الامام زين العابدين ع.س

   
 


 

 

الصفحة الرئيسية

أسئلة ومراسلة لسماحة الشيخ

الامام علي بن أبي طالب

Guestbookتعليق الزوار

القرآن الكريم

تأملات قرآنية

العقائد

عباد الرحمن

العرب قبل الاسلام

قرأت لك كشكول

أسماء الله الحسنى

الأئمة الاثنى عشر

الأمام الحسن عليه السلام

الامام الحسين عليه السلام

الامام زين العابدين ع.س

الامام محمد الباقر ع.س

الامام جعفر الصادق ع.س

الامام موسئ الكاظم ع.س

الامام علي الرضا ع.س

الامام الجواد عليه السلام

الامام الهادي عليه السلام

الامام الحسن العسكري ع.س

الامام المهدي عجل الله فرجه

صور من وحي الاسلام

توقعات عن الامام المهدي

 


     
 

* مقدمة:

         هو الإمام الرابع من أئمة أهل البيت(ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

 ولد الإمام(ع) السجاد(ع)  في زمن جده أمير المؤمنين(ع)  ، وذلك حينما بعث إليه واليه على المشرق حريث بن جابر الحنفي ببنتي يزدجرد، فأعطى واحدة منها لأبنه الحسين(ع)  فأولدها الإمام زين العابدين, وأعطى الثانية لمحمد بن أبي بكر.

 

         من أشهر ألقابه زين العابدين، وهو الذي أطلقه عليه الرسول(ص) فيما روى عنه:" أنه إذا كان يوم القيامة ينادى فينا، وأين زين العابدين، فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين(ع) يخطر بين الصفوف".

 

         ومن ألقابه السجاد، حيث كان كما يقول الإمام الباقر(ع): " ما ذكر الله عز وجل نعمة إلا وسجد... ولا وٌفق لإصلاح بين اثنين إلا وسجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده ".

 

         وجاء في تسميته بذي الثفنات كما في حلية الأولياء، أن الإمام الباقر(ع) قال: كان لأبي في موضع سجوده آثار ثابتة يقطعها في كل سنة من طول سجوده وكثرته. وفي رواية الصدوق: أنه كان يقطعها ويجمعها وأوصى أن تدفن معه في قبره، فلما مات دفنت معه.

 

         ويروي الرواة عن سبب تسميته بالبكاء عن الإمام جعفر الصادق(ع) أنه قال: بكى علي بن الحسين على أبيه عشرين سنة، ما وضع خلالها بين يديه طعام إلا بكى ، وقال له بعض مواليه: جعلت فداك يا أبن رسول الله إني أخاف أن تكون من الهالكين، فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، أني لم أذكر مصرع أبي وأخوتي وبني عمومتي إلا خنقتني العبرة.

 

         وفي رواية ثانية أن أحد مواليه قال له: أما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقل، فقال له ويحك، إن يعقوب النبي كان له اثنا عشر ولداً، فيغيب الله عنه واحداً منهم فابيضت عيناه من كثرة البكاء واحدودب ظهره، وابنه حي في دار الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخوتي وعمومتي وسبعة عشر شاباً من بني عمومتي مجزرين كالأضاحي، ونظرت إلى عماتي وأخواتي قد أحاط بهم أهل الكوفة وهن يستغثن  ويندبن قتلاهن، والله ما ذكرت ذلك اليوم إلا خنقتني العبرة.

 

         وجاء عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: "البكاؤون خمسة، آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد(ص)  وعلي بن الحسين (ع)" ، أما آدم بكى وأشتد حزنه لما أخرجه الله من الجنة، وأما يعقوب فلقد بكى على ولده يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن ، وقيل له: تالله تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين، وأما يوسف فإنه بكى على أبيه حتى تأذى من كان معه في السجن وأما فاطمة فقد بكت على أبيها حتى لحقت به وقد تأذى أهل الدينة من بكائها وقالوا لها: لقد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء تبكي يومها فإذا جاء الليل رجعت إلى بيتها، وأما علي بن الحسين(ع) فلقد بكى على أبيه أكثر من 30 سنة ولم يقدم له طعام وشراب إلا وقال: كيف آكل وقد قتل أبو عبد الله جائعاً، وكيف أشرب وقد قتل أبو عبد الله عطشان.

