولة، فقد أقبل هارون بوجهه على الضريح المقدس قائلا: " السلام عليك يا أبن العم" معتزا ومفتخرا على غيره بصلته بالنبي (ص) وأنه إنما نال الخلافة لقربه من رسول الله (ص). وكان الإمام (ع)  آنذاك حاضرا، فسلم على النبي (ص) قائلا: السلام عليك يا أبت ففقد الرشيد صوابه واستولت عليه موجات من الغضب، فقال له بنبرات تقطر غضبا وحقدا " لم قلت أنك أقرب إلى رسول الله منا " فأجابه الإمام الكاظم(ع)  قائلا: " لو بعث رسول الله (ص) حيا وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك ؟ فقال هارون : سبحان الله! وكنت أفتخر بذلك على العرب والعجم ! فانبرى الإمام(ع)  قائلا: " ولكنه لا يخطب مني ولا أزوجه لأنه والدنا لا والدكم، فلذلك نحن أقرب إليه منكم "

 

         وفي موقف آخر، حينما سأله هارون عن فدك وحدودها لكي يرجعها إليه، فأبى أن يأخذها إلا بحدودها. فقال هارون : ما حدها ؟ فقال(ع)  : إن حددتها لم تردها ؟! فأصر الرشيد عليه أن يبينها له، ولم يجد الإمام(ع) بدا من إجابته، فقال له: " أما الحد الأول فعدن"، فلما سمع الرشيد ذلك تغير وجهه، واستمر الإمام(ع) في بيانه قائلا  " والحد الثاني سمرقند" فاربد وجه هارون، واستولت عليه موجة من الغضب الهائل،  " والحد الثالث أفريقيا " فاسود وجه هارون وقال بنبرات تقطر غيظا " هيه " وانطلق الإمام يبين الحد الأخير قائلا: " والحد الرابع فسيف البحر مما يلي الجزر وأرمينية" . فثار الرشيد ولم يملك أعصابه قائلا: لم يبق لنا شيء. فأجابه الإمام: " قد علمت أنك لا تردها".

 

* مناظرته مع أبي حنيفة وهو صغير السن:

         روى أبو حنيفة فقال: حججت في أيام أبي عبد الله الصادق(ع) فلما  أتيت المدينة دخلت داره وجلست في الدهليز انتظر إذنه إذ خرج صبي فقلت : أين يحدث الغريب إذا أراد ذلك ؟ فنظر إلي ثم قال: " يتوارى خلف الجدار ، ويتوقى أعين الجار، وشطوط الأنهار ومساقط الثمار، واقنية الدور، والطرق النافذة، والمساجد، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ويرفع ثوبه ويضع بعد ذلك حيث شاء. ومضى أبو حنيفة يقول: فلما سمعت منه ذلك نبل في عيني وعظم في قلبي، فقلت له: جعلت فداك ممن المعصية ؟ فنظر إلي وقال: " اجلس حتى أخبرك ، فجلست مصغيا إليه فقال : إن المعصية لا بد أن تكون إما من العبد أو من ربه أو منهما جميعا، فإن كانت من الله فهو أعدل وأنصف من أن يظلم، ويأخذه بما لم يفعله، وأما إن تكون منه ومن العبد ، وهو أقوى الشريكين، والقوي أولى بأنصاف عبده الضعيف والعفو عنه ، وإن كانت من العبد وحده وهو كذلك فعليه وقع الأمر وإليه توجه النهي ، فإن عفا عنه فبكرمه وجوده، وإن عاقبه فبذنبه وجريرته".

         ثم إن أبا حنيفة قال: فاستغنيت بما سمعت من الغلام وانصرفت من دون أن ألقى أبا عبد الله(ع)  وقلت: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.