 

* الإمام القدوة وصفاته:

         كان الإمام زين العابدين(ع) أفضل أهل زمانه في أخلاقه وصدقاته وعطفه على الفقراء وأنصحهم للمسلمين، معظماً مهاباً عند القريب والبعيد.

         وجاء عن الإمام الباقر(ع) : كان أبي علي بن الحسين(ع)  إذا انقضى الشتاء يتصدق بكسوته على الفقراء، وإذا انقضى الصيف يتصدق بها أيضاً، قيل له أنك تعطي ثيابك من لا يعرف قيمتها ولا يليق به لبسها فلو بعتها وتصدقت بثمنها، فقال: إني أكره أن أبيع ثوباً صليت فيه، ويؤثر عنه أنه كان يلبس أفخر الثياب ، وإذا وقف بين يدي الله أغتسل وتطيب وهكذا كان أكثر الأئمة (ع) في لباسهم ومظهرهم.

 

         ومن ذلك يظهر أن الزهد في الدنيا الذي كان شعارهم لا يعني ترك الطيبات ولا التقشف في العيش بل يعني العمل بما أراد الله واجتناب ما حرمه ونهى عنه وعدم التطلع إلى ما في الناس من متاع الدنيا وطيباتها.

         ويروي الرواة أن أبن عيينه قال لأبي عبد الله الصادق (ع) أن جدك علي بن أبي طالب (ع) كان يلبس الخشن وأنت تلبس القهوي المروي، فقال : ويحك يا أبن عيينه، إن علياً كان في زمن ضيق فإذا اتسع الزمان فأبرار الزمان أولى به.

 

         ومن أخلاقه: ما روى أنه جاء رجل إلى الإمام السجاد(ع) وقال: إن فلانا وقع فيك وآذاك، فقال له: فانطلق بنا إليه ، فانطلق معه وهو يرى أنه سينتصر لنفسه، فلما أتاه قال له: يا هذا إن كان ما قلته في حقا فالله تعالى يغفر لي، وإن كان ما قلته في باطلا فالله تعالى يغفر لك.

 

ومنها: كان عنده أضياف فاستعجل خادم له بشواء كان في التنور فأقبل الخادم مسرعاً فسقط السفود من يده على رأس أبن لعلي بن الحسين (ع) تحت الدرجة فأصاب رأسه فقتله، فقال: علي (ع) للغلام وقد تحير واضطرب : أنت حر ، فإنك لم تتعمده وأخذ في جهاز أبنه ودفنه.

ومنها: كان هشام بن  إسماعيل والي المدينة، يؤذي الإمام (ع) أذى شديداً، فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس، فكان يقول: إني لا أخشى إلا علي بن الحسين، ولكن الإمام (ع) مر به وسلم عليه وأمر خاصته أن لا يعرض له أحد بسوء وأرسل إليه، أنظر ما أعجزك من مال تؤخذ به، فعندنا ما يسعك فطب نفساً ومن كل من يطيعنا.

 

ومنها: لما خرج بنو أمية من المدينة إلى الشام في واقعة الحرة، آوى إليه ثقل مروان بن الحكم وامرأته عائشة بن عثمان بن عفان، وقد كان مروان بن الحكم- لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية من المدينة- كلم عبد الله بن عمر أن يغيب أهله عنده، فأبى أبن عمر أن يفعل، وكلم مروان علي بن الحسين(ع)  وقال: يا أبا الحسين: إن لي رحماً وحرمي تكون مع حرمك، قال: افعل، فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين(ع) فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضع بينبع.

 

ومنها: سكبت عليه جارية ليتوضأ للصلاة، فنعست فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية: إن الله عز وجل يقول والكاظمين الغيظ، قال: قد كظمت غيظي، فقالت: والعافين عن الناس، قال لها: عفا الله عنك، قالت: والله يحب المحسنين، قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى.

 

ومنها: قال الصادق (ع) : كان علي بن الحسين لا يسافر إلا مع رفقة لا يعرفونه ويشترط عليهم أن يكون من خدم الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم فرآه رجل فعرفه فقال لهم: أتدرون من هذا ؟ فقالوا: لا، قال: هذا علي بن الحسين (ع) . فوثبوا إليه فقبلوا يده ورجله، وقالوا: يا أبن رسول الله (ص) أردت أن تصلينا نار جهنم لو بدت منا إليك يد أو لسان، أما كنا قد هلكنا إلى آخر الدهر، فما الذي يحملك على هذا؟.

قال: إني كنت سافرت مرة مع قوم يعرفونني فأعطوني برسول الله(ص) ما لا استحق، فإني أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحب إلي.

 

ومنها: كان له أبن عم يأتيه بالليل متنكراً فيناوله شيئا من الدنانير فيقول: لكن علي أبن الحسين لا يصلني لا جزاه الله خيراً، فكان يسمع ذلك ويحتمل ويصبر عليه، ولا يعرف بنفسه ، فلما مات علي بن الحسين (ع) فقدها، فعلم أنه كان الذي يتصدق عليه، فجاء إلى قبره وبكى عليه.

 

ومنها: كان علي بن الحسين(ع) يعجب بالعنب، فدخل منه إلى المدينة شيء حسن، فاشترت منه أم ولده شيئاً وأتته به عند إفطاره فأعجبه، فقبل أن يمد يده وقف بالباب سائل فقال لها: احمليه، قالت: يا مولاي، بعضه يكفيه، قال:لا والله وأرسليه إليه كله، فاشترت له من غد، وأتت به، فوقف فأكل وقال: ما فاتنا منه شيء والحمد لله.

 

ومنها: قال أبو حمزة الثمالي: كان زين العابدين(ع) يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفىء غضب الرب.

 

ومنها: رأى الزهري علي بن الحسين(ع) في ليلة باردة ماطرة وعلى ظهره دقيق وهو يمشي فقال: يا أبن رسول الله( ص) ما هذا ؟

-         قال(ع): أريد سفراً أعد له زاداً إلى موضع حريز.

-         قال: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى.

-         قال: أنا أحمله عنك، فإني أرفعك عن حمله.

-    قال(ع): لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني في سفري ويحسن ورودي على ما أرد عليه، أسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني.

فلما كان بعد أيام، قال له: يا أبن رسول الله (ص) لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً ؟

-    قال(ع): بلي يا زهري ليس هو ما ظننت, ولكنه الموت وله استعد، إنما الاستعداد للموت تجنب المحارم وبذل الندى في الخير.

 

ومنها: لما مات وغسلوه، جعلوا ينظرون إلى آثار في ظهره، فقالوا: ما هذا ؟ قيل: كان يحمل جراب الدقيق على ظهره ليلاً ويوصلها إلى فقراء المدينة سراً.

ولما مات(ع) وجدوه يقوت مئة بيت من أهل المدينة كان يحمل إليهم ما يحتاجونه.

 

هذه الشذرات المقتبسة من حياة الإمام السجاد(ع)  تظهر لنا أنه كان قدوة حسنة في سلوكه وأخلاقه وتعامله مع الآخرين، وكان(ع) يربي أصحابه على الورع والتقوى، والخوف من الله عز وجل، ويعمل على تزكية نفوسهم وتهذيبهم ، لذا بث فيهم المواعظ والنصح وحفزهم على التقوى والعمل الصالح، فقد قال لبعض شيعته: "أبلغ شيعتنا أنه لن يغني عنهم من الله شيئاً، وأن ولايتنا لا تنال إلا بالورع". 