 

* من حكمه وكلماته القصار:

تعتبر كلمات الأئمة الأطهار(ع)  وصايا إلهية نظرا لكونهم قد ذابوا في الله فلم يعد يعنيهم إلا الإخلاص لله والصدق للناس ، لذلك فإن العاقل العاقل هو من يتتبع كلماتهم ويسترشد بكلماتهم ويستهدي بهم. وفيما يلي بعض ما ورد عن الإمام الكاظم من روائع:

 

من وصية لبعض ولده:

 " يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها، وإياك أن يفقدك عند طاعة أمرك بها، ولا تخرجن نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يعبد حق عبادته، وإياك والمزاح فإنه يذهب بنور إيمانك ويستخف مرؤتك وإياك والضجر والكسل، فإنهما يمنعان حظك من الدنيا والآخرة.

 

وجاء في وصية رائعة لهشام بن الحكم:

-    "يا هشام! لو كان في يدك جوزة وقال الناس في يدك لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس أنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة .

-    يا هشام! ما من عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله، إن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك، إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد بما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يتقدم على ما يخاف العجز منه، الغضب مفتاح الشر، واكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وإن خالطت الناس ، فإن استطعت أن لا تخالط أحدا منهم إلا من كانت يدك العليا عليه فافعل.

-    يا هشام! عليك الرفق فإن الرفق يمن، والخرق شؤم، وأن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الرزق، إن قول الله: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان يجري في المؤمن والكافر والبر والفاجر، من صنع إليك المعروف، فعليك أن تكافأه، وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى يكون لك الفضل، فإن صنعت كما صنع فإن الفضل له بالابتداء.

-    يا هشام ! ليس حقا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل عملا حسنا استزاد منه وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إيه ، وإياك ومخالطة الناس والإنس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا، فانس من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح الذل واختلاس العقل واختلاف المروءات وتدنيس العرض، وجاهد نفسك لتردها عن هواها فإنه واجب عليك كجهاد عدوك، ومن أكرمه الله بثلاث فقد لطف به: عقل يكفيه مؤونة هواه، وعلم يكفيه مؤونة جهلة ، وغنى يكفيه مخافة الفقر".

-         إياك أن تمنع في طاعة الله فتنفق مثليه في معصية الله.

-         المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في ابتلائه.

-         ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى.

-         لا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر فإن من حدث نفسه بالفقر يبخل ومن حدثها بطول العمر يحرص.

-    اجعلوا لأنفسكم  حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال وما لا يثلم المروءة ، وما لا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين ، فليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه .

-         كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون.

-         ينادي مناد يوم القيامة ألا من كان له على الله أجر فليقم ، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح فأجره على الله.

-    السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يتخلى الله عنه حتى يدخله الجنة، وما زال أبي يوصيني بحسن بالسخاء وحسن الخلق حتى مضى.

-    تفقهوا في الدين، فإن التفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة ، والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب, ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا.

-    وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك.

-         وقال (ع)  عند قبر حضره: " إن شيئا هذا آخره  لحقيق أن يزهد في أوله، وإن شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره".

-    اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات.

-    لا تكن إمعة فتقول: أنا مع الناس، إن رسول الله (ص) قال: إنما هما نجدان ، نجد خير ونجد شر، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير.

-    من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يومه شرهما فهو ملعون، ومن لا يعرف الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان ، ومن كان إلى النقصان، فالموت خير له من الحياة.

-         عونك للضعيف من أفضل الصدقة.

-    لا تستكثروا كثير الخير، ولا تستقلوا قليل الذنوب ، فإن القليل من الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا، وخافوا في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف.

 

ومن روائع ودرر الوصايا التي ينبغي لكل عاقل متدبر متفكر، ولكل من يريد أن يأخذ بيده نحو الله تعالى، عليه أن يقرأ ويتدبر ويتفكر ويتأمل بعمق شديد وصية الإمام الكاظم(ع)  لأحد أعاظم أصحابه هشام بن الحكم، ونحن نذكر هنا بعضا منها:

 

-    يا هشام! إن لقمان قال لأبنه تواضع للحق تكن أعقل الناس، وإن الكيس لدى الحق يسير، يا بني إن الدنيا  بحر عميق قد غرق فيها عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل، وقيمتها العقل، ودليلها العلم وسكانها الصبر.

-    يا هشام ! إن لكل شيء دليلا ، ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية ومطية العقل التواضع ، وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.

-         يا هشام ! ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة ، أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة .

-    يا هشام ! إن لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول.

-         يا هشام ! إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.   

-    يا هشام ! من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه  فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.

-      يا هشام! ّ إن العالم رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا فلذلك ربحت تجارتهم.

-    يا هشام ! إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وأخرته.

-    يا هشام ! إن أمير المؤمنين(ع)  كان يقول: إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن  لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق. إن أمير المؤمنين (ع)  قال: لا يُجلس في صدر المجلس إلا رجلا فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن ،  فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس فهو أحمق.

 

* شهادة الإمام الكاظم(ع):

         عمل هارون الرشيد بكل ما يملك من وسائل للتخلص من الإمام الكاظم(ع) ذلك أن اتساع نفوذ الإمام(ع) والتفاف الناس من حوله كان يغضب الرشيد خصوصا عندما يرى تعلق قلوب الناس به ومقدار عظمته في نفوسهم، لذلك باءت أكثر محاولات الرشيد بالتضييق عليه تارة وتدبير اغتياله تارة أخرى بالفشل، فلم يجد الرشيد طريقة لحماية سلطانه غير وضع الإمام(ع)  في السجن, وكما في بعض الأخبار أن الرشيد حج في إحدى السنوات فبدأ بقبر النبي (ص) فقال: يا رسول الله إني أعتذر إليك من شيء أريد أن أفعله أريد أن أحبس موسى بن جعفر، فلقد بلغني أنه يدعو الناس لنفسه يريد تشتيت أمتك وسفك دمائها وبذلك حاول أن يمارس الدعاية الإعلامية أمام الناس ليطبق خطته قاصدا من ذلك تعبئة الرأي العام ضد الإمام.

 

         وفعلا ، أمر الرشيد بالقبض على الإمام وإرساله إلى البصرة، وكان واليها في ذلك الوقت عيسى بن جعفر بن المنصور، فحبسه عيسى حوالي سنة ثم كتب إلى إلى الرشيد أن خذه مني وسلمه لمن شئت وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك حتى أني لأتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك فما اسمعه يدعو إلا لنفسه، يسأل الله الرحمة والمغفرة. فوجه الرشيد من يتسلمه وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد فبقي الإمام عنده مدة طويلة، وتأثر الفضل بشخصية الإمام ورفض أمر الرشيد بقتله ، فكتب إليه الرشيد بنقله إلى الفضل بن يحي، وطلب منه الرشيد تدبير اغتياله فرفض وقد أحسن الفضل بن يحي معاملة الإمام(ع) مما حدا بالرشيد أن يأمر بنقله إلى رئيس الشرطة السندي بن شاهك وأمره بمعاقبة الفضل بن يحي.وهكذا لم يجد الرشيد في أنصاره وحاشيته أفضل من مدير شرطة السندي بن شاهك الذي كان فظا غليظا القلب الذي وضع الإمام في السجن، وأرهقه بالسلاسل والقيود وعامله معاملة خشنة وقاسية.

 

         وحينما بلغ يحي بن خالد خبر أبنه الفضل شق عليه موقف الرشيد من الفضل وضربه وأهانته فأراد أن يسترضي الرشيد ويستميله ويرد اعتبار الأسرة عند الحاكم العباسي ، فلم ير ثمنا لشراء هذا الرضا الرخيص إلا دم الإمام موسى الكاظم(ع)  الطاهر، فاستأذن الرشيد وأنطلق إلى بغداد واجتمع مع السندي بن شاهك وقدم له صورة المخطط وكيفية تنفيذ الجريمة، فأجابه  طائعاً، فدس السم في رطب قدمه للإمام(ع)  الذي تناوله. ومعه كانت خاتمة حياته الشريفة بعد ثلاثة أيام من تناوله فاستشهد في 25 من شهر رجب سنة 183 هـ. 

 فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.    

    

     

 

 

 
 

Today, there have been 82 visitors (85 hits) on this page!

 

 
This website was created for free with Own-Free-Website.com. Would you also like to have your own website?
Sign up for free