 

ومما روي في الجانب العبادي ما رواه طاووس اليماني حيث قال: رأيت الإمام علي بن الحسين(ع) يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبد، فلما لم ير أحداً رمق السماء بطرفه وذكر كلمات رائعة يناجي بها ربه، فقال له طاووس: يا أبن رسول الله (ص) ما هذا الجزع والفزع، ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا، ونحن عاصون جانون، أبوك الحسين بن علي وأمك فاطمة الزهراء(ع)  وجدك رسول الله(ص)، فالتفت الإمام(ع)   قائلاً: "هيهات هيهات يا طاووس، دع عنك حديث أبي وأمي وجدي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً، والله لا ينفعك غداً إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح".

 

* ظروف قيادة الإمام السجاد(ع)  :

         اقتضت الحكمة الإلهية بقاء الإمام زين العابدين حياً بعد ثورة كربلاء، فكان الشاب الوحيد الذي نجا من المجزرة الرهيبة التي حلت بأهل البيت(ع)  واستطاع أن ينقل حوادث ووقائع هذه المأساة وما جرى فيها.

         وقد عاش الإمام السجاد(ع) أقسى فترة من الفترات التي مرت على أئمة أهل البيت(ع) لأنه عاصر بداية قمة الانحراف الذي بدأ يأخذ شكلاً صريحاً حتى على مستوى الشعارات والكلمات المطروحة من قبل الحكام، وشاهد بأم عينه المحن والبلايا والرزايا التي حلت بالإسلام وأهله وكيف كانت جيوش بني أمية تدخل مسجد رسول الله (ص) في المدينة وتربط خيلها في المسجد الذي كان منطلقاً للرسالة وأفكارها.

 

         وبدأ الإمام السجاد(ع) بعد استشهاد أبيه الحسين(ع) يعمل على قيادة الحركة الإصلاحية وفقاً لمقتضيات المصلحة الإسلامية منذ وصول السبايا إلى الكوفة، وكانت خطوط عمله التي انتهجها على الشكل التالي:

أولاً: عمل الإمام (ع) من خلال أساليبه وتعاليمه على فضح بني أمية وإسقاط كل الأقنعة التي كانوا يغطون وجوه سياستهم خلفها، وهذا ما يبدو لنا واضحاً وجلياً من خلال خطب الإمام (ع) في مسيره من كربلاء إلى الكوفة والشام والمدينة.

والمتتبع للأحداث يلاحظ الاختلاف في خطاب الإمام السجاد (ع) بين الكوفة والشام، ففي الكوفة انصبت كلماته على مخاطبة ضمائر الناس، وذلك لآن أهل العراق يعرفونه ويعرفون أباه ولكنهم لضعف نفوسهم وتحت تأثير الخوف والطمع تخاذلوا عن نصرته لذا نرى أن بني أمية لم يقولوا بخارجية الحسين وأصحابه في العراق لعلمهم أن هذا اللون من الدعاية لا يأخذ نصيباً من النجاح في بلد يعرف الإمام الحسين(ع).

 

وأما في الشام، فقد كانت كلمات الإمام (ع) منصبة على التعريف بالسبايا وأنهم آل الرسول (ص)  ثم فضح الحكم الأموي وتعريته أمام أهل الشام، وقد جرت مناقشات متعددة بين الإمام السجاد(ع) وبعض الناس في الشام تكشف لنا بوضوح جهل الناس وعدم معرفتهم بالإمام والسبايا.

من أجل ذلك، وقف الإمام السجاد(ع) في الدار الأموي وبحضور يزيد بن معاوية، وكل معاونيه من رؤوس التحريف، وألقى بيانه معرّياً سياسة الأمويين الضالة، ومبيناً من هو ومن هنّ السبايا، اللواتي كنّ معه، ومما جاء فيه:

" أيها الناس، أعطينا ستاً وفضلنا بسبع، أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أيها الناس : أنا أبن مكة ومنى، أنا أبن زمزم والصفا، أنا أبن خير من طاف وسعى، أنا أبن من أوحى إليه الجليل ما أوحى أنا أبن فاطمة الزهراء وسيدة النساء وأبن خديجة الكبرى، أنا أبن المرمل بالدماء ، أنا أبن ذبيح كربلاء ".

 

         وحين بلغ الإمام إلى هذا المقطع من خطابه استولى الذعر على الحاضرين وضج أغلبهم بالبكاء حين فوجئوا بالحقيقة مما اضطر يزيد أن يأمر المؤذن أن يؤذن بالصلاة ليقطع على الإمام خطبته، غير أن الإمام (ع) سكت حين قال المؤذن أشهد أن محمداً رسول الله (ص) فالتفت الإمام (ع)  إلى يزيد قائلاُ: " هذا الرسول العزيز الكريم جدك أم جدي، فإن قلت جدك علم الحاضرون والناس كلهم أنك كاذب، وإن قلت جدي، فلم قتلت أبي ظلماً وعدواناً وإنتهبت ماله ؟ وسبيت نساءه فويل لك يوم القيامة إذا كان جدي خصمك".

         وبهذا استطاع الإمام(ع) أن يكشف الحقائق الهامة للناس الذين كان بنو أمية قد أضلوهم.

 

ثانياً:  تحريك الضمير الذي خبا عند المسلمين والتركيز على استفزاز شعورهم بالإثم وضرورة التكفير عنه ، وذلك للحفاظ على الضمير الإسلامي، والإرادة الإسلامية من الانهيار والتنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين.

        

فعندما ذهب محمد بن الحنفية مع رسول المختار الثقفي إلى الإمام السجاد(ع) ليستشيره في طلب المختار في الثورة نرى أن الإمام يجيبه ببيان عام لم يكن يخص المختار فقط، بل كان بيانه يشمل كل مسلم يقف ثائراً بوجه بني أمية.

        

وحاول الإمام(ع) أن يلهب هذا الشعور بالإثم وأن يزيده حدة فقال مخاطباً حشداً هائلاً من أهالي الكوفة: "أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه ؟ فتباً لما قدمتم لأنفسكم وسوأة  لرأيكم، بأي عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي".

         وكان كلما اجتمع إليه جماعة أو وفد من وفود الأقطار يردد عليهم تلك المأساة ويقص عليهم من أخبارها ويخرج إلى السوق أحياناً، فإذا رأى جزاراً يريد أن يذبح شاة أو غيرها يدنو منه ويقول: هل سقيتها الماء ؟ فيقول نعم يا أبن رسول الله (ص)  إنا لا نذبح حيواناً حتى نسقيه ولو قليلاً من الماء، فيبكي عند ذلك، ويقول: لقد ذبح أبو عبد الله عطشان.

 

         وجاء عنه أنه دخل يوماً فرأى غريباً, فسلم عليه ودعاه إلى بيته لضيافته، وقال له بحضور جمع من الناس: أترى لو أصابك الموت وأنت غريب عن أهلك هل تجد من يغسلك ويدفنك ؟ فقال الناس: يا أبن رسول الله كلنا يقوم بهذا الواجب، فبكى وقال: لقد قتل أبو عبد الله غريباً وبقي ثلاثة أيام تصهره الشمس بلا غسل ولا كفن.

 

         وكان في أكثر مواقفه هذه يحاول أن يشحن النفوس ويهيئها للثورة على الظلم والظالمين الذين يستبيحون المحارم ويستهترون بالقيم والأديان في سبيل عروشهم وأطماعهم، ولقد أعطت هذه المواقف ثمارها وهيأت الجماهير الإسلامية في الحجاز والعراق وغيرها للثورة، فأعلنت الكوفة عصيانها، وأظهر أهلها الندم لموقفهم المتخاذل من الحسين(ع) وأحس أهل المدينة بأن تلك الصدمة قد أصابت الإسلام في الصميم، فأنكروا على يزيد طغيانه وطردوا ولاته، وكانت تلك المعركة التي استباح فيها قائده مسلم بن عقبه مدينة الرسول وقتل من أهلها أكثر من  عشرة آلاف من علماء المسلمين وحفظة القرآن وغيرهم ومن هذه الثورات:

- ثورة التوابين: التي قادها سليمان بن صرد الخزاعي تحت شعار وجوب تكفيرهم عن ذنبهم لعدم نصرتهم الحسين(ع) فانطلقت من خلال شعورهم بالإثم بعد معركة كربلاء وعدم نصرتهم الإمام الحسين(ع) واجتمعوا في الكوفة وهم يتلون الآية: "فتوبوا إلى ربكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم"، فلما بلغوا القبر الشريف صاحوا صيحة واحدة باكين نادبين وأقاموا عنده يوماً وليلة وهم يقولون:" ربنا إنا خذلنا أبن بنت نبينا فأغفر لنا وتب علينا فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين".

         وتصدى الأمويون لهذه الثورة بقوات كبيرة وكادت الثورة أن تقضي على جيش أبن زياد لولا المدد الكبير الذي كان يصلهم بين الحين والآخر، وتمخضت هذه الثورة عن مقتل أغلب التوابين ومنهم سليمان وعدد من قادة جيشه.

 

- ثورة المختار الثقفي: الذي خرج طالباً ثار الحسين، وقد تتبع المختار قتلة الحسين(ع) وآله في كربلاء، فقتل منهم مقتلاً عظيماً، ومن جملة من قتلهم حرملة وأبن زياد وعمر بن سعد.

         ولما أرسل المختار رأس عبيد الله وعمر بن سعد إلى الإمام زين العابدين خر ساجداً لله وقال:" الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً .

         وجاء عن الإمام الصادق(ع): " ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت ولا رؤي في دار هاشمي دخان خمس سنين حتى قتل عبيد الله بن زياد ".

         وجاء عن فاطمة بنت أمير المؤمنين(ع) أنها قالت:" ما تحنأت امرأة ولا أجالت في عينها مرودا ولا اقتشطت حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد إلى المدينة".

 

ثالثاً: التخطيط الدقيق لتوعية الأمة فكرياً وعقائدياً وروحياً فكان منزله(ع) والمسجد يزدحم فيها الطلاب  وأصبح تلامذته فيما بعد بناة الحضارة الإسلامية ورجال فكرها وتشريعها وأدبها الإسلامي.

         وقد جابه الإمام(ع) المشاكل والعقبات الفكرية التي كانت تهدد كرامة الدولة الإسلامية وتعجز الزعامات المنحرفة عن حلها بصفته الممثل الحقيقي للإسلام.

 

         ونظراً للظروف القاسية والوضع المضطرب الذي عاشه الإمام(ع) في فترة إمامته لم يكن باستطاعته القيام بأي عمل سياسي ضد الأمويين، وكان لا بد من  إعطاء إرشاداته ونصائحه للأمة وتزويدها بمواقفه من كل ما يجري عل الساحة، لذا رأى الإمام(ع) أن أفضل أسلوب يمكن إتباعه للوصول إلى ما يريد هو استعمال أسلوب الدعاء، فقد كانت أدعيته تعبر عن المعاناة والأحداث في عصره وتحمل أفكاراً تغييريه واضحة في جميع جوانبها سواء على مستوى علاقة الناس بخالقهم أم على مستوى تعامل المسلمين مع بعضهم البعض وغيرها من القضايا التي يمكن الاطلاع عليها من خلال ما ورد في الصحيفة السجاديه، وغيرها من الأدعية المنسوبة إلى الإمام زين العابدين، حتى اشتهرت هذه الأدعية بأنها إنجيل آل محمد (ص).      

         هذا الظرف القاسي الذي عاشه الإمام زين العابدين(ع) هو الذي يفسر كثرة الأدعية المنسوبة إلى الإمام زين العابدين(ع) قياساً إلى بقية الأئمة(ع) .

 

         ولعل هذا الأسلوب الذي تعامل معه الإمام زين العابدين(ع) هو الذي ولد تصوراً خاطئاً عند بعض المؤرخين بأن أئمة الشيعة بعد الحسين(ع) اعتزلوا السياسة خاصة الإمام السجاد(ع) ، ولكن من خلال ما تقدم معنا، نعرف مدى خطأ هذه الأفكار، لأن الإمام(ع) بعد حادثة كربلاء أنسجم مع طبيعة الظروف الراهنة ووضع الأمة التي كانت بحاجة إلى إرشاداته وتعاليمه ليوقظها من سباتها بعد أن حركت ثورة كربلاء فيهم هذا الضمير ، فأراد الإمام أن يضع للناس إضافة إلى هذه الروح والعاطفة والضمير العقل الواعي والموقف السليم بطريقة لا تثير الحكام وتبعد عنه مراقباتهم الدقيقة.

         ولو كان صحيحاً ما يقال عن اعتزال الإمام للحياة السياسية لما كنا نجد الرصد الدقيق من قبل الحكام الأمويين لتحركات الإمام(ع)  كما تشير إلى ذلك الوثائق التاريخية عن يزيد بن حاتم الذي كان يقول:" كان لعبد الملك بن مروان عين بالمدينة يكتب إليه ما يحدث فيها ويراقب كل تحركات علي بن الحسين(ع) ".

 

         ويبدو أن سبب هذه التصورات الخاطئة لدى المؤرخين هو ما بدا لهم من عدم أقدامه على عمل مسلح ضد الوضع الحاكم مع إعطاء الجانب السياسي من القيادة معنى ضيقاً لا ينطلق إلا على عمل مسلح.

 

         ولكن الإمام السجاد(ع)  كان يؤمن أن تسلم السلطة وحده لا يكفي في تحقيق عملية التغيير إسلامياً ما لم تكن هذه السلطة مدعمه بقواعد شعبية واعية تعي أهداف تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم، وهذا الأمر كان يفتقده الإمام السجاد(ع) ويشكو منه لعدم وجود تلك القاعدة الشعبية المساندة له بوعي وإخلاص ، والإمام (ع) يبين لنا هذا الواقع في تحليل رائع دقيق قائلاً: "فنظرت يا إلهي إلى ضعفي عن احتمال الفوادح وعجزي عن الانتصار بمحاربته ووحدتي في كثير عدد ما ناوأني". فالإمام (ع) يحدد موقفه الواعي من أعدائه وشروط الانتصار عليهم إذ أن هذا الانتصار مرهون ببناء الكتلة الواعية.

 

         وأما ما يقال عن أئمة أهل البيت (ع) من أبناء الإمام الحسين(ع) اعتزلوا السياسة وانقطعوا عن الدنيا فهو زعم يكذبة وينفيه واقع الأئمة(ع) ، فمن ذلك علاقات الإمام السجاد(ع) بالأمة والزعامة الجماهيرية وسعة النطاق التي يتمتع بها ، فإن هذه الزعامة لم يكن ليحصل عليها صدفة أو على مجرد الانتساب إلى رسول الله (ص) والمنتسبون  كثر، بل كانت هذه الزعامة على أساس العطاء والدور الإيجابي الذي يمارسه الإمام بالرغم من إقصائه عن مركز الحكم، فإن الأمة لا تمنح على الأغلب الزعامة مجاناً ، ولا يمتلك الفرد قيادتها ويحتل قلوبها بدون عطاء وسخي منه تستشعره الأمة في مختلف مجالاتها، وفي هذا المجال نفهم القصيدة الشهيرة التي قالها الفرزدق بحقه. 

 

* من كلماته القصار وحكمه:

-    ثلاث من كن فيه من المؤمنين كان في كنف الله وأظله يوم القيامة في ظل عرشه وآمنه من فزع اليوم الأكبر: من أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لنفسه، ورجل لم يقدم يداً ولا رجلاً حتى يعلم انه قدمها في طاعة الله او في معصيته، ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يترك ذلك العيب من نفسه، وكفى بالرجل شغلاً بعيب نفسه عن عيوب الناس.

-    وقال لأبنه الباقر(ع): افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن من أهله كنت أنت من أهله ، وإن شتمك عن يمينك ثم تحول إلى يسارك واعتذر إليك فأقبل عذره.

-         وجاء عنه أنه قال لأبنه الباقر(ع)  حين حضرته الوفاة: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله.

-         إن لله عباداً يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة.

-          من أدخل على مؤمن سروراً فرج الله قلبه يوم القيامة.

-    إن لسان أبن آدم يشرف في كل يوم على جوارحه كل صباح فيقول: كيف أصبحتم فيقول بخير إن تركتنا، وإنما يثاب المرء ويعاقب بلسانه.

-         لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل.

-         كمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه، وقلة مرائه وحلمه وصبره وحسن خلقه.

-    ثلاث منجاة للمؤمن: كف لسانه عن الناس باغتيابهم ، واشتغاله بنفسه عما ينفعه لأخرته ودنياه وطول البكاء على خطيئته.

-         استح من الله لقربه منك.

-         إياك والغيبة فإنها أدام كلاب النار.

-         ما يوضع في ميزان امرىء يوم القيامة أفضل من حسن الخلق.

-         الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.

-         إنما التوبة العمل، والرجوع عن الأمر وليست التوبة بالكلام.

-    إن الله أخفى أربعة: أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرن شيئاً من معصيته فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئاً من معصيته فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم ، وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئاً من دعائه، فربما إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئاً من دعائه فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبداً من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم.

-    رأى الإمام زين العابدين(ع)  إنساناً قد برىء من المرض فقال له:" يهنئك الطهور من الذنوب، إن الله قد ذكرك فأذكره وأقالك فأشكره".

-         أربع من كن فيه كمل إسلامه، ومحصت عنه ذنوبه، ولقي ربه عز وجل وهو عنه راضٍ: من وفى لله عز وجل بما يجعل على نفسه للناس، وصدق لسانه مع الناس، واستحى من كل قبيح عند الله وعند الناس وحسن خلقه مع أهله.

-         القول الحسن يثري المال، وينمي الرزق وينسىء في الأجل، ويحبب إلى الأهل ، ويدخل الجنة.

-         ضمنت على ربي عز وجل أن لا يسأل أحد عن غير حاجة إلا اضطررته المسألة يوماً إلى أن يسأل عن حاجة.

-    سئل(ع) عن العصبية ؟ قال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن العصبية أن يعين قومه على الظلم.

-    سئل(ع) أي الأعمال أفضل عند الله: فقال(ع) :ما من عمل بعد معرفة الله ومعرفة رسوله أفضل من بغض الدنيا، وإن لذلك شعباً كثيرة، وإن للمعاصي شعباً، فأول ما عصي الله به الكبر، وهو معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، والحسد وهو معصية أبن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو وحب الثروة فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا، فقال الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والدنيا دنيا بلاغ ودنيا ملعونة. 

 

  

         

            

 

       

 

 

 

 

 
 

Today, there have been 81 visitors (84 hits) on this page!

 

 
This website was created for free with Own-Free-Website.com. Would you also like to have your own website?
Sign up for